سرديات السجن والترويع الجسدي

بولص آدم يقدم مثالاً لها في «باصات أبو غريب»

سرديات السجن والترويع الجسدي
TT

سرديات السجن والترويع الجسدي

سرديات السجن والترويع الجسدي

من بديهيات السرد والنقد أن الأمكنة عنصر مهم من عناصر العمل السردي، وهي في دراسات ما بعد الحداثة موضوع من الموضوعات الفكرية المكتنزة بالدلالة وذات الأثر العميق في الحيوات الإنسانية المختلفة مما تجلى في كتابات باشلار وكشوفات فوكو من بعده. وفي القصة القصيرة تتجلى مشاهد السرد من خلال المكان المختار مسرحاً لتجسدها، مبرزة تفاصيلها وحيثيات دلالاتها وما يتبلور عنها من معالجات جمالية.
وكلما كان المكان محدداً كان التعاطي السردي مع الأحداث وتوجيه القصص أكثر تركيزاً وعمقاً. وإذا كان السجن بوصفه مؤسسة انضباط وعقاب هو أكثر الأمكنة تمثيلاً للترويع والترهيب بسبب ما فيه من انغلاق وعزلة، فإنه أيضاً الأكثر مداً بالأفكار التي تصلح أن تكون قصصاً مكثفة بالدرامية وغنية بالرمزية. وهذا التلاؤم بين الضيق المكاني والتكثيف الدرامي إنما يناسبه جنس القصة القصيرة. ورغم ذلك، فإن استثمار السجن قصصياً كمنطلق للأحداث ما زال قليلاً إن لم نقل نادراً لدى غالبية قصاصينا.
لعل السبب يكمن فيما تتطلبه واقعية السجن من معايشة حقيقية للتفاصيل اليومية التي تجري داخل زنازينه وردهاته، حتى أن الاعتقاد ظل سائداً بأن من يكتب قصة موضوعها السجن عليه أن يخوض مرارة الحبس ويذوق ويلات الاعتقال ومآسيه، وعندها فقط يتمكن من تحويل لحظة ما إلى مادة قصصية مشوقة فنياً وذات تأثير نفسي.
بيد أن من المهم في سرديات السجن التركيز على دلالتي السجن الواقعية والرمزية اللتين بهما نعرف أن الحبس خلف القضبان هو الحياة حين تنعدم فيها مقومات العيش. ذلك أن كلاً من السجن والحياة تتهددهما سلطتان لا مفر منهما: المراقبة التي تعني المحاسبة والتلصص والتجسس، والعقاب الذي يجعل وظيفة الحبس مضادة للحياة ونقيضاً للحرية، كما يجعل الحياة مشابهة للسجن في عدوانيته التي تستبد بالأجساد وتحطمها.
لكن كيف يوفق القاص بين إحساس السارد بالمراقبة وبين ممارسته القص معاقَباً على جريمة لم يرتكبها أو ارتكبها؟ وما المكسب المتصور للسارد أن يحققه وهو يحكي عن فاعلية العقوبة عند كل من المسجونين والسجانين؟
لعل من بديهيات اتخاذ السجن موضوعاً واقعياً ومكاناً سردياً أن يكون السجين هو هذا المركز الذي حوله تدور العناصر الأخرى، فيبدو السجين مثيراً للاهتمام القصصي بينما يغدو المجرم هو العنصر الأقل إثارة لهذا الاهتمام، وتكون العبودية هي العقوبة الأكثر قسوة من الموت في حسابات المفارقة ومقتضيات العقوبة. وكلما كانت لحظات العبودية مكثفة ومتراصة صار السارد أكثر وحدة وانعزالاً في تمثيل نفسه والتعبير عن محنته وحيداً حتى أن فكرة الظفر بالحياة والنجاة من العقاب ستبدو أكثر إخافة وإزعاجاً من فكرة الموت من دون عقاب.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن لا قوانين في السجن تهدد جهازه الرقابي، فإن واقعية الترويع ستغدو متحققة في الإساءات الجسدية، لأن لا قانون يضبطها كما لا روابط في أذهان المحكوم عليهم أفراداً أو جماعات تجمع بين المعاقبة على الجريمة والإساءة للأجساد. وهو ما نجد مثاله في قصص «باصات أبو غريب» للكاتب العراقي بولص آدم والصادرة عن دار نينوى بدمشق 2021 وقد استهلت بجملة خارج قصصية أو ميتاسردية دالة تقول: «مجموعتي القصصية هذه تمثل الكتاب الثالث من واقعيتي الوحشية».
وقد تعني الوحشية أن في الواقع ما هو فوق غرائبي أو تحت عجائبي أو ربما هما معاً كنوع من توكيد حقيقة الظلم الذي يطال السجين، ولا يصبح جزءاً من هندسة المكان فحسب، بل يغدو هذا المكان خارجاً على القانون كمؤسسة ليست للإصلاح ـ كما يفترض، بل للجنوح وفيها السجين إنسان إجرامي يحتاج دوماً سلطة عقابية تعيد تنظيم ذاته بالعقوبات وتقنن سلوكه بالقواعد الإجرائية.
هذه المفارقة جسدتها قصص بولص آدم التسع وفيها المكان واحد هو السجن والأجساد الآدمية فيه تتعرض إلى إيذاء واعتداء وإهانة وكأن الحياة هي السجن الذي لا هروب منه إلا إليه، ولا مخرج منه إلا بالدوران حوله. وهذا وحده عقاب فرضه السارد على نفسه مراقباً التجاذب الجسدي بين المتضادات ورائياً كل جسد وهو ينال عقاباً لا نهائياً مقابل الفعل الذي قام به.
وهو ما واجهه السارد السجين في قصة «العنقرجي» نائباً عن المسرودات، يتحدث بلسانها ككائنات ليست آدمية لا تعرف أن تتحرك إلا بأمر السجان (كنا خلف مطبخ السجن ننتظر السجان ليعيدنا ثانية إلى الزنزانة السابعة) ص35.
وإذا كان الإنسان مجرداً عن الفعل، فذلك يعني أنه خارج آدميته، وقد نجح السارد العنقرجي في التعبير عن هذه اللاآدمية رمزياً بالكلب الذي تتكرر صورته داخل القصة (يتربع كومة قشور البطاطا على حافة المزبلة) أو(عاد السجين إلى محله وهو يشيع الكلب بأرق النظرات وأحنها... انتصب الكلب هز ذيله ونبح) أو(لا تهتم هو مجرد كلب)، أما كلمة حيوان فلفظ يشعر السارد السجين بأنه في ظروف أخف كثيراً من غيرها وأرحم.
وما بين المساجين والسجانين وشاة بسببهم تتحول ممرات السجن وحجراته إلى أياد تصفع وأفواه تشتم وآذان تتجسس وتغدو النشرة الإخبارية نشرة إجبارية وتكون فكرة البقاء في الحبس مثل رواية طويلة من الثرثرة لا بد أن تكون لها نهاية.
حتى إذا أُطلق سراح العنقرجي وأُعطي كيس الجوت الذي يحوي أشياءه تكون المفارقة أن الإفراج ليس هو الحرية فلقد شاهد السجان يأتي معه إلى كراج السيارات، وهنا يقرر السارد الذهاب إلى النهر، مخرجاً قطعة الخبز ومطعماً إياها للنوارس (أخرجت الخبز الجاف وضعته قربي انتظرت النوارس ورحت في سابع نومة) (ص 38)، وهو ما يواجهه أيضاً رحيم في قصة «حدث ذات مرة في الممر»، متصوراً السجناء مثل السردين في علب ضخمة. أما السجن فيصفه بالسينما الهندية، حيث لحظة الوصول إلى نهاية الممر لا تعني إطلاق السراح بل تعني مزيداً من الانضباط قبالة إدارة السجن. وحين أشار إليه السجان صاحب المفاتيح بالدخول إلى الزنزانة الجديدة قال رحيم: «كان الحلم وهما وتلك أقسى لحظة» (ص 42).
ومثلما أن السجون أعدت للمعاقبة (لا للإصلاح) تغدو الحياة دستوبيا من الترهيب الجماعي بصور تحفر في الذاكرة كالوشم حتى لا نكاد نميز فكرة الجريمة عن فكرة العقاب والقصاص. وهو ما تؤكده قصة «صندوق بنيامين»، حيث الحياة تلخصها الذاكرة التي هي صندوق ينبغي ألا نغامر بفتحه (كي لا نصطدم بحقيقة كونه فارغاً، وتنتهي حكاية تلك الأشياء التي نعتقد بأنها في صناديقنا) (ص 43)، ويغدو الجنون وحده حافزاً لبنيامين على الاستمرار بطقسه الجنوني مع صندوقه، وهو يغالب الآخرين على عدم فتحه، عارفاً أن الصرخة في داخله إذا انفجرت كانت لغماً.
بينما الحياة في قصة «طعنة غامضة» عراك بالسكاكين لا بد فيه من غالب طاعن. وبالفعل طعن زياد الخائن سبهان على مرأى من الحارس وبرج المراقبة. فالسجن هو الحياة ظلاماً وعنفاً وكراهيةً وحبساً حتى ما عاد هناك فرق بين أن يكون الموت في الهواء الطلق أو في سجن انفرادي.
ولأن السجن تجسيد مادي للسلطة العقابية وطريقة رقابية للسيطرة على الأجساد، تساءل ميشيل فوكو: هل السجن مدينة عقابية أو مؤسسة إكراهية؟ وأجاب أن السجن عقاب والغاية من ورائه اثنتان: الأولى إشراك الجميع بعدو اجتماعي واحد، والثانية جعل ممارسة العقاب علنية ورسمية غير مقننة بموجب التشريع بل هي استراتيجية إصلاح مهددة بالانفراط. وهو ما نجد تمثيله واضحاً في قصة «باصات أبو غريب» التي اتخذت المجموعة منها اسمها، وفيها تظهر ثلاثة فواعل: السجان والمساجين والساحة الرصاصية، الأولان يتحركان عليها بتضاد، والثالثة منضبطة بالتضاد الذي يغلب العقاب.
وبرغم محاولة الشخصيتين أنويا وسمير الحلاوي التمرد على هذا الانضباط بأن تخيلا باصات تهبط من السماء تنقل المساجين إلى بيوتهم مباشرة (اصعد أخي استعجل نفر واحد بغداد، بغداد) بيد أن الانضباط سيطر على مشهد التجمع الصباحي في الساحة. لهذا (فضل السجان إبقاء يديه دافئتين في جيبه واكتفى بالقول: اجلس يا حيوان) (ص 50) فساحة السجن ضبطت إيقاع الأحداث لوحدها مكررة مشهد التجمع مجدداً، وكأن شيئاً لم يكن.
والتهميش هو الذي يجعل الانضباط الجسدي فعالاً، تارة باقتران الجسد بالعزل في حجرة، وتارة أخرى باقتران الجسد بالحركة في الساحات والصفوف. وبهذا تتم السيطرة على الجسد المفرد كعنصر لا أهمية لوضعه وتحريكه وإعادة تنظيمه سوى الموقع الذي يشغله والفسحة التي يغطيها وضرورة أن تجري تنقلاته بانتظام وترتيب جيدين، كما في شخصية صاحب «العلاكات» ذي الاسم الحركي (تعبان) الذي خُفض حكمه من الإعدام إلى المؤبد فصار دائم الإثارة لإشاعات العفو العام وكذلك شخصية «دعير» مطرب السجن الذي كان يبكي وهو يغني وشخصية «محمود الذهبي» حائك الكيوات الذي ظل يراقب الحمامة من شق سقف السجن وهي مستغرقة في صنع عشها فراح يحترف صنع الحكايات ويكتبها لرفاق السجن، وشخصية سامر في قصة «موجات إذاعية» الذي مات في السجن ولم ينفعه تاريخ والده عامر سائق القطار الذي أنقذ مساجين كان من الممكن أن يموتوا في القطار المتوجه بهم إلى سجن السماوة.
إن هذا التهميش والتفتيش والمراقبة والإشراف وسائل تزيد من دور السجن في توجيه العقاب سواء بعزل السجين عن العالم الخارجي أو بحرمانه من الحرية، وتجعل السجن مؤسسة كاملة وصارمة ليس لها خارج كما أنها بدون ثغرة. أما الجنوح والإصلاح فتوأمان كما يقول فوكو يتكفلان بكل أوجه الفرد وحالاته كتقوية جسده واستعداده للعمل وسلوكه اليومي وموقفه الأخلاقي وكفاءاته.
ومن ثم، تكون القصة القصيرة قادرة على الإفادة مما في التاريخ الشقي للسجن من شهادات شفهية ووثائق سرية ومذكرات تسجيلية توظف كلها في سبر آفاق تاريخ سردية السجون. وهو ما قام به القاص بولص آدم ببراعة في «باصات أبو غريب».



«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»
TT

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

في العدد 718 (سبتمبر/أيلول - أكتوبر/تشرين الأول 2026) من مجلة «القافلة» السعودية التي تصدرها شركة «أرامكو»، يتأمل الدكتور عبد الله المطيري معنى السياحة بوصفها حالةً وجودية تتجاوز التنقل، والترفيه، مستكشفاً جذورها اللغوية، والفلسفية.

كما يتتبّع الكاتب محمود مبشر، نشأة صناعة الورق في سمرقند، مستعرضاً الجدل حول أصولها، وتطورها، وكيف أسهمت تحسينات الصُنّاع السمرقنديين في إنتاج الورق الذي أصبح ركيزةً لازدهار التأليف، والنسخ، وانتشار المعرفة في الحضارة الإسلامية.

الإرهاق الوظيفي

وتطرح قضية العدد مسألة «الإرهاق الوظيفي»؛ عن جذوره، وتداعياته، وطرق تشخيصه، وسبل الوقاية منه، والتعافي. كما يتتبّع فريق «القافلة» جذور المفهوم منذ ظهور «الوهن العصبي»، وصولاً إلى تبلور مصطلح (Burnout)، والاعتراف به من منظمة الصحة العالمية، مستعرضاً أسبابه النفسية، والاقتصادية، والمهنية. حيث يميّز هادي الدخيل بين ضغوط العمل الطبيعية والاستنزاف المزمن، ويتحدث عن العلامات الخفية للإرهاق، وتطوّرها التدريجي. ويناقش الدكتور أحمد الخلف آثار الإرهاق الوظيفي في الصحة النفسية، والجسدية، والحياة الشخصية، وسبل الوقاية، والتعافي. أما نايف الفهد، فإنه ينظر إلى المشكلة من زاوية المنظمات، مؤكداً ارتباطها بثقافة العمل، وأساليب الإدارة، وتوزيع الأعباء.

عالم التوحش الرقمي

في أدب وفنون، تناقش بثينة العيسى حال النشر في عالم التوحش الرقمي، وكيف أسهمت الفيديوهات القصيرة واقتصاد الانتباه في تراجع القراءة.

وتشير العيسى إلى دراسةٍ أميركية امتدت من 2003 حتى 2023، وجد فيها الباحثون أنَّ «القراءة من أجل المتعة» بين الشَّباب قد انخفضت بنسبة 40 في المائة خلال عشرين عاماً. وربطت هذه الدِّراسة بوضوحٍ بين تطوُّر البيئة الرقمية وتراجع القراءة.

وقالت: ليس من المبالغة القول إنَّ شركات التكنولوجيا قد نجحت في توجيه الضربة الأقسى للكتاب عبر التاريخ، ووحده المستقبل سيكشف إن كانت ضربةً قاصمة أم لا، وإن كان الكتاب قادراً على النَّجاة هذه المرة أم لا، وبأي شكلٍ؟ وما الثمن؟ لكن الضربة أسوأ من (...) إلقاء مخطوطات «بيت الحكمة» في نهرِ دجلة على يد المغول؛ إذ لم ينجح أيٌّ من هؤلاء في التسبّب في نكوصٍ قرائي بنسبة 40 في المائة، مهما أرادوا ذلك.

وتقول الكاتبة: الكتاب كائنٌ مشاغب، رعوي، ولا يمكن ضبطه، ينجو باستمرارٍ من المنع، والحرق، والغرق، ويتحالف مع الورّاقين من حفظة الذاكرة، ومع القراصنة، والمهرِّبين، والصعاليك إن اقتضى الأمر. تمتَّع الكتاب، عبر التاريخ، بمرونة قتالية مدهشة، وقد انتصر غالباً أمام الفاشية، لكنه اليوم يحاربُ خصماً مختلفاً تماماً، وفي معركةٍ مختلفة تماماً، وبأدواتٍ مختلفة تماماً، فهل سينجو؟ ومرَّة أخرى: بأي شكل؟ وما الثَّمن؟

وتضيف: هذا شيءٌ لم نتخيل أن نقوله في يومٍ من الأيام، لكننا لو خُيّرنا بين الرقابة الكلاسيكية والعيش في مناخ رقمي مملوء بالكتب التي لا يقرأها أحد، لاخترنا الرقابة في شكلها الأوَّل، الواضح، والصريح؛ لأن محاربتها أسهَل، ولأنها لا تخفي آثارها بهذه البراعة، ولا تجعل الواحد منّا يشعرُ بفشله الشخصي بسبب اعتلالٍ بُنيوي في المنظومة. ففي حين تستهدف الرقابة الكلاسيكية منع الكتب نفسها، تعمل المنصات الرقمية على تقويض قدرتنا على القراءة، من دون أن تضطر إلى منع كتابٍ واحد، أو شيطنته. وقد وجدت نبوءة راي برادبيري في روايته «451 فهرنهايت» فرصةً للتحقق أخيراً: «لست مضطراً إلى حرق الكتب لتدمير الثقافة، كل ما عليك فعله أن تُوقف الناس عن قراءتها».

وتقول العيسى: لقد نجح رأس المال الحر، في الشمال العالمي «المتحضّر»، في تحقيق ما لم تنجح الرقابة في تحقيقه قط. وتضيف: من الواضح أننا لا نعيش في عالم أورويل القائم على القمع الصريح، بل في عالم هكسلي الذي يرتكز على التخدير، والترفيه المتواصل، فما الذي حدث فعلاً؟ وأين نحن من نبوءة أورويل في رواية «1984»، بأن وسيلة التحكّم في الأفراد هي الألم، ونبوءة هكسلي في رواية «عالم جديد شجاع» التي تصوّر المتعة وسيلةً للتحكّم في الأفراد؟ وبعبارة موجزة: خشي أورويل أن يدمِّرنا ما نكرهه، وخشي هكسلي أن يدمِّرنا ما نحبُّه.

آداب وفنون

وفي هذا العدد من «القافلة» يتتبّع بدر الدين عرودكي المسيرة الإبداعية للكاتبة الفرنسية نيللي آلار، من التمثيل، وكتابة السيناريو، إلى الرواية. وفي زاوية شعر نقرأ نصًّا للشاعرة جيهان عمر. ويناقش ياسر مدخلي إدارة المشاريع الإبداعية، والتحوّل الذي يشهده القطاع الثقافي السعودي من نشاط إبداعي إلى صناعة اقتصادية. ويستعرض خليل صويلح سيرة أبي خليل القباني، رائد المسرح العربي الحديث، ورحلته من دمشق إلى القاهرة، وشيكاغو. ويتتبّع يوسف الحربي تحوّل العمل الفني من منجز جمالي إلى أصلٍ استثماري، ودور المزادات والإعلام ورأس المال في صناعة قيمته السوقية. ويناقش حمادي كيروم محاولات اقتباس رواية «مدام بوفاري» سينمائياً، واختلاف رؤى جان رونوار وكلود شابرول وفنسنت مينيلي في نقل عالم فلوبير إلى الشاشة. ويتحدث الدكتور فراس طرابلسي عن تطوّر الموسيقى التصويرية من إضافة جمالية إلى شريكٍ أساسي في بناء السرد السينمائي، وصناعة المعنى. فيما يعرّفنا طاهر الزهراني على تجربة الفنانة السعودية زهرة الغامدي، التي تستلهم أعمالها التركيبية من الأرض، وذاكرة المكان، والطبيعة الجنوبية.

علوم وآفاق

وفي علوم، تناقش الدكتورة ندى الأحمدي تطوّر فهم الأحلام في أبحاث علم الأعصاب الحديثة، وإمكانات «هندسة الأحلام»، وحدودها الأخلاقية. ويتحدث علاء حليفي عن «المدن الإسفنجية»، بوصفها نموذجاً عمرانياً يتعايش مع دورة الماء، ويسهم في الحد من الفيضانات. ويتأمل محمد سناجلة تطورات الحوسبة العاطفية، وإمكان إنشاء «متحف للعواطف» يحفظ آثار المشاعر الإنسانية. فيما يتناول الدكتور فهد المرشدي الفيتامينات، ومصادرها، ومخاطر نقصها، أو الإفراط فيها، مؤكداً أنها ليست بديلاً عن نمط الحياة الصحي. ويتناول محمد الصيعري رهان الحوسبة الكمّية، والتجربة السعودية في هذا المجال، مسلطاً الضوء على إطلاق أول حاسوب كمّي في المملكة، وأول منصة تجارية للحوسبة الكمّية في الشرق الأوسط.

وفي آفاق، يكتب عبد الله الضامن عن «فخ الغضب»، وكيف تستثمر المنصات الرقمية الانفعال والسخط لزيادة التفاعل، فيما يناقش الدكتور خالد حنفي أثر الخوارزميات في صعود الشعبويات الرقمية، وتشكيل الوعي، والسلوك، والهوية. وتتحدث مهى قمر الدين عن تحوّل الهدوء من حاجة إنسانية فطرية إلى سلعة وامتياز في عالم يزداد ضجيجاً. ويأخذنا هشام الحميد إلى كوبا، مستعرضاً ملامحها التاريخية، وعمارتها، وسياراتها الكلاسيكية، وثقافتها النابضة بالموسيقى، والفنون.

وفي «فكرة العدد»، تستعرض مهى قمر الدين تجربة اللوحات البنية على الطرق السريعة في فرنسا، وكيف تحوّلت من أدوات إرشادية إلى وسائط بصرية وثقافية تجمع بين التصميم، والفن، والسياحة، والسلامة المرورية.

ويتحدث ملف العدد عن «النسيان»، بوصفه وظيفةً بيولوجية ضرورية، لا مجرد خلل في الذاكرة. حيث يتناول الدكتور عبد الله العقيبي دور النسيان في التكيّف، واتخاذ القرار، والفرق بين النسيان الطبيعي والمرضي، كما يستعرض حضوره في الأدب، والفنون، والذاكرة الجمعية، ومحاولات الإنسان مقاومته بالكتابة، والتقنية، وصولاً إلى دوره في تشكيل التجربة الإنسانية، والهوية الفردية.


الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
TT

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي، وهو عمل مطرز يعود إلى ما يقرب من 1000 عام ويصوّر غزو وليام الأول، وهو من أجداد الملك، لإنجلترا في عام 1066.

وبموجب اتفاق مع الحكومة الفرنسية، تمت إعارة النسيج، الذي يبلغ طوله 70 متراً، إلى المتحف البريطاني من مقره في شمال فرنسا ليُعرض على الأراضي الإنجليزية لأول مرة منذ صنعه.

ويروي هذا النسيج المطرز الأحداث التي قادت إلى معركة هيستنغز الشهيرة وهزيمة الملك الأنغلوسكسوني هارولد الثاني على يد النورمان. ويعتقد المؤرخون أن الأسقف أودو شقيق وليام أمر بصنع النسيج وأن خياطات إنجليزيات في منطقة كنت تولين تطريزه.

وينحدر جميع ملوك إنجلترا منذ ذلك الحين، بمن فيهم الملك تشارلز، من نسل وليام. ويمثل غزوه لإنجلترا آخر غزو ناجح للبلاد، ويعتبر عام 1066 من أشهر الأعوام في تاريخها.

وكان الإقبال كبيراً على مشاهدة هذه التحفة الفنية التي تعود إلى العصور الوسطى لدرجة أن الدفعة الأولى من التذاكر، التي قد يصل سعرها إلى 33 جنيهاً إسترلينياً، نفدت بالكامل، مما حقق إيرادات تقارب 2.5 مليون جنيه إسترليني (3.4 مليون دولار) ليصبح هذا أكثر معارض المتحف بيعاً للتذاكر.

وقال قصر بكنغهام إن الملك تشارلز وزوجته الملكة كاميلا سينضم إليهما ماكرون وزوجته، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام، لتفقد النسيج الطويل ودراسة أبرز مشاهده، مثل تتويج هارولد غودوينسون وواقعة قتله الشهيرة بسهم خلال المعركة.

وجرى تأكيد إعارة النسيج في يوليو (تموز) خلال زيارة رسمية أجراها ماكرون إلى بريطانيا، وتعد الخطوة رمزاً لتعزيز العلاقات بين البلدين بعد الخلاف الذي أعقب تصويت بريطانيا في 2016 لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. وتربط الملك والرئيس علاقة ودية.

وقال بورنهام، الذي من المقرر أن يجتمع مع ماكرون في داوننغ ستريت غداً، الخميس، في بيان «تمثل عودة نسيج بايو إلى إنجلترا لحظة تاريخية لبلدينا، وأريد أن يتمكن الناس في كل أنحاء البلاد من الاستمتاع به».

وأضاف: «بينما نحتفل بتراثنا المشترك، سنواصل أنا والرئيس ماكرون تعزيز العلاقة بين بلدينا».

ووصل النسيج إلى بريطانيا في يوليو في رحلة نظمتها فرنسا بعناية، إذ نقل داخل صندوق مكيف ومقاوم للاهتزاز تحت حراسة الشرطة.

ومن المقرر أن يفتح المعرض أبوابه أمام الجمهور في المتحف البريطاني في العاشر من سبتمبر (أيلول) حتى يوليو من العام المقبل.


حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب
TT

حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب

يردد بعض النقاد المنحازين للحداثة وما بعدها، وصف الشعراء الذين تطفح قصائدهم بالعاطفة بالشعراء الغنائيين، ويبدو أن هذه الصفة ليست مدحاً، بل هي جزء من مؤاخذتهم على القصيدة الغنائية. وكأن الغنائية، في هذه الرؤية، قد أصبحت تهمة نقدية ينبغي للشاعر الحديث أن يتخلص منها، أو على الأقل أن يخفف من حضورها في قصيدته، حتى لا يُحسب على الشعر الذي ينتمي إلى مرحلة شعرية تجاوزتها الحداثة في نظرهم.

وليس الاعتراض هنا على مصطلح «الغنائية» في ذاته، فهو مصطلح نقدي أصيل، وله حضوره في تاريخ الشعر العربي والعالمي، وإنما على الحمولة التي أُضيفت إليه في بعض التصورات النقدية الحديثة؛ إذ لم يعد يدل على طبيعة التجربة الشعرية وارتباطها بالذات والانفعال والموسيقى، بل صار يُستعمل أحياناً بوصفه علامة على تقليدية القصيدة وذاتيتها، ولم يبلغ ـ في تصور بعض النقاد ـ درجة كافية من التعقيد أو الانفتاح أو التشظي.

والغريب أن العاطفة، التي كانت في تاريخ الشعر واحدة من أهم عناصر الشعرية، أخذت تُعامل في بعض القراءات الحديثة بحذر شديد، وكأن حضورها الكثيف يهبط بالنص من مرتبة الشعر إلى مرتبة البوح. وهنا يقع خلط واضح بين العاطفة بوصفها مادة إنسانية، والتعبير الساذج عنها بوصفه ضعفاً فنياً. فليست المشكلة أن يكون الشاعر عاطفياً، وإنما المشكلة في كيفية تحويل العاطفة إلى بناء شعري قادر على تجاوز الانفعال الشخصي إلى تجربة إنسانية قابلة للتلقي والتأويل.

فامرؤ القيس والمتنبي وأبو تمام وأبو فراس والمعري، وغيرهم من كبار الشعراء، لم يكونوا غرباء عن ذواتهم ومشاعرهم، بل إن جانباً كبيراً من خلود شعرهم جاء من قدرتهم على تحويل التجربة الخاصة إلى لغة تتجاوز صاحبها. وحتى في الشعر الحديث، لا يمكن فهم كثير من التجارب الشعرية الكبرى من دون الاعتراف بمركزية الذات والانفعال والحنين والحزن والحب والاغتراب. إن قصيدة السياب، مثلاً، لا تفقد حداثتها لأنها مشبعة بالعاطفة، كما أن شعر محمود درويش لا يصبح أقل حداثة لأن الذات والحب والوطن والذاكرة حاضرة فيه بقوة.

محمود درويش

المشكلة إذن ليست في الغنائية، وإنما في اختزال الشعر إليها. فإذا كانت القصيدة مجرد انفعال مباشر، فقد تكون معرضة للفقر الفني مهما كان موضوعها. أما إذا استطاع الشاعر أن يصوغ انفعاله في صورة ورمز وإيقاع وتركيب لغوي ودلالي، فإن الغنائية تصبح عنصراً من عناصر الشعرية، لا نقيضاً لها.

واللافت أن بعض النقاد الحداثيين بالغوا في الاحتفاء بالتجريب واللغة المنفلتة من المرجع، وجدوا أنفسهم أحياناً أسرى ثنائية مصطنعة: قصيدة غنائية قديمة في مقابل قصيدة حداثية، وذات شاعرة في مقابل نص مستقل، وموسيقى في مقابل تفكيك، ووضوح في مقابل غموض. وكأن الحداثة لا تتحقق إلا بإقصاء ما سبقها، لا بإعادة قراءته واستثماره وتجاوزه بصورة إبداعية.

والحقيقة أن الشعر لا يتقدم بإلغاء خصائصه الأولى، وإنما بإعادة تشكيلها. فالقصيدة الحديثة تستطيع أن تكون غنائية وتجريبية في الوقت نفسه، وأن تحتفظ بالعاطفة من دون أن تقع في المباشرة، وأن تستثمر الإيقاع من دون أن تكون أسيرة النموذج الموروث، وأن تجعل من الذات منطلقاً لرؤية تتجاوز الذات.

ومن هنا تبدو تسمية الشاعر بـ«الغنائي» بحاجة إلى قدر من التروي النقدي. فإن أريد بها وصف طبيعة شعره، فهي تسمية مشروعة لا تحمل ذماً ولا مدحاً في ذاتها. أما إذا أريد بها إدانة الشاعر لأنه يمنح العاطفة والذات مساحة واسعة في تجربته، فإن الأمر يتحول من توصيف نقدي إلى حكم مسبق تحكمه ذائقة آيديولوجية أو حداثية معينة.

ولعل أخطر ما في هذه النظرة أنها تنقل مركز الحكم من النص إلى التصنيف؛ فيُقرأ الشاعر أولاً بوصفه غنائياً أو حداثياً أو ما بعد حداثي، ثم يُقرأ شعره على ضوء التصنيف، بدل أن يكون النص نفسه هو الذي يفرض أدوات قراءته. وهنا يفقد النقد شيئاً من وظيفته الأساسية؛ لأن الناقد لا يعود مكتشفاً لجماليات النص وطرائق اشتغاله، بل يصبح موظفاً في منظومة تصنيفية جاهزة.

إن الشعر في جوهره لا يُقاس بكمية العاطفة فيه، ولا بكمية العقل، ولا بدرجة اقترابه من الحداثة أو ابتعاده عنها، وإنما بقدرته على تحويل التجربة الإنسانية إلى لغة ذات قيمة جمالية ودلالية. ولذلك لا ينبغي أن تكون الغنائية تهمة، كما لا ينبغي أن تكون الحداثة شهادة جودة تلقائية.

فقد تكون القصيدة غنائية، لكنها عميقة ومركبة ومفتوحة على أسئلة الإنسان والوجود، وقد تكون حداثية في شكلها ومصطلحاتها، لكنها فقيرة في التجربة والانفعال. وفي الحالتين لا تنقذ التسمية النص من الحكم النقدي، ولا تدينه. وحده النص هو الذي ينبغي أن يكون في قفص الاتهام، لا الشاعر بسبب انتمائه إلى طريقة شعرية أو حساسية جمالية معينة.

إن النقد الحقيقي لا يسأل الشاعر: لماذا كنت غنائياً؟ بل يسأل: ماذا صنعت بغنائيتك؟ وكيف حولت عاطفتك إلى شعر؟ هنا فقط يصبح الحكم جمالياً وفنياً، بعيداً عن المحاكمات المسبقة التي تجعل من بعض خصائص الشعر العربي تهماً ينبغي التخلص منها لمجرد أنها لا تنسجم مع ذائقة نقدية عابرة.