انتقاد أميركي ـ روسي لمشروع أوروبي حول المساعدات إلى سوريا

واشنطن تطالب بفتح 3 معابر... وموسكو تتهم «تحرير الشام» بعرقلة الإغاثة

أطفال نازحون يتلقون التعليم في مخيم شمال شرقي سوريا (رويترز)
أطفال نازحون يتلقون التعليم في مخيم شمال شرقي سوريا (رويترز)
TT

انتقاد أميركي ـ روسي لمشروع أوروبي حول المساعدات إلى سوريا

أطفال نازحون يتلقون التعليم في مخيم شمال شرقي سوريا (رويترز)
أطفال نازحون يتلقون التعليم في مخيم شمال شرقي سوريا (رويترز)

انتقدت روسيا وأميركا مشروع قرار قدمته النرويج وآيرلندا إلى مجلس الأمن يمدد آلية تقديم المساعدات الإنسانية إلى سوريا «عبر الحدود»، في وقت انضم فيه مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسون إلى الداعين للحفاظ على التفويض لإيصال المساعدات من دون المرور بدمشق، وهو أمر ترفضه موسكو، ويُعد اختباراً لعلاقتها مع الإدارة الأميركية الجديدة.
وقال بيدرسون أمام مجلس الأمن إن «المدنيين في أنحاء البلاد في حاجة ماسة إلى مساعدات حيوية، وتعزيز قدرتهم على الصمود. ومن بالغ الأهمية الحفاظ على الوصول وتوسيعه، بما في ذلك من خلال العمليات عبر الحدود والخطوط الأمامية». وشدد المبعوث على أن «الاستجابة الواسعة النطاق عبر الحدود ضرورية لمدة 12 شهراً إضافية لإنقاذ الأرواح».
ويسري التفويض عبر الحدود منذ عام 2014، لكنه قُلص بشكل كبير العام الماضي، عبر الإبقاء على نقطة دخول حدودية واحدة، هي معبر باب الهوى (شمال غربي البلاد) مع تركيا. وتنتهي صلاحية التفويض في 10 يوليو (تموز) المقبل.
والجمعة، سلمت آيرلندا والنرويج، المسؤولتان عن الملف في الأمم المتحدة، وهما عضوان غير دائمين في مجلس الأمن، مشروع قرار لبقية الأعضاء الثلاثة عشرة في المجلس. وقد حصلت وكالة الصحافة الفرنسية على نسخة من المشروع.
وأخذاً في الاعتبار أن ثمة زيادة في الاحتياجات الإنسانية في شمال غربي سوريا وشمال شرقها، يُطالب مشروع القرار بالتمديد لعام واحد في تفويض إيصال المساعدات عبر معبر باب الهوى لمنطقة إدلب التي تسيطر عليها فصائل معارضة، وكذلك إعادة تفويض معبر اليعربية لإيصال المساعدات إلى شمال شرقي سوريا عبر العراق.
وانتقدت الولايات المتحدة سريعاً هذا المشروع، في موقف نادر الحدوث لواشنطن حيال حليفين أوروبيين لها، لأنه لا يسعى إلى اعتماد معابر حدودية جديدة.
وقالت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد، في بيان لاذع: «أستمر بالدعوة إلى إعادة تفويض معبر باب الهوى، واعتماد معبري باب السلام (شمال غربي سوريا) واليعربية مجدداً للمساعدات الإنسانية». وأسفت لفحوى المشروع الأوروبي الذي وافقت عليه الدول العشر غير دائمة العضوية في المجلس، على ما أفاد به دبلوماسيون.
وأضافت السفيرة الأميركية: «يجب أن يوفر مجلس الأمن راهناً إمكان وصول المساعدات الإنسانية التي يحتاج إليها السكان أمس الحاجة؛ إن تخلفنا عن ذلك يعني تجاهل مسؤولياتنا حيال الشعب السوري والأسرة الدولية ومُثلنا الخاصة».
وبعد مفاوضات بين دول المجلس الخمسة عشرة، يتوقع التصويت على المشروع بحلول العاشر من يوليو (تموز) المقبل.
ونُوقش موضوع التفويض عبر الحدود في القمة الأخيرة في جنيف بين الرئيسين الأميركي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين، لكنهما لم يكشفا عن موقف محدد حول الملف. وفي حال إقرار تمديد التفويض، يمكن أن يكون الملف نقطة بداية جديدة في العلاقة الروسية - الأميركية، على ما ذكرته وسائل إعلام أميركية.
وتصر موسكو، الحليف الرئيسي لدمشق الذي يؤيد بسط سيادة حكومة الرئيس بشار الأسد على كامل البلاد منذ بداية العام، على إنهاء تفويض الأمم المتحدة. كذلك تعد موسكو أن مرور المساعدة الدولية عبر دمشق يمكن أن يعوض المساعدات عبر الحدود، وهو أمر ترفضه الدول الغربية والأمم المتحدة. ومنذ بدء الحرب في سوريا عام 2011، استخدمت موسكو التي تُرجع تدهور الوضع الإنساني إلى العقوبات الغربية حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن 16 مرة في مواضيع تتعلق بالملف السوري، فيما استخدمت الصين الفيتو 10 مرات.
وفي بيان الجمعة، شددت ديانا سمعان، من منظمة العفو الدولية، على أن وقف المساعدات عبر الحدود ستكون له «عواقب إنسانية وخيمة». وأضافت: «ندعو مجلس الأمن إلى تجديد التفويض لوصول المساعدات الإنسانية عبر باب الهوى، وإعادة فتح معبري باب السلامة واليعربية».
كذلك دعا لويس شاربونو، من منظمة هيومن رايتس ووتش، إلى استمرار التفويض عبر الحدود، وتوسيعه إلى المعبرين المغلقين منذ عام 2020. وقال في بيان: «أي شيء بخلاف تجديد التفويض قد يؤدي إلى الحكم على الملايين من السوريين في شمال البلاد بالفقر المدقع أو الموت نتيجة سوء التغذية أو (كوفيد - 19)».
وقالت المندوبة الأميركية: «الرسالة التي نتلقاها باستمرار من العاملين في الخطوط الأمامية للأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية هي أنه يجب تفويض عمل 3 معابر حدودية من أجل وصول المساعدات الإنسانية إلى ملايين السوريين الذين هم في أمس الحاجة إليها».
وزادت: «كان هناك في وقت من الأوقات 4 معابر حدودية تقدم المساعدات الإنسانية الحيوية للسوريين، بمن فيهم اللاجئون والنازحون داخلياً، ولا يوجد الآن سوى معبر واحد. وعندما تم إغلاق المعابر الأخرى، عانى السوريين. وكمثال واحد على ذلك، ارتفعت الاحتياجات بنسبة 38 في المائة في شمال شرقي سوريا منذ إغلاق معبر اليعربية، وفقاً للأمم المتحدة. وكان هذا التدهور في البيئة الإنسانية متوقعاً، ويمكن تفاديه».
وأضافت: «أطالب بإعادة تفويض عمل معبر باب الهوى، وإرجاع عمل معبري باب السلام واليعربية، لتقديم المساعدة الإنسانية. كما أخبرني أحد مسؤولي الأمم المتحدة على الحدود التركية - السورية في وقت سابق من هذا الشهر أن هذا هو الوقت المناسب لتوسيع نطاق استجابتنا الإنسانية، وليس تقليصها».
وأكدت وكالة «أسوشيتد برس» أن مجلس الأمن الدولي ينظر في مشروع قرار يقضي بفتح ممرٍ ثانٍ لتقديم المساعدات عبر الحدود إلى سوريا.
وأفادت وكالة «أسوشيتد برس» بأن مشروع القرار الذي وزعته على المجلس (الجمعة) النرويج وآيرلندا يقضي بتمديد عمل ممر باب الهوى عند حدود تركيا وسوريا (وهو الممر الإنساني الوحيد العامل حالياً بموجب الآلية الأممية لتقديم المساعدات)، وإعادة فتح ممر اليعربية بين العراق وسوريا الذي تم إغلاقه في يناير (كانون الثاني) 2020.
وينص مشروع القرار كذلك على استئناف التفويض لمدة عام في هذه المسألة، بدلاً عن التفويض لمدة 6 أشهر الذي أصرت عليه روسيا.
ومن المتوقع أن يناقش الخبراء في مجلس الأمن مشروع القرار الجديد مطلع الأسبوع المقبل.
ونقلت «أسوشيتد برس» عن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في رسالة شفهية إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الثلاثاء الماضي، اتهامه تنظيم «هيئة تحرير الشام» الذي تشكل «جبهة النصرة» السابقة عموده الفقري بمنع القوافل الإنسانية من عبور الحدود إلى سوريا، مع تغاضي أنقرة عن هذا الأمر.
وحمل لافروف أيضاً المانحين الغربيين المسؤولية عن الابتزاز، من خلال التهديد بقطع التمويل الإنساني عن سوريا في حال عدم تمديد تفويض ممر باب الهوى، مشدداً على ضرورة التصدي لمثل هذا السلوك.
وجدد مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا، الأربعاء الماضي، موقف موسكو القاضي بأن الظروف في سوريا تغيرت، ما يتيح التخلي عن أسلوب تقديم المساعدات عبر الحدود، والانتقال إلى توزيعها عبر خطوط القتال داخل البلاد.
ولفت نيبينزيا إلى أن الغرب لم يبذل أي جهد في هذه المسألة، قائلاً إنه لا يمكن الحديث عن تمديد تفويض معبر باب الهوى، ما لم يؤكد الغرب بالأقوال والأفعال التزامه بتحقيق هذا الهدف.



ارتياح في مصر بعد تطمينات رسمية باستقرار أوضاع العمالة في الإمارات

جانب من العاصمة المصرية القاهرة (الشرق الأوسط)
جانب من العاصمة المصرية القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

ارتياح في مصر بعد تطمينات رسمية باستقرار أوضاع العمالة في الإمارات

جانب من العاصمة المصرية القاهرة (الشرق الأوسط)
جانب من العاصمة المصرية القاهرة (الشرق الأوسط)

بعد أيام من تداول أنباء عبر منصات التواصل الاجتماعي عن استغناء جماعي عن العمالة المصرية في دولة الإمارات، خرجت القاهرة وأبوظبي بتصريحات رسمية تنفي صحة هذه المزاعم، وأكدتا، أن ما يثار حول العمالة غير صحيح. وهي التطمينات التي خلقت حالة من الارتياح داخل مصر، خاصة بين أسر العمالة في الإمارات بشكل خاص، ودول الخليج العربي بوجه عام.

فمن جانبها، أكدت وزارة الخارجية المصرية أن «أوضاع العمالة مستقرة، وأن ما يُثار لا يتجاوز حالات فردية مرتبطة بمخالفة قوانين الإقامة».

وقال مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون القنصلية، السفير حداد الجوهري، إنه «لا صحة لما يتم تداوله بشأن وجود إنهاء جماعي لخدمات العمالة المصرية في دولة الإمارات أو دول الخليج، والحالات المعروضة لا تتعدى كونها وقائع فردية جرى تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي».

وأضاف الجوهري، في تصريحات تلفزيونية، أن الحالات التي أُثيرت مؤخراً «ترجع إلى مخالفة ضوابط وشروط الإقامة أو إجراءات التدقيق التنظيمية»، مشدداً على «عدم وجود أي أزمة عامة أو إجراءات استثنائية تستهدف المصريين هناك».

ويبلغ عدد المصريين في دولة الإمارات نحو 1.3 مليون مصري حتى نهاية عام 2024، وفق «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» في مصر.

وذكر مساعد وزير الخارجية أن «بعض الأشخاص دخلوا بتأشيرات سياحية ولم يتمكنوا من توفيق أوضاعهم للحصول على إقامات عمل نظامية، وأن السلطات تطبق القواعد القانونية المعمول بها على الجميع دون استثناء».

الرئيس الإماراتي ونظيره المصري أثناء محادثات في أبوظبي يناير الماضي (الرئاسة المصرية)

وأوضح الجوهري أن «وزارة الخارجية تنسق حالياً لتشكيل لجنة قنصلية مشتركة مع الجانب الإماراتي، لبحث واستعراض الملفات الخاصة بالجالية المصرية ومتابعة مستجدات الإقامات والتأشيرات».

وأكد أن حركة إصدار التأشيرات للمواطنين المصريين تسير بانتظام ودون عوائق، وأشار إلى أن «إلغاء إقامات بعض الأفراد ونشرهم مقاطع فيديو توثق ذلك، لا يعكسان الوضع العام».

بالتزامن؛ قال المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أنور قرقاش، إن «بعض المنصات الموجهة تتداول معلومات كاذبة» حول بلاده، منها يتعلق بـ«إلغاء إقامات العمالة»، مؤكداً أنها «معلومات غير صحيحة وضمن حملات إعلامية يائسة»، وفق منشور له على منصة «إكس»، الأربعاء.

وأضاف: «تظل الحقائق والإنجازات الملموسة أقوى من الإشاعات، ويبقي العمل أقوى من الضجيج».

وهي التصريحات التي استقبلها المصري صبحي فوزي، وهو أب لابن يعمل بأحد المطاعم في دبي، بالارتياح، لافتاً إلى أن أسرته لا تشعر بأي قلق من الشائعات التي تتردد حول ترحيل العمالة المصرية من الإمارات، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط»، أن نجله يمارس عمله بشكل طبيعي منذ سنوات، ولم يتلق أي إخطار أو إشارة بإنهاء إقامته أو عمله، مضيفاً أنه «لو كان هناك شيء من هذا القبيل، لكانت الأسرة أول من تعلم».

كانت وسائل إعلام ومنصات مصرية، تحدثت عن إلغاء إقامات العمالة المصرية في الإمارات أثناء وجودها في مصر لقضاء إجازاتها، ما أثار مخاوف بين أفراد الجالية وأسر العاملين هناك، وهو ما دعا إلى تحرك برلماني للمطالبة بتوضيح حقيقة الأمر.

واعتبر النائب إسلام التلواني، عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الردود الرسمية من الجانبين المصري والإماراتي «حسمت الجدل بنفي تلك المزاعم جملة وتفصيلاً، والأمر لم يتعدَّ أزمة مرتبطة بشركة واحدة فقط، دون وجود أي استغناء جماعي أو واسع النطاق».

لقاء سابق بين وزير الخارجية المصري ونظيره الإماراتي في أبوظبي (الخارجية المصرية)

بدوره، قال السفير محمد العرابي، وكيل لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ المصري، ووزير الخارجية المصري الأسبق، إن نفي وزارتي الخارجية في البلدين لما أثير حول العمالة المصرية «يقطع الطريق أمام الشائعات والمعلومات غير الموثقة»، مشدداً على أن ما قد يظهر من حالات فردية أو أوضاع غير قانونية «لا يمثل بأي حال من الأحوال ظاهرة أو توجهاً سياسياً ممنهجاً ضد المصريين على الإطلاق».

وأكد العرابي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجالية المصرية في دولة الإمارات تنعم ببيئة عمل جيدة وأوضاع مستقرة إلى حد كبير في بلد شقيق تربطه بمصر روابط وثيقة».


مسيّرات الجيش اليمني تقلب معادلات المواجهة مع الحوثيين

جنود يمنيون يقفون داخل مخزن للطائرات المسيّرة التي بدأ الجيش اليمني استخدامها أخيراً (إكس)
جنود يمنيون يقفون داخل مخزن للطائرات المسيّرة التي بدأ الجيش اليمني استخدامها أخيراً (إكس)
TT

مسيّرات الجيش اليمني تقلب معادلات المواجهة مع الحوثيين

جنود يمنيون يقفون داخل مخزن للطائرات المسيّرة التي بدأ الجيش اليمني استخدامها أخيراً (إكس)
جنود يمنيون يقفون داخل مخزن للطائرات المسيّرة التي بدأ الجيش اليمني استخدامها أخيراً (إكس)

لم تعدّ الطائرات المسيّرة في الحرب اليمنية مجرد أدوات للاستطلاع ومراقبة تحركات الخصم، بعدما بدأت القوات الحكومية إدخال أنواع أكثر تطوراً إلى عملياتها القتالية، في تحول قد يفتح فصلاً جديداً في طبيعة المواجهة مع الجماعة الحوثية.

وتكشف معطيات حديثة عن امتلاك الجيش اليمني منظومة متدرجة من المسيّرات، تبدأ بالطائرات الصغيرة المستخدمة في الاستطلاع وتصحيح نيران المدفعية والهجمات القريبة، مروراً بمنصات أثقل متعددة المهام دخل بعضها ميدان المعركة، وصولاً إلى مسيّرات هجومية بعيدة المدى لم تستخدم حتى الآن.

وتكتسب هذه القدرة الجديدة أهميتها من كونها تقترب من المجال الذي ظل الحوثيون يمتلكون فيه أفضلية نسبية خلال سنوات الحرب، خصوصاً في استخدام المسيّرات الهجومية والصواريخ بعيدة المدى.

ووفقاً لمنصة «شيبا إنتلجنسي»، فإن الطائرتين اللتين عرضتهما وزارة الدفاع اليمنية تحت اسمي «عيبان» و«نقم» هما من طراز «دبور السماء» SKYWASP، القادر على الوصول إلى مدى يصل إلى 1,500 كيلومتر وحمل رأس حربي يتراوح وزنه بين 30 و50 كيلوغراماً.

وإذا دخلت هذه المنظومة الخدمة القتالية، فإنها لن تضيف سلاحاً جديداً إلى ترسانة الجيش فحسب، بل قد تمنحه للمرة الأولى قدرة على تنفيذ ضربات مسيّرة تتجاوز نطاق الجبهات المباشرة، وتمتد إلى عمق المناطق التي تسيطر عليها الجماعة.

ويقول الباحث العسكري والاستراتيجي اليمني عبد العزيز الهداشي لـ«الشرق الأوسط» إن دخول الطائرات المسيّرة إلى ترسانة الجيش اليمني له تأثير تكتيكي في الوقت الحالي، يسهم في تغيير المعادلة في خطوط التماس مع الجماعة الحوثية، ويمكن أن يتحول إلى سلاح استراتيجي في حال زيادة كثافة ومدة استخدامه، بما يمنع الخصم من إعادة تجميع قواته ونشرها.

ويتميز سلاح الطيران المسيّر للجيش اليمني، وفقاً للهداشي، بأنه يمتلك خاصية الذهاب والعودة بعد تنفيذ الهجمات، على عكس الجماعة الحوثية التي لا تمتلك سوى الطائرات الانتحارية، وهو ما يجعله متفوقاً عليها من ناحية عدم استنزاف هذه القدرات، وإلى جانب ذلك فقد الحوثيون عنصر المباغتة الذي كانوا يتفوقون به خلال السنوات الماضية بفضل القدرات الاستطلاعية لهذه الطائرات.

لحظة إسقاط طائرة مسيّرة تابعة للجيش اليمني مقذوفاً على موقع حوثي (الجيش اليمني)

وإضافة إلى كل ذلك، يذهب الهداشي إلى أن استمرار عمليات الطيران المسيّر للجيش اليمني يدفع الجماعة الحوثية إلى نشر قواتها على مساحات واسعة لتفادي الضربات، ما يفقدها القدرات الهجومية، خصوصاً في الجبهات المفتوحة مثل جبهتي مأرب والمخا. ويتوقع أن الاستمرار في استغلال هذا التفوق سيعطل القدرات الهجومية الحوثية خلال مدة قصيرة.

لكن امتلاك السلاح لا يعني بالضرورة القدرة على تغيير ميزان الحرب، ففاعلية المسيّرات لا ترتبط بمدى الطائرة وحمولتها وحدهما، وإنما بقدرة القوات التي تشغلها على الاستطلاع وتحديد الأهداف والاتصال والتنسيق مع القوات البرية والمدفعية، فضلاً عن قدرتها على حماية منظومة التشغيل من التشويش والاستهداف.

انقلاب معادلة الغموض

من هنا يبرز السؤال الأوسع، هل تستطيع المسيّرات الجديدة نقل القوات الحكومية من مرحلة تحسين الأداء التكتيكي على الجبهات إلى امتلاك قدرة هجومية أعمق وأكثر تأثيراً، أم أنها ستظل إضافة نوعية لكنها محدودة إلى ترسانة عسكرية أكبر لم تتغير قواعدها الأساسية؟

لم يعد الحوثيون يملكون عنصر المفاجأة بعد دخول الطيران المسير ترسانة الجيش اليمني (غيتي)

ويرى عدنان الجبرني، الباحث المختص بشؤون الجماعة الحوثية، أن استخدام الجيش اليمني للطائرات المسيّرة خلال الأيام الماضية فاجأ الحوثيين وأربكهم على مستويي القيادة والميدان، خصوصاً مستوى الكفاءة والفاعلية في استخدام سلاح المسيّرات، وكذلك التزامن في مختلف الجبهات وبالنمط ذاته، في دلالة عملياتية في المواجهة أخطر بكثير من مجرد الخسائر المباشرة للمسيّرات على خطوط النار.

وحسب حديث الجبرني لـ«الشرق الأوسط»، يمتدّ ذلك إلى مستوى متقدم من التنظيم والتعاون في إدارة العمليات بطريقة موحدة ومنسّقة؛ ما سيدفع الجماعة إلى محاولة خلق ترياق لهذا المتغير المفاجئ، إلا أن الوقت الذي تحتاج إليه لوضع الحلول ستكون قوات الجيش اليمني قد انتقلت فيه إلى مستويات أخرى أكثر فاعلية ومباغتة.

ويذهب إلى أن الجماعة دخلت هذه المواجهة بعجرفة وأخطأت في قراءة خصومها، فكان الغموض هذه المرة لصالح الحكومة اليمنية بإسناد من قوات تحالف دعم الشرعية، متوقعاً حدوث صدمات أكبر خلال الفترة المقبلة، بفعل تغيّر الموازين التي لم يستوعبها الحوثيون، وتعديل ميزان القوى لأول مرة منذ عام 2017 لصالح الحكومة الشرعية.

من سيدفع التكلفة؟

يفتح دخول هذه القدرات اليمنية الجديدة إلى المعركة سؤالاً آخر لا يقل أهمية يتعلق بالجماعة الحوثية نفسها، إذ كيف سترد على فقدان جزء من التفوق الذي احتفظت به طويلاً في مجال المسيّرات والصواريخ؟

استعراض عسكري للحوثيين قبل 4 أعوام تظهر فيه أنواع من الطائرات المسيّرة والصواريخ (أ.ف.ب)

وإلى جانب ذلك لا يمكن تجاهل السؤال إن كان هذا التطور سيدفع الجماعة الحوثية إلى تطوير وسائل جديدة لمواجهة المسيّرات الحكومية، أو زيادة الاعتماد على الطائرات الانقضاضية والصواريخ، أو الانتقال إلى تكتيكات أكثر اعتماداً على الإخفاء والتمويه وتفريق القوات.

ويشير الباحث السياسي اليمني صلاح علي صلاح إلى أن الجيش اليمني، وبرغم المفاجأة التي خلقها في ميزان القوى، وقدرته على إرباك الجماعة الحوثية، لم يظهر بعد امتلاكه لنوعية الطائرات التي تهدد عمقها الاستراتيجي كما تفعل هي، خصوصاً قدرتها على استهداف منشآت حيوية في محافظات بعيدة عن نفوذها، مثل استهداف ميناء تصدير النفط في حضرموت.

وينوه في تحليله لـ«الشرق الأوسط» بأن قوات الجماعة الحوثية فقدت، بفعل السلاح الجديد للجيش اليمني، القدرة على التحصن والتكتيك الميداني، وبات مقاتلوها مكشوفي الظهر، وهو ما يرفع التكلفة لديها ويزيد من تعقيد المواجهة، برغم أن التكلفة سترتفع بالمقابل لدى الجيش، خصوصاً وأن الحوثيين ما زالوا يتفوقون بامتلاك الصواريخ الباليستية.

الطائرات الإيرانية من دون طيار رفدت ترسانة الحوثيين بأعداد كبيرة خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)

ويُحذر صلاح من لجوء الجماعة إلى تعزيز النشاط الاستخباراتي لاستهداف مواقع إطلاق الطائرات المسيّرة التابعة للجيش اليمني، واغتيال مشغليها وقادة الوحدات المسؤولة عنها، إلى جانب الاستفادة من تجارب جيوش أو ميليشيات في التحصين ضد ضرباتها واستخدام وسائل التمويه والتخفي والمناورة وتخفيف التكلفة من خلال توزيع العناصر على مساحات واسعة.

وبينما تتوسع قدرات الجيش اليمني في استخدام الطائرات المسيّرة على مستويات مختلفة، يبدو الصراع أمام احتمال الدخول في مرحلة جديدة لا يكون فيها السؤال فقط عن عدد الأسلحة التي يمتلكها كل طرف، وإنما عن قدرة كل منهما على تحويل هذه الأسلحة إلى منظومة متكاملة تغير شكل المعركة ومداها وتكلفتها.


العليمي يجدّد التمسك باستعادة مؤسسات الدولة واحتكار السلاح

العليمي مع وزير الخارجية الياباني (رويترز)
العليمي مع وزير الخارجية الياباني (رويترز)
TT

العليمي يجدّد التمسك باستعادة مؤسسات الدولة واحتكار السلاح

العليمي مع وزير الخارجية الياباني (رويترز)
العليمي مع وزير الخارجية الياباني (رويترز)

جدَّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، تمسك بلاده باستعادة مؤسسات الدولة واحتكارها المشروع للسلاح، وبناء سلام عادل ومستدام يحمي سيادة اليمن ويمنع استخدام أراضيه لتهديد دول الجوار والممرات الدولية، بالتزامن مع استمرار التصعيد الحوثي على الساحل الغربي ومأرب وتعز وجنوب الحديدة.

وأكد العليمي، خلال استقباله وزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيجي، أن اليمن يقدر موقف طوكيو المُدين للهجمات الحوثية على المنشآت والموانئ المدنية والسفن التجارية، مشدداً على أن استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب واحتكار السلاح تمثل أساساً لأي تسوية سياسية قابلة للحياة.

وأدان الوزير الياباني، من جهته، بشدة سلسلة الهجمات الأخيرة التي شنتها الجماعة الحوثية، مجدداً التأكيد على أهمية تحقيق السلام في اليمن، وقال إن استقرار البلد المطل على مضيق باب المندب يرتبط بصورة مباشرة باستقرار وتنمية الشرق الأوسط والمجتمع الدولي بأسره.

ونقل الإعلام الرسمي أن العليمي أعرب عن تقديره للدعم الياباني للحكومة اليمنية، خصوصاً في مجالات خفر السواحل، متطلعاً إلى تطويره ليشمل التدريب والمراقبة والاستطلاع والإنقاذ ومكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة.

جانب من استقبال العليمي لوزير الخارجية الياباني (سبأ)

وقال موتيجي إن اليابان ستواصل دعم الحكومة اليمنية وتعزيز قدراتها في مجال إنفاذ القانون البحري، مشيراً إلى المساعدات الغذائية التي أقرتها بلاده في يوليو (تموز)، إلى جانب الدعم المالي والمساهمات البشرية المقدمة إلى مكتب المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن.

وتُعدّ اليابان عضواً أساسياً في شراكة الأمن البحري اليمنية، وتربط دعمها لخفر السواحل برؤيتها لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة، في وقت تتزايد فيه المخاطر التي تهدد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب بفعل الهجمات الحوثية.

وكان العليمي قد دعا إلى توسيع التعاون مع اليابان في مجالات الأمن البحري والاتصال والبنية التحتية وتنمية الموارد البشرية والأمن الإنساني، إلى جانب الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى دعم التعافي وخلق فرص العمل والإنتاج.

إبقاء على الجاهزية

وجاءت تصريحات العليمي في وقت كان فيه مجلس الدفاع الوطني اليمني قد شدد، خلال اجتماعه برئاسة العليمي، على إبقاء الجاهزية العسكرية والأمنية في مختلف الجبهات عند أعلى مستوياتها، وتعزيز منظومة الإنذار المبكر وحماية المنشآت الحيوية والأعيان المدنية.

وأشاد المجلس بأداء القوات المسلحة في جبهات مأرب والساحل الغربي بمحافظة تعز، وما أظهرته من قدرة على التصدي للتصعيد الحوثي وإفشال الهجمات وتكبيد الجماعة خسائر في الأفراد والعتاد، مؤكداً أن استهداف مخيمات النازحين والأعيان المدنية والمنشآت الاقتصادية لن يحقق للحوثيين مكاسب ميدانية.

كما وجَّه بتوسيع عمليات الردع الجوي والصاروخي ضد مصادر التهديد، وتكثيف العمل الاستخباراتي والأمني لملاحقة الخلايا وشبكات التهريب والإمداد، بالتوازي مع إجراءات حكومية لمعالجة الأضرار الناجمة عن الهجمات الحوثية ورعاية المصابين وأسر الضحايا.

وجدَّد المجلس تأكيده أن المجتمع الدولي مطالب بترجمة مواقفه المنددة بالتصعيد الحوثي إلى إجراءات أكثر فاعلية لردع الجماعة وتجفيف مصادر تمويلها وتسليحها، في وقت تشهد فيه الجبهات تصعيداً متزامناً.

تصعيد حوثي

ميدانياً، قالت القوات المسلحة اليمنية إن وحداتها نفذت نحو 400 عملية هجومية خلال ثلاثة أيام ضد قدرات وعناصر الجماعة الحوثية، باستخدام الراجمات والمدفعية والطيران المسيَّر، وبمشاركة وحدات الجيش المنتشرة على خطوط التماس.

ووفق ما أعلنته القوات المسلحة، استهدفت العمليات مصادر تهديد وقدرات عسكرية حوثية، في إطار الرد على التصعيد المتواصل الذي تشهده جبهات عدة، قي حين تواصلت خلال الساعات الماضية المواجهات ومحاولات التسلل على خطوط التماس.

يمني يحمل طفلة مصابة عقب هجوم بطائرة مسيَّرة حوثية على حيس في جنوب الحديدة (أ.ف.ب)

وفي جبهة العنين بمديرية جبل حبشي، غرب تعز، أحبطت القوات الحكومية محاولة تسلل نفذتها عناصر حوثية باتجاه مواقع الجيش، بعدما رصدت الوحدات العسكرية تحركات المتسللين وأجبرتهم على التراجع.

وتتزامن هذه التطورات مع تصعيد حوثي متواصل على الساحل الغربي ومأرب، حيث سبق للجماعة أن كثَّفت هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيَّرة ضد مواقع عسكرية ومنشآت مدنية ومناطق مأهولة، في مسار حذَّرت الحكومة اليمنية من أنه يهدد بإعادة توسيع نطاق المواجهة.

وفي أحدث تداعيات هذا التصعيد، أصيبت طفلتان، الثلاثاء، جراء انفجار مسيَّرة حوثية داخل منزل أسرة في ريف مديرية حيس جنوب الحديدة. وقالت مصادر محلية إن رؤى، البالغة 5 سنوات، وديالا، البالغة 10 سنوات، أصيبتا بشظايا، ونُقلتا في حالة حرجة من الخوخة إلى مدينة المخا لتلقي العلاج.

ويعيد استهداف المناطق السكنية والمنشآت المدنية إلى الواجهة المخاوف من اتساع آثار التصعيد على السكان، خصوصاً في الساحل الغربي، الذي يشهد منذ أسابيع هجمات حوثية متكررة طالت مدينة المخا وميناءها والمناطق المحيطة بها.

وتقول الحكومة اليمنية إن استمرار الهجمات الحوثية لا يمثل مجرد تصعيد داخلي، بل يفاقم المخاطر على أمن الملاحة الدولية، خصوصاً مع امتداد نشاط الجماعة إلى السفن التجارية والممرات البحرية المحيطة بباب المندب.