اللجاة في جنوب سوريا... منطقة نائية أهلها منسيون

ترصد الواقع المعيشي والتعليمي والأمني بعد ثلاث سنوات من اتفاق التسوية

قرية مهجورة في منطقة اللجاة بريف درعا جنوب سوريا (الشرق الأوسط)
قرية مهجورة في منطقة اللجاة بريف درعا جنوب سوريا (الشرق الأوسط)
TT

اللجاة في جنوب سوريا... منطقة نائية أهلها منسيون

قرية مهجورة في منطقة اللجاة بريف درعا جنوب سوريا (الشرق الأوسط)
قرية مهجورة في منطقة اللجاة بريف درعا جنوب سوريا (الشرق الأوسط)

في شمال محافظة درعا على أطراف محافظة السويداء جنوبي سوريا، أرض تسمى اللجاة. قرى نائية وناس منسيون، يعاني أهلها صعوبة العيش. الوصول إليها يستلزم قطع مسافات طويلة، سكانها يعيشون في شبه عزلة، هم من العشائر البدوية المشهورة جنوب سوريا، يعيشون في تجمعات صغيرة متباعدة منذ عشرات السنين ويقتاتون من تربية المواشي، عصفت بهم الحرب في سوريا وكان لهم نصيب من آثارها، معظم سكانها تركها ومنهم من عاد إليها بعد غياب سنوات، فيما البعض الآخر لا يزال يعاني النزوح في قرى حوران.
هناك قرى في اللجاة لم يعد أبناؤها إليها بعد تهجيرهم بفعل المعارك رغم دخولها ضمن مناطق اتفاق التسوية الذي جرى جنوب سوريا عام 2018. ومنها قرى الشياح، والشومرة، والعلالي، والمدورة، والظهر، والطف. وكلها قرى دمرت منازلها بشكل شبه كامل ولم يعد إليها سكانها الذين هجروا منها منذ أكثر من 8 سنوات بفعل قوات النظام السوري، بسبب قرب هذه القرى من ثكنات ومقرات عسكرية لقوات النظام السوري، وفقاً للناشط حسان محمد من منطقة اللجاة.
ويقول حسان محمد، مدير تحرير موقع «اللجاة برس» لـ«الشرق الأوسط» إن سبب عدم عودة سكان معظم قرى اللجاة إلى منازلهم، بعد اتفاق التسوية، هو أن قوات النظام السوري حولت هذه القرى التي هُجر أهلها إلى نقاط عسكرية. ورغم محاولات الأهالي في العودة إلى قراهم، عن طريق التواصل مع مسؤولين مدنيين في محافظة درعا، واللواء الثامن التابع للفيلق الخامس المدعوم من روسيا، وحتى مع الجانب الروسي نفسه، فإن جهودهم لم تثمر، وحتى استجابت الجانب الروسي أيضاً كانت محدودة وغير كافية بنسبة لطلبات الأهالي، لأنهم سهلوا عودة أهالي بلدة أيب شمال غربي منطقة اللجاة عام 2020 دون غيرها من القرى.
ويوضح محمد أن منطقة اللجاة تشهد كباقي مناطق درعا حالة عدم استقرار وانفلات أمني، شكلت القوات الروسية مجموعة تابعة للفيلق الخامس من عناصر فصائل التسويات الموجودين في منطقة اللجاة، بهدف منع ارتكاب خروقات وتجاوزات من قبل قوات النظام السوري في المنطقة، ولمنع تشكيل أي قوة عسكرية غير سورية في المنطقة.
وبحسب تعبيره لا توجد مقرات أو مجموعات تابعة لـ«حزب الله» أو الميليشيات الإيرانية في منطقة اللجاة، وأن «حزب الله» حاول تجنيد عدد من أبناء المنطقة بداية التسويات عام 2018، لكنه لم ينجح بذلك، نتيجة طبيعة أبناء المنطقة وهم من العشائر العربية الأصيلة، وانتشار مجموعات للفيلق الخامس المدعوم في روسيا هناك، حيث لاقت هذه المجموعات تأييداً شعبياً باعتبار أن عناصر المجموعة من أبناء منطقة اللجاة، كما توجد في اللجاة مجموعة من فصائل التسويات تابعة للفرقة الرابعة والمخابرات الجوية، أعدادهم بالعشرات ولا تحظى هذه المجموعة بتأييد شعبي، وليس لها مهام في منطقة اللجاة، ولكن يتم نقلهم على حواجز ضمن مناطق التسويات في درعا، وخاصة في مناطق ريف درعا الغربي. ويشير محمد إلى «فشل حزب الله في استقطاب منتسبين من السكان المحليين، ولم تسجل حتى الآن أي عملية انتساب لأي شخص من منطقة اللجاة مع الحزب بشكل مباشر، ولكن تم تجنيد عدد من الأشخاص في ميليشيات متهمة بالتعامل مع إيران وتتلقى التدريب على يد قادة (حزب الله) مثل ميليشيات الفرقة الرابعة والمخابرات الجوية الموجودة في منطقة اللجاة».
وخلال ثلاث سنوات، لم تحصل تغييرات إيجابية على الخدمات الأساسية في منطقة اللجاة شمال شرقي محافظة درعا، حيث الترهل والفساد واضح في جميع المجالات مثل الصحة والتعليم والخدمات العامة، ووعود بتقديم الخدمات الأساسية للأهالي، وعودة مؤسسات الدولة إليها بما فيها التعليمية، لم تثمر حتى الآن، وفق ما قاله فراس وهو مدرس من منطقة اللجاة.
يعتبر قطاع التعليم من أكثر القطاعات التي تضررت خلال السنوات الماضية، حيث تم تدمير غالبية المدراس في منطقة اللجاة، ويعتبر التسرب التعليمي من أبرز المشكلات التي تواجه القطاع التعليمي في اللجاة، فقد أدت الأعمال العسكرية إلى نزوح مستمر للأهالي متسببة بانقطاع التلاميذ عن مدارسهم، وترك عدد كبير من الطلاب مدارسهم، بالإضافة إلى نقص الكوادر التعليمية، نتيجة النزوح والأوضاع الاقتصادية والأمنية السيئة، إضافة لفصل عدد كبير من الموظفين الأساتذة، بسبب أوضاعهم الأمنية، ولم يتم ترميم أي مدرسة تعرضت للقصف أو التدمير حتى الآن، ولم يشهد القطاع التعليمي أي تحسن.
ويقول نشطاء إنه يتم تدريس طلاب المرحلة الابتدائية حالياً في المناطق التي دمرت بها المدارس في منازل قديمة من الحجر عبارة عن غرفتين، وهي لا تصلح أن تكون مكاناً للتعليم، وأن معظم هذه المنازل تنعدم فيها المستلزمات والوسائل اللوجيستية التعليمية والخدمات المدرسية مثل مشارب المياه الصحية ودورات المياه وأماكن مخصصة لقضاء الاستراحة بين الحصص الدراسية، كحال أبناء قرية الجسري وسط منطقة اللجاة.
ويقول طالب في الصف الثالث الإعدادي تبعد مدرسته عن القرية التي يسكنها ثمانية كيلومترات: «نريد مستقبلاً أفضل، مستعدون لأن نتحمل تكاليف ومعناة الذهاب إلى المدرسة، ولكن أعدادنا قليلة في المدرسة، نحن 20 طالباً فقط في الصف الثالث الإعدادي، بعض المدارس أجبر الكثيرون من الذين دمرت المدارس في قراهم إلى ترك الدراسة، وحتى مستوى تعليمنا يختلف عن أبناء الأرياف والمدن، بسبب نقص الكادر التدريسي المتخصص واللوازم المدرسة الحديثة». وبسبب بعد المدرسة فإن الكثير من الطلاب يتركون التعليم ويتسربون من المدارس، كما أن أهالي بعض الطلاب لا يسمحون لهم بالذهاب إلى المدرسة البعيدة وخاصة الإناث.

تراجع خدمي
ويوضح حسان أن ما يقرب من 90 في المائة من سكان منطقة اللجاة يعانون من تدني الخدمات الأساسية وانعدامها في كثير من الأحيان، حتى على أبسط مستلزمات الحياة كمادة الخبز، حيث إن فرن الخبز في بلدة جدل يغطي أكثر من عشرة قرى، مما يؤدي إلى تزاحم بين المواطنين وتجمعهم لساعات طويلة من أجل الحصول على مادة الخبز في الوقت الذي يعاني فيه الفرن من شح في مادة الطحين، والانقطاع المتكرر للكهرباء مما يؤثر على جودة مادة الخبز، ونقص الكمية التي تغطي حاجة الأهالي. ويضيف أن المواطنين في المنطقة يعانون في تأمين مياه الشرب بسبب عدم صيانة الآبار، والانقطاع المتكرر للكهرباء، بالإضافة إلى تضرر كبير في شبكات التوزيع الداخلية ضمن القرى والبلدات، ويعتمدون على الصهاريج الخاصة باهظة الثمن لتأمين مياه الشرب والخدمة، حيث يصل سعر الخزان إلى أكثر من 5 آلاف ليرة سورية تحتاجه العائلة بشكل يومي.
من جهته، يوضح أبو جهاد البالغ من العمر 55 عاماً، وهو أحد سكان منطقة اللجاة، أن معظم قرى منطقة اللجاة مهمشة ومنسية، وبعضها الآخر يعاني انقطاعاً كاملاً لكافة مقومات الحياة، كالكهرباء والصرف الصحي ومياه الشرب وخدمات التعليم والخدمات الصحية والإغاثية.
وأوضح أن عدد بلديات منطقة اللجاة المفعلة حالياً تبلغ ثماني بلديات ولا مشاريع إنمائية أو إغاثية تنهض بالمنطقة، رغم عدة شكاوى من المواطنين، حتى المشاريع الغذائية والسلات الغذائية التي كانت تقدم للأهالي، هيمن عليها بعض الشخصيات، التي باتت تقدم إحصائيات غير دقيقة للمنظمات الداعمة والإدارة المحلية، مما أدى إلى حرمان نسبة كبيرة من الأهالي من حقوقهم في السلال الغذائية.

تواضع صحي
أحد الممرضين من منطقة اللجاة رفض الكشف عن اسمه الصريح لضرورة أمنية، يوضح لـ«الشرق الأوسط» أن قوات النظام اتخذت من المركز الطبي الوحيد في المنطقة في بلدة صور غرب منطقة اللجاة مقراً لها، بالإضافة لعدد من المراكز الخدمية منها مبنى مؤسسة الكهرباء ومبنى المدرسة الإعدادية ومبنى البلدية ومبنى المقسم الآلي، كلها حولتها قوات النظام إلى مقرات عسكرية لها.
وتفتقر منطقة اللجاة للمشافي العامة رغم أنها تضم أكثر 70 قرية ولا يوجد بها من قبل الأحداث والحرب في سوريا أي مشفى عام، ويعتمد سكانها المحليون على المشافي في مناطق السويداء أو مدينة إزرع في درعا.
وأوضح أن دور المراكز الطبية الصغيرة الموجودة في اللجاة (المستوصفات الطبية) على خدمات بدائية مثل تضميد الجروح والكسور غير الخطيرة، واللقاحات الخاصة بالأطفال المقدمة من المنظمات الإنسانية وحتى أنها تنقطع أحياناً، وتحتوي على كادر طبي صغير وغير مختص، ولا يوجد في هذه المراكز أي معدات حديثة أو متوسطة الحداثة «ونظراً لضعف الإمكانيات الطبية والمهنية، وعدم الوعي من مخاطر فيروس (كوفيد - 19) نتيجة بساطة المجتمع والحياة في اللجاة، وعدم الاهتمام بالناس وتفعيل دور التوعية من مخاطر الفيروس، عانت منطقة اللجاة موجات حادة من مرضى (كوفيد - 19). ووفيات وصلت إلى أكثر من 200 حالة، وحالات مرضية وصلت إلى طلاب المدارس».
تشكلت هضبة اللجاة قبل ملايين السنين نتيجة البراكين والحمم التي قذفها بركان جبل العرب الخامد حالياً، يبلغ عدد سكانها 55 ألف نسمة، تحد منطقة اللجاة من جهة الشرق مدينة شهبا في محافظة السويداء، ومن الشمال قرية المسمية في درعا، ومن الغرب منطقة خبب في سهل حوران. جرت فيها معارك مع قوات النظام، تشكل فيها فصائل معارضة للنظام هي (لواء العمري) (جيش العشائر)، انتهت المعارك فيها بـتحريرها مطلع عام 2012. هجر العدد الأكبر من سكانها، وبقيت أعداد بسيطة فيها، ودخلت ضمن مناطق التسوية جنوب سوريا عام 2018.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.