ديفيد ديوب... روائي سنغالي ـ فرنسي بلا تناقضات

فازت روايته «في الليل كل الدم أسود» بجائزة البوكر الدولية

ديفيد ديوب... روائي سنغالي ـ فرنسي بلا تناقضات
TT

ديفيد ديوب... روائي سنغالي ـ فرنسي بلا تناقضات

ديفيد ديوب... روائي سنغالي ـ فرنسي بلا تناقضات

لورا كابيل ترجمة: سعد البازعي

اعتاد الروائي السنغالي - الفرنسي ديفيد ديوب في طفولته أن يرى جنوداً لا يختلفون عن «ألفا ندياي»، الراوي في روايته «في الليل كل الدم أسود». الرجال الذين حاربوا في السنغال من أجل فرنسا ما بين الحربين العالميتين كانوا يشتركون غالباً في الاستعراضات الوطنية. ومع ذلك، حين بدأ ديوب يقرأ رسائل الجنود الفرنسيين، لم يستطع العثور على تلك التي أرسلها جنود المشاة الذين كانت بلادهم الأفريقية تحت الاستعمار.
يقول ديوب، وهو أستاذ للأدب الفرنسي في القرن الثامن عشر في جامعة باو (جنوب غربي فرنسا)، في مقابلة معه هذا الشهر: «لم أقتنع لأننا في السنغال نعلم ما فعلوه من أجل فرنسا؛ ذلك ما حفزني لكتابة رسالة متخيلة من جندي سنغالي».
ومنذ إطلاقها في فرنسا عام 2018، أسهمت رواية «في الليل كل الدم أسود» في ملء الفراغ. ونال ديوب الذي يبلغ الخامسة والخمسين عدة جوائز، إحداها جائزة الغونكور للمرحلة الثانوية، وهي جائزة شقيقة لجائزة الغونكور الشهيرة يصوت عليها طلبة المرحلة الثانوية. والنسخة الإنجليزية من رواية «في الليل كل الدم أسود» الآن في القائمة القصيرة لجائزة البوكر الدولية، وسيعلن الفائز الأربعاء (منذ نشر هذا المقال، أعلن الفائز، وكانت رواية ديوب هي الفائزة فعلاً).
وقد أسهمت رواية «في الليل كل الدم أسود» أيضاً في الكشف عن تاريخ استعماري في تاريخ القصة الفرنسية، فقد حققت أليس زينيتير شهرة مماثلة حين نشرت رواية «فن الخسارة»، وهي رواية متعددة الأجيال جرت أحداثها قبل وفي أثناء حرب الاستقلال الجزائرية. وترجم الرواية إلى الإنجليزية فرانك وين، ونشرتها في الولايات المتحدة في مارس (آذار) دار نشر فرّار، ستروس وجيرو.
ومع أن النظريات التقدمية حول العرق وما بعد الكولونيالية أشعلت حرباً ثقافية شعواء في فرنسا، مستدعية تهماً بالأمركة، فإن نجاح ديوب وزينيتير يثبت أن هناك أيضاً رغبة في مزيد من النقاش المفتوح حول تاريخ فرنسا في أفريقيا.
واكتشفت زينيتير، المنحدرة من أصول جزائرية، أن كتابة الرواية ساعدتها على تجنب الدخول في جدل استقطابي عام. وذكرت في مقابلة مصورة: «إنها تجعل من الممكن تعليق الحكم لكي نستكشف حياة تختلف عن حياتنا».
ويقول ديوب: «يمكن للأدب أن يكون طريقة لتحريك الناس قبل أن يلجئوا إلى تفسيرات عقلانية للتاريخ؛ قد يكون مفتاحاً لمعرفة أن الذاكرة ضرورية للتوصل إلى إحساس بالتوازن في فرنسا».
وحسب ما يرى الروائي السنغالي، فقد تحقق التوازن بين ثقافتيه على نحو طبيعي إلى حد كبير. وهو قد ولد في باريس لأم فرنسية وأب سنغالي جاء إلى فرنسا للدراسة، ثم انتقلت الأسرة بعد ذلك إلى داكار انتقالاً لم يجد فيه الصبي ذو الخمسة أعوام ما يثير بصفة خاصة.
«كنت محظوظاً أن أسرتي الفرنسية والسنغالية تصرفتا مع والدي على نحو مفعم بالود؛ غمرني الجانبان بكثير من الحب»، حسب ما يقول، مضيفاً: «لم أجد أي نوع من التضاد بين هويتي الثقافيتين».
وبعد إنهائه الثانوية، عاد ديوب إلى باريس ليدرس الأدب. وبينما غرست والدته فيه، وهي قارئة نهمة، حباً لعدد كبير من الكتاب الفرنسيين والأفارقة، انصب اهتمامه في الجامعة على «أنوار» القرن الثامن عشر، الحركة الإنسانوية التنويرية التي قادها أمثال فولتير ودنيس ديديرو. يقول ديوب ضاحكاً: «انجذبت إلى نشاطهم والتزامهم بحقوق الإنسان. لن أقول إنني فقدتهم، ولكن كانت لديَّ في ذلك الوقت مُثُل سياسية».
ويقول ديوب إن تنشئته على القيم الكونية في فرنسا جعلته بعيداً عن تجربة العنصرية بصفتها لوناً أكاديمياً، وهو حريص على إبقاء كتاباته بعيداً عن ممارسة الأنشطة، ويرى أن أفكاراً مثل التخصيص الثقافي تؤدي إلى «الكبت» –«صنع فلوبير مدام بوفاري مع أنه ليس امرأة»- ويفضل الحديث عن الأدب من حيث هو «حرية».
«علينا ألا نحبس أنفسنا في سجون ذهنية»، حسب تعبيره. (في أثناء حديثنا، تساءل ديوب: ألا ترى أن الأسئلة المتعلقة بالعرق تستورد إلى بلاد لا تناقش فيها تلك القضايا بتلك الطريقة؟).
ومع ذلك، فإن رواية «في الليل كل الدم أسود» تشير بعبارات لا لبس فيها إلى ديناميات العرق وهي تمارس تأثيرها في خنادق الحرب العالمية الأولى. كان الجنود الأفارقة من البلاد المستعمرة يزودون بالسواطير لإحداث مزيد من الخوف. «ألفا»، الشخصية الرئيسية في الرواية، ينطلق في أدائه من الوحشية المتوقعة منه، ويصعد بها إلى مستوى مختلف بالمغامرة ليلاً لقتل جندي ألماني، والعودة بيد الجندي مقطوعة.
كلا الروائيين، ديوب وزينيتير، يعتمد على نصوص المؤرخين لملء الفراغات. يقول ديوب: «قرأتهم بالطريقة التي لا تليق بالأكاديميين: من دون تسجيل ملاحظات. أردت ذلك الذي ترك انطباعاً في نفسي لكي يخرج مرة أخرى حين أبدأ بالكتابة».
حين يتعلق الأمر بالحرب الجزائرية، وجدت زينيتير «كماً هائلاً من الأبحاث»، كما تقول، مضيفة: «إنها تجعل من الأيسر بكثير أن يمضي المرء دون أن يرعبه ارتكاب خطأ جسيم».
كذلك ديوب الذي وجد الإلهام في «ولوف»، اللغة التي تحدثها في أثناء نشأته في السنغال، ليمنح «ألفا» الذي لا يتحدث الفرنسية في الرواية صوتاً خاصاً به. يقول: «حاولت تطويع الفرنسية لتكون أقرب قليلاً إلى لغة «الولوف» حين يجري الحديث بها في مناسبات رسمية، مستعملاً الإيقاع والتكرار».
وينسب إلى الروائي أحمدو كوروما، وهو روائي من ساحل العاج عاش في القرن العشرين، الفضل في منح الفرنسية نكهة أفريقية - نوعاً من «إعادة التخصيص»، حسب تعبير ديوب، في بلاد صارت الفرنسية فيها لغة رسمية تحت الحكم الاستعماري.
لقد ذهل ديوب وزينيتير بردود فعل القراء في فرنسا. يقول إنه عند ظهوره في فعاليات خصصت لـ«في الليل كل الدم أسود» التي باعت 170 ألف نسخة في تلك البلاد، كان الناس يأتونه بـ«رسائل وصور لأجدادهم أو أجداد أجدادهم مع الجنود الأفارقة». وتلقت زينيتير مئات الرسائل من جنود سابقين، حسب ما ذكرت، أسروا لها بتجاربهم في أثناء حرب الاستقلال الجزائرية.
تقول زينيتير: «جعلني ذلك أدرك أن ثمة فراغاً في القصص التي تتناول تلك الفترة. ومن الواضح أنه كان هناك من يخنق الحديث عنها بصوتٍ عالٍ». الآن، هناك فنانون فرنسيون كثر يسيرون في الاتجاه نفسه. «ما زال القلب يغلي»، وهو عمل مسرحي وثائقي صنعته مارغو إسكينازي وأليس كاري، إلى جانب الكاتبة المسرحية أليكزاندرا باديا، استكشف مؤخراً آثار زوال الاستعمار الفرنسي للجزائر على خشبة المسرح.
قد تكون الخطوة المقبلة لهذه الأعمال الوصول إلى المتحدثين بغير الفرنسية في البلاد التي ترتبط بها بحميمية. وما زالت رواية «في الليل كل الدم أسود» تنتظر الترجمة إلى لغة الولوف، في حين أن رواية زينيتير «فن الخسارة» ستترجم إلى العربية العام المقبل - وإن كان ذلك إلى اللهجة المصرية التي ليست بالضرورة سهلة الفهم للقراء الجزائريين.
بالنسبة لديوب الذي سينشر في أغسطس (آب) روايته الآتية حول رحالة أفريقي إلى أوروبا في القرن الثامن عشر، بالفرنسية، سيكون ذلك طريقه لبناء جسور ثقافية. لقد كانت الكتابة -حسب تعبيره- طريقة «للتقريب بين» جذوره السنغالية والفرنسية، وليس -كما يؤكد- «التوفيق» بينهما. «ليس ثمة ما يحتاج إلى توفيق، في نظري».
* خدمة «نيويورك تايمز»



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.