جهود دولية وإسرائيلية سحبت فتيل {مكيدة المسيرة الاستفزازية}

الاختبار الأول لحكومة بنيت

الشرطة الإسرائيلية تغلق طريقاً في القدس الشرقية أمس قبل انطلاق مسيرة الأعلام اليهودية (أ.ب)
الشرطة الإسرائيلية تغلق طريقاً في القدس الشرقية أمس قبل انطلاق مسيرة الأعلام اليهودية (أ.ب)
TT

جهود دولية وإسرائيلية سحبت فتيل {مكيدة المسيرة الاستفزازية}

الشرطة الإسرائيلية تغلق طريقاً في القدس الشرقية أمس قبل انطلاق مسيرة الأعلام اليهودية (أ.ب)
الشرطة الإسرائيلية تغلق طريقاً في القدس الشرقية أمس قبل انطلاق مسيرة الأعلام اليهودية (أ.ب)

في الوقت الذي بنى فيه اليمين المعارض في إسرائيل بقيادة رئيس الوزراء السابق، بنيامين نتنياهو، آمالاً كبيرة بأن تؤدي مسيرة الاستيطان الاستفزازية في القدس إلى فشل حكومة التغيير برئاسة نفتالي بنيت، جرت في أروقة الحكم في إسرائيل وفي العديد من عواصم دول العالم، جهود حثيثة لتبديد هذه الآمال وتمرير الحادث من دون انفجار عسكري وبأقل ما يمكن من احتكاك، وإظهار الحكومة الإسرائيلية الجديدة حكومة متوازنة وقادرة على الحكم.
نتنياهو نصب مصيدة لحكومة بنيت، فإذا أوقفت المسيرة يستطيع إظهارها حكومة يسارية ضعيفة، وإن سمحت بها، ستدخل في مغامرة توتر مع الفلسطينيين. وكانت هذه المسيرة سبباً أساسياً في إشعال الحرب على قطاع غزة، التي سميت في إسرائيل «حامي الأسوار»، وسميت في فلسطين «سيف القدس». فقد تقرر إجراؤها هذه السنة في موعد يسمى «يوم أورشليم»، العاشر من مايو (أيار) الماضي، وهو يوم احتلال القدس الشرقية سنة 1967 وفقاً للتقويم العبري. وفي حينه، عملت حكومة نتنياهو على إجراء المسيرة بأي ثمن، رغم أن أجهزة الأمن حذرت من عواقبها وأوضحت أنها يمكن أن تجر البلاد إلى صدامات دامية. وكما هو معروف، صادفت المسيرة السابقة في الثامن والعشرين من شهر رمضان، وقبل شهر من إطلاقها، انتبهت الشرطة والمخابرات الإسرائيلية إلى أن هناك خطر وقوع احتكاكات بين المتظاهرين اليهود وبين الشبان الفلسطينيين، الذين يتجمعون عادة في ساحة باب العامود في القدس لإحياء ليالي رمضان. وكي لا يقع هذا الاحتكاك؛ قررت إسرائيل إلغاء جميع ليالي رمضان، بالقوة، وتسبب القرار في تسخين الشارع الفلسطيني منذراً بالانفجار، وحصل الانفجار فعلاً، في يوم المسيرة نفسه.
ولكن حكومة نتنياهو اضطرت إلى قطع المسيرة وهي في عزّ مسارها تقترب من القدس الشرقية، وذلك بعدما أطلقت «حماس» صاروخاً نحو القدس. وردت إسرائيل بغارات كثيفة على قطاع غزة واشتعلت الحرب طيلة 11 يوماً، نفذت إسرائيل خلالها 6500 غارة، أسفرت عن سقوط 1410 شهيداً، منهم 355 طفلاً و240 امرأة و134 شرطياً و1032 مواطناً مدنياً، وعن إصابة 5380 فلسطينياً، منهم 1872 طفلاً ونحو 800 امرأة. كما ألحق القصف الإسرائيلي دماراً شاملاً في البنى التحتية في مختلف أنحاء القطاع، شمل 50 في المائة من شبكات المياه، و55 في المائة من شبكات الكهرباء. ودمرت الغارات الإسرائيلية 11122 منزلاً؛ ما أدى إلى تشريد سكانها وتشتتهم بين منازل الأقرباء أو الأصدقاء، أو اللجوء إلى المدارس، أو إنشاء خيام على أنقاض المنازل. ودمرت 581 عمارة، منها 149 دمرت تدميراً كلياً وتدمير695 منشأة تجارية، أدت إلى توقف 3900 منشأة صناعية عن العمل، وفقدان أكثر من 40 ألف شخص وظائفهم في القطاع الزراعي، و90 ألف شخص لوظائفهم في قطاعات مختلفة؛ مما رفع نسبة الفقر في قطاع غزة إلى 79 في المائة.
وفي المقابل، أطلقت التنظيمات الفلسطينية المسلحة 4360 صاروخاً باتجاه إسرائيل، منها 176 سقطت في مناطق مأهولة ووصلت حتى شمالي تل أبيب، وتسببت في مقتل 12 شخصاً، بينهم ثلاثة عمال أجانب ومواطنان عربيان من فلسطينيي 48 (أب وطفلته من مدينة اللد)، وأدخلت نحو مليون إسرائيلي إلى الملاجئ، وأوقفت حركة القطارات بين مدن وسط وجنوب البلاد، وتعليق هبوط وإقلاع الرحلات الجوية لفترات بمطار بن غوريون الدولي بتل أبيب، وهجر بيوتهم نحو نصف عدد سكان البلدات الإسرائيلية المحيطة بقطاع غزة، وبلغت الخسائر المادية أكثر من 3 مليارات دولار، لا تشمل خسائر الجيش.
هذه الصورة المأساوية، لم تمنع نتنياهو ونشطاء اليمين تحت قيادته من إعادة المسيرة، فقرروا إجراءها من جديد، رغم أن أجهزة الأمن الإسرائيلية أبلغت أنها تحبذ إلغاءها. في البداية، حددوا لذلك أحد أيام الأسبوع الماضي، لكن نتنياهو قرر تأجيلها إلى ما بعد يوم واحد من دخول الحكومة الجديدة إلى عملها، حتى يحرجها ويبرهن على أنها ضعيفة وعلى أن بنيت، الذي يؤيد المسيرة، لا يجرؤ على تنفيذها بسبب تحالفه مع اليسار، وبأن إسرائيل تحتاج إلى «قائد قوي» مثله يواجه الفلسطينيين والضغوط الدولية.
من هنا بدأت جهود ضخمة من مختلف الاتجاهات لمواجهة الأزمة. وكان من الطبيعي أن يتم إلغاء المسيرة، فهي مسيرة ذات أهداف احتلالية استيطانية استفزازية، يمكنها أن تفجّر الأوضاع الأمنية من جديد. وتوجه الوزير العربي في الحكومة، عيساوي فريج، إلى بنيت، طالباً إلغاء المسيرة وكذلك فعلت «القائمة المشتركة» للأحزاب العربية، برئاسة أيمن عودة. وتلقت إسرائيل توجهات شبيهة من دول عدة في الاتحاد الأوروبي ومن دول عربية. وبذلت إدارة الرئيس جو بايدن جهداً مميزاً في هذا الاتجاه، وأوضحت أن جميع المسؤولين الأميركيين، الذين التقوا مع وزير الدفاع بيني غانتس خلال زيارته واشنطن، قبل أسبوعين، عبّروا عن قلقهم من الوضع في القدس المحتلة واحتمال أن يؤدي التصعيد الحربي. وفي يوم أمس، اتصل مع غانتس، نظيره وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، وأبلغه أن المطلوب اليوم البرهنة على أن الحكومة الجديدة حكومة أمل تشجع المعتدلين الفلسطينيين، ولا يجوز أن تساعد على تفجير الأوضاع الأمنية. وحسب غانتس، فإنه أبلغ اوستن أنه سيعمل على تعزيز السلطة الفلسطينية والجهات المعتدلة في المنطقة.
ولكن غانتس، وكذلك رئيس حكومته، نفتالي بنيت، وبقية الوزراء في الحكومة الجديدة، خشوا من أن يفسر إلغاء المسيرة أنه «نتيجة ضعف أمام تهديدات (حماس)». وقالوا، إن إلغاء المسيرة سيخدم فقط نتنياهو الذي يعمل على إسقاط حكومتهم. وقد وجهوا الأنظار إلى وزير الأمن الداخلي في الحكومة الجديدة، عومر بارليف، الذي كان ذات مرة قائداً لأهم وحدة كوماندوس في الجيش الإسرائيلي، ويعتبر اليوم من المعتدلين في حزب العمل. إنه نجل حايم بارليف، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الذي أصبح لاحقاً وزيراً للشرطة. الوالد كان من صقور حزب العمل، ومع ذلك، فإنه ألغى مسيرة أورشليم هذه في سنة 1988 بسبب الانتفاضة الفلسطينية. ولكن الابن، الذي يؤكد أنه «رجل يسار حمائمي»، يقرر اليوم إجراء المسيرة؛ حتى لا يفسر أنه ضعيف ابن حكومة ضعيفة. وقال، إنه سيسعى إلى إحداث تغييرات في مسار هذه المسيرة، بحيث لا تقترب من المسجد الأقصى وتتجنب المناطق ذات الاحتكاك مع الفلسطينيين. وقرر مع غانتس «العمل على منع الاحتكاك والحفاظ على أمن جميع المواطنين، اليهود والعرب، ونقل رسائل بهذه الروح إلى جميع الجهات ذات العلاقة».



ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)

في ظل إصرار مصري وأوروبي على رفض الاعتراف بـ«مذكرة التفاهم» التركية - الليبية لتحديد مناطق الصلاحية البحرية الموقعة أواخر عام 2019، والتي صادق عليها مجلس النواب الليبي أخيراً، ومع تجدد عرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع مصر «يحقق المصالح المشتركة للبلدين»، يبدو أن «دبلوماسية الحوار» ستكون خيار القاهرة الأقرب لمعالجة التباينات بشأن الحدود مع أنقرة، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وصوّت مجلس النواب الليبي الأسبوع الماضي بالموافقة على اتفاقية «ترسيم الحدود البحرية» مع تركيا، وهو ما رفضته القاهرة في حينه، مؤكدة أن «الاتفاقية باطلة بطلاناً مطلقاً».

وأشار الأمين العام لاتحاد الموانئ البحرية العربية اللواء عصام الدين بدوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ترسيم الحدود البحرية عادة ما يتم عبر التفاوض القانوني والدبلوماسي»، مرجحاً «عقد اجتماعات خلال الفترة المقبلة تضم لجاناً قانونية تمثل كافة الأطراف بهدف الوصول إلى صيغة تحقق مصالح الجميع وتتوافق مع القانون الدولي».

لقاء سابق بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

من جانبه، أكد اللواء محمد إبراهيم خليل، مدير الكلية البحرية الأسبق، رفض مصر «مذكرة التفاهم» بين تركيا وليبيا، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق التركي - الليبي ينتهك الحقوق الاقتصادية لمصر في المياه الإقليمية، ويشكل حاجزاً يقطع البحر المتوسط، ويمنع أي حقوق مستقبلية لمصر في المياه الاقتصادية وما يتعلق بحقوق استكشاف الغاز والموارد الطبيعية».

وقال إن «مواجهة مثل هذا الاتفاق تتم عبر الجهود الدبلوماسية والرجوع لاتفاقيات التقسيم البحري»، مشيراً إلى أن «الحل سيكون عبر عقد جولات من التفاوض القانوني من أجل الوصول إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، ويحفظ حقوق مصر السيادية».

وأكد مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو الشوبكي، أن «قضايا ترسيم الحدود البحرية تخضع لمشاورات مع الدول الجارة والصديقة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر أمام خيارين، من بينهما التفاوض مع تركيا في ضوء العلاقات الطيبة بين البلدين، وعرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود»، مشيراً إلى أن «الطرح التركي قد يفضي إلى اتفاق جديد يرضي البلدين، ويراعي شواغل اليونان وقبرص».

أما الخيار الثاني، بحسب الشوبكي، فيتعلق بـ«تعديل مذكرة التفاهم الحالية اعتماداً على علاقات القاهرة القوية مع حكومة شرق ليبيا، والتي سبق أن أكّدت تفهمها لمخاوف مصر».

وأثارت «مذكرة التفاهم» التركية - الليبية اعتراضات عدة، لا سيما من جانب اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي. وتعليقاً على الانتقادات قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الاثنين الماضي، إن بلاده «لا تسعى لتحقيق مكاسب سياسية على حساب أي طرف في شرق المتوسط»، وإنها تدعو إلى الحوار مع جميع دول المنطقة، وستحافظ على علاقاتها مع جميع الأطراف الفاعلة في ليبيا.

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أكد خلال لقائه نظيره التركي هاكان فيدان، الجمعة الماضي في إسطنبول، على هامش اجتماعات «الآلية الرباعية»، على «رفض مصر القاطع للتصديق على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019»، مشدداً على «أهمية احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، فيما يتعلق بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف بين الدول»، بحسب إفادة «الخارجية» المصرية آنذاك.

ومن جانبه، أكد الوزير التركي «تفهمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل، ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا»، بحسب الإفادة.


10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
TT

10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)

بينما بلغت أعداد ضحايا التصعيد العسكري في اليمن نحو 10 آلاف إنسان، دخل النظام الصحي منعطفاً كارثياً هو الأشد خطورة منذ سنوات، متحولاً من حالة «الهشاشة المزمنة» إلى ما تصنفه الوكالات الدولية اليوم بحالة طوارئ معقدة غير قابلة للاحتواء، في ظل حصار على ثالثة كبرى مدن البلاد.

وأطلقت وزارة الصحة اليمنية تحذيراً من تدهور وشيك في القطاع الصحي بمحافظة تعز، مؤكدةً أن مخزون الأدوية والمستلزمات الطبية والأكسجين وصل إلى مستويات حرجة، بعد نحو 3 أشهر من التصعيد العسكري الحوثي والأعمال العدائية التي تطول المدنيين والبنية التحتية، مع تراجع حاد وغير مسبوق في التمويل الدولي.

وتتعرض مدينة تعز (جنوب غرب) لحصار تفرضه الجماعة الحوثية، مصحوباً بتصعيد عسكري في عدد من المناطق، يتركز أغلبها في المدينة ومناطق محيطة بها أو قريبة منها، وهو ما تسبب في رصد موجة نزوح جديدة شملت أكثر من رُبع مليون شخص في أرياف محافظتي لحج وتعز جراء استمرار القصف في مناطقهم.

وتُظهر أحدث البيانات الميدانية الموثقة من منظمة الصحة العالمية، حجم الكارثة الإنسانية؛ إذ خلّفت موجة التصعيد العسكري الأخيرة حصيلة ثقيلة من الضحايا بلغت 9072 ضحية جرى رصدهم عبر أنظمة الترصد الصحي المتبقية.

وتؤكد التقارير تسجيل 1677 حالة وفاة، كمنعكس مباشر للأعمال العدائية، بالإضافة إلى 7395 جريحاً غصّت بهم مراكز الصدمات والطوارئ، مما وضع ضغطاً هائلاً تفوق طاقته القدرات الجراحية للمنظومة الطبية المتهالكة أساساً.

وتتهم السلطات الصحية في تعز استهداف الجماعة الحوثية، الأربعاء، سيارة إسعاف في أثناء محاولتها نقل مدني مصاب من إحدى القرى التي تعرضت للقصف في منطقة العاوات بمديرية صبر الموادم، جنوب المدينة، خلال قصف مكثف استهدف القرى في المنطقة.

وللمرة الثانية خلال التصعيد العسكري الحالي تستهدف الجماعة سيارات الإسعاف بعد استهداف سابق الأسبوع الماضي أسفر عن مقتل سائق السيارة وفتاة مصابة كان يجري نقلها لتلقي العلاج بعد إصابتها بقصف سابق، وإصابة أحد الممرضين في طاقم الإسعاف بجروح.

كما اتهمت السلطات الصحافية في المحافظة الحوثيين بنهب 15 سيارة إسعاف من مكاتب الصحة والمراكز الصحية في المديريات الريفية.

نداء استغاثة أخير

في مدينة تعز، بلغت الأزمة الإنسانية ذروتها الحادة؛ حيث تواجه 42 منشأة ومرفقاً صحياً في المحافظة شبح التوقف التام والنهائي عن العمل خلال أيام، نتيجة النفاد الوشيك لمخزونات الأدوية، والمستلزمات الطبية المنقذة للحياة، وأسطوانات الأكسجين الطبي، وفقاً لوزارة الصحة اليمنية.

ويهدد هذا التوقف بشكل مباشر خدمات حيوية لا يمكن استبدالها؛ كحضانات الأطفال حديثي الولادة، وغرف العناية المركزة، وجلسات غسيل الكلى المنتظمة لمئات المرضى.

وتتضاعف هذه المعاناة مع استمرار الاستهداف المباشر للمنشآت، والتي كان آخرها إطلاق مسلحي الجماعة الحوثية النار على مستشفى الثورة العام، مما أسفر عن سقوط جرحى بين المرضى والكوادر الطبية.

حضانات الأطفال حديثي الولادة والخدج في مستشفيات مدينة تعز أمام خطر التوقف التام (رويترز)

ويحذّر مسؤولو الصحة العامة من تفشٍّ خطير لوباء الكوليرا الذي بات خارج السيطرة، بعد تضاعف معدلات الإصابة 3 مرات خلال أسابيع قليلة فقط، مدفوعةً بالدمار الكامل الذي لحق بشبكات المياه والصرف الصحي وتدهور خدمات الإصحاح البيئي.

ويتلازم هذا التفشي مع أزمة سوء التغذية الحاد؛ حيث تفتقر أجساد آلاف الأطفال النازحين للمناعة الأساسية اللازمة لمقاومة البكتيريا المنقولة عبر المياه الملوثة، مما يرفع مؤشرات الوفيات بين الأطفال دون سن الخامسة إلى مستويات قياسية.

دعم شحيح

ووسط تصاعد الاحتياجات على الأرض، تواجه العمليات الإغاثية الدولية والمحلية جداراً مسدوداً بسبب ما توصف بـ«أزمة جفاف التمويل الخانقة».

وحددت منظمة الصحة العالمية، أوائل الشهر الجاري، الاحتياجات المالية لإنقاذ العمليات الصحية الأساسية في البلاد بـ31 مليون دولار بشكل عاجل وفوري، إلا أنها لم تتلقَّ من المانحين سوى 2.1 مليون دولار فقط، أي بفجوة تمويلية مرعبة تصل إلى 93 في المائة.

القصف الحوثي يتواصل على المساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)

وتُرجم هذا العجز التمويلي على الفور إلى كارثة ملموسة؛ حيث أُغلقت 15 منشأة صحية حيوية بشكل نهائي، وتم تسريح عشرات الفرق الطبية المتنقلة التي كانت تمثل شريان الحياة الوحيد للمجتمعات النائية ومخيمات النازحين في محافظات مواجهة ساخنة مثل مأرب.

وتُجمع الأوساط الإنسانية الدولية والمحلية على أن الوقت قد نفد بالفعل؛ وما لم يتدخل المجتمع الدولي فوراً للضغط نحو وقف الأعمال العدائية، وفتح ممرات إنسانية آمنة لفك الحصار الإمدادي عن تعز، وضخ سيولة مالية إسعافية عاجلة، فإن اليمن يتجه نحو أكبر انهيار طبي في تاريخه الحديث.


«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
TT

«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)

أبدت مصر اهتماماً بامتلاك محطات نووية جديدة تزامناً مع استمرار العمل في بناء محطة «الضبعة النووية» التي تنفذها بالتعاون مع روسيا، في ظل رغبتها بتنويع مصادر الطاقة بما يلبي احتياجاتها من الكهرباء.

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال محادثاته مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، مساء الأربعاء، إن مصر تتطلع لزيادة التنسيق بين البلدين في ما يتعلق بالوحدات الإضافية التي يمكن تركيبها في موقع «محطة الضبعة» للطاقة النووية بعد عام 2030، فضلاً عن إمكانيات التعاون في مجال «المفاعلات النووية العائمة» وتحلية مياه البحر والطباعة ثلاثية الأبعاد ودعم الصناعات المتخصصة.

وحظي التعاون بين مصر وروسيا في مجال الطاقة النووية بنقاشات واسعة على هامش زيارة الرئيس المصري إلى موسكو للمشاركة في القمة «الروسية - الأفريقية» الثالثة، والتقى، الخميس، المدير العام لـ«الوكالة الحكومية الروسية للطاقة النووية» (روساتوم) أليكسي ليخاتشوف، وشدد على أهمية مشروع «محطة الضبعة» للطاقة النووية، الذي يأتي في إطار حرص مصر على زيادة إنتاج الطاقة المتجددة لرفع مساهمتها في إجمالي مزيج الطاقة.

السيسي خلال لقائه المدير العام لشركة «روساتوم» (الرئاسة المصرية)

وتعد محطات الطاقة النووية العائمة، مفاعلات نووية مدمجة الحجم، تُثبَّت على سفن أو منصات بحرية مصممة خصيصاً لهذا الغرض، وتستخدم في توليد الكهرباء، وإنتاج المياه المحلاة، وتتمتع بمعدلات أخطار محدودة داخل المياه الإقليمية، بحسب أستاذ هندسة البترول والطاقة في «الجامعة الأميركية» بالقاهرة، الدكتور جمال القليوبي، الذي أضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتجاه لمزيد من محطات الطاقة النووية «يرجع إلى توجه القيادة السياسية للدولة للبحث عن مزيد من مزيج الطاقة إلى جانب الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة وطاقة الهيدروجين، ومشروعات محاكاة السدود عبر مشروع (جبل الطور) و(جبل عتاقة) في جنوب سيناء، لتوليد الطاقة الكهرومائية في مصر».

ويضم «مفاعل الضبعة النووي» أربع وحدات نووية من طراز VVER - 1200، بقدرة 1.200 ميغاواط لكل وحدة، وبإجمالي قدرة مركبة تبلغ 4800 ميغاواط، بما يسهم في دعم مزيج الطاقة المصري وتعزيز أمن واستدامة إمدادات الكهرباء. وبحسب القليوبي، فإن مصر اتفقت مع روسيا على زيادة وحدة خامسة ليصل مقدار الطاقة الكهربائية المولدة إلى 6000 ميغاوات.

وأعلن رئيس «روساتوم» ليخاتشوف، أن مصر قدمت مقترحات بشأن عدة مواقع محتملة لإقامة محطات نووية عائمة على أراضيها، مشيراً في تصريحات لصحيفة «إزفيستيا» الروسية، إلى أن المباحثات «لم تصل بعد إلى مرحلة تقديم عروض تجارية نهائية»، لكنه أعرب عن أمله «في أن تسهم لقاءاته مع المسؤولين المصريين، في دفع هذه المشروعات قُدماً».

محادثات مصرية- روسية تستهدف توسيع التعاون في مجال الطاقة النووية (مجلس الوزراء المصري)

ويؤكد القليوبي أن «روسيا شريك قديم - حديث لمصر في مجالات الطاقة النووية، وأن أول مفاعل مصري في إنشاص، كان بخبرات روسية، كما أن موسكو على المستوى السياسي قدمت دعماً للقاهرة في كثير من الأزمات التي مرت بها، خاصة في ثورة 30 يونيو (حزيران)، إلى جانب التعاون الغذائي المتزايد، عبر صفقات القمح والغاز المسال والتكنولوجيا العسكرية لدعم الجيش المصري».

وقال الخبير في الشأن الروسي، نبيل رشوان، «إن التعاون بين مصر وروسيا في المجال النووي يمضي بشكل مستقر، ولا يوجد ما يعرقل العمل في محطة الضبعة النووية أو في مشروعات نووية جديدة رغم الأحاديث عن وجود معوقات نتيجة العقوبات على موسكو»، مشيراً إلى أن مصر «اختارت روسيا رغم وجود عروض من دول مثل كوريا الجنوبية وكندا وفرنسا، اعتماداً على سداد القروض التي تحصل عليها من روسيا لبناء المحطة النووية من خلال عوائد بيع الطاقة الكهربائية».

وكان الرئيس السيسي قد شدد خلال لقائه مع نظيره الروسي على ضرورة «انتظام التدفقات المالية المخصصة للمشروع دون تأخير»، مع التشديد على «عدم اعتماد أي تعديلات جديدة على الجدول الزمني، إلا بعد تقديم المبررات الفنية والتعاقدية المؤيدة لها والموافقة عليها».

وأوضح رشوان في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن العقوبات التي تعرضت لها روسيا «لم تؤثر حتى الآن على معدلات إنجاز المشروع، وأن توقعات تهدئة الحرب بين روسيا وأوكرانيا، أو الذهاب باتجاه إنهاء الصراع، من الممكن أن تصب في صالح إنهاء المشروع في توقتيه، وهو ما تعول عليه القاهرة، خاصة بعد أن أبدت رغبتها في مزيد من التعاون في الطاقة النووية مع روسيا».

جانب من أعمال محطة «الضبعة النووية» في مصر (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

وتمضي مصر وروسيا نحو استكمال المشروع، حيث من المتوقع أن يبدأ تشغيل مرحلته الأولى في منتصف عام 2028، حسب ما أعلن عنه وزير الكهرباء المصري محمود عصمت في وقت سابق.

وبحث لقاء عقده وزير الكهرباء المصري محمود عصمت مع المدير العام لـ«روساتوم»، سبل «دعم وتعزيز الشراكة والتعاون في مجالات الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية والمفاعلات الصغيرة والمفاعلات العائمة لتوليد الكهرباء، وكذلك المفاعلات البحثية، وتعظيم العوائد من البنية التحتية في منطقة الضبعة، وإقامة مشروع متكامل لتحلية مياه البحر بالتعاون مع شركة البنية التحتية التابعة لمؤسسة (روساتوم)»، بحسب بيان صادر عن وزارة الكهرباء المصرية، الخميس.