هولدرلين شاعراً حتى الجنون!

لم يجسد أحدٌ جوهر الشعر وبراءته وفجيعته مثلما جسده

هولدرلين
هولدرلين
TT

هولدرلين شاعراً حتى الجنون!

هولدرلين
هولدرلين

متى اكتشف الفرنسيون هولدرلين؟ سؤال مطروح بشكل سيئ، كان ينبغي أن نتساءل بالأحرى: متى اكتشف الألمان هولدرلين؟ ففي أرضه وموطنه الأصلي ظل هولدرلين مجهولاً حتى بدايات القرن العشرين، أي بعد أكثر من نصف قرن على وفاته (1770 - 1843).
عندما اكتشف الشعراء الألمان أعماله بعد ستيفان جورج، وريلكه، وتراكل، جن جنونهم وراحوا يتساءلون: كيف يمكن لشاعر ضخم في مثل هذا الحجم والمستوى أن يكون مهملاً إلى مثل هذا الحد؟ كيف يمكن أن يجهله معاصروه؟ عندئذ أصبح مرجعيتهم الشعرية، وراحوا يتحدثون عنه بمناسبة وغير مناسبة. عندئذ راحوا يبجلونه ويرفعون اسمه عالياً. وحتى نيتشه راح يتحدث عنه بكل إعجاب. ومن يستطيع أن يعجب نيتشه إن لم يكن فلتة من فلتات الزمان؟ عندما ينرفز نيتشه يهتز العالم. هذا ناهيكم بهيدغر الذي ظل مبهوراً به طيلة حياته وكرس له صفحات طوالاً: أناشيد هولدرلين: ألمانيا ونهر الراين، مقاربات هولدرلين، إلخ... بل وقال عنه ما يلي: «هولدرلين يضيء لنا المستقبل لأن شعره يرهص بالقدر العالمي للإنسان الحديث». وعندئذ سمع به جيرانهم الفرنسيون، فراحوا يبحثون عنه أيضاً ويترجمون أشعاره.
ووصل الأمر بموريس بلانشو إلى حد التحدث عن «الكلام المقدس لهولدرلين»!
لقد جسد هولدرلين جوهر الشعر وراديكاليته الحيوية في قصائده، جسد البراءات المطلقة للشعر. وما معنى الشعر من دون براءاته الأولى المتفجرة كالصواعق والأنهار والشلالات؟ ما معنى القصيدة إن لم تكن كفلق الصبح؟ القصيدة تخترق المستحيلات، تبدد الظلمات. القصيدة تحقق الانفراجات بعد الانسدادات. ولذلك ما إن نقرأ قصيدة لها معنى حتى نتنفس الصعداء، حتى نشعر بالارتياح. وربما رقصنا فرحاً أو خرجنا عن طورنا. ربما شعرنا أن العالم تغير، والكون اتسع... إذا كان هناك شاعر لا يغش في شعره، فهو هولدرلين. وقد عاش الشعر كتساؤل مفتوح وكملاذ يلجأ إليه إذا ما ادلهمت الدنيا في وجهه. وقد ادلهمت كثيراً حتى فقد عقله في نهاية المطاف وهو في السابعة والثلاثين فقط. ومعلوم أنه عاش نصف حياته في الصحو والنصف الآخر في متاهات الغياب.
لكن حتى قصائد «الغياب» التي كتبت في المرحلة المترجرجة بين المرحلتين لا تستهينوا بها. إنها من أجمل ما يكون. لنستمع إلى إحداها التي ربما كانت آخر ما كتب قبل أن ينطفئ كلياً، ويقلب في الجهة الأخرى من سفح الجنون:
حلاوة هذا العالم ذقتها كلها
الشباب لم يعد نهراً على الأفق
نيسان وأيار أصبحا بعيدين
الصيف نفسه أصبح بعيداً
وأنا لم أعد شيئاً
لم تعد لي رغبة في الحياة
كان هولدرلين شاباً جميلاً جداً. يقال بأنه عندما كان يدخل الغرفة يضيئها. وكان مثقفاً من أعلى طراز. كان أستاذه ومعبوده جان جاك روسو. كان مثله الأعلى. وقد رثاه بقصيدة عصماء أو أكثر من قصيدة. كلهم كانوا مبهورين بجان جاك روسو. صديقه هيغل أيضاً. وقبله كانط. العباقرة تعرف بعضها... وسبب جنونه هو أنه وقع في حب امرأة متزوجة وقد ماتت لوعة وأسى بسببه أو بسبب فراقه بعد أن انفضحت القصة. وعندما سمع بموتها، وكان في مدينة بوردو الفرنسية، اختل عقله وعاد سيراً على الأقدام إلى ألمانيا. هو «قتلها» وهي جننته. رجعنا إلى مجنون ليلى والحب الأقصى.
بعضهم يصف هولدرلين بالشاعر المطلق. إنه الشاعر الأصفى أو الأنقى في تاريخ ألمانيا. عفواً ريلكه! وعفواً نيتشه أيضاً! وربما عفواً هيدغر! لم يجسد أحد جوهر الشعر، وبراءته، وفجيعته، مثلما جسدها هولدرلين.
ولد في عائلة شريفة متواضعة. وعاش طفولة متقشفة صارمة في ظل الأديرة والكنائس المنتشرة بكثرة بين الغابات والأنهار والبحيرات في واحدة من أجمل مناطق ألمانيا. ثم فقد أباه وهو صغير، ودخل إلى المدارس الدينية لكي يرضي أمه وجدته اللتين كانتا تحلمان له بمستقبل باهر. كيف؟ كرجل دين في الأرياف!... أما هو فكان يحلم بمستقبل آخر معاكس تماماً. كان يريد أن يصبح مثقفاً حداثياً تنويرياً ليس إلا. كان يريد أن ينفض عن نفسه غبار الزمن والقرون والأصوليات.
وفي جامعة توبنجن، راح يكتشف الآداب والأساطير الإغريقية. وهناك تعرف على شابين من جيله سوف يكون لهما مستقبل عظيم لاحقاً: هيغل وشيلنغ. هؤلاء هم الرفاق الثلاثة على مقاعد الدرس بل وسكنوا جميعاً الغرفة ذاتها.
تصوروا الأمر: ثلاثة عباقرة في غرفة واحدة! هو سوف يصل إلى قمة الشعر، وهما سيصلان إلى قمة الفكر. وسوف تتعانق القمتان، قمة الشعر وقمة الفكر، في شخصه لأنه كان فيلسوفاً ومفكراً عميقاً أيضاً. انظروا روايته الشعرية الفلسفية الهائلة: هيبريون. ولكنه كان متمزقاً على نفسه لأن ألمانيا ذاتها كانت متمزقة بين الدين/ والفلسفة، أو بين الإيمان/ والعقل. ويقال بأن المناقشات الصاخبة التي دارت حول الإلحاد أقلقت روحه كثيراً. كان ذلك عصر الزعزعات الكبرى التي تلخصها عبارة واحدة: كيف يمكن للروح أن تنتقل فجأة من عصر الدين إلى عصر الفلسفة؟ كيف يمكن أن ننفصل عن الأصولية المتغلغلة في أعماقنا وجذورنا؟ كيف يمكن أن ننتصر على أنفسنا؟ الحل الوحيد هو المصالحة بين الدين والفلسفة. فإذا ما فهمنا الدين بشكل صحيح فلا توجد أي مشكلة. المشكلة هي في الفهم الخاطئ والظلامي للدين لا في الدين ذاته. الدين حمال أوجه.
في الجامعة راح هولدرلين يكتشف لأول مرة الفكر التحريري أو التنويري: أي فكر لايبنتز، وفولتير، وكانط، وفيخته، وجان جاك روسو، إلخ. وكانوا يقرأون كتب فلاسفة الأنوار سراً ويخفونها تحت اللحاف إذا ما دخل المفتش الكهنوتي فجأة إلى الغرفة!
على أي حال فالسؤال الكبير الذي كان مطروحاً على مثقفي ألمانيا هو التالي: كيف يمكن أن تخرج من الرؤية القديمة للعالم وتعتنق الرؤية العلمية والفلسفية للعالم؟ سوف يدفع هولدرلين ثمن هذا الخروج، هذا العبور الصعب غالياً. سوف يكلفه نزيفاً حاداً. وهو السؤال ذاته المطروح على المثقفين العرب حالياً.
من هذه الناحية فإن مسافة التفاوت التاريخي بين أوروبا والعالم العربي أو الإسلامي ككل تبلغ مائتي سنة على الأقل. نضيف بأن الصراع الطائفي بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين كان لا يزال هائجاً مشتعلاً في ألمانيا آنذاك. وكان يقلقه أيضاً ويؤلمه. الآن لم يعد له وجود بفضل الاستنارة العقلية والتقدم الهائل والمعارك الطاحنة التي خاضها الفلاسفة والأدباء والشعراء في أوروبا على مدار ثلاثة قرون متواصلة. انظروا بهذا الصدد «المانيفست الأول للفلسفة المثالية الألمانية»، وهي أعظم فلسفة ظهرت في العصور الحديثة. ومن الذي كتبه: هل هو هولدرلين أم هيغل أم شيلنغ؟ لا يهم. الثلاثة كتبوه حوالي عام 1796. وماذا يقول؟ باختصار شديد ما يلي: «لا يمكن لألمانيا أن تنهض فعلاً إلا بعد بلورة فهم جديد كلياً للدين المسيحي. ينبغي بأي شكل الخروج من الفهم القديم الجامد المتحجر. وينبغي بشكل خاص أن نتحرر من الفهم الطائفي الضيق المتعصب الراسخ في العقلية الجماعية رسوخ الجبال. وإلا فلن يحصل التحرير الكبير، ولن تحصل النهضة الألمانية المنتظرة».
بهذا المعنى، وبتصرف. والآن بالله عليكم أسألكم: عم يتحدث هذا النص التاريخي بالضبط: عن الأمة الألمانية في القرن الثامن عشر، أم عن الأمة العربية في القرن الحادي والعشرين؟ أترك لكم حرية الجواب.
لكن ماذا عن شعر هولدرلين؟ لقد كان رومانطيقياً مهووساً بالطبيعة: أي بتعاقب الفصول والسنين، بمواسم الحصاد والقطاف، بالنمو والانحطاط، بالحياة والموت، بالفرح والألم، بالبرق والرعد، بالأزهار والأشجار، بكل شيء. لنستمع إلى هذا المقطع القصير الذي قد يتجاوز كل شعر:
آه ما أجمل سطوع الشمس وأزهار الأرياف!
الأيام تجيء، مفعمة بالأزهار، الأيام ناعمة، وديعة.
المساء أيضاً له أزهاره. والنهارات المضيئة
تنزل من السماء
هناك حيث تولد الأيام...
ولنستمع إلى هذا المقطع أيضاً من قصيدة بعنوان: «تماماً، كما في يوم الراحة»:
تماماً، كما في يوم الراحة، الفلاح
يخرج مع الفجر لكي يتفقد حقله
بعد تلك الليلة الليلاء المشتعلة بأنوار البرق،
رسول النداوة والطراوة،
البرق الذي تساقط بلا توقف طوال الليل.
ولا يزال في البعيد يزمجر صوت الرعد،
والنهر يعود إلى شواطئه،
والأرض الندية تخضوضر،
وتحت المطر الغزير للسماء،
الكرمة تختلج مشبعة بالماء، وأشجار الروضة
تلمع تحت شمس هادئة.
هذا هو هولدرلين الذي أتحفنا، أضاء لنا الطريق، أكاد أقول جن من أجلنا أو نيابة عنا على فرض أننا لسنا مجانين! لقد وصل بالأدب الألماني إلى قمة القمم شعراً ونثراً. ولكنه كان يعاني من عذاب نفسي حاد ظل يصارعه كالتنين حتى آخر لحظة قبل أن يستسلم له ويغطس رويداً رويداً في بحر الجنون.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».