مالي... حلبة صراع بين باريس وموسكو

شهدت 4 رؤساء و3 انقلابات عسكرية خلال أقل من 10 سنوات

مالي... حلبة صراع بين باريس وموسكو
TT

مالي... حلبة صراع بين باريس وموسكو

مالي... حلبة صراع بين باريس وموسكو

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بالأمس، أن عملية «برخان» العسكرية التي يخوضها جيش بلاده في منطقة الساحل الأفريقي، بما فيها جمهورية مالي، ستنتهي في غضون أسابيع، لتتحول وفق «تغيير عميق» إلى تحالف دولي لمكافحة المتطرفين في المنطقة. وأوضح ماكرون خلال مؤتمر صحافي: «في نهاية المشاورات (...) سنبدأ تغييرا عميقا لوجودنا العسكري في منطقة الساحل»، مؤكدا نهاية «برخان» وإبدال ما سماه تحالفا دوليا يضم دول المنطقة بها.
لقد بدأ التدخل العسكري الفرنسي في منطقة الساحل في يناير (كانون الثاني) 2013، بعملية «سيرفال» لطرد تنظيم «القاعدة» من شمال مالي، لتتحول في أغسطس (آب) 2014 إلى عملية «برخان» التي يبلغ قوامها 5100 جندي فرنسي وتنشط في دول الساحل الخمس، موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو. ومما ذكره ماكرون إنه في غضون أسابيع ستعلن عن آليات وأجندة لإنهاء هذه العملية العسكرية، وتحويلها إلى قوة دعم للجيوش المحلية الراغبة في ذلك. وكان قد سبق للرئيس الفرنسي أن أعلن خلال العام الماضي رغبته في تقليص عدد القوات الفرنسية الموجودة في الساحل الأفريقي لمحاربة الجماعات الإسلامية المسلحة. كذلك هدد ماكرون بالانسحاب من مالي بعد الانقلاب الذي وقع فيها نهاية مايو (آيار) الماضي. وفي أي حال، يأتي هذا القرار في ظل تصاعد تيار مناهض للوجود العسكري في مالي وبعض دول غرب أفريقيا، ومطالب متصاعدة في مالي، بالذات، بضرورة التعاون العسكري مع روسيا.
عندما انقلب ضباط من الجيش في مالي على الرئيس الانتقالي، نهاية مايو (أيار) الماضي، خرجت مظاهرة مؤيدة لتحركهم، كان في مقدمتها شاب يرفع لافتة تطالب برحيل فرنسا التي تنشر 5100 جندي في البلد لمحاربة الإرهاب، ولكن الشاب المتحمس يقترح إبدال روسيا بفرنسا، لأنه مقتنع بأن مالي عاجزة عن الوقوف وحدها، وعليها أن تختار الوصي عليها من بين القوى العظمى.
مالي، التي تحمل اسم واحدة من أعرق الإمبراطوريات التاريخية في غرب أفريقيا، استقلت عن فرنسا عام 1960. ولكن منذ ذلك الوقت عجز الماليون عن إقامة مشروع «الدولة الوطنية»، بسبب الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية، والفشل في تحقيق الوحدة الوطنية بين الجنوب الذي تقطنه قبائل الماندينغ الأفريقية، والشمال الذي يقطنه الطوارق والعرب. ومنذ 2012 دخلت مالي في منعرج خطير، حين سيطر تنظيم «القاعدة» على ثلثي مساحة البلاد في الشمال، وبدأ يزحف نحو العاصمة باماكو في الجنوب. حينها قاد ضباط من أصحاب الرتب المتوسطة انقلاباً عسكرياً أطاح بالرئيس الراحل أمادو توماني توري، لتدخل البلاد في مرحلة انتقالية قادها الرئيس ديونكوندا تراوري، الذي استغاث في شهر يناير (كانون الثاني) 2013 بالرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند، طالباً منه التدخل عسكرياً لمنع سقوط العاصمة باماكو في أيدي الإرهابيين، فأطلق هولاند عملية «سيرفال» العسكرية، التي ما تزال مستمرة حتى اليوم تحت اسم «برخان».
طيلة هذه السنوات كان الفرنسيون يتحدثون عن تكاليف بشرية ومادية باهظة للحرب على الإرهاب في مالي، ويعلنون بين الفينة والأخرى نيتهم الانسحاب، بيد أنهم في النهاية رفعوا عدد جنودهم من 3500 جندي عام 2013. ليصل عام 2020 إلى أكثر من 5100 جندي، ونجح الفرنسيون في تصفية عشرات القادة البارزين في «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، من أبرزهم أمير التنظيم عبد المالك دروكدال.
وخلال شهر سبتمبر (أيلول) 2013 نصّب الماليون إبراهيم بابكر كيتا رئيساً جديداً للبلاد، وكانت مهمته الأولى هي حل المعضلة الأمنية. غير أنه لم ينجح في ذلك رغم أن الماليين أعادوا انتخابه عام 2018، وبعد مرور سنتين من ولايته الثانية و7 سنوات من حكمه، نفد صبر الماليين حين أدركوا أنه بدّل الحرب على «القاعدة» في جبال وعرة بأقصى الشمال، بالمواجهة في وسط البلاد وفي الجنوب. ودخل «تنظيم داعش» المنطقة بقوة، وتكرّس الشرخ الاجتماعي والعرقي في البلاد، وانهار الاقتصاد، فخرجت مظاهرات وبدأ عصيان مدني.
لقد اقترنت معارضة الرئيس كيتا بالموقف المعادي لفرنسا، لأن كيتا في نظر أغلب الماليين هو الرئيس الذي جلبه الفرنسيون، كما أن فشله في تحقيق الأمن هو فشل للجيش الفرنسي. وبالتالي، فإن الانقلاب الذي أطاح بكيتا في أغسطس (آب) الماضي، رافقته مطالب صريحة بطرد القوات الفرنسية. إلا أن فرنسا عارضت انقلاب أغسطس، ودعت الضباط الذين قادوه إلى تسليم الحكم للمدنيين والعودة إلى الوضع الدستوري. وعندها قرر الجيش تعيين رئيس مدني انتقالي، هو باه أنداو، على أن يكون زعيم الانقلاب الكولونيل أسيمي (هاشمي) غويتا، نائباً للرئيس الانتقالي، وحُددت مهلة 18 شهراً لتنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية في البلاد.
ولكن عند منتصف المسافة، بعد مرور 9 أشهر من هذه المهلة، وقعت الانتكاسة. إذ قرر الوزير الأول، بموافقة من الرئيس الانتقالي، يوم الاثنين 24 مايو (أيار) الماضي مباشرة بعد عودة الرئيس من زيارة إلى باريس، إعفاء وزيري الدفاع والأمن الوطني من منصبيهما، وهما ضابطان من أبرز قادة انقلاب أغسطس الماضي. على الإثر، وقع انقلاب جديد، وصفه وزير الخارجية الفرنسي بأنه «انقلاب داخل انقلاب»، أما الرئيس إيمانويل ماكرون فقد هدّد بسحب قواته من مالي، وأعلن رسمياً تعليق التعاون العسكري «مؤقتاً» مع الجيش المالي. واليوم، يتحدث الماليون عن محاولة باريس قلب الطاولة على ضباط محسوبين على موسكو، حين أوعزت إلى الرئيس الانتقالي بإقالتهم من الحكومة، وإبعادهم عن مركز اتخاذ القرار، لكن الضباط كانوا أسرع منه... فأقالوا الرئيس وتحكّموا في مقاليد الحكم.

حلبة الصراع
لم يعد الصراع بين باريس وموسكو في أفريقيا جنوب الصحراء صراعاً خفياً، خاصة بعدما أصبحت روسيا اللاعب الأقوى في جمهورية أفريقيا الوسطى، التي علقت باريس المساعدات التي كانت تقدم لها وأوقفت التعاون العسكري معها، في أعقاب اتهام حكومتها بـ«التواطؤ» في حملة معلومات مضللة ضد باريس تدعمها روسيا. ويعتقد الصحافي الموريتاني موسى ولد حامد، المدير الناشر لصحيفة «بلادي» الناطقة باللغة الفرنسية، أن «روسيا تحاول منذ سنوات دخول أفريقيا جنوب الصحراء، وقد اقتربت بالفعل من أن تنتزع جمهورية أفريقيا الوسطى من النفوذ التقليدي الفرنسي. وعلى الرغم من وجود قاعدة عسكرية فرنسية في هذا البلد، فإن مَن يباشر الحياة السياسية والأمنية هم الروس وأعوانهم، وهناك أكثر من 3 آلاف مقاتل من مجموعة فاغنر (الأمنية) الروسية».
ويرى الصحافي الموريتاني، المتابع لتطور الأحداث في أفريقيا منذ أكثر من عقدين، أن «لدى روسيا خطة محكمة لزيادة نفوذها في أفريقيا، وخاصة مناطق النفوذ الفرنسي». ويؤكد أن التحرك الروسي أخذ أبعاداً دبلوماسية وعسكرية وأمنية، حتى إعلامية، وهو يقوم على استغلال أخطاء الفرنسيين وتحريك مشاعر عدوانية تجاه فرنسا، عبر إحياء ذكريات حقبة الاستعمار.
في المقابل، من المؤكد أن الفرنسيين لن يخسروا معركة النفوذ في هذه المنطقة بسهولة، وهذا ما يؤكده الباحث السياسي المالي الدكتور فاكابي سيسوكو، الذي يعتبر أن الماليين الذين يطالبون بطرد القوات الفرنسية «يتجاهلون أن فرنسا ترسل أبناءها للموت في مالي منذ نحو 10 سنوات، إنها لا تفعل ذلك من أجل عيون الماليين، وإنما لحماية مصالحها».
أما الناشطة السياسية الشابة آدام ديكو، التي تقود جمعية شبابية لترسيخ قيم المواطنة والديمقراطية في مالي، فتعتقد أن «فرنسا لن تتنازل عن مالي، لأنها بوابة تسعى الدول العظمى دخول المنطقة عبرها، وفرنسا تريد التحكم في هذه البوابة».
لكن ولد حامد يرى أن إدارة الرئيس ماكرون في «وضعية حرجة ومأزق حقيقي»، ويفسر ذلك بأن «فرنسا مقبلة على انتخابات رئاسية في غضون عام، وهو ما يحد من الخيارات أمام ماكرون، فلا يمكنه التصرف كما يحلو له»، ومن جهة أخرى «تعرضت السياسات الفرنسية في الساحل لضربة قوية بعد مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي، وما أعقبه من انقلاب عسكري وأوضاع غير مستقرة، في بلد كانت تراهن عليه فرنسا في حربها على الإرهاب».
وتابع الصحافي الموريتاني أن «خروج تشاد من المشهد وضع الفرنسيين في ورطة، لأن مالي وبوركينا فاسو والنيجر ليست دولاً قادرة على أن تكون حليفة في الحرب على الإرهاب. وأكبر مشكلة واجهت الفرنسيين منذ تدخلهم العسكري هي أن مالي نفسها غير موجودة، ولم تنجح في أن تكون شريكاً في هذه الحرب، فهي لا تملك جيشاً ولا سلطة سياسية ثابتة تتمتع بالشرعية. أما موريتانيا فهي البقعة الهادئة الوحيدة في المنطقة، لكن بؤر التوتر تحيط بها من كل جانب».
وهكذا أصبح المستقبل غامضاً أمام مشروع مجموعة دول الساحل الخمس، الذي أسس برعاية فرنسية عام 2014. وهو ما يعقد الأمور أكثر بالنسبة لفرنسا. بل إن الأوضاع ساءت أكثر حين برز التيار المعادي لفرنسا، وتغلغل في الشارع المالي. وهو ما يفسره الصحافي الموريتاني بأنه «موقف نابع من اعتقاد الماليين بأن فرنسا موالية لحركات الطوارق في الشمال، التي تطالب بالانفصال».

حضن «الدب الروسي»
الشاب قاسم كوليبالي يقود حالياً مبادرة سياسية شبابية لدعم الانقلاب الأخير في مالي، وهو ينشط من أجل تدخل عسكري روسي في مالي، مبرراً ذلك بأن «روسيا ستكون شريكاً أفضل لنا. علاقاتنا معها قديمة جداً، ولكن يجب إعادة إحيائها، ووضعها في نفس مستوى التعاون الذي يربطنا مع الشركاء الآخرين، وخاصة فرنسا». ويضيف كوليبالي أنه نظّم رفقة مجموعة من الشباب «المتطوّعين» حملات إعلامية وجولات ميدانية من أجل «شرح الوضع الجيو استراتيجي الصعب الذي توجد فيه مالي، كما وجّهنا رسائل إلى السفارة الروسية في باماكو، وأجرينا اتصالات مع العاملين فيها، لإقناع موسكو بضرورة التحرك جدياً لمساعدة مالي».
وخلال النقاشات التي يجريها كوليبالي مع الماليين في الشوارع، ومع وسائل الإعلام المحلية، فإنه يستحضر موقف الزعيم الاستقلالي الراحل موديبو كيتا، أول رئيس لدولة مالي بعد استقلالها عن فرنسا عام 1960. وكان موديبو كيتا اشتراكياً حتى النخاع، وربطته علاقات قوية مع الاتحاد السوفياتي، وحصل من موسكو على تمويلات كبيرة خلال حقبة الستينات، على حد تعبير قاسم كوليبالي. وفي الوقت ذاته يهاجم كوليبالي الفرنسيين، فيقول: «من الواضح أننا لم نحقق أي نتائج إيجابية من التعاون مع فرنسا والاتحاد الأوروبي. وبعد مرور 10 سنوات تقريباً على الوجود العسكري الفرنسي في الأراضي المالية، الوضع يزداد سوءاً، ولا يمكننا أن نستمر في هذا التوجه»، بل إنه يتفاءل أكثر حين يقول إن «الشراكة مع روسيا من شأنها أن تسرّع في القضاء على الإرهاب».
في المقابل، الناشط السياسي بصيرو بن دومبيا، لديه وجهة نظر مختلفة، إذ يقول: «لا أعتقد أن مغادرة فرنسا ستنهي الإرهاب، حتى مجيء روسيا لن ينهيه. الأزمة أعمق من ذلك، ولكن يجب أن ندرك أنه في مجال التعاون العسكري لا شيء مجاني. وروسيا التي ترتفع المطالب بدخولها إلى مالي، هي التي تدخّلت في سوريا لمنع سقوط نظام بشار الأسد، وهي تدخلت عبر شركات أمنية خاصة، ولم تطلق رصاصة ولا صاروخاً إلا وهناك فاتورة ستدفع مقابله، إنهم تجّار ولا يعطون بالمجّان».
في هذا السياق، يوضح الصحافي الموريتاني موسى ولد حامد أن «روسيا مختلفة عن بقية القوى العظمى الحاضرة في أفريقيا، فهي لا تبحث عن الثروات أو الخيرات أو المواد الأولية، بل تبحث عن سوق لبيع الأسلحة، ومالي تمثل واحدة من أكبر هذه الأسواق في أفريقيا». وهذا ما يعني أن توطين الإرهاب في مالي ومنطقة الساحل، يخدم روسيا أكثر من القضاء عليه. ثم يتابع، أن روسيا والصين «قدمتا أكبر خدمة لقادة انقلاب باماكو، حين اجتمع مجلس الأمن الدولي للحديث عن انقلاب مالي، ولم يتمكن من اتخاذ أي قرار ضد الانقلابيين، بسبب روسيا والصين. وهذا ما أثار الشكوك حول العلاقة بين الانقلابيين وموسكو، خاصة أن هناك من يشير إلى ضباط شباب، من قادة الانقلاب الأخير، تربطهم علاقات وطيدة بروسيا... وسعى عدد منهم لإبرام صفقات سلاح مع موسكو، كانت مثار جدل واسع في الإعلام الفرنسي والمالي».
ورغم الدعوات المتزايدة بضرورة انسحاب فرنسا ودخول روسيا إلى مالي، يرفض المحامي المالي عمر كوناري ذلك السيناريو، فيعلّق: «أنا لست مع الانسحاب المفاجئ للقوات الفرنسية، كما أنني لست مع مجيء مفاجئ وفوضوي للقوات الروسية. موقفي هو أن يكون هناك تفكير معمق للتوصل إلى مخرج يوافق عليه الجميع، مع رفض الخضوع لضغط الشارع». ويقدم المحامي وجهة نظر بدأت تتردد كثيراً في الشارع المالي، وهي إمكانية التعايش بين باريس وموسكو في مالي، ضمن إطار تحالف دولي لمحاربة الإرهاب. ويوضح المحامي أن «الأراضي المالية شاسعة، وفي حين يوجد الفرنسيون والأوروبيون في الشمال والشرق، يمكن لروسيا أن تتدخل عسكرياً في الجنوب أو الغرب... وهذا مهم لمحاربة الإرهاب».
ختاماً، وباختصار، ما يخشاه الماليون هو العودة دوماً إلى المربع الأول. فخلال أقل من 10 سنوات مرّ على البلد 4 رؤساء، و3 انقلابات عسكرية، واقتراعان رئاسيان. وفي كل مرة، عادت الأمور أسوأ مما كانت عليه، وثمة أصوات قليلة تدعو إلى البحث عن «خلل بنيوي» يجب تصحيحه، داعية إلى «إعادة تأسيس» الدولة وفق عقد اجتماعي جديد. هذا على الأرجح ما يراه الماليون، إلا أن القرار سينتظر حسم الصراع بين «الديك الفرنسي» و«الدب الروسي» و«التنّين الصيني» في صحراء مالي الغنية بالعواصف.

أرض مالي الملغّمة!
> مالي التي تحولت إلى ساحة لصراع القوى العظمى، ينتظرها «مستقبل غامض» حسب رأي الصحافي الموريتاني موسى ولد حامد، وبالتالي فإنها لن تكون شريكاً جاداً لأي طرف دولي، سواء كان فرنسا أو روسيا، وإنما قد تكون ساحة للصراع أو سوقاً للبيع.
ويضيف ولد حامد: «لا أعتقد أن الماليين قادرون على الخروج من هذه الأزمة في المنظور القريب، لأنها أزمة داخل كثير من الأزمات. فالبلد يعاني معضلة في التماسك الاجتماعي، وتشكلت هويات صغرى أقوى من الهوية الوطنية. وبالتالي أصبحت الأرضية في مالي ملغّمة، والسلطة المركزية فاقدة للشرعية وغير مستقرة، والطبقة السياسية هشة، والجيش غير موجود، إنها دولة يمكن وصفها بالفاشلة».
ولكن ولد حامد يعتقد أن أخطر ما تواجهه مالي في المستقبل القريب هو «غياب شخصيات سياسية محورية قادرة على أن تجمع الناس، ما عدا الإمام محمود ديكو الذي لا يثق فيه الفرنسيون، ولكنهم قد يضطرون للقبول به، مع أنه لا يملك خطة للخروج بمالي من هذه الوضعية».
أما الناشطة السياسية الشابة آدام ديكو، التي تقود جمعية شبابية لترسيخ قيم المواطنة والديمقراطية في مالي، فتتمسك بالأمل وتعتقد أن الشرط الأول للخروج بمالي من هذه الوضعية هو «احترام المهلة المحددة للفترة الانتقالية، لأن ما نخشاه هو بقاء الانقلابيين في الحكم». وتضيف أن «الفترة الانتقالية ليس مطلوباً منها أن تحل جميع مشكلات مالي، لأن الإصلاح عملية تتطلب الوقت».
ومن جانبه، لا يولي الدكتور فاكابي سيسوكو أي اهتمام للمدة الزمنية للفترة الانتقالية، بل يعتقد أن تنظيم انتخابات شفافة وديمقراطية هو الأهم، ويقول في هذا السياق: «حين نشاهد عسكريين قادرين على اقتحام المجال السياسي بهذه الطريقة، وإقالة رئيس انتقالي هم من اختاروه، وفق آليات هم من وضعوها... فما هو الضامن أنهم لن يعودوا في نهاية الفترة الانتقالية لتغيير قواعد اللعبة من جديد، فيقلبوا نتائج الانتخابات الرئاسية حين يهزم مرشحهم؟ وما هو الضامن بأنهم لن يقرروا في النهاية تمديد الفترة الانتقالية بطريقة أحادية ببساطة، لأنهم يملكون السلاح؟».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.