رحلتي مع «البوكر»... داخل اللغة خارج الحياة!

متعة القراءة اختلطت بصعوبة المهمة وجسامة المسؤولية

رحلتي مع «البوكر»... داخل اللغة خارج الحياة!
TT

رحلتي مع «البوكر»... داخل اللغة خارج الحياة!

رحلتي مع «البوكر»... داخل اللغة خارج الحياة!

ترددت كثيراً قبل أن أقرر الكتابة عن تجربة التحكيم في الدورة الأخيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، والتي اصطلح على تسميتها بالبوكر العربية. ولم يكن التردد ناجماً عن افتقار الموضوع إلى ما يحتاجه من الأفكار والتفاصيل و«المواد الأولية» اللازمة للكتابة، بقدر ما كان وليد الحذر الشديد من الإفصاح عن المداولات الخاصة بلجنة التحكيم، وما شهدته اجتماعاتها من سجالات ووجهات نظر متباينة ينبغي وفق النظام الداخلي للجائزة أن تظل قيد الكتمان. على أن ذينك التردد والحذر ما لبث أن أعقبهما اعتقاد راسخ بأن مثل هذه التجربة المحفوفة بالمخاطر، تستحق أن يُكشف النقاب عن بعض وجوهها، لا من الزاوية المتعلقة بإفشاء الأسرار وخرق الأعراف المتبعة، بل من زاوية ما يتطلبه خوضها من جهود مضنية، ومن اختبار دقيق لملكات النزاهة والنقد الموضوعي والترفع عن الأهواء.
وما أود الإشارة إليه في هذا السياق، هو أن الغبطة المتولدة عن مثل هذا التكليف «التكريمي» كان يشلها على الدوام شعور موازٍ بالكف عن كتابة الشعر أو القيام بأي عمل جوهري مماثل، في ظل ما تتطلبه المهمة من تفرغ وتبتل كليين. صحيح أنني كنت وما زلت من المولعين بقراءة الروايات والمتمرسين بالنقد الروائي، الأمر الذي أخذه القيمون على الجائزة بعين الاعتبار عند تكليفي بترؤس لجنة التحكيم، وهي المهمة نفسها التي كُلّف بها قبل سنوات الشاعر الفلسطيني، الذي رحل مؤخراً، مريد البرغوثي، ولكن الأمور تختلف عن سابقاتها هذه المرة؛ حيث لم تعد القراءة هواية ممتعة أو خياراً طوعياً، بل باتت مسؤولية نقدية مضنية، يتطلب القيام بها أشهراً كثيرة من القراءة المتأنية وتدوين الملاحظات وعقد المقارنات المختلفة من جهة، والانقطاع عن كل ما يتصل بشؤون الحياة وشجونها، من جهة أخرى. على أن هذه المجازفة الصعبة لم تكن لتقع أوزارها على كاهل شخص بمفرده، بل كان العبء موزعاً بالتساوي بين سائر الأعضاء المحكمين، وهم الروائي اليمني علي المقري، والكاتبة والإعلامية الإماراتية عائشة سلطان، والكاتبة والمترجمة اللبنانية المقيمة في البرازيل صفاء جبران، والكاتب والمترجم المغربي محمد آيت حنا.
كنت أعرف بالطبع، كما هو حال زملائي المحكمين، بأن المعدل السنوي للأعمال المرشحة لا يقل وفق ما أظهرته الدورات السابقة عن 150 عملاً، خاصة بعد أن بدأت فنون السرد تحظى بمكانة استثنائية في الإطارين العربي والعالمي، بمقدار ما بات عدد قرائها في ازدياد مطرد، كما باتت تحظى بالجانب الأوفر من الترجمات إلى اللغات الحية، وتخصص لها معظم الجوائز والمكافآت المرموقة، بما جعلها تستقبل أعداداً غير قليلة من الوافدين و«النازحين» إليها من الفنون الأخرى. ومع أن الروايات التي تم ترشيحها للجائزة في دورتها الحالية بلغ 121 رواية لا أكثر، إلا أن أي عملية حسابية قائمة على المقارنة بين عدد الأعمال المرشحة، وعدد الأيام المتاحة للقراءة، لا بد أن توصلنا إلى الاستنتاج الصادم بأن على كلّ منا أن يقرأ رواية واحدة كل يومين اثنين، وهو ما لن نستطيع تحقيقه إلا بالإخلاد إلى القراءة بمعدل 10 ساعات على الأقل في اليوم الواحد. وما زاد من صعوبة الوضع هو الأحجام الكبيرة للأعمال المرشحة، والمتأتية على الأرجح من الحجر المنزلي الذي فرضه «كوفيد 19» على من كتبوا أعمالهم في ظل انتشاره المحفوف بالمخاطر، والذي وفر لهؤلاء أوقاتاً للكتابة لم تكن متاحة من قبل.
ولأن أحداً من البشر، ناقداً كان أم قارئاً عادياً، لا يستطيع الرهان على ذاكرته أو انطباعه المجرد للوصول إلى استنتاجات نقدية سديدة، فقد لزمنا أن ندون في تقارير منفصلة الخلاصات المتعلقة بكل عمل، سواء من حيث الموضوع ورسم الشخصيات ونمو الأحداث والفضاء التخييلي، أو من حيث الأسلوب والحبكة السردية ومستويات اللغة. ومع أننا وجدنا أنفسنا أمام مروحة من الأعمال السردية التي ينتمي كتابها إلى مختلف أصقاع العالم العربي، فقد آلينا على أنفسنا ألا نولي أي اهتمام يُذكر لبلد الكاتب، أو لاسمه وعمره ونجوميته وكتاباته السابقة، أو لنمط العلاقة التي تربطنا به. وأستطيع القول براحة تامة إن النصوص المجردة والبعيدة عن أي مؤثر خارجي هي من كان يقودنا إلى الهدف، ودون أن يفوتني التنويه بمجلس أمناء الجائزة ومنسقتها النشطة، الذين آثروا التواري بالكامل عن كل ما يتصل بشؤون التحكيم وآلياته ومسوغاته.
كانت الأعمال المرشحة تدور بمعظمها حول بؤس الواقع العربي الموغل في تصدعه وتخلفه وانهياره، وحول كياناته السياسية التي حوّلها الاستبداد والفقر والفساد المستشري إلى نسخ مشرقية من جمهوريات الموز، وحول المآلات المأساوية لثورات الربيع العربي، التي أثبتت على نحو ملموس بأن التغيير أمر متعذر، ما دامت القوى التي ترفع لواءه هي الوجه الآخر للعنف الذكوري ولاضطهاد المرأة واحتكار الحقيقة وتعطيل العقل. وفيما بدا واضحاً انصراف معظم الكتاب المصريين عن الاهتمام بأحداث بلدهم الأخيرة، وتركيزهم على الأعمال التاريخية المستلهمة من الحقب الفرعونية والعباسية والمملوكية، مع التركيز الخاص على حقبة محمد علي في القرن التاسع عشر، كان الكتّاب العرب الآخرون يمتحون بمعظمهم من تاريخ بلدانهم الحديث، وما رافقته من تحولات سياسية واجتماعية حاسمة، ومن حروب أهلية دامية، وصعود متسارع الوتائر للحركات الأصولية التكفيرية، ومن تعثر مأساوي لانتفاضات الربيع العربي، كما هو شأن الروايات المغربية والتونسية والأردنية والسودانية والجزائرية والعراقية واليمنية وغيرها. ولقد بدت بعض الأعمال المرشحة أشبه بالتاريخ – الظل الذي غالباً ما يسقط من حسابات التواريخ السلطوية الرسمية، أو بوثائق اجتماعية وسياسية ونفسية وإنسانية عن سكان «القيعان» الذين لا يلتفت أحد إلى حيواتهم الغفل ومصائرهم المنسية. وإلى تنوع الموضوعات والمقاربات السردية الموزعة بين التاريخ والسياسة والاجتماع، كان ثمة تنوع لافت في أساليب السرد وتقنياته ؛ حيث عمد كثيرون إلى الإفادة من فنون التوثيق والريبورتاج الصحافي، ومن التحليل النفسي والاستقصاء الجنائي والحبكة البوليسية المشوقة وغيرها من التقنيات السردية الحديثة.
لم يكن بالأمر المستغرب بالطبع أن يكون هناك تفاوت ملحوظ في مستوى الأعمال المرشحة، بحيث لم يكن عدد الأعمال الهابطة ليقل عن ثلثي هذه الأعمال، وهو ما سهّل على المحكمين أمر استبعادها من المنافسة دون أي شعور بالذنب أو الاجحاف. ولأن الأمور بدأت تتخذ بعد ذلك منحى أكثر دقة وتعقيداً؛ حيث بدأت الفوارق بين الأعمال المرشحة بالتضاؤل، فقد اقترحت على اللجنة ألا نكتفي بالاجتماعات التقليدية الثلاثة التي تفضي في العادة إلى اختيار القائمتين الطويلة والقصيرة، كما إلى اختيار الكاتب الفائز بالجائزة، بل أن نعمد إلى عقد اجتماعات إضافية يتم خلالها تقليص عدد المرشحين بشكل تدريجي، وصولاً إلى اختيار القائمتين الطويلة والقصيرة. ومع أن ما بذلناه من جهود مضافة قد جنّبنا مزالق التسرع وساعدنا في الوصول إلى نتائج مرْضية، فإن هذه النتائج لم تكن دائماً ثمرة التوافق أو التراضي، بل كانت تتم أحياناً بأكثرية الأصوات، وتعْقب ساعات طويلة من النقاشات المعمقة والمضنية. ومع أن احترام سرية المداولات يوجب على المحكمين تجنب ذكر الأسماء، فإن ذلك لا يمنع من الإقرار بأن ثمة 14 رواية إضافية على الأقل، كانت جديرة بالاستمرار في المنافسة، لو لم تكن قوانين الجائزة تحصر القائمة الطويلة بـ16 عملاً، والقائمة القصيرة بـ6 أعمال. وفيما كنا مكرهين على إخراج تلك الأعمال من دائرة المنافسة، كنا نفعل ذلك بقدْر غير قليل من المرارة والتردد والبلبلة الذهنية والنفسية. وهو ما حاولنا التقليل من وطأته، عبر القرار الذي اتخذناه بإعادة قراءة الأعمال المرشحة مع كل محطة من محطات الجائزة الثلاث، بحيث تكون الأحكام المستخلصة، وليدة الحدود القصوى من القراءة والتمحيص والمقارنات الدقيقة.
وما دام الحديث عن الرواية لا يستقيم بأي حال دون الحديث عن اللغة، باعتبارها مادة الكتابة وممرها الإلزامي وسبيلها إلى التحقق، فإن من غير الطبيعي التحدث عن الأعمال المرشحة دون التطرق إلى هذا الموضوع الحساس. فإذا كان من الخطأ أن تتحول لغة الرواية إلى استعراض متعسف للبلاغة المحْكمة والحذلقة الأسلوبية، بما يعيق تلقائية السرد وانسيابيته، فإن من الخطأ أيضاً الاستهتار بلغة الضاد، عن طريق الإمعان في الركاكة والهلهلة الأسلوبية والوقوع في شرك الأخطاء النحوية والصرفية والإملائية. وهو ما يتم اقترافه بالتراضي بين بعض الناشرين وبعض المؤلفين؛ حيث يصبح الارتجال وتلفيق الأعمال بغية ترشيحها إلى الجوائز، هو الهاجس المشترك بين طرفي «الصفقة». وهو الأمر الذي أشرت إليه في بيان الجائزة الختامي، والذي لا بد من وضع حد نهائي لتفاقمه واستفحاله، عبر آليات ووسائل مختلفة، وعد مجلس الأمناء بتدارسها في وقت قريب.
على أنني لن أتوانى في نهاية هذه المقاربة، ورغم كل ما تقدم، عن طرح السؤال التالي؛ هل النتائج التي تم التوصل إليها، بالإجماع حيناً وبالأكثرية حيناً آخر، كانت ستظل هي نفسها، لو كان أشخاص آخرون هم الذين أنيطت بهم مهمة التحكيم؟ والواقع أن مثل هذا السؤال الافتراضي يحتمل إجابات عدة قد يكون من بينها التطابق في بعض الأحكام، والتباين في بعضها الآخر. لكن توصّل لجنة أخرى إلى قراءات وخيارات ونتائج مختلفة، هو احتمال قائم وغير مستبعد، ما دامت الحقيقة الأدبية نسبية وحمالة أوجه، وما دام المحكمون المولجون بالمهمة لا يمثلون سوى أنفسهم، وسط كمّ لا يحصى من القراءات والآراء المتباينة. لذلك فإن على الذين لم يبلغوا القوائم النهائية أن يضعوا الأمور في نصابها الصحيح؛ حيث الحصول على الجائزة، أو أي جائزة مماثلة، ليس هو المعيار الوحيد والأهم للحكم على أي منجز إبداعي. لذلك فهم مطالبون أكثر من أي وقت، بمواصلة رفع الصخرة إلى قمة الجبل، حتى لو توجب عليهم أن يبذلوا في سبيل ذلك كثيراً من العناء والعزيمة والتصميم، ومن تدريب الإرادة على مقارعة الخذلان.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».