التخفي وراء الكتب... والأصدقاء

مقارنة بين «مذكرات» غالب هلسا وخليل صويلح وقاسم حداد

التخفي وراء الكتب... والأصدقاء
TT

التخفي وراء الكتب... والأصدقاء

التخفي وراء الكتب... والأصدقاء

أعترف بأنه اختيار انتقائي للكتاب الثلاثة، غالب هلسا وخليل صويلح وقاسم حداد، بدافع المقارنة وتوافر سبل الاختلاف بينهم لإظهار حقيقة واحدة مفادها أننا في الشرق نهاب تدوين المذكرات الشخصية بشكل صريح. الخيط الرابط بين الثلاثة هو تناولهم عالم الكتب والأصدقاء والتخفي خلف ذلك، ابتداءً من الغلاف الذي يحمل العنونة، فغالب هلسا يتخفى ليكتب مذكراته بعنوان «أدباء علموني»، وخليل صويلح بعنوان صادم «ضد المكتبة»، وكأنه يبعد شبهة التدوين، وقاسم حداد بعنوان «جوهرة المراصد»، وهو عنوان غامض لا تكتشفه إلا بقراءة الكتاب.
وعمد الثلاثة إلى الالتفاف على كتابة مذكرات، فتناولوا الحياة المحايثة لمسيرتهم ككتاب. وإن كان صويلح وحداد كتبا ذلك بنفسيهما، فإن كتاب هلسا تم بإشراف الكاتب ناهض حفتر، الذي أشرف على تجميع وإعداد ما كتبه هلسا في أوقات متباعدة، ولم يسعفه الزمن ليطبعها وهو حي.
ويلمح ناهض حفتر في المقدمة إلى أن الكتاب يمثل «نوعاً أدبياً جديداً في الأدب العربي المعاصر، إذ تتضمن فصوله ضرباً من سيرة ذاتية فكرية أدبية ومعالجات نقدية معمقة، ومعالجات نظرية ثقافية وسيكولوجية، وتأملات في الحياة العربية وتصاوير فنية لشخصيات أدبية ثقافية، كل ذلك في إطار نص واحد له الكثير من سمات النص الروائي» (ص8). وهنا وضع ناهض سيرة مع معالجات أخرى، أي أنها سيرة متخفية مع مقاصد أخرى، فيما كتب خليل صويلح بأسلوب سردي، اعتنى بتشذيبه بطريقة دقيقة. أما قاسم حداد فقدم (بورتريهات) قائلاً إنه «يكتب للصحافة بالشرط الأدبي ولا يذهب للكتابة بالشرط الصحافي». وهنا تتحول الكتابة إلى جانب آخر محايث للنقد، لا يغادره، بل يعيش في رحابه ضمن سيرته القرائية الذاتية.
هلسا: أدباء علموني... أدباء عرفتهم
يعطينا غالب هلسا درساً حياتياً تخلقه الكتب من خلال خلط وقائع الزمن والعيش داخل الحلم ضمن نشاط ذاتي، يقصي كثيراً من التأثر بالآخر بصورة مباشرة. يقول: «ولكن أليست لذلك ميزة ما؟ أعني غياب السياق التاريخي للشخوص والوقائع وخلط الأزمنة والأمكنة واعتبار التاريخ واقعاً يومياً يدور حولنا». (ص 10) في سياق سرد طفولته القرائية، إذا جاز التعبير، وهو يتحدث عن أرسين لوبين والزير سالم ورغبته للانتقام من الغجر، لأنهم قتلوا كليب. إنه لا يتحدث عن نفسه باعتباره كياناً بشرياً، له صلة اجتماعية أو سياسية بمحيطه يحكمها زمن محدد، بل يرتدي متون الكتب درعاً لتسويق حياته الخاصة، باعتبار أن الكتاب «حياته المفترضة وجنته الوحشية، وجحيمه الرحيم واختيار التكوين الحر، ومعرفة الآخرين من دون حاجة للتعثر بالمجاملات والنظر في الساعة خشية مكوثهم فترة أطول». هلسا يعيد إنتاج حيوات الشخوص في الكتب، ضمن بيئته حتى يصل إلى الخوف من إعادة القراءة للكتب التي قرأها في بدايته، بقوله: «ما زلت حتى الآن أخشى أن أعيد قراءة حكاية الزير سالم.
أخاف أن تفقد الأسطورة قدرتها على الالتحام بالواقع فأفقد لحظة البداية، فيصبح العالم مجرد تراكمات عرضية ورتيبة، تفتقد السر، وتفتقد العالم الغرائبي الذي يختبئ خلفه» (ص 12)، وكأنه يسلم بوجود حياة واحدة مضت، وهي حياته التي تشكلت في زمانه المعاش ولكن تحت أغلفة الكتب، حتى وإن اكتشف أن كليب كان طاغية وأن جساس كان يحمي امرأة مسكينة تملك ناقة وحيدة.
الكتب عند هلسا، هي حياته الأجمل في طفولته (التي تختنق بالرتابة والملل وعنف الكبار وضيق أفقهم) (ص17). الكتابة جعلت غالب هلسا جوانياً يخلق حياته الخاصة في ظلام الغرفة مسترجعاً حياة الكتب وحكاياتها ضمن (إحساس الفنان الذي يكتشف أبعاداً جديدة للواقعة اليومية العادية: بعد الدلالة، وبعد الارتباط بمنظومة من الوقائع لتشكيل بنية، وبعد الوجود الإنساني في العالم... أي تلك الحرية الداخلية التي يمتلكها الفنان عندما يعيد صياغة العالم المحيط به) (ص 19)
جولة غالب هلسا في حياته - الكتب التي عاشها - من الزير سالم إلى تيسير سبول، مروراً بهيمنغواي وطه حسين ويحيى الطاهر عبد الله وابن المقفع، هي درعه الحصين واكتشافه الأوحد، أما الحياة الواقعية فهي العيش فقط ضمن زمن تحقق لا جدال فيه. الحياة لوح أبيض نقشت عليها الكتب تجربته التي يسبح في امتدادها اللامتناهي، معترفاً بفضل القراءة عليه من خلال الكتّاب الذين علموه أن يصبح كاتباً: «لقد علموني كيف أرى العالم من حولي بشكل جديد وكيف أضعه في سياق العمل الروائي، بمعنى أنني لولاهم لما أصبحت كاتباً». (ص 53)

خليل صويلح... ضد المكتبة

من يقرأ كتاب خليل صويلح، «ضد المكتبة» سيعثر حتماً على الجدية الصارمة في تطبيق ما يراه نقدياً هو الأصلح في اختيار العنوان والاستهلال المبهر الذي يجب توفره عند الكاتب ليكون مبهراً وقابلاً للقراءة والمتعة، فهو يرى نفسه إزاء الكتب «مفتوناً بدور الطريدة لا الصياد» (ص7)، وما عيشه في الحياة إلا التفتيش في «متاهة كتب أخرى، مثل لعنة أبدية، في تجوال طليق يطيح هندسة رفوف المكتبة، رأساً على عقب!» (ص 7). يحتمي صويلح أيضاً بتاريخ المكتبة الضائع: «كان علي أن أنتبه جيداً إلى مقاييس حجم المكتبة التي أنوي تفصيلها بما يتناسب مع ارتفاع وعرض الباب الخارجي للمنزل المستأجر، وذلك لإدخالها لاحقاً بلا رضوض» (ص9). أصبحت الكتب هي سيرته الشخصية التي يحفظها بديلاً عن الهجران والتشرد. وبطريقة السرد الروائي ينقل لنا حياته - ورمزيتها المكتبة - فهو لا يفصح عن التحولات الفكرية صراحة، بل بشير إليها كما في الحكاية التالية «حجزت رفاً في المكتبة لتلك المجلدات كهوية صريحة لانتمائي الماركسي الصلب. ولأن مكتبتي خضعت لارتحالات قسرية، من منزل مستأجر إلى آخر، فقد أهديت تلك المجلدات لأحدهم في إحدى نوبات «التعزيل» ، كما سأتخلص لاحقاً من مجلدات الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، بنصف ثمنها، لأسباب تتعلق بالإفلاس هذه المرة» (ص10). إننا هنا نتعرف على حياة الكاتب خليل صويلح، من خلال الحاضنة الأرحب في حياته، ألا وهي المكتبة التي تعرضت (لخمس رحلات قسرية) (ص 10) ويبدو أن تعوده على الفقدان لكتب دعته للمجازفة بالقول: «سأجازف أكثر بأن أدعو إلى فكرة اللا مكتبة ومديح فضيلة التجوال) (ص12). إننا نقرأ مذكرات شخصية لصويلح من خلال الكتب التي يختارها ضمن عملية التخلي الطوعي عن بعض العناوين: «أظن، من دون تنظيف المكتبة من الأعشاب الضارة، ستكون نوعاً من الجحيم الدنيوي». (ص 14)
إنه عشق الحياة عبر التسلل من أبواب الكتب، حيث تصبح الحياة مجرد إقامة رمزية أو تلمس وجود فقير إزاء ثراء معرفي مكتنز في الكتب، أو حيازة حياة الآخرين حتى يصبحوا، أصدقاء خلص لا يخونون أبداً. وهو يلخص لنا رأيه في آخر جملة بالكتاب: أن تكون «ضد المكتبة»، فأنت تحتاج إلى مكتبة أخرى، بخطط ومتاهات لا نهائية!» (ص 134)

قاسم حداد... جوهرة المراصد

يختلف البحريني قاسم حداد في سرد السيرة الذاتية، لا من خلال الكتب - وإن استعان بها - بل من خلال بورتريهات الكتاب الذين عايشهم، مسقطاً عليهم بعضاً من انطباعاته، أو كما كتب في المقدمة الكاتب عبد الله سفر «هذا التحديد العام بمثابة القماش والأصباغ يدلف بها حداد إلى محترفه، لا لينجز صورة مطابقة، نسخة فجة فظة. إنما هي صورته هو، صورته الخاصة. من منظوره الشخصي» (ص 15). إن حداد يعطينا مفتاحاً للتأكيد على الهوية، على قيمة الحياة في الصداقة، وعلى أهمية معرفة الذات من خلال الأصدقاء وكتبهم، مملحة باللقاءات الشخصية رغم ندرتها أحياناً حيث يقول: «لست واثقاً بالضبط، ما إذا كنت فيما أكتب هذه البورتريهات عمن أعرف من الأصدقاء، أبحث بدوري عن قاسم حداد في هؤلاء الأصدقاء»، (ص 19).
يحول مشاهدته لمحمود درويش في مهرجان جرش في الأردن عام 1997 إلى مقارنة بين جماهيرية درويش وبين الجواهري حارس بوابة الشعر العمودي، مشيراً إلى مطالب الجماهير السياسية التي تحيق بالشاعر، فيما هو يريد الانطلاق في عالم رحب مفتوح ناشداً الحرية بلا حدود: «كيف يستطيع الشاعر أن يكون صوتاً لذاته الجديدة وأن يكون معبراً في الوقت نفسه عن لحظته الحضارية وبصيغة أخرى، أن يكون «شاعراً» بمعزل عن سلطة الجمهور»...
لذلك حين سمعت خبر وفاة الجواهري، رددت بداخلي تعبير «لكنها تدور»... فرغم بنية التقليد التي لا تزال حاضرة في الثقافية الشعرية العربية، فإن شاعراً مثل محمود درويش لا يزال يعمل على تجاوز تلك البنية (ص 79)
حداد يكتب عن «وجوه الكتابة»، إن صح التعبير، وتجارب عاشها مع بعض شخصيات الكتابة، إنه يكتب ريبورتاجاً صحافياً بطريقة أدبية، عن مهرجانات ومشاعر، عن الانطباع في القراءة والاستماع والمعايشة، متسلحاً بالتاريخ الشخصي للكتاب وعوامل تألقهم وحتى انحداراتهم، لأن للهزيمة أو الانتصار لغة تتمثل إحدى الحالتين وتصبح أدباً. هنا المؤلف يتحدث أصالة عن غيره ليدعم فكرة وجوده الحياتي، ويفعل ذلك كمن يحمي وجهه من الشمس الشرقية الساطعة الساخنة بظل كتاب يرفعه فوق رأسه سائراً نحو حياته الموغلة في التفاصيل الغائمة حتى يصل لمتاهة المرايا:
هذا هو قاسم حداد... تقريباً
لكم توهمت أنني رأيته في هذه المرايا، فيما كان متماهياً في الزئبق.
ها أنا أثق بأنني لا أعرفه أبداً
من يزعم أنه يعرف نفسه. (ص 325)



التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.


رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي
TT

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

يصحبنا الكاتب الأردني هاشم غرايبة في روايته «البحّار... حي ولا أخاف»، في رحلة لاستكشاف الذاكرة الإنسانية، وما تختزنه من تفاصيل صغيرة تبدو عابرة، لكنها تظل حاضرة في الوجدان، عاكساً في أحداثها سيرة الإنسان عبر تحولات المجتمع، والانتقال بين الطفولة والفقر والشيخوخة، وخوض التجارب الشخصية والعامة التي تطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان والحياة والمصير.

تحمل الرواية التي صدرت طبعتها الثانية عن «الآن ناشرون وموزعون» (2026) في ثناياها عالماً روائياً قائماً على الاعتراف واستعادة الذاكرة، من خلال شخصية «سليم الناجي»، الذي تظهر مسيرته الحياتية بوصفها تجربة إنسانية بسيطة، بعيدة عن صورة الأبطال التقليديين.

تبدأ الرواية التي جاءت فيما يقارب 130 صفحة، من الفصل الأول «على الرصيف»، حيث يجد الراوي نفسه في المدينة، بعد انتهاء التحقيق معه، لتبدأ رحلة استعادة الماضي والبحث في تفاصيل حياة امتدت عبر عقود. ومنذ الصفحات الأولى، تتشكل علاقة وتتوطد تدريجياً بين الذاكرة والكتابة؛ إذ يقرر الراوي أنْ يكتب كل ما يعرفه، وكل ما عاشه وقرأه وسمعه، لتصبح الأوراق وسيلة لاستعادة ما غاب من حياته.

ويستعيد الكاتب مجموعة من الصور والروائح والأصوات التي بقيت عالقة في الذاكرة، من صلاة الأم في غبشة الفجر، إلى مذاق «الكردوش» (خبز الشعير) الساخن، وهطول الشهب في ليالي الحصاد، ومذاق العسل مع السمسم، ورائحة فتّة الشاي بالخبز، والمرور بميناء هامبورغ في ألمانيا، ورذاذ المياه عند شلالات نياغارا، وقمر سبتمبر (أيلول) على درب مهرّبي البضائع على الحدود.

وتنتقل الرواية بين هذه التفاصيل الحميمة وبين أسئلة أكثر قسوة، تتعلق بالفقر والمرض والحروب والتحولات السياسية والاجتماعية. ويظهر ذلك بوضوح في الفصل الثاني المسمى «زمن الخسارات»، الذي يستعيد فيه الراوي طفولة قاسية، منذ وُلد «بين حربين عالميتين»، في زمنٍ لم يكن تسجيل المواليد فيه أمراً شائعاً، في حين كان الفقر والجوع والأمراض ومخاطر الحياة اليومية تحاصر الناس.

ويروي البطل جانباً من تلك الطفولة، فيقول إن من ينجو من الإسهال والحصبة والجدري قد يموت بعضّة أفعى أو رفسة بغل أو انهيار سقف، قبل أن يذكر حادثة الشقيق الرضيع الذي خطفته «الشُّوحة» (طائر الحدأة الجارح) عن البيدر، في حين كانت الأم منشغلة بفك حِمْل القش عن الناقة.

كما يتناول النص علاقة الأجيال الجديدة بالمجتمع والوطن، عادَّاً أن جيلاً كاملاً نشأ وسط غياب المشاريع الكبرى التي تستثمر طاقات الشباب، وأن هناك ضعفَ اهتمام بالثقافة والفنون والبحث العلمي، وهو ما يربطه الراوي بالتحولات التي دفعت حفيده «أحمد» إلى مسار مختلف تماماً.

وهكذا تجمع «البحّار... حي ولا أخاف» بين السيرة والذاكرة والرواية، وتستعيد عبر تفاصيل الحياة اليومية عالماً تتجاور فيه الطفولة مع الشيخوخة، والفقر مع السفر، والخسارة مع الأمل، لتقدم في النهاية تأملاً في قدرة الإنسان على الاستمرار رغم ما يحيط به من خسارات وتحولات.

من إصدارات الروائي الأردني: «هموم صغيرة»، و«قلب المدينة»، و«عدوى الكلام»، و«حبة قمح»، «بيت الأسرار»، «المقامة الرملية»، «الشهبندر»، وغيرها.