التخفي وراء الكتب... والأصدقاء

مقارنة بين «مذكرات» غالب هلسا وخليل صويلح وقاسم حداد

التخفي وراء الكتب... والأصدقاء
TT

التخفي وراء الكتب... والأصدقاء

التخفي وراء الكتب... والأصدقاء

أعترف بأنه اختيار انتقائي للكتاب الثلاثة، غالب هلسا وخليل صويلح وقاسم حداد، بدافع المقارنة وتوافر سبل الاختلاف بينهم لإظهار حقيقة واحدة مفادها أننا في الشرق نهاب تدوين المذكرات الشخصية بشكل صريح. الخيط الرابط بين الثلاثة هو تناولهم عالم الكتب والأصدقاء والتخفي خلف ذلك، ابتداءً من الغلاف الذي يحمل العنونة، فغالب هلسا يتخفى ليكتب مذكراته بعنوان «أدباء علموني»، وخليل صويلح بعنوان صادم «ضد المكتبة»، وكأنه يبعد شبهة التدوين، وقاسم حداد بعنوان «جوهرة المراصد»، وهو عنوان غامض لا تكتشفه إلا بقراءة الكتاب.
وعمد الثلاثة إلى الالتفاف على كتابة مذكرات، فتناولوا الحياة المحايثة لمسيرتهم ككتاب. وإن كان صويلح وحداد كتبا ذلك بنفسيهما، فإن كتاب هلسا تم بإشراف الكاتب ناهض حفتر، الذي أشرف على تجميع وإعداد ما كتبه هلسا في أوقات متباعدة، ولم يسعفه الزمن ليطبعها وهو حي.
ويلمح ناهض حفتر في المقدمة إلى أن الكتاب يمثل «نوعاً أدبياً جديداً في الأدب العربي المعاصر، إذ تتضمن فصوله ضرباً من سيرة ذاتية فكرية أدبية ومعالجات نقدية معمقة، ومعالجات نظرية ثقافية وسيكولوجية، وتأملات في الحياة العربية وتصاوير فنية لشخصيات أدبية ثقافية، كل ذلك في إطار نص واحد له الكثير من سمات النص الروائي» (ص8). وهنا وضع ناهض سيرة مع معالجات أخرى، أي أنها سيرة متخفية مع مقاصد أخرى، فيما كتب خليل صويلح بأسلوب سردي، اعتنى بتشذيبه بطريقة دقيقة. أما قاسم حداد فقدم (بورتريهات) قائلاً إنه «يكتب للصحافة بالشرط الأدبي ولا يذهب للكتابة بالشرط الصحافي». وهنا تتحول الكتابة إلى جانب آخر محايث للنقد، لا يغادره، بل يعيش في رحابه ضمن سيرته القرائية الذاتية.
هلسا: أدباء علموني... أدباء عرفتهم
يعطينا غالب هلسا درساً حياتياً تخلقه الكتب من خلال خلط وقائع الزمن والعيش داخل الحلم ضمن نشاط ذاتي، يقصي كثيراً من التأثر بالآخر بصورة مباشرة. يقول: «ولكن أليست لذلك ميزة ما؟ أعني غياب السياق التاريخي للشخوص والوقائع وخلط الأزمنة والأمكنة واعتبار التاريخ واقعاً يومياً يدور حولنا». (ص 10) في سياق سرد طفولته القرائية، إذا جاز التعبير، وهو يتحدث عن أرسين لوبين والزير سالم ورغبته للانتقام من الغجر، لأنهم قتلوا كليب. إنه لا يتحدث عن نفسه باعتباره كياناً بشرياً، له صلة اجتماعية أو سياسية بمحيطه يحكمها زمن محدد، بل يرتدي متون الكتب درعاً لتسويق حياته الخاصة، باعتبار أن الكتاب «حياته المفترضة وجنته الوحشية، وجحيمه الرحيم واختيار التكوين الحر، ومعرفة الآخرين من دون حاجة للتعثر بالمجاملات والنظر في الساعة خشية مكوثهم فترة أطول». هلسا يعيد إنتاج حيوات الشخوص في الكتب، ضمن بيئته حتى يصل إلى الخوف من إعادة القراءة للكتب التي قرأها في بدايته، بقوله: «ما زلت حتى الآن أخشى أن أعيد قراءة حكاية الزير سالم.
أخاف أن تفقد الأسطورة قدرتها على الالتحام بالواقع فأفقد لحظة البداية، فيصبح العالم مجرد تراكمات عرضية ورتيبة، تفتقد السر، وتفتقد العالم الغرائبي الذي يختبئ خلفه» (ص 12)، وكأنه يسلم بوجود حياة واحدة مضت، وهي حياته التي تشكلت في زمانه المعاش ولكن تحت أغلفة الكتب، حتى وإن اكتشف أن كليب كان طاغية وأن جساس كان يحمي امرأة مسكينة تملك ناقة وحيدة.
الكتب عند هلسا، هي حياته الأجمل في طفولته (التي تختنق بالرتابة والملل وعنف الكبار وضيق أفقهم) (ص17). الكتابة جعلت غالب هلسا جوانياً يخلق حياته الخاصة في ظلام الغرفة مسترجعاً حياة الكتب وحكاياتها ضمن (إحساس الفنان الذي يكتشف أبعاداً جديدة للواقعة اليومية العادية: بعد الدلالة، وبعد الارتباط بمنظومة من الوقائع لتشكيل بنية، وبعد الوجود الإنساني في العالم... أي تلك الحرية الداخلية التي يمتلكها الفنان عندما يعيد صياغة العالم المحيط به) (ص 19)
جولة غالب هلسا في حياته - الكتب التي عاشها - من الزير سالم إلى تيسير سبول، مروراً بهيمنغواي وطه حسين ويحيى الطاهر عبد الله وابن المقفع، هي درعه الحصين واكتشافه الأوحد، أما الحياة الواقعية فهي العيش فقط ضمن زمن تحقق لا جدال فيه. الحياة لوح أبيض نقشت عليها الكتب تجربته التي يسبح في امتدادها اللامتناهي، معترفاً بفضل القراءة عليه من خلال الكتّاب الذين علموه أن يصبح كاتباً: «لقد علموني كيف أرى العالم من حولي بشكل جديد وكيف أضعه في سياق العمل الروائي، بمعنى أنني لولاهم لما أصبحت كاتباً». (ص 53)

خليل صويلح... ضد المكتبة

من يقرأ كتاب خليل صويلح، «ضد المكتبة» سيعثر حتماً على الجدية الصارمة في تطبيق ما يراه نقدياً هو الأصلح في اختيار العنوان والاستهلال المبهر الذي يجب توفره عند الكاتب ليكون مبهراً وقابلاً للقراءة والمتعة، فهو يرى نفسه إزاء الكتب «مفتوناً بدور الطريدة لا الصياد» (ص7)، وما عيشه في الحياة إلا التفتيش في «متاهة كتب أخرى، مثل لعنة أبدية، في تجوال طليق يطيح هندسة رفوف المكتبة، رأساً على عقب!» (ص 7). يحتمي صويلح أيضاً بتاريخ المكتبة الضائع: «كان علي أن أنتبه جيداً إلى مقاييس حجم المكتبة التي أنوي تفصيلها بما يتناسب مع ارتفاع وعرض الباب الخارجي للمنزل المستأجر، وذلك لإدخالها لاحقاً بلا رضوض» (ص9). أصبحت الكتب هي سيرته الشخصية التي يحفظها بديلاً عن الهجران والتشرد. وبطريقة السرد الروائي ينقل لنا حياته - ورمزيتها المكتبة - فهو لا يفصح عن التحولات الفكرية صراحة، بل بشير إليها كما في الحكاية التالية «حجزت رفاً في المكتبة لتلك المجلدات كهوية صريحة لانتمائي الماركسي الصلب. ولأن مكتبتي خضعت لارتحالات قسرية، من منزل مستأجر إلى آخر، فقد أهديت تلك المجلدات لأحدهم في إحدى نوبات «التعزيل» ، كما سأتخلص لاحقاً من مجلدات الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، بنصف ثمنها، لأسباب تتعلق بالإفلاس هذه المرة» (ص10). إننا هنا نتعرف على حياة الكاتب خليل صويلح، من خلال الحاضنة الأرحب في حياته، ألا وهي المكتبة التي تعرضت (لخمس رحلات قسرية) (ص 10) ويبدو أن تعوده على الفقدان لكتب دعته للمجازفة بالقول: «سأجازف أكثر بأن أدعو إلى فكرة اللا مكتبة ومديح فضيلة التجوال) (ص12). إننا نقرأ مذكرات شخصية لصويلح من خلال الكتب التي يختارها ضمن عملية التخلي الطوعي عن بعض العناوين: «أظن، من دون تنظيف المكتبة من الأعشاب الضارة، ستكون نوعاً من الجحيم الدنيوي». (ص 14)
إنه عشق الحياة عبر التسلل من أبواب الكتب، حيث تصبح الحياة مجرد إقامة رمزية أو تلمس وجود فقير إزاء ثراء معرفي مكتنز في الكتب، أو حيازة حياة الآخرين حتى يصبحوا، أصدقاء خلص لا يخونون أبداً. وهو يلخص لنا رأيه في آخر جملة بالكتاب: أن تكون «ضد المكتبة»، فأنت تحتاج إلى مكتبة أخرى، بخطط ومتاهات لا نهائية!» (ص 134)

قاسم حداد... جوهرة المراصد

يختلف البحريني قاسم حداد في سرد السيرة الذاتية، لا من خلال الكتب - وإن استعان بها - بل من خلال بورتريهات الكتاب الذين عايشهم، مسقطاً عليهم بعضاً من انطباعاته، أو كما كتب في المقدمة الكاتب عبد الله سفر «هذا التحديد العام بمثابة القماش والأصباغ يدلف بها حداد إلى محترفه، لا لينجز صورة مطابقة، نسخة فجة فظة. إنما هي صورته هو، صورته الخاصة. من منظوره الشخصي» (ص 15). إن حداد يعطينا مفتاحاً للتأكيد على الهوية، على قيمة الحياة في الصداقة، وعلى أهمية معرفة الذات من خلال الأصدقاء وكتبهم، مملحة باللقاءات الشخصية رغم ندرتها أحياناً حيث يقول: «لست واثقاً بالضبط، ما إذا كنت فيما أكتب هذه البورتريهات عمن أعرف من الأصدقاء، أبحث بدوري عن قاسم حداد في هؤلاء الأصدقاء»، (ص 19).
يحول مشاهدته لمحمود درويش في مهرجان جرش في الأردن عام 1997 إلى مقارنة بين جماهيرية درويش وبين الجواهري حارس بوابة الشعر العمودي، مشيراً إلى مطالب الجماهير السياسية التي تحيق بالشاعر، فيما هو يريد الانطلاق في عالم رحب مفتوح ناشداً الحرية بلا حدود: «كيف يستطيع الشاعر أن يكون صوتاً لذاته الجديدة وأن يكون معبراً في الوقت نفسه عن لحظته الحضارية وبصيغة أخرى، أن يكون «شاعراً» بمعزل عن سلطة الجمهور»...
لذلك حين سمعت خبر وفاة الجواهري، رددت بداخلي تعبير «لكنها تدور»... فرغم بنية التقليد التي لا تزال حاضرة في الثقافية الشعرية العربية، فإن شاعراً مثل محمود درويش لا يزال يعمل على تجاوز تلك البنية (ص 79)
حداد يكتب عن «وجوه الكتابة»، إن صح التعبير، وتجارب عاشها مع بعض شخصيات الكتابة، إنه يكتب ريبورتاجاً صحافياً بطريقة أدبية، عن مهرجانات ومشاعر، عن الانطباع في القراءة والاستماع والمعايشة، متسلحاً بالتاريخ الشخصي للكتاب وعوامل تألقهم وحتى انحداراتهم، لأن للهزيمة أو الانتصار لغة تتمثل إحدى الحالتين وتصبح أدباً. هنا المؤلف يتحدث أصالة عن غيره ليدعم فكرة وجوده الحياتي، ويفعل ذلك كمن يحمي وجهه من الشمس الشرقية الساطعة الساخنة بظل كتاب يرفعه فوق رأسه سائراً نحو حياته الموغلة في التفاصيل الغائمة حتى يصل لمتاهة المرايا:
هذا هو قاسم حداد... تقريباً
لكم توهمت أنني رأيته في هذه المرايا، فيما كان متماهياً في الزئبق.
ها أنا أثق بأنني لا أعرفه أبداً
من يزعم أنه يعرف نفسه. (ص 325)



مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
TT

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

وفاز بـ«السعفة الذهبية»، التي هي أعلى جائزة يمنحها المهرجان الفرنسي، فيلم «Fjord» للمخرج الروماني كرستيان مونجيو، وبذلك يدخل المخرج قائمة المخرجين الذين أُتيح لهم الفوز بـ«السعفة» أكثر من مرّة.

وتم منح «الجائزة الكبرى» لفيلم «مينوتور» للروسي أندري زفياغنتسف، وهو الفيلم الأول له منذ ثماني سنوات، وتم إنتاجه خارج روسيا.

جائزة أفضل مخرج تم منحها لمخرجين هما بافل بالفليكوفسكي عن «وطن»، وجايفييه كالفو عن «لا بولا نيغرا». كذلك خرجت الممثلة الفرنسية فرجيني إلفيرا بجائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة» (All of a Sudden)، وتقاسمتها مع زميلتها في البطولة اليابانية تاو أوكاموتو.

كذلك، وعلى نحو مشابه، توزّعت جائزة أفضل ممثل على اثنين قادا بطولة فيلم واحد هما إيمانويل ماكيا وفلانتين كامبيون عن فيلم «زحام».


منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».