بودلير... الشاعر «المنحوس» الذي أحدث خرقاً في تاريخ الآداب الفرنسية

هامشي متمرد على الحياة والوجود

الشاعر بودلير
الشاعر بودلير
TT

بودلير... الشاعر «المنحوس» الذي أحدث خرقاً في تاريخ الآداب الفرنسية

الشاعر بودلير
الشاعر بودلير

على عكس فيكتور هيغو، فإن هذا المسكين التعيس شارل بودلير لم يحظ بأي شهرة ولا أمجاد ولا فلوس في حياته. لقد مات فقيراً مدقعاً بل ومجهولاً تقريباً ولم تنفجر شهرته كالقنبلة الموقوتة إلا بعد موته. وهكذا تنطبق عليه كلمة نيتشه الشهيرة: «هناك أشخاص يولدون بعد موتهم»! ومعلوم أنه قالها وهو يفكر في حالته الشخصية. وذلك لأنه هو الآخر لم تنطلق شهرته الأسطورية إلا بعد موته تماماً كبودلير، الذي ولد ومات في القرن التاسع عشر: أي في القرن العظيم الذي شهد ظهور كبار شعراء فرنسا من أمثال فيكتور هيغو ولامارتين ورامبو ولوتريامون ومالارميه، إلخ. وهو القرن الذي تبلورت فيه الحداثة الشعرية على يد بودلير بالذات، ثم رامبو من بعده وبقية الآخرين. ويمكن القول بأن هذا الشاعر الفرنسي المنحوس كان معجباً بشاعر منحوس آخر لا يقل عنه عظمة وسوداوية وجنوناً: عنيت إدغار آلان بو! ومعلوم أن بودلير أمضى قسماً كبيراً من حياته في ترجمته من الإنجليزية إلى الفرنسية. وكان يفتخر بذلك كل الافتخار. لأول مرة يلتقي بودلير بشخص يشبهه، شخص ملعون ومنبوذ مثله. لقد كان بودلير، مثل إدغار آلان بو، ينتمي إلى فئة الشعراء المنحوسين، أو المفجوعين، أو المجروحين من الداخل جرحاً غائراً لا علاج له ولا شفاء منه. بدءاً من تلك اللحظة يصبح الأدب ممكناً.
لكن دعونا نطرح هذا السؤال: من هو شارل بودلير؟
لقد ولد هذا الشاعر غريب الأطوار في باريس عام 1821 وفيها مات عام 1867 عن عمر لا يتجاوز السادسة والأربعين، أي في عز الشباب. ولذلك قال عنه سارتر في بداية كتابه الجميل الممتع المكرس له: لم يعش الحياة التي يستحقها... ولكن متى عاش الشاعر الكبير الحياة التي يستحقها؟ هل عاش المتنبي الحياة التي يستحقها؟ لقد قُتل وهو في الخمسين أي في أوج تفجره الشعري العبقري. وأقسم بالله حتى هذه اللحظة لم نستطع أن نقيم الحداد عليه. لم نستطع أن نبلع القصة. ظلت شوكة في حلقنا، حسرة في قلوبنا. كم كان سيتحفنا بقصائد جديدة لو أنه عاش عشر سنوات إضافية أي حتى الستين فقط؟ كل هذا حرمنا منه إلى الأبد...
فقد شارل بودلير والده وهو في السادسة من عمره، ثم تزوجت أمه من شخص مهم يدعى الجنرال أوبيك الذي أصبح سفيراً فيما بعد وعضواً في مجلس الشيوخ الفرنسي. بل وكان القائد العسكري لمنطقة باريس إبان ثورة 1848. ولذلك حمل بودلير البندقية لأول مرة في حياته ودعا الثوار إلى السير نحو مقر القيادة العليا للجيش بغية اغتياله. ولم يكن يعرف كيف يستخدم البندقية أصلاً. ولكنه كان يكرهه كره النجوس لأنه سرق أمه منه ودمر طفولته. ثم لأنه يمثل الدولة والبورجوازية: أي سلطة القمع. وبودلير كان يحتقر كل هذه الأشياء. بودلير كان هامشياً، صعلوكاً، متمرداً على الحياة والوجود. وسيظل كذلك حتى النهاية. وعلى هامش هذه الهامشية الراديكالية ترعرع الشعر كأعظم ما يكون.
ثم تعرف على فتاة زنجية وأحبها وبالغ في الاهتمام بها نكاية بالمجتمع والعائلة والبورجوازية الفرنسية كلها. وكان يتبختر معها في الشوارع ويعانقها قصداً، ويتلذذ بإغاظتهم إلى أقصى حد ممكن. ثم راح يصرف عليها دونما حساب. وقد أحبها عن جد وخلدها في قصائد شهيرة كقصيدة «الشرفة» أو «البلكون».
ثم تعرف على بعض الأصدقاء من الشعراء، خصوصاً تيوفيل غوتييه الذي سيصبح صديقه الكبير بعدئذ. ويروي عنه هذا الأخير الحكاية التالية: في أحد الأيام زارني شارل بودلير في منزلي بشكل مفاجئ، وما إن جلس حتى رأى كأساً من الماء على الطاولة فقال لي: أبعد هذا الماء عن وجهي، أرجوك، إني لا أحب منظر الكؤوس المليئة بالماء. ففهمت مقصده فوراً وعرفت أنه يريد مشروباً من لون آخر، من لون الأحمر القاني.
وعندئذ عرضت عليه زجاجتين من الخمر المعتق لكي يختار بينهما، فإذا به يقول لي: أفضل أن أجرب الاثنتين معاً! وهكذا كان. فقد راح يفرغ الكأس بعد الكأس وهو ينظر إليّ من طرف عينه من وقت لآخر لكي يعرف فيما إذا كنت منزعجاً منه أم لا. ولكني لم أحرك ساكناً وتركته على حاله بكل حرية. فظل يشرب ويشرب حتى فرغ من القارورتين تماماً... ثم نهض وقال لي: شكراً لك، لقد أمضينا وقتاً طيباً معاً!
في عام 1857 نشر بودلير ديوانه الشعري الشهير: «أزهار الشر». وقد أدانته محاكم باريس فوراً بتهمة الخروج على القانون العام والأخلاق الفاضلة. واتهمت بعض القصائد بأنها فاحشة ومخلة بالحياء، وقالت بأن بعضها الآخر يمثل انتهاكاً للدين والمقدسات، بخاصة قصيدة «جحود القديس بطرس»... ولم تتراجع المحاكم الفرنسية عن إدانة هذا الديوان «الشرير» إلا عام 1949: أي بعد مائة سنة من ذلك التاريخ! لم تتراجع إلا بعد أن أصبح ديوانه مفخرة المفاخر للشعر الفرنسي. ولكن في ذلك الوقت كان بودلير قد أصبح مثقلاً بالديون وملاحقاً بشكل شبه يومي من قبل الدائنين. ولهذا السبب فقد هرب إلى بروكسل لكي يلقي محاضراته هناك عن الشعر. وكانت محاضرات فاشلة لأنه كان مرهقاً جداً من الناحية النفسية ومثقلاً بالهواجس والهموم. ويقال بأنه كان يبدو كشيخ هرم وهو لم يتجاوز الأربعين إلا قليلاً. لقد دمرت الحياة بودلير. وعن هذا الدمار نتجت القصائد العبقرية. ويقال بأنه كان ينسى نفسه أحياناً أثناء المحاضرة فيفتح حقيبته ويستخرج منها سندويشة ويبدأ بالتهامها أمام دهشة الحاضرين وذهولهم. وربما كان يشرب كأساً أو كأسين علاوة على ذلك! وهكذا تتحول المحاضرة إلى مسرحية جنونية، إلى نوع من مسرح المعقول واللامعقول.

- معلومات جديدة عن بودلير
هل يعلم القارئ أن ديوانه هو أحد أفضل المبيعات الفرنسية في مجال الآداب. فقد بيع منه حتى الآن ما لا يقل عن ثلاثة ملايين ونصف المليون نسخة في الطبعة العادية، وحوالي مليوني نسخة في طبعة الجيب الصغيرة: أي أكثر من خمسة ملايين نسخة.
وهل يعلم القارئ أن رسالة بودلير إلى عشيقته الزنجية بيعت عام 1984 بما يعادل المليون دولار حالياً؟ وقد اشتراها أحد الأغنياء الكبار الذين يحبون جمع آثار العظماء. وهي مكتوبة بخط بودلير شخصياً. وأما مقدمته لـ«أزهار الشر» التي لا تزيد على 11 صفحة فإنها بيعت عام 1992 بما لا يقل عن مليوني دولار بالسعر الحالي! وهي مكتوبة بخط يده أيضاً.
هكذا نلاحظ أن بودلير الذي كان جائعاً تقريباً في السنوات الأخيرة من عمره وكان يشحذ الفلوس من الناس أصبحت نصوصه تباع بالملايين من دون أن يستفيد منها أي شيء. لقد حصل له ما حصل لذلك المجنون العبقري الآخر فينسنت فان غوخ الذي كان يتضور جوعاً والذي تباع لوحاته الآن بعشرات الملايين من الدولارات. بعض لوحاته بيعت بأكثر من خمسين أو ستين مليون دولار. أما هو فلم يبع في حياته كلها إلا لوحة واحدة بعشرين دولاراً فقط.
وبيعت النسخة المهداة إلى الرسام دولاكروا من ديوان «أزهار الشر» عام 1985 بحوالي المليون ونصف المليون فرنك فرنسي، أي مع يعادل المليون دولار حالياً. وكل ذلك لأنه كتب عليها بخط اليد إهداءً بسيطاً لا يتجاوز بضع كلمات عادية أو عبارات تقريضية لصديق.

- ماذا قالوا عن بودلير؟
قال عنه الناقد الهمام لجريدة «ألفيغارو» بعد صدور الديوان مباشرة: «عندما نقرأ هذا الكتاب نكاد نشك في الصحة العقلية للسيد شارل بودلير. فهل هو مجنون يا ترى؟ هل فقد عقله؟ وهل يمكن لصحيح العقل أن ينشر قصائد فاسدة ومنحلة أخلاقياً وتافهة إلى مثل هذا الحد؟»، هل كان هذا الناقد «العبقري» يعرف أن هذه القصائد «التافهة» سوف تصبح أعظم ديوان في تاريخ الشعر الفرنسي؟
أما فيكتور هيغو الذي يكبر بودلير بعشرين سنة، والذي كان أشهر شاعر فرنسي في ذلك الزمان، فقد كتب له رسالة يقول فيها ما معناه: «إدانتك من قبل محاكم باريس وسام شرف على صدرك. (أزهار شرك) تشع على العالم كالكواكب والنجوم. ما الذي تفعله عندما تكتب قصائدك أيها الشاعر؟ إنك تقتحم، تقتحم إلى الأمام... إنك تزود سماء الفن بشعاع جنائزي حزين. إنك تخلق رعشة جديدة في الآداب الفرنسية»!
لكن بودلير للأسف لم يعش الوقت الكافي لكي يشهد صعود نجمه في سماء الفن والشهرة. لم يعش الوقت الكافي لكي يدرك حجم الخرق الذي أحدثه في تاريخ الآداب الفرنسية. ولم يعش الوقت الكافي لكي يشهد حجم الثورة الشعرية التي دشنها من خلال قصائد عبقرية تبقى على الدهر. ولم يعش الوقت الكافي لكي يسمع رامبو يقول عنه هذه الكلمات الخالدة: إنه ملك الشعر المتوج، إنه قمة الشعر!



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.