حرب الـ11 يوماً... التي أعادت «حل الدولتين» إلى الطاولة

العالم يتحرّك من أجل خلاص شامل بينما تستعد تل أبيب وغزة لجولة قتال أخرى

حرب الـ11 يوماً... التي أعادت «حل الدولتين» إلى الطاولة
TT

حرب الـ11 يوماً... التي أعادت «حل الدولتين» إلى الطاولة

حرب الـ11 يوماً... التي أعادت «حل الدولتين» إلى الطاولة

عندما قصفت «كتائب القسام» التابعة لـ«حركة حماس» مدينة القدس الساعة السادسة مساءً في 10 مايو (أيار) الحالي، بعد تهديد لم يستمر سوى ساعات قليلة، دشنت الحركة ما يمكن أن نسميه عهداً جديداً في فلسطين وإسرائيل، واتضح لاحقاً أنه يؤسس لمرحلة جديدة، كان كثيرون يتوقون لها. لم يكن الأمر متعلقاً فقط بتحدي إسرائيل وكسب الجولة إعلامياً ومعنوياً، في وقت كان يعتقد فيه الفلسطينيون أنفسهم أنهم خسروا كثيراً وتراجعوا وتقهقروا وفقدوا زمام المبادرة.
لم تعرف «حماس»، وربما إسرائيل، أن حرب الـ11 يوماً المدمرة بينهما، وأخرجت السلطة الفلسطينية خارج السبق الشعبي، ستعود بالفائدة أكثر من أي كيان أو أحد على الرئيس الفلسطيني محمود عباس وسلطته التي لجأ إليها العالم من أجل حل أوسع وشامل، وليس مجرد حل جزئي في غزة سيقود حتماً إلى حرب أخرى واتفاق تهدئة جديدة، وهكذا، ضمن لعبة الدوران في حلقة مفرغة. إذ يمكن القول إن فكرة «صنع السلام» وفق «حل الدولتين» أصبحت ملحة أكثر ومخرجاً معقولاً لكثيرين بعدما طواها النسيان والتجاهل.
قبل أن تنتهي الحرب على قطاع غزة يوم 21 مايو الحالي، تحرّكت الولايات المتحدة، ومعها مصر وقطر والأمم المتحدة ودول في الاتحاد الأوروبي، من أجل وقف إطلاق النار، الذي جرى تثبيته، على قاعدة أن صنع السلام الدائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين هو الحل الوحيد، عبر هدنة طويلة في غزة والضفة، بما فيها القدس، وليس مجرد عقد اتفاق هش جديد في غزة.
كان العالم كله قد تعلم الدرس، بأن الحرب ستجرّ هدنة ثم حرباً ثم هدنة وهكذا، من دون أن يتحقق شيء على الأرض... لا إعمار ولا رفع حصار ولا تنمية ولا هدوء في المنطقة التي تشهد أكبر كثافة سكانية في العالم، وستظل تشكل بالنسبة لإسرائيل عقدة تستعصي على الحل.
ليس العالم فقط، بل أيضاً إسرائيل - التي بدا في هذه الحرب أنها ضيّعت عمل 70 سنة، بعد مواجهات دامية في الداخل رآها القادة الإسرائيليون أشبه بحرب أهلية، وعمليات في الضفة، وصواريخ من غزة، التي كانت تصبو أيضاً إلى حل وتنمية وحياة عادية.
ومثلها، السلطة الفلسطينية - التي خرجت من فترة رئاسة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب مثخنة بالجراح، ومعزولة ومهمشة، تكاد تصل إلى طريق مسدودة في مشروعها السياسي - كانت تبحث عن استعادة الدور من جديد وإنعاش مشروعها الممدّد في غرفة العناية...
لقد منحت الحرب الأخيرة طوق نجاة للجميع إلا للذين قضوا تحت ركامها.
العودة إلى الحل القديم
لم تتلكأ واشنطن طويلاً، قبل أن ترسل وزير خارجيتها أنتوني بلينكن إلى المنطقة من أجل دفع مسار سياسي جديد. ولم يحتَج بلينكن سوى ليوم واحد في تل أبيب ورام الله من أجل الإعلان أن الأطراف متفقة على الحاجة إلى حل سياسي.
قال بلينكن، بعد لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس الفلسطيني محمود عباس في رام الله هذا الأسبوع، إن الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي أقرّا بضرورة معالجة الأسباب الأساسية التي تشعل الصراع بينهما. وأضاف: «القادة على الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني بحاجة إلى إجراء تحسينات حقيقية في حياة الناس». ومن ثم، رحّب بلينكن باتفاق وقف إطلاق النار بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بعد موجة المواجهات الأخيرة بين الطرفين، مضيفاً أنه «يجب البناء على تلك التفاهمات للمضي قدماً لتتحرك الأمور بإيجابية».
وأقرّ الوزير الأميركي بأن «دوامة العنف الأخيرة هي انعكاس لقضايا مختلفة، ونرحب بوقف إطلاق النار، ولكن يجب أن نبني عليه لتتحرّك الأمور بطريقة إيجابية»، مضيفاً: «في النهاية، من الممكن استئناف الجهود لتحقيق حل الدولتين، والذي ما زلنا نراه السبيل الوحيد لتأمين مستقبل إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، وبالطبع منح الفلسطينيين دولتهم حيث لديهم الحق في ذلك».
كان بلينكن يشير إلى هدف المهمة التي بدأها في تل أبيب ورام الله وعمان ومصر وفي مناطق أخرى مستعجلاً، بسبب الحرب التي دكّت تل أبيب ومناطق واسعة. في حين أكدت مصادر فلسطينية سياسية في رام الله لـ«الشرق الأوسط» أن الحرب على قطاع غزة «سرّعت من جهود دفع عملية سياسية جديدة في المنطقة»، وذكرت أن «الاتصالات ومباحثات وقف النار في قطاع غزة وفرض تهدئة طويلة الأمد، كانت جزءاً من خطة أوسع لاستئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية والوصول إلى اتفاق سلام».
وتابعت المصادر: «بوجود إدارة أميركية جديدة تريد استئناف عملية السلام، وبدعم دولي وإقليمي، كان يفترض أن تنطلق مثل هذه العملية، لكن ما حدث في القدس والحرب على غزة جعلا الأمر ملحاً أكثر، بل حتمياً». ومن ثم، أكّدت المصادر أن الاتصالات التي أجرتها واشنطن مع الفلسطينيين والإسرائيليين بشكل مباشر، تركزت على وجوب «إطلاق عملية سلام للوصول إلى اتفاق شامل فلسطيني إسرائيلي... وليس مجرد الوصول إلى اتفاق مؤقت لوقف النار في غزة».
موقف محمود عباس
من جانبه، كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد قال وسط الجهود المبذولة لوقف النار، إنه يريد «وقف العدوان، ثم الدخول في عملية سياسية جدية، وبمرجعية دولية واضحة، تفضي إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأرض دولة فلسطين، بما فيها القدس الشرقية عاصمتنا المقدسة». وجدّد عباس تمسكه بـ«مبادرة السلام العربية» التي أقرتها القمم العربية المتعاقبة منذ قمة بيروت عام 2002، نصاً وروحاً. أي تطبيق المبادرة من الألف إلى الياء، وليس العكس، ما يعني الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلت عام 1967 أولاً، ثم البحث في أي قضايا تخص العلاقة مع إسرائيل بعد ذلك، وليس العكس.
قال عباس: «نحن طلاب سلام، لا طلاب حرب»، ولكن لأول مرة لم يواجَه عباس بمعارضة (حمساوية) من أجل إطلاق مسار سياسي. إذ قال يحيى السنوار، قائد (حركة حماس) في غزة، الذي خرج متحدياً وزير الأمن الإسرائيلي بيني غانتس في شوارع غزة بعد نهاية الحرب بعدما هدّد بأنه سيغتاله؛ إننا نفضل مقاومة الاحتلال بالوسائل السلمية، لكن إذا لم يتجاوب أو تمادى في إجرامه، فإن المقاومة ستردعه».
وشدّد السنوار على أن لدى العالم الآن الفرصة لإلزام الاحتلال بالقانون الدولي والاتفاقيات الدولية، لتصبح الفرصة مهيأة لهدنة طويلة الأمد. وأضاف: «إذا انسحب الاحتلال من الضفة الغربية وشرق القدس، وأقمنا دولتنا على جزء من أرضنا، فستكون الفرصة متاحة لتوقيع هدنة طويلة الأمد».
قطار جوي للمنطقة
وحقاً، من أجل الوصول إلى حل نهائي، لم تتحرك فقط الولايات المتحدة، بل تحركت أيضاً المنطقة العربية برمتها. ففي غضون 48 ساعة فقط وصل وزير الخارجية الأميركي ووزيرا الخارجية المصري والأردني للقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ثم لحق بهما وزير الخارجية البريطاني. ودعت مصر السلطة و«حماس» إلى القاهرة «من أجل بلورة شيء ما»، كما قال بلينكن: «بعدما وصلنا إلى حيث يريد الجميع أن يكون، ألا وهو إنهاء العنف». وأردف: «أعتقد أنه من واجبنا جميعاً أن نحاول أن نبدأ في بناء شيء أكثر إيجابية. نحن ندعو إلى بذل مزيد من الجهود لتهيئة الظروف بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي لإعادة إطلاق عملية سلام حقيقية».
مطلوب أكثر من الرغبة
ليس سراً أن إطلاق هذه العملية يحتاج إلى ما هو أكثر من رغبة الولايات المتحدة. ولذا يعمل الفلسطينيون مع مصر والأردن على وضع خطة تحظى بدعم عربي، ثم أميركي وموافقة إسرائيلية، من أجل إطلاق عملية سياسية جديدة في المنطقة تقود إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، ويجري خلالها فرض تهدئة واسعة في كل المناطق، الضفة والقدس وقطاع غزة، بما يشمل بدء إعمار القطاع.
هذا التنسيق بدأ فعلياً قبل وصول إدارة الرئيس جو بايدن إلى الحكم، واستمر بعد ذلك. غير أنه تكثف وأخذ منحى متسارعاً بعد الحرب على قطاع غزة، وإبداء الإدارة الأميركية رغبة في حل شامل يقوم على «حل الدولتين» لا مجرد حل جزئي في قطاع غزة. ولأجل هذا يجري تنسيق مكثف بين رام الله وعمّان والقاهرة يشمل كل شيء، ويقوم على وضع خطة لإطلاق عملية سياسية جديدة.
وفعلاً، أكد عباس هذا التوجه أثناء استقباله وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ووزير الخارجية المصري سامح شكري، قائلاً إن «القيادة الفلسطينية مستعدة فوراً للانخراط في مسار سياسي تحت إشراف اللجنة الرباعية الدولية، ينهي الاحتلال الإسرائيلي عن شعبنا وأرضنا، ويؤدي لنيل شعبنا الفلسطيني حريته واستقلاله في دولة ذات سيادة، بعاصمتها القدس الشرقية، على أساس قرارات الشرعية الدولية». واختصر الصفدي وشكري المسألة بقولهما إن «الوقت الآن هو وقت التنسيق والعمل وبذل كل جهد ممكن حتى إقامة دولة فلسطين المستقلة على كامل التراب، وفق قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية».
وقال شكري إن الجميع يعمل الآن «من أجل تحقيق الغاية بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 67. وعاصمتها القدس الشرقية... هذا هو الهدف المشترك للدول العربية الشقيقة كافة، العمل بتنسيق كامل مع السلطة الوطنية الفلسطينية لتحقيق ذلك».
وتابع: «نحن عملنا بكل جهد لاحتواء هذا الأمر مراعاة للشعب الفلسطيني، ولإعفائه من ويلات العمليات العسكرية»، مشدداً على ضرورة إيجاد الأفق السياسي الملائم للتوصل إلى إقامة الدولة الفلسطينية: «نحن شهدنها هذه الدوائر المفرغة من العنف ومن التصعيد واستمرار الاحتلال دون آفاق سياسية لا تبشر بالاستقرار والأمن ليس فقط لفلسطين، ولكن للمنطقة بأكملها».
الإعمار... أكثر من مجرد إعادة بناء
الاستقرار الذي يتحدث عنه شكري شرط أساسي لإطلاق عملية إعمار في قطاع غزة. ورغم الدعوات الكثيرة لإعادة إعمار القطاع، وتأكيد الولايات المتحدة على التعاون مع السلطة الفلسطينية والأمم المتحدة لدعم جهود إعادة الإعمار، لا يبدو أن ذلك ممكناً من دون اتفاق سياسي طويل. ومعروف أن إعمار القطاع الذي تنخرط فيه الولايات المتحدة ومصر وقطر والمبعوث الأممي إلى الشرق الأوسط تور وينسلاند، والاتحاد الأوروبي كذلك، بحاجة إلى جهة «شرعية» يتعامل معها كل هؤلاء، وهي السلطة وليست «حماس» من وجهة نظرهم. ثم إن عملية الإعمار بحاجة إلى اتفاق طويل ومؤكد إلى حد كبير، ويفضل العالم أن يكون مع جهة يتعامل معها.
وفوق ذلك، تسعى إسرائيل ضمن تغيير سياستها تجاه «حركة حماس» أن تتسلم السلطة الفلسطينية أي أموال ستذهب إلى غزة. ووفق وسائل إعلام إسرائيلية، فإن رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الجيش بيني غانتس، ووزير الخارجية غابي أشكنازي، أبلغوا وزير الخارجية الأميركي أن إسرائيل ستوافق على إعادة إعمار غزة فقط في حال تشكيل نظام دولي «يمنع تعاظم قوة (حماس) مجدداً». واستعرض أشكنازي أمام نظيره الأميركي خطة لإدخال مساعدات إلى قطاع غزة، بحيث يُفصل بين «مساعدات إنسانية أساسية، مثل تزويد الماء والكهرباء»، وبين إعادة الإعمار. وأردف أن إدخال المواد لإعادة الإعمار سيكون مشروطاً بإقامة نظام مراقبة بالتعاون مع الأمم المتحدة «للتأكد من الجهة التي يذهب إليها أي دولار وأي كيلو إسمنت».
وحقاً، تريد إسرائيل وجوداً مصرياً كاملاً في هذا النظام، وكذلك دور مباشر للسلطة الفلسطينية، باعتبارها ممثل الفلسطينيين، وليست «حماس».
التوجه الإسرائيلي هذا جزء من توجه أوسع أميركي ودولي، كذلك، باعتبار السلطة الجهة الشرعية التي يمكن للعالم أن يتعامل معها، ووجودها في غزة سيعطي ضمانات أكبر لهدنة طويلة. ويفترض أن تناقش القاهرة هذا الأمر مع «حماس» مباشرة، وبالفعل، ذكر المتحدث باسم «حركة حماس» حازم قاسم، أن رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» إسماعيل هنية سيصل إلى القاهرة خلال أيام بعد دعوة مصرية من أجل مناقشة وقف النار وجهود إعادة الإعمار.
مصادر فلسطينية مطلعة قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «حماس» لم ترد أو تقرر فيما يخص موقف إسرائيل من تحويل أي أموال إلى قطاع غزة عبر السلطة، باعتبار أن الحركة قد تكون جزءاً من السلطة إذا ما تشكلت حكومة وحدة وطنية كما هو مخطط له. وأضافت المصادر: «في سياق اتفاق فلسطيني داخلي وشامل لن تمانع الحركة أن تكون السلطة عنواناً فلسطينياً ضمن آلية لإعادة إعمار القطاع... لكن ذلك ما زال مبكراً للاتفاق حوله». وهذا، رغم تأكيد المصادر أن هذا الملف كان جزءاً من النقاش بين الوفد الأمني المصري وقادة «حماس» في قطاع غزة.

هاجس الحرب الحاضر دائماً
> توجه العالم حول غزة، الذي عبّر عنه مفوض الأمن والسياسات الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل، بقوله إن الاتحاد لا يمكنه أن يواصل تمويل إعادة إعمار غزة، دون وجود احتمال إطلاق مسار سياسي بين إسرائيل والفلسطينيين - يعني بشكل أو بآخر تعزيز مكانة السلطة قبل أي شيء. في حين كشفت جهات إسرائيلية أن الولايات المتحدة طلبت من إسرائيل تعزيز مكانة السلطة الفلسطينية عبر تعزيز التعاون الأمني والسماح بتحويل الأموال إلى غزة عبر السلطة. وعلى طريق تعزيز السلطة، أكد وزير الخارجية أنتوني بلينكن عزم واشنطن على إعادة فتح القنصلية العامة الأميركية في القدس وتقديم 360 مليون دولار مساعدات للفلسطينيين. كما أكد بلينكن أن إدارة الرئيس بايدن ستقوم بتعزيز العلاقات الثنائية مع السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني.لكن أثناء هذا الحراك الكبير تستعد «القسام» وتنجز مزيداً من الصواريخ لجولة أخرى من القتال في مواجهة إسرائيل؛ حيث أمر رئيس هيئة الأركان العامة الجنرال أفيف كوخافي، جيشه بأن يكون على أهبة الاستعداد التام للرد على أي تدهور أمني واسع من غزة. وقالت «القناة 12» العبرية إنه حتى صباح الخميس هناك تقدير في تل أبيب أنه إذا لم يتحقق تقدم من خلال فرق التفاوض، قد تجد إسرائيل نفسها في جولة أخرى من القتال خلال الأسبوع المقبل، ولذا وُضِع الجيش على أهبة الاستعداد التام.

قطاع غزة... إحدى أكثر مناطق العالم كثافة سكانية
> في المنطقة الجنوبية من الساحل الفلسطيني على البحر المتوسط، على مساحة لا تزيد عن 360 كيلومتراً مربعاً، بطول 41 كيلومتراً مربعاً، وعرض يتراوح بين 5 و15 كيلومتراً مربعاً، يعيش في قطاع غزة أكثر من 2.05 مليون نسمة، بحسب آخر إحصاء رسمي. وهذا ما يجعل القطاع البقعة الأكثر كثافة سكانية في العالم.
القطاع ينسب إلى كبرى مدنه... غزة. وفيه تبلغ نسبة الكثافة السكانية وفقاً لأرقام حديثة أكثر من 27 ألف ساكن في الكيلومتر المربع الواحد، أما في المخيمات فترتفع الكثافة السكانية إلى حدود 56 ألف ساكن تقريباً في الكيلومتر المربع. ويشكل القطاع مع الضفة الغربية، وهي الجزء الفلسطيني الأكبر من الأراضي التي احتلتها إسرائيل في 5 يونيو (حزيران) 1967، الأراضي التي تسعى السلطة الفلسطينية لإنشاء دولة ضمن حدودها.
حالياً، يوجد في القطاع 44 تجمعاً سكانياً. أهمها؛ غزة ورفح وخان يونس وبني سهيلة وخزاعة وعبسان الكبيرة وعبسان الجديدة ودير البلح وبيت لاهيا وبيت حانون وجباليا. ويقول البنك الدولي إن القطاع يمثل الآن أسوأ اقتصادات العالم أداء، وفيه أعلى معدل بطالة في العالم، إذ يبلغ أكثر من 50 في المائة.
وكانت إسرائيل تعتقد أن تسليم غزة إلى السلطة الفلسطينية عام 1994 سيحوّل السلطة إلى شرطي حدود، وكان هذا بمثابة وهم جديد. إذ اضطرت إسرائيل لشن أولى عملياتها العسكرية، ضمن سلسلة عمليات ضد غزة بعد تسليم السلطة لها بنحو 8 سنوات، وتحديداً في نهاية أبريل (نيسان) 2001، وهي التالية...
- في مايو (أيار) 2004، عملية «قوس قزح».
- في سبتمبر (أيلول) 2004، عملية «أيام الندم».
- في 2005. انسحبت إسرائيل فعلاً من قطاع غزة ضمن خطة عُرفت آنذاك بـ«خطة فك الارتباط الأحادي الجانب»، ولكن في 25 سبتمبر 2005 شنت عملية «أول الغيث» وهي أول عملية بعد خطة فك الارتباط بأسبوعين.
- في يونيو 2006 عملية «سيف جلعاد».
- في فبراير (شباط) 2008، عادت من جديد لتنفذ عملية «الشتاء الساخن». وفي نهاية العام، وتحديداً في 27 ديسمبر (كانون الأول) 2008، شنت إحدى كبرى عملياتها العسكرية على غزة وأكثرها دموية، هي «الرصاص المصبوب».
- عام 2012. عملية «عمود السحاب».
- عام 2014. حرب «الجرف الصامد» التي طالت 51 يوماً، وخلفت أكثر من 1000 قتيل فلسطيني ودماراً كبيراً.
- في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 خاضت إسرائيل جولة قاسية مع «حماس».
- هذا الشهر، مايو (أيار) دخلت «حماس» وإسرائيل أحدث الجولات القتالية.



«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟