فنزويلا مادورو.. تواجه مخاطر الثورة المضادة

خليفة شافيز يستعجل الإصلاح أملا في تفادي الجمود السياسي والتراجع الاقتصادي

فنزويلا مادورو.. تواجه مخاطر الثورة المضادة
TT

فنزويلا مادورو.. تواجه مخاطر الثورة المضادة

فنزويلا مادورو.. تواجه مخاطر الثورة المضادة

تواجه فنزويلا، التي تملك أكبر احتياطي نفطي في العالم وتعد أحد أكبر منتجيه، أسوأ السيناريوهات مع بدء مرحلة ما بعد زعيمها الراحل هوغو شافيز، ألا وهو الجمود. فاز نيكولاس مادورو بفارق ضئيل جدا عن منافسه في أكثر الانتخابات الرئاسية إثارة للجدل على مدى عقود، ليحرم وريث الثورة الاشتراكية التحولية في فنزويلا ووريث حركة شعبية في أميركا اللاتينية من التفويض القوي اللازم لتنفيذ إصلاحات ملحة لإعادة الاستقرار الاقتصادي والسياسي للبلاد.
وفي الوقت الذي انصب فيه القدر الأكبر من الاهتمام على اتهامات خطيرة بتزوير الانتخابات موجهة من قبل المعارضة الديمقراطية الاشتراكية التي يقودها المرشح المهزوم هنريكي كابريليس وحالة العنف التي سادت الشوارع في أعقاب ذلك، إضافة إلى رفض الولايات المتحدة وأوروبا الاعتراف بنتائج الانتخابات، فإن الحقيقة هي أن مادورو قد أدى اليمين يوم الجمعة الماضي ليتقلد منصب رئيس فنزويلا حتى عام 2019، مع شرعية دولية إضافية.
يعد مادورو الوريث المختار لشافيز، الذي فرض ثورة واسعة النطاق لكنه توفي إثر إصابته بالسرطان قبل أن يتم مرحلة إصلاح أولية كان مادورو يتقدمها في حقيقة الأمر. خسر كابريليس 270 ألف صوت، أي أقل من 2% من الأصوات، وهي نتيجة مدهشة، بالنظر إلى أن مادورو قد تمتع بميزة التصويت العاطفي نتيجة الوفاة الدرامية لشافيز قبل نحو شهر وبنفقات طائلة من الحكومة قبيل الانتخابات.
لم تقُم السلطات الانتخابية بالتصديق على التصويت فحسب، بل أكدت أن هناك عملية تدقيق تجري وأنها ستستغرق قرابة شهر، لكنها لن تغير نتائج الانتخابات. وحقيقة أداء مادورو اليمين واعتراف السواد الأعظم من حكومات أميركا اللاتينية – وكل الحكومات المهمة – بالحكومة الجديدة، إلى جانب الصين وروسيا وعشرات الدول الأخرى، ناهيك بسيطرة الحكومة على معظم مؤسسات فنزويلا، يجعل إلغاء النتيجة أمرا بعيد الاحتمال.
وتؤيد الأسواق ذلك التوقع. وحتى بعد أن غيرت وكالة التصنيفات «ستاندرد أند بورز» توقعها بشأن دين فنزويلا إلى سلبي بدلا من مستقر يوم الجمعة، مستشهدة بنتائج الانتخابات وعدم الاستقرار السياسي، ارتفعت أسعار السندات والعائدات هذا الأسبوع، بينما هبطت تكلفة تأمين الديون. غير أن أكبر التحديات التي تواجه مادورو ليست نابعة من الاتهامات بتزوير نتائج الانتخابات، وإنما من حالة الانقسام الحاد في البلاد والتقلب السياسي الذي سيتعين عليه إدارته، وتحديدا عندما تحتاج فنزويلا إلى تنفيذ إصلاحات جادة بهدف إصلاح نموذجها الاقتصادي غير القابل للاستدامة.
ليس ثمة أي دليل على وجود عملية تزوير جماعية، غير أن الأمر الذي لا يمكن إنكاره هو أن فنزويلا منقسمة ما بين أنصار شافيز ومعارضيه. فضلا عن ذلك، فإن الحكومة وكتلة أنصار شافيز هشة على المستوى الداخلي، إذ غادر البراغماتيون والأكثر تطرفا المعركة من أجل السيطرة. وأيا كانت الحالة، فسوف يواجه مادورو رياحا مضادة قوية من جميع الجوانب.
ويقال إنه ليس لدى فنزويلا أي خيار آخر سوى القيام بإصلاحات عاجلة، وقد أوضح مادورو ذلك بالفعل. وقال في خطاب تنصيبه الجمعة إنه سيقود «ثورة داخل الثورة». وقال أيضا بعد أيام على أدائه اليمين، أمام حكومته الجديدة: «نحن نبدأ حلقة جديدة من الثورة الفنزويلية... حكومة الشوارع».
وفي واقع الأمر، يطلق على ذلك اسم الثورة المضادة، وهذا يحدث مع جميع الثورات، في الصين وروسيا وإيران وكوبا وعدد لا حصر له من الدول الأخرى. لكن الأمر غير المؤكد هو: كيف تنتهي هذه الثورات، وهل يمكن أن تتحد الثورات وتصلح أخطاءها، أم تنفجر من الداخل؟
في حالة فنزويلا، كان شافيز هو الذي بدأ المرحلة الإصلاحية. تسلم مادورو السلطة في عام 2012 وقتما كان شافيز يخضع للعلاج من مرض السرطان في كوبا، غير أن نتائج الانتخابات غير المتوقعة هذا الشهر أرخت قبضته على السلطة. والسؤال الآن هو ما إذا كان بمقدور مادورو حشد الدعم السياسي والشعبي المطلوب بسرعة لتوطيد أركان حكومته.
الغالبية لا تبدو متفائلة ولا تتوقع من مادورو سوى مزيد من السياسات الفاشلة والغوغائية والمساومات الفاسدة وعدم الاستقرار، غير أنهم يقللون من شأن مرونة الشعبوية حين يتعلق الأمر بإعادة الابتكار وإصلاح الأخطاء.
يدرك مادورو أن الأمل الوحيد لبقاء نهج شافيز هو ضخ مزيد من النفط لتعويض هبوط أسعار النفط الخام، مع خفض الإنفاق الحكومي وترتيب الموارد المالية. إلا أنه يتحتم عليه القيام بذلك من دون إثارة رد فعل شعبي سلبي. إن عائدات النفط تقل، مع إهدار الموارد في صورة سوء إدارة وفساد وانعدام كفاءة.
لقد بدأت الإصلاحات بالفعل، ففي يناير (كانون الثاني) قامت فنزويلا بخفض قيمة عملتها بنسبة 32%، وهي خطوة طال انتظارها وكانت تعتبر حتمية لموازنة الإنفاق الحكومي المتزايد، لكن ذلك أيضا سوف يزيد من معدل التضخم ويضعف النمو الاقتصادي، بينما يؤجل اتخاذ مزيد من إجراءات التحكم في العملة. «علينا أن نتعلم القيام بالكثير بأقل القليل، والقيام بالمزيد بموارد أقل»، هذا ما قاله في اليوم الذي أعلنت فيه حكومته المؤقتة خفض قيمة العملة.
رسخ مادورو إشاراته المنفتحة على الإصلاح حينما قام بتعيين حكومته الجديدة. ينتمي معظم الوزراء المعينين إلى الحكومة السابقة، وهذا بلا شك يهدف إلى تأمين وحدة أنصار شافيز، غير أنه طرح جانبا من البراغماتية، حين اختار نيلسون ميرينتيس، محافظ البنك المركزي البراغماتي، لتولي منصب وزير المالية.
«يشير تعيين ميرينتيس إلى أنه من المحتمل أن يكون هناك قدر أكبر من المرونة، في ما يتعلق بسياسة النقد الأجنبي، وربما في مجالات أخرى، على الرغم من أن المعوقات السياسية قد تستمر في تقييد الدرجة التي يمكن أن يكون بها مادورو أكثر اعتدالا في ما يتعلق بالسياسة الاقتصادية»، هذا ما جاء في تقرير لمجموعة «أوراسيا» المعنية بتحليل المخاطر السياسية.
يعتبر ميرينتيس صديقا للسوق، بينما يتركز أنصار شافيز في جوهره، وهو ما يكون في نهاية المطاف نوع التحول من اليسار إلى الوسط الذي تحتاج إليه فنزويلا لجذب استثمارات أجنبية، بينما تخفف من حدة الاستقطاب المجتمعي الذي يهدد عدم الاستقرار.
تتوقع الأسواق تخفيفا للقيود المفروضة على العملة. وعلى الرغم من ذلك فإن الأولوية لقطاع النفط، الذي ظل عصب الحياة في فنزويلا على مدى عقود. تشير تقديرات محللي النفط، بدءا بالوكالة الدولية للطاقة ومنظمة «أوبك» وإدارة معلومات الطاقة، إلى أن فنزويلا تعاني بالفعل من عجز في الميزانية، في ظل تقديرات لمتطلبات سعر تعادلها لتمويل النفقات الحكومية تتراوح ما بين 100 و120 دولارا للبرميل.
لقد فشلت فنزويلا في القضاء على مشكلة انخفاض الإنتاج بسبب نضوب الآبار وتطوير مواردها الضخمة بكفاءة في حزام أورينوكو النفطي، وهو أكبر مخزون نفطي بمفرده في العالم. إن التكنولوجيا والمعرفة عاملان متوفران في فنزويلا، غير أنها قد وجهت الموارد التي تعتبر شركة «بي دي فيه إس إيه» الحكومية في أمس الحاجة إليها لتمويل برامجها الشعبوية، ناهيك بتسييس الشركة التي كانت في ما مضى إحدى كبرى شركات النفط وأكثرها تأثيرا في العالم.
ظل الإنتاج أقل من ثلاثة ملايين برميل يوميا، على الرغم من الخطط الطموحة والتعاقدات الرنانة مع الشركات الأجنبية التي تستهدف مضاعفة الإنتاج بحلول نهاية العقد. وإضافة إلى ذلك، فإن هناك عددا هائلا من الشركاء الدوليين على استعداد لضخ ملياراتهم في سبيل استخلاص ذلك النفط، غير أن معظم المشروعات يظل في مرحلة التخطيط. والسبب هو أن شركة «بي دي فيه إس إيه»، التي تملك بموجب القانون نسبة 60% من مشروعات النفط، لا تملك المال لتقديم نصيبها من المساهمات المالية.
وقال مادورو في وقت سابق من هذا العام، حينما كان ينتظر الدعم من شافيز: «نحتاج إلى القضاء على الثقافة القائلة إنه تاريخيا، بسبب النفط، فعلنا القليل بالكثير». الآن، وبعد أن أصبح وحده لا يملك سوى إرث يتشبث به، سيتعين عليه أن يثبت للأسواق الدولية والمستثمرين والحكومات، إضافة إلى الفنزويليين قاطبة، أنه سيكون قادرا على تحقيق الاستقرار.



«رولان غاروس»: سفايدا يواصل مفاجآته… ويضرب موعداً مع كوبولي في الدور الرابع

الأميركي زاكاري سفايدا (أ.ف.ب)
الأميركي زاكاري سفايدا (أ.ف.ب)
TT

«رولان غاروس»: سفايدا يواصل مفاجآته… ويضرب موعداً مع كوبولي في الدور الرابع

الأميركي زاكاري سفايدا (أ.ف.ب)
الأميركي زاكاري سفايدا (أ.ف.ب)

واصل الأميركي زاكاري سفايدا كتابة قصته الاستثنائية في «بطولة فرنسا المفتوحة للتنس - رولان غاروس»، بعدما تأهل إلى الدور الرابع لأول مرة في مسيرته ببطولات «غراند سلام»، بفوزه المثير على الأرجنتيني فرنسيسكو سيروندولو في 5 مجموعات.

وتمكن سفايدا؛ المصنف الـ85 عالمياً، من تجاوز المصنف الـ25 في البطولة بنتيجة 6 - 3 و6 - 4 و3 - 6 و4 - 6 و6 - 3، في مباراة استمرت 3 ساعات و3 دقائق على الملعب رقم «14».

ويعدّ هذا الإنجاز لافتاً للاعب الأميركي البالغ من العمر 23 عاماً، الذي وصل إلى باريس وهو يملك فوزاً واحداً فقط على الملاعب الرملية، قبل أن ينجح في تحقيق أفضل نتيجة له على الإطلاق بإحدى البطولات الكبرى.

وبعد نقطة الحسم، أشار سفايدا إلى السماء احتفالاً بالفوز، في لفتة مؤثرة إلى والده توم الذي توفي في أكتوبر (تشرين الماضي) الماضي، بعد صراع مع مرض السرطان.

وضمن اللاعب الأميركي بفضل هذا الإنجاز تحقيق أفضل تصنيف في مسيرته الاحترافية، حيث يتقدم حالياً 26 مركزاً في التصنيف المباشر لـ«رابطة اللاعبين المحترفين» ليحتل المركز الـ59 عالمياً.

وفي الدور المقبل، سيواجه سفايدا الإيطالي فلافيو كوبولي، المصنف الـ10 في البطولة، الذي تأهل بدوره بعد فوزه السهل على مواطنه الأميركي ليرنر تيان بـ3 مجموعات دون رد بنتيجة 6 - 2 و6 - 2 و6 - 3.

وأنهى كوبولي بهذا الفوز سلسلة من 6 انتصارات متتالية لتيان، ليبلغ الدور الرابع في إحدى بطولات «غراند سلام» لثاني مرة في مسيرته، بعدما سبق له الوصول إلى ربع نهائي بطولة «ويمبلدون» عام 2025.

ويعدّ الإيطالي، البالغ من العمر 24 عاماً والمصنف الـ14 عالمياً، أحد أبرز المرشحين للمنافسة على اللقب، خصوصاً بعد خروج عدد من الأسماء الكبيرة من البطولة؛ إذ أصبح رابع أعلى اللاعبين تصنيفاً بين المتأهلين المتبقين، خلف الألماني ألكسندر زفيريف، والكندي فيليكس أوجيه ألياسيم، والروسي آندريه روبليف.

وقال كوبولي عقب تأهله: «أريد التركيز على كل مباراة على حدة... هذه هي الطريقة التي أفكر بها طيلة الأسبوع».

وأضاف: «أعلم أن هناك فرصة لتتويج بطل جديد في إحدى بطولات (غراند سلام)؛ لكنني لا أريد التفكير في ذلك الآن. تنتظرني مباراة صعبة أخرى ويجب أن أركز عليها بالكامل».


هل تلجأ روسيا إلى سياسة «قطع الرأس» لإجبار أوكرانيا على الاستسلام؟

عامل إنقاذ يبحث عن ناجين في موقع قصف روسي على مركز تسوق بكييف يوم 24 مايو (إ.ب.أ)
عامل إنقاذ يبحث عن ناجين في موقع قصف روسي على مركز تسوق بكييف يوم 24 مايو (إ.ب.أ)
TT

هل تلجأ روسيا إلى سياسة «قطع الرأس» لإجبار أوكرانيا على الاستسلام؟

عامل إنقاذ يبحث عن ناجين في موقع قصف روسي على مركز تسوق بكييف يوم 24 مايو (إ.ب.أ)
عامل إنقاذ يبحث عن ناجين في موقع قصف روسي على مركز تسوق بكييف يوم 24 مايو (إ.ب.أ)

يبدو السؤال الأكثر إثارة بعد مرور نحو 4 سنوات ونصف سنة على اندلاع الحرب في أوكرانيا: لماذا لم تلجأ روسيا إلى اغتيال عدوها اللدود فولوديمير زيلينسكي وتصفية رموز القيادة العسكرية والسياسية في أوكرانيا؟ كان يمكن، وفقاً لتقديرات بعض النخب الروسية لسيناريو من هذا النوع، أن يضعف من عزيمة المقاومة في أوكرانيا، ويفاقم الخلافات الداخلية، وأن يضع العالم أمام استحقاق التعامل مع واقع جديد. لكن الرئيس فلاديمير بوتين لم يتخذ هذا القرار الحاسم.

والزعيم الذي يتربع على عرش الكرملين منذ 26 سنة، واجه خصومه خلال كل تلك الفترة أقداراً غامضة ومختلفة. ولاحق الموت كل من وجّه سلاحه أو نشاطه السياسي ضده. من أصلان مسخادوف في الشيشان عام 2005، إلى ألكسندر ليتفينينكو (2006)، ثم بوريس بيريزوفسكي (2013)، وبوريس نيمتسوف (2015)، وصولاً إلى يفغيني بريغوجين في 2023، ثم ألكسندر نافالني في العام التالي. وصحيح أنه باستثناء مسخادوف الذي قُتل خلال مواجهات عسكرية مباشرة في حرب الشيشان الثانية، فإن الكرملين تبرأ من دم كل المعارضين الآخرين. مع ذلك، بدا أن الأقدار واجهت دائماً خصوم الزعيم القوي.

والسؤال المهم هنا: لماذا لم يحسم بوتين قراره تجاه زيلينسكي حتى الآن؟ وهل يحمل التهديد الروسي حالياً بتقويض مراكز صنع القرار في أوكرانيا، إشارات إلى تبدّل محتمل في موقف الكرملين حيال سياسة «قطع الرأس» التي طالما دعا إليها رموز معسكر «الصقور» في روسيا؟

إزاحة زيلينسكي

كانت المطالبات بإزاحة الرئيس الأوكراني المُتّهم في موسكو بأنه يقود «عصابة نازية» قد بدأت في وقت مبكر بعد اندلاع الحرب. وقد عبّر جزء مهم من النخب السياسية والأمنية والعسكرية عن قناعة بضرورة أن تُوجّه موسكو ضربة حاسمة تستهدف أركان القيادة الأوكرانية. وارتفعت الأصوات أكثر عند منعطفات ميدانية حاسمة، أو بعد ضربات موجعة عسكرياً أو سياسياً تعرّضت لها موسكو؛ مثل هجوم المسيرات الذي استهدف الكرملين بشكل مباشر في عام 2023، أو عند نجاح الهجوم الأوكراني المباغت في منطقة كورسك والذي أسفر عن سيطرة القوات الأوكرانية على مساحات شاسعة داخل الأراضي الروسية، واحتاجت موسكو بعد ذلك نحو 8 أشهر، ومساعدة قوية قدمتها الوحدات الخاصة في كوريا الشمالية لطرد المتوغلين داخل أراضيها.

زيلينسكي يتحدث بعد لقائه رئيس الوزراء السويدي وتبدو خلفه مقاتلة من طراز «إف - 16» في أوبسالا يوم 28 مايو (أ.ف.ب)

وفي عام 2023، وصف نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري ميدفيديف، وأحد أبرز «الصقور» الذين دعوا باستمرار إلى استخدام الترسانة النووية للقضاء على «العدو»، التصفية الجسدية لزيلينسكي و«زمرته»، بأنها الخيار الوحيد أمام روسيا. كانت موسكو لم تستفِق بعد من صدمة هجوم المسيرات على الكرملين، والتي صُنّفت بوصفها محاولة اغتيال مباشرة لبوتين. وقال السياسي الروسي آنذاك إنه «لم يتبقَّ أي خيار سوى التصفية الجسدية لزيلينسكي وفريقه، حتى إنه ليس مطلوباً منه توقيع وثيقة الاستسلام غير المشروط. و(أدولف) هتلر، كما نعلم، لم يوقعها أيضاً. سيتم دائماً إيجاد بديل، لإعلان الاستسلام وتوقيعه».

وفي السياق ذاته، وصف رئيس مجلس النواب (الدوما) فياتشيسلاف فولودين، زيلينسكي بأنه «إرهابي دولي»، وأكد أن البرلمان «سيطالب (الرئيس) باستخدام أسلحة قادرة على إيقاف وتدمير نظام كييف الإرهابي»، في إشارة إلى المطالبة باستخدام أسلحة غير تقليدية لحسم الحرب.

شقة مدمرة بمبنى سكني بموسكو عقب هجوم بطائرة مسيرة يُرجّح أن تكون أوكرانية في 30 مايو (إ.ب.أ)

وخلال الفترات اللاحقة، تكرّرت مثل هذه الدعوات كثيراً، وشكّلت دائماً «الخيار النهائي» لإجبار أوكرانيا على السلام. لكنّ اللافت هنا أن جزءاً من النخب الروسية كان يرى أن هذا السيناريو كان يجب استخدامه مباشرة في بداية الحرب، عندما جاءت النتائج الأولى بعد مرور أشهر عدّة مُخالفة لتوقّعات الكرملين بأن تكون الحرب خاطفة وحاسمة؛ أي أنه كان ينبغي، وفقاً لبعض التعليقات، عدم السماح بتحويل المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة مكّنت الأوكرانيين من حشد قدراتهم بشكل جيد، ومنحت فرصة للأوروبيين - والغرب عموماً - لتشكيل تحالف قوي زاد من صعوبة قرار حسم الحرب.

بهذا المعنى، فإن تأخر الكرملين في تبنّي قرار «قطع الرأس» في وقت مُبكّر، جعل هذه المهمة أصعب في المراحل اللاحقة.

زيلينسكي الضعيف أفضل من زيلينسكي الميت

يرى خبراء أن إحجام الكرملين عن الحسم المباشر والسريع باستهداف القيادة الأوكرانية، له أسباب عدة؛ بينها تجارب روسيا في صراعات سابقة، وتشعب المواجهة في أوكرانيا وامتدادها إلى أوروبا ومناطق أخرى في العالم، وانعكاساتها المحتملة على العلاقات طويلة الأمد مع الجيران في الفضاء السوفياتي السابق، وفي محيط روسيا الإقليمي والدولي.

ترمب مستقبلاً بوتين خلال «قمة ألاسكا» في 15 أغسطس 2025 (أ.ب)

وفي هذا الإطار، يتذكّر البعض أن إزاحة مسخادوف بعملية اغتيال مُوجّهة، أسفرت عن إطالة أمد الحرب الشيشانية الثانية لسنوات تالية، وباتت روسيا تواجه ليس «رئيساً منتخباً قادراً على الجلوس إلى طاولة المفاوضات؛ بل مجموعة من الإرهابيين والمتشددين المتطرفين للغاية مثل شامل باسايف وأنصاره».

العنصر الثاني المهم هنا أن اغتيال زيلينسكي وبعض رموز قيادته في وقت مُبكّر كان سيجعله «بطلاً قومياً» ورمزاً للإلهام لمواجهة روسيا لعقود مقبلة، كما كتبت الصحافية الأوكرانية ديانا بانشينكو. ورأت الصحافية المعارضة حالياً لزيلينسكي، أنه «لو أن روسيا قضت على زيلينسكي قبل عامين، لما تغير شيء، لكنه كان سيصبح بطلاً قومياً لأوكرانيا لقرون، وكان سيُخلّد اسمه، وكان الشعب الأوكراني سيقاتل باسم تضحيته. وكان العالم أجمع سيُحيي ذكراه بوصفه شهيداً».

في المقابل، فإن تضييق الخناق عليه ومحاصرته بالأزمات وتسهيل عمليات فساد في الداخل، بدت سياسة أكثر جدوى بالنسبة إلى الكرملين لإضعاف زيلينسكي، وتحويله إلى «قائد لرزمة من الفاسدين الذين يُحمّلهم جزء واسع من الشعب الأوكراني قدراً من المسؤولية عن المأساة التي أصابت بلادهم».

إذن، فإن زيلينسكي الضعيف الذي يستجدي المساعدات الغربية، ويُحاصَر بالأزمات، وفقد جزءاً من شرعيته لأنه لم ينجح في ترتيب انتخابات رئاسية بعد انتهاء ولايته في مايو (أيار) 2024، أفضل لروسيا من زيلينسكي «البطل القومي الذي واجه الغزو الروسي بشجاعة».

عمليات إنقاذ في موقع قصف روسي على مركز تسوق في كييف، يوم 24 مايو (إ.ب.أ)

يُضاف إلى ذلك تبدّل المزاج العام حيال زيلينسكي في بعض عواصم القرار. ولا يخفى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وفريقه لا يرتبطون مع زيلينسكي بعلاقة وثيقة، خلافاً للإدارة السابقة، وقد وصفه مراراً بأنه عقبة في طريق السلام. كما أن جزءاً مهماً من مباحثات روسيا مع الوسيط الأميركي، ركّز على أنه لا دور مستقبلاً لزيلينسكي في «اليوم التالي»، وأن بين شروط السلام إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في أوكرانيا تُبعد الرئيس الأوكراني وفريقه عن المشهد السياسي نهائياً.

وفي وقت سابق، وصف ترمب زيلينسكي بأنه «ممثل كوميدي ناجح إلى حد ما»، و«ديكتاتور بلا انتخابات»، ونصحه «بالتحرك بسرعة، وإلا فلن يبقى له بلد». وقد صرّح ترمب مراراً وتكراراً بأن الوقت قد حان لإجراء انتخابات في أوكرانيا. وأشار إلى أن سلطات البلاد تستخدم العمل العسكري لتجنب إجراء استفتاء، لكن يجب أن تُتاح للشعب الأوكراني فرصة التعبير عن رأيه.

وفي هذا الإطار، زعم عالم السياسة يوري بارانتشيك، أن زيلينسكي قد يُعزل (أو يقتل) من قبل السلطات الأميركية أو البريطانية، وهذا أفضل من أن تفعل روسيا ذلك بنفسها.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

العنصر الآخر المهم لروسيا في مسعى تقويض صورة زيلينسكي بدلاً من اغتياله يكمن في رد الفعل المحتمل في الفضاء السوفياتي السابق، حيث يُهدّد سيناريو أوكرانيا بالتحول إلى شبح يؤرق مستقبل علاقات موسكو مع جيرانها. ويكفي أن استهداف القيادة الأوكرانية كان سيعني التفافاً شعبياً أوسع حول السياسيين الذين يمكن أن يُظهروا تحدياً للكرملين، أو أن يعارضوا سياسات بوتين. وقد بدا ذلك واضحاً في مثال أذربيجان التي خرجت نهائياً من عباءة «الشقيق الأكبر»، وأرمينيا التي تحاول حالياً اللجوء إلى تكامل واسع مع أوروبا والحصول على غطاء سياسي وأمني من الولايات المتحدة، ناهيك بوضع مماثل في جورجيا وبعض جمهوريات آسيا الوسطى.

التصعيد الروسي

رغم كل ذلك، عاد الحديث عن احتمال التحرّك الروسي الحاسم لتقويض أركان القيادة الأوكرانية إلى الواجهة أخيراً، بعدما لوحت موسكو بسيناريو التصعيد القاتل وطالبت الغرب بسحب دبلوماسييه من كييف، موحيةً بأن خيار «الحسم النهائي» يقترب بقوة؛ وفقاً لسكرتير مجلس الأمن القومي سيرغي شويغو المقرب جداً من بوتين.

آثار هجوم بمسيّرة تقول الرئاسة الرومانية إنها «روسية» على مبنى سكني في مدينة غالاتي على الحدود الرومانية - الأوكرانية، يوم 29 مايو (أ.ف.ب)

ويرى خبراء أن عنصرين أساسيين يضغطان على موسكو حالياً لتصعيد المواجهة بقوة؛ أولهما تزايد التقارير عن تحضيرات أوكرانية لهجوم مضاد قوي، بعدما نجحت كييف في تعديل كفة خسائرها الميدانية والتقنية عبر تطوير قدرات حديثة للغاية في مجالات دقيقة مثل المسيرات الهجومية، وأجهزة تعطيل الرادارات وغيرها. ويقول خبراء إن استمرار استهداف المرافق الأساسية داخل العمق الروسي، أسفر عن تقليص فوائد روسيا من ارتفاع أسعار النفط، وأصاب بشلل في حالات كثيرة مطارات رئيسية في البلاد، مع التهديد المتفاقم بشن هجوم قوي يهدف إلى تحسين أوراق كييف التفاوضية يدفع موسكو أكثر وأكثر إلى تفضيل تحرك حاسم لمواجهة التطورات المحتملة.

والعنصر الثاني الضاغط على موسكو يكمن في تفاقم المخاوف الروسية من تحوّل أوروبا إلى تهديد طويل الأمد، مع زيادة الإنفاق العسكري والتحول بسرعة نحو العسكرة واستمرار تقديم المساعدات الواسعة لأوكرانيا. ولم تكن مجرد صدفة أن يصف معسكر الصقور الروسي أوروبا بأنها «تتحول بسرعة إلى تكتل عسكري أكثر خطورة وتهديداً على روسيا من حلف شمال الأطلسي».

صورتان للرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترمب في محل للهدايا التذكارية بمدينة شنغهاي الصينية يوم 19 مايو (إ.ب.أ)

وفي هذا الإطار، بدا أن التلويح الروسي بتصعيد قوي يستهدف تقويض مراكز صنع القرار في أوكرانيا، وهو موجه بشكل مباشر وجدّي إلى الولايات المتحدة، لتسريع وتنشيط التدخل لوضع التسوية السياسية على سكة التنفيذ الفعلي بعد غياب واشنطن لأشهر بسبب انشغالها بحرب إيران.

وقد ظهرت نتائج أولية لذلك من خلال إعلان المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، نيته زيارة موسكو قريباً لإحياء جهود التسوية. كما أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو خلال زيارته الهند، أن واشنطن ستعمل سريعاً على تخفيف حدة التوتر، ومحاصرة التصعيد المتوقع من خلال تنشيط جهود الوساطة.

تجربة إسرائيل

مع العناصر الضاغطة على موسكو للتصعيد، برز تطور مهم قد تكون له تأثيرات على آلية تفكير جزء من النخب السياسية والعسكرية، وقد تمثل في دروس الهجمات الإسرائيلية المتواصلة والقوية في غزة، ثم في لبنان، وبعد ذلك إيران.

لقاء سابق بين بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكرملين عام 2020 (أ.ب)

ويرى محللون أن الاستراتيجية الإسرائيلية التي قامت على قطع رأس الخصم، وبالتالي إضعافه داخلياً وشلّ قدراته على السيطرة والحكم، قد تُشكّل درساً مهماً يمكن الاحتذاء به في حال دفعت الضرورات روسيا لذلك.

ومع أن هذه النظرية تبدو متأخرة نسبياً بعد مرور سنوات على اندلاع الحرب، فإن بعض المحللين يرى ضرورة دراستها، وفحص مجالات تبنيها بشكل كامل أو جزئي لحسم المعركة لصالح روسيا.

3 سيناريوهات

بهذا المنطق، ومع رزمة كاملة من المحاذير المتعلقة بهذا الأمر، يضع البعض 3 سيناريوهات محتملة لتطور الموقف:

أولها، وهو الأضعف وفقاً لتقديرات محللين، أن تذهب موسكو فعلياً لتنفيذ تهديدها بتقويض مراكز القيادة والسيطرة الأوكرانية في حال شعرت بأنها تواجه خطراً داهماً بتعديل كفة الصراع لصالح أوكرانيا وحلفائها في أوروبا. وهنا يدخل في الحسابات انشغال الإدارة الأميركية أو ترددها في لعب دور حاسم لوقف العمليات العسكرية، وتثبيت شروط سلام مؤقت أو دائم.

بوتين محادثاً المتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف في أستانة يوم 29 مايو (إ.ب.أ)

  • الثاني يكمن في مواصلة التلويح بخيار الحسم العسكري النهائي، بما في ذلك في إطار التهديد بالقوة النووية التكتيكية بهدف إرباك الموقف الأوروبي وزيادة المخاطر بقدر محسوب، من دون الانزلاق نحو توسيع مواجهة مباشرة، ودفع واشنطن إلى تسريع خياراتها بالتدخل. وهنا تدخل التدريبات النشطة حالياً على السلاح النووي التكتيكي في بيلاروسيا، وزيادة استخدام الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية مثل صاروخ «أوريشنيك» متوسط المدى الذي يمتاز بقدرة تدميرية هائلة، وقد استخدمته روسيا 3 مرات على الأقل منذ بداية الحرب.

  • السيناريو الثالث يتعلق بعودة متأخرة للسيناريو الذي كان يجب، وفقاً للبعض، القيام به منذ البداية؛ وهو تنفيذ عملية استخباراتية لاستهداف زيلينسكي وبعض أركان حكمه، على أن يبدو ذلك انقلاباً داخلياً، أو تدخلاً غربياً مباشراً لحسم مسار السلام. في هذه الحال، سيكون على موسكو أن تواجه تبعات اليوم التالي لهذه العملية، حتى لو لم يكن بمقدور أي طرف أن يثبت بشكل مباشر تورط أجهزتها الاستخباراتية في هذه العملية.


متظاهرون بالنمسا يغلقون طريقاً سريعاً حيوياً يربط ألمانيا بإيطاليا

سيارة شرطة في فيينا بالنمسا (أرشيفية- رويترز)
سيارة شرطة في فيينا بالنمسا (أرشيفية- رويترز)
TT

متظاهرون بالنمسا يغلقون طريقاً سريعاً حيوياً يربط ألمانيا بإيطاليا

سيارة شرطة في فيينا بالنمسا (أرشيفية- رويترز)
سيارة شرطة في فيينا بالنمسا (أرشيفية- رويترز)

أغلق آلاف السكان المحليين اليوم (السبت) طريق برينر السريع في النمسا، وهو طريق حيوي يمتد بين ألمانيا وإيطاليا، احتجاجاً على عبور شاحنات وسياح بأعداد كبيرة تتسبب في ازدحام مستمر على الطرق.

وقاد الاحتجاج كارل مولشتايغر، رئيس بلدية غريس أم برينر، إحدى البلدات الواقعة على الطريق الذي يعبر وادي ويب الضيق ذا الجوانب شديدة الانحدار.

ولطالما كانت مسألة الازدحام المروري المفرط والتلوث في الوادي الذي يؤدي إلى ممر برينر، مصدر توتر بين النمسا وألمانيا على مدى عقود. واتخذت السلطات المحلية في ولاية تيرول النمساوية تدابير مختلفة للحد من تدفق حركة المرور التي أدت في كثير من الأحيان إلى احتجاجات.

ونقلت وكالة الأنباء النمساوية (إيه بي إيه) عن مولشتايغر قوله أمام حشد من 3 آلاف متظاهر تجمعوا على الطريق السريع في الواحدة ظهراً لإغلاقه بشكل رمزي: «أنتم تصنعون التاريخ!». واضطرت السيارات للعودة من حيث جاءت.

ولم يتسبب الإغلاق الذي استمر 8 ساعات بدءاً من الساعة 11 صباحاً في الفوضى التي كان يخشاها كثيرون؛ إذ استجاب السائقون إلى حد بعيد للتحذيرات بالابتعاد عن الطريق، حتى خلال عطلة مدرسية في بعض الولايات الألمانية، بما في ذلك ولاية بافاريا المجاورة.

وأفادت وسائل الإعلام المحلية بأن القطارات التي تمر على جانب الطريق كانت مزدحمة.