فنزويلا مادورو.. تواجه مخاطر الثورة المضادة

خليفة شافيز يستعجل الإصلاح أملا في تفادي الجمود السياسي والتراجع الاقتصادي

فنزويلا مادورو.. تواجه مخاطر الثورة المضادة
TT

فنزويلا مادورو.. تواجه مخاطر الثورة المضادة

فنزويلا مادورو.. تواجه مخاطر الثورة المضادة

تواجه فنزويلا، التي تملك أكبر احتياطي نفطي في العالم وتعد أحد أكبر منتجيه، أسوأ السيناريوهات مع بدء مرحلة ما بعد زعيمها الراحل هوغو شافيز، ألا وهو الجمود. فاز نيكولاس مادورو بفارق ضئيل جدا عن منافسه في أكثر الانتخابات الرئاسية إثارة للجدل على مدى عقود، ليحرم وريث الثورة الاشتراكية التحولية في فنزويلا ووريث حركة شعبية في أميركا اللاتينية من التفويض القوي اللازم لتنفيذ إصلاحات ملحة لإعادة الاستقرار الاقتصادي والسياسي للبلاد.
وفي الوقت الذي انصب فيه القدر الأكبر من الاهتمام على اتهامات خطيرة بتزوير الانتخابات موجهة من قبل المعارضة الديمقراطية الاشتراكية التي يقودها المرشح المهزوم هنريكي كابريليس وحالة العنف التي سادت الشوارع في أعقاب ذلك، إضافة إلى رفض الولايات المتحدة وأوروبا الاعتراف بنتائج الانتخابات، فإن الحقيقة هي أن مادورو قد أدى اليمين يوم الجمعة الماضي ليتقلد منصب رئيس فنزويلا حتى عام 2019، مع شرعية دولية إضافية.
يعد مادورو الوريث المختار لشافيز، الذي فرض ثورة واسعة النطاق لكنه توفي إثر إصابته بالسرطان قبل أن يتم مرحلة إصلاح أولية كان مادورو يتقدمها في حقيقة الأمر. خسر كابريليس 270 ألف صوت، أي أقل من 2% من الأصوات، وهي نتيجة مدهشة، بالنظر إلى أن مادورو قد تمتع بميزة التصويت العاطفي نتيجة الوفاة الدرامية لشافيز قبل نحو شهر وبنفقات طائلة من الحكومة قبيل الانتخابات.
لم تقُم السلطات الانتخابية بالتصديق على التصويت فحسب، بل أكدت أن هناك عملية تدقيق تجري وأنها ستستغرق قرابة شهر، لكنها لن تغير نتائج الانتخابات. وحقيقة أداء مادورو اليمين واعتراف السواد الأعظم من حكومات أميركا اللاتينية – وكل الحكومات المهمة – بالحكومة الجديدة، إلى جانب الصين وروسيا وعشرات الدول الأخرى، ناهيك بسيطرة الحكومة على معظم مؤسسات فنزويلا، يجعل إلغاء النتيجة أمرا بعيد الاحتمال.
وتؤيد الأسواق ذلك التوقع. وحتى بعد أن غيرت وكالة التصنيفات «ستاندرد أند بورز» توقعها بشأن دين فنزويلا إلى سلبي بدلا من مستقر يوم الجمعة، مستشهدة بنتائج الانتخابات وعدم الاستقرار السياسي، ارتفعت أسعار السندات والعائدات هذا الأسبوع، بينما هبطت تكلفة تأمين الديون. غير أن أكبر التحديات التي تواجه مادورو ليست نابعة من الاتهامات بتزوير نتائج الانتخابات، وإنما من حالة الانقسام الحاد في البلاد والتقلب السياسي الذي سيتعين عليه إدارته، وتحديدا عندما تحتاج فنزويلا إلى تنفيذ إصلاحات جادة بهدف إصلاح نموذجها الاقتصادي غير القابل للاستدامة.
ليس ثمة أي دليل على وجود عملية تزوير جماعية، غير أن الأمر الذي لا يمكن إنكاره هو أن فنزويلا منقسمة ما بين أنصار شافيز ومعارضيه. فضلا عن ذلك، فإن الحكومة وكتلة أنصار شافيز هشة على المستوى الداخلي، إذ غادر البراغماتيون والأكثر تطرفا المعركة من أجل السيطرة. وأيا كانت الحالة، فسوف يواجه مادورو رياحا مضادة قوية من جميع الجوانب.
ويقال إنه ليس لدى فنزويلا أي خيار آخر سوى القيام بإصلاحات عاجلة، وقد أوضح مادورو ذلك بالفعل. وقال في خطاب تنصيبه الجمعة إنه سيقود «ثورة داخل الثورة». وقال أيضا بعد أيام على أدائه اليمين، أمام حكومته الجديدة: «نحن نبدأ حلقة جديدة من الثورة الفنزويلية... حكومة الشوارع».
وفي واقع الأمر، يطلق على ذلك اسم الثورة المضادة، وهذا يحدث مع جميع الثورات، في الصين وروسيا وإيران وكوبا وعدد لا حصر له من الدول الأخرى. لكن الأمر غير المؤكد هو: كيف تنتهي هذه الثورات، وهل يمكن أن تتحد الثورات وتصلح أخطاءها، أم تنفجر من الداخل؟
في حالة فنزويلا، كان شافيز هو الذي بدأ المرحلة الإصلاحية. تسلم مادورو السلطة في عام 2012 وقتما كان شافيز يخضع للعلاج من مرض السرطان في كوبا، غير أن نتائج الانتخابات غير المتوقعة هذا الشهر أرخت قبضته على السلطة. والسؤال الآن هو ما إذا كان بمقدور مادورو حشد الدعم السياسي والشعبي المطلوب بسرعة لتوطيد أركان حكومته.
الغالبية لا تبدو متفائلة ولا تتوقع من مادورو سوى مزيد من السياسات الفاشلة والغوغائية والمساومات الفاسدة وعدم الاستقرار، غير أنهم يقللون من شأن مرونة الشعبوية حين يتعلق الأمر بإعادة الابتكار وإصلاح الأخطاء.
يدرك مادورو أن الأمل الوحيد لبقاء نهج شافيز هو ضخ مزيد من النفط لتعويض هبوط أسعار النفط الخام، مع خفض الإنفاق الحكومي وترتيب الموارد المالية. إلا أنه يتحتم عليه القيام بذلك من دون إثارة رد فعل شعبي سلبي. إن عائدات النفط تقل، مع إهدار الموارد في صورة سوء إدارة وفساد وانعدام كفاءة.
لقد بدأت الإصلاحات بالفعل، ففي يناير (كانون الثاني) قامت فنزويلا بخفض قيمة عملتها بنسبة 32%، وهي خطوة طال انتظارها وكانت تعتبر حتمية لموازنة الإنفاق الحكومي المتزايد، لكن ذلك أيضا سوف يزيد من معدل التضخم ويضعف النمو الاقتصادي، بينما يؤجل اتخاذ مزيد من إجراءات التحكم في العملة. «علينا أن نتعلم القيام بالكثير بأقل القليل، والقيام بالمزيد بموارد أقل»، هذا ما قاله في اليوم الذي أعلنت فيه حكومته المؤقتة خفض قيمة العملة.
رسخ مادورو إشاراته المنفتحة على الإصلاح حينما قام بتعيين حكومته الجديدة. ينتمي معظم الوزراء المعينين إلى الحكومة السابقة، وهذا بلا شك يهدف إلى تأمين وحدة أنصار شافيز، غير أنه طرح جانبا من البراغماتية، حين اختار نيلسون ميرينتيس، محافظ البنك المركزي البراغماتي، لتولي منصب وزير المالية.
«يشير تعيين ميرينتيس إلى أنه من المحتمل أن يكون هناك قدر أكبر من المرونة، في ما يتعلق بسياسة النقد الأجنبي، وربما في مجالات أخرى، على الرغم من أن المعوقات السياسية قد تستمر في تقييد الدرجة التي يمكن أن يكون بها مادورو أكثر اعتدالا في ما يتعلق بالسياسة الاقتصادية»، هذا ما جاء في تقرير لمجموعة «أوراسيا» المعنية بتحليل المخاطر السياسية.
يعتبر ميرينتيس صديقا للسوق، بينما يتركز أنصار شافيز في جوهره، وهو ما يكون في نهاية المطاف نوع التحول من اليسار إلى الوسط الذي تحتاج إليه فنزويلا لجذب استثمارات أجنبية، بينما تخفف من حدة الاستقطاب المجتمعي الذي يهدد عدم الاستقرار.
تتوقع الأسواق تخفيفا للقيود المفروضة على العملة. وعلى الرغم من ذلك فإن الأولوية لقطاع النفط، الذي ظل عصب الحياة في فنزويلا على مدى عقود. تشير تقديرات محللي النفط، بدءا بالوكالة الدولية للطاقة ومنظمة «أوبك» وإدارة معلومات الطاقة، إلى أن فنزويلا تعاني بالفعل من عجز في الميزانية، في ظل تقديرات لمتطلبات سعر تعادلها لتمويل النفقات الحكومية تتراوح ما بين 100 و120 دولارا للبرميل.
لقد فشلت فنزويلا في القضاء على مشكلة انخفاض الإنتاج بسبب نضوب الآبار وتطوير مواردها الضخمة بكفاءة في حزام أورينوكو النفطي، وهو أكبر مخزون نفطي بمفرده في العالم. إن التكنولوجيا والمعرفة عاملان متوفران في فنزويلا، غير أنها قد وجهت الموارد التي تعتبر شركة «بي دي فيه إس إيه» الحكومية في أمس الحاجة إليها لتمويل برامجها الشعبوية، ناهيك بتسييس الشركة التي كانت في ما مضى إحدى كبرى شركات النفط وأكثرها تأثيرا في العالم.
ظل الإنتاج أقل من ثلاثة ملايين برميل يوميا، على الرغم من الخطط الطموحة والتعاقدات الرنانة مع الشركات الأجنبية التي تستهدف مضاعفة الإنتاج بحلول نهاية العقد. وإضافة إلى ذلك، فإن هناك عددا هائلا من الشركاء الدوليين على استعداد لضخ ملياراتهم في سبيل استخلاص ذلك النفط، غير أن معظم المشروعات يظل في مرحلة التخطيط. والسبب هو أن شركة «بي دي فيه إس إيه»، التي تملك بموجب القانون نسبة 60% من مشروعات النفط، لا تملك المال لتقديم نصيبها من المساهمات المالية.
وقال مادورو في وقت سابق من هذا العام، حينما كان ينتظر الدعم من شافيز: «نحتاج إلى القضاء على الثقافة القائلة إنه تاريخيا، بسبب النفط، فعلنا القليل بالكثير». الآن، وبعد أن أصبح وحده لا يملك سوى إرث يتشبث به، سيتعين عليه أن يثبت للأسواق الدولية والمستثمرين والحكومات، إضافة إلى الفنزويليين قاطبة، أنه سيكون قادرا على تحقيق الاستقرار.



الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
TT

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)

كشفت الهيئة العامة للإحصاء عن أداء استثنائي للقطاع الصناعي السعودي في نهاية عام 2025، حيث حقق الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي نمواً سنوياً بلغت نسبته 8.9 في المائة مقارنة بشهر ديسمبر (كانون الأول) من العام السابق.

ويعكس هذا الارتفاع حالة الانتعاش في الأنشطة الاقتصادية الرئيسة، وعلى رأسها التعدين، والصناعة التحويلية، مما يعزز من مكانة القطاع باعتبار أنه رافد أساسي للاقتصاد الوطني.

الإنتاج النفطي

لعب نشاط التعدين واستغلال المحاجر دوراً محورياً في دفع المؤشر العام نحو الأعلى، حيث سجل نمواً سنوياً لافتاً بنسبة 13.2 في المائة بحلول ديسمبر. ويُعزى هذا الزخم بشكل أساسي إلى ارتفاع مستويات الإنتاج النفطي في المملكة لتصل إلى 10.1 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ 8.9 مليون برميل في الفترة المماثلة من العام الماضي. على أساس شهري، شهد المؤشر استقراراً نسبياً بزيادة طفيفة بلغت 0.3 في المائة فقط مقارنة بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) السابق.

الصناعة التحويلية

وفي سياق متصل، أظهر قطاع الصناعة التحويلية مرونة عالية بنمو سنوي قدره 3.2 في المائة، مدعوماً بقوة الأداء في الأنشطة الكيميائية والغذائية. وقد برز نشاط صنع المواد الكيميائية والمنتجات الكيميائية بوصفه من أقوى المحركات في هذا القطاع مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 13.4 في المائة، تلاه نشاط صنع المنتجات الغذائية الذي نما بنسبة 7.3 في المائة. أما على الصعيد الشهري، فقد حافظ المؤشر على وتيرة إيجابية بزيادة قدرها 0.3 في المائة، حيث قفز نشاط المنتجات الغذائية منفرداً بنسبة 9.6 في المائة، ونشاط المواد الكيميائية بنسبة 2.8 في المائة مقارنة بنوفمبر 2025.

إمدادات المياه والخدمات العامة

أما بالنسبة للخدمات العامة، فقد سجل نشاط إمدادات المياه وأنشطة الصرف الصحي وإدارة النفايات ومعالجتها ارتفاعاً سنوياً قوياً بنسبة 9.4 في المائة. وفي المقابل، واجه نشاط إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء انخفاضاً بنسبة 2.5 في المائة مقارنة بديسمبر 2024. ولوحظ انكماش شهري في هذين القطاعين بنسب بلغت 7.2 في المائة و13.1 في المائة على التوالي عند المقارنة بشهر نوفمبر 2025، مما يشير إلى تأثر الإنتاج بالتقلبات الموسمية، أو جداول الصيانة الدورية.

توازن الأنشطة النفطية وغير النفطية

ختاماً، تُظهر البيانات توزيعاً متوازناً للنمو بين الركائز الاقتصادية للمملكة، حيث حققت الأنشطة النفطية ارتفاعاً سنوياً بنسبة 10.1 في المائة، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً ثابتاً بنسبة 5.8 في المائة. وعند النظر إلى الأداء قصير المدى، يتبين أن الأنشطة غير النفطية حافظت على تفوقها الشهري بنمو قدره 0.4 في المائة، في حين سجلت الأنشطة النفطية انخفاضاً شهرياً طفيفاً بنسبة 0.3 في المائة، مما يعكس استراتيجية التنويع الاقتصادي المستمرة في المملكة.


ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
TT

ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)

في واحدة من أكثر تصريحاته الاقتصادية إثارة للجدل، وضع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقفاً مرتفعاً جداً لمرشحه الجديد لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وورش، مؤكداً أنه قادر على دفع عجلة الاقتصاد الأميركي لتحقيق معدلات نمو تاريخية تصل إلى 15 في المائة.

هذه التصريحات لا تضع ضغطاً هائلاً على وورش فحسب، بل تعلن رسمياً بداية معركة ترمب لكسر التقاليد النقدية المتبعة في واشنطن منذ عقود.

ندم «تاريخي» واعتراف بالخطأ

خلال مقابلة مطولة مع شبكة «فوكس بيزنس»، عاد ترمب بالذاكرة إلى الوراء ليعرب عن ندمه الشديد على تعيين جيروم باول رئيساً للبنك المركزي في ولايته الأولى. ووصف هذا القرار بأنه كان «خطأً كبيراً جداً»، كاشفاً أن كيفن وورش كان هو «الوصيف» في ذلك الوقت.

وحمّل ترمب وزير خزانته السابق، ستيفن منوشين، مسؤولية هذا الاختيار، قائلاً: «لقد أصرَّ وزيري حينها على باول بشكل لا يصدق... لم أكن مرتاحاً له في قلبي، لكن أحياناً تضطر للاستماع للآخرين، وكان ذلك خطأً جسيماً».

ترمب والسيناتور الأميركي تيم سكوت وباول خلال جولة في مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يونيو الماضي (رويترز)

أحلام النمو... هل هي واقعية؟

عند الحديث عن وورش، لم يتردد ترمب في رسم صورة «إعجازية» للمستقبل الاقتصادي، حيث صرح للشبكة: «إذا قام وورش بالعمل الذي أعلم أنه قادر عليه، فيمكننا أن ننمو بنسبة 15 في المائة، بل أعتقد أكثر من ذلك».

هذا الرقم أثار دهشة الأوساط الاقتصادية؛ فالاقتصاد الأميركي نما بمتوسط 2.8 في المائة سنوياً على مدار الخمسين عاماً الماضية، ولم يسبق للناتج المحلي الإجمالي أن لامس حاجز الـ 15 في المائة إلا في حالات استثنائية جداً، منها فترة التعافي من إغلاقات كورونا في 2020. ومع ذلك، يبدو ترمب مصمماً على أن وورش هو الشخص القادر على تحقيق هذه القفزة التي تتجاوز كل التوقعات التقليدية.

لا لرفع الفائدة

كشف ترمب بوضوح عن المعيار الذي اختار على أساسه وورش، وهو الرغبة في خفض أسعار الفائدة. وأكد أنه لم يكن ليختار وورش لو كان الأخير يدعو إلى رفع الفائدة، مشدداً على رغبته في مرشح يدفع بالنمو إلى أقصى حدوده.

ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس «مقامرة» اقتصادية كبرى؛ إذ إن تحقيق نمو يقترب من 15 في المائة قد يؤدي تقنياً إلى انفجار في معدلات التضخم التي لا تزال تكافح للوصول إلى مستهدفاتها، وهو أمر يبدو أن ترمب لا يراه عائقاً أمام طموحاته قبل الانتخابات النصفية.

رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر صحافي (رويترز)

جدار الصد في «الكابيتول هيل»

على الرغم من حماس ترمب، فإن طريق وورش نحو رئاسة الفيدرالي مزروع بالألغام السياسية. فقد أعلن السيناتور الجمهوري البارز ثوم تيليس عزمه عرقلة أي عملية تصويت لتأكيد تعيين وورش في مجلس الشيوخ.

ويأتي تهديد تيليس احتجاجاً على سلوك إدارة ترمب تجاه جيروم باول، حيث تلاحق وزارة العدل باول في تحقيقات تتعلق بمشروع تجديد مبنى الفيدرالي، وتصريحاته حول التكاليف. ويرى تيليس أن هذه الملاحقات القضائية هي محاولة لترهيب رئيس البنك المركزي، وتقويض استقلاليته.

«إذا حدث التأجيل... فليحدث»

بدا ترمب غير مبالٍ بتهديدات التعطيل في مجلس الشيوخ، حيث سخر من معارضة تيليس قائلاً: «لقد حاربت تيليس لفترة طويلة، لدرجة أنه انتهى به الأمر بالاستقالة». وعندما سُئل عما إذا كان التحقيق مع باول يستحق تعطيل ترشيح وورش، أجاب ببرود: «لا أعلم، سنرى ما سيحدث... إذا حدث التأجيل، فليحدث»، في إشارة واضحة إلى أنه لن يتراجع عن ملاحقة باول قانونياً حتى لو كلّفه ذلك تأخير تعيين خليفته.


«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
TT

«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)

في خطوة تعكس فقدان «الراحة» والاطمئنان تجاه الأصول الأميركية، بدأت الصين مساراً استراتيجياً لتقليص تبعية نظامها المصرفي لديون واشنطن، في عملية وُصفت بـ«الهروب الهادئ»، لتفادي الصدمات العنيفة في الأسواق.

تعليمات صينية خلف الأبواب المغلقة

كشفت مصادر مطلعة لـ«بلومبرغ» أن السلطات التنظيمية في بكين، وعلى رأسها بنك الشعب الصيني، أصدرت توجيهات للمؤسسات المالية المحلية بضرورة كبح حيازاتها من الديون الأميركية. هذه التعليمات تضمنت حث البنوك ذات «التعرض العالي» على تقليص مراكزها فوراً، بذريعة حماية القطاع المصرفي من «مخاطر التركز»، والتقلبات الحادة.

ورغم أن القرار استثنى «الاحتياطيات السيادية» الرسمية، فإن الأسواق استقبلته بوصفه إشارة حمراء، مما رفع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوراً إلى 4.2359 في المائة.

لغة الأرقام

تُظهر البيانات الدقيقة الواردة من وزارة الخزانة الأميركية أن الصين بدأت بالفعل مساراً نزولياً في حيازاتها:

  • الصين: بعد أن كانت تمتلك 767 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، رفعت حيازتها لتتجاوز 900 مليار دولار في أغسطس (آب) 2025، لكنها عادت للتراجع السريع لتصل إلى 888.5 مليار دولار بحلول نوفمبر 2025، حيث باعت في شهر واحد ما قيمته 5.39 مليار دولار. ويرى مراقبون أن فقدان هذا المصدر للطلب سيشكل ضربة قوية لسوق سندات الخزانة الأميركية البالغ 30.3 تريليون دولار، لكن يبقى من الصعب قياس التأثير.
  • التكتل الصيني: تشير بيانات «آي إن جي» إلى أن إجمالي ما تمتلكه الصين وهونغ كونغ معاً بلغ 938 مليار دولار بنهاية نوفمبر الماضي، مما يضعها في المرتبة الثالثة عالمياً باعتبارها أكبر حامل للدين الأميركي.
  • دول بريكس الأخرى: لم تكن الصين وحدها؛ فقد قلّصت البرازيل حيازتها من 229 مليار دولار إلى 168 ملياراً خلال عام واحد، كما تراجعت استثمارات الهند من 234 مليار دولار إلى 186.5 ملياراً.

توقيت «الاتصال الساخن» وظلال ترمب

ما يمنح هذا التحرك ثقلاً سياسياً استثنائياً هو صدوره قبيل اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويأتي هذا الحذر الصيني وسط تزايد حالة عدم اليقين تجاه سياسات إدارة ترمب الثانية؛ حيث أدى نهجه الذي لا يمكن التنبؤ به في ملفات التجارة والدبلوماسية، وهجماته المتكررة على الاحتياطي الفيدرالي، وزيادة الإنفاق العام، إلى دفع المستثمرين الدوليين للتساؤل علانية: هل لا تزال الديون الأميركية مكاناً آمناً؟

وفي هذا الإطار، قال مصرف «يو بي إس» إن فكرة تراجع رغبة المستثمرين الدوليين في شراء الديون الأميركية باتت تستحوذ على اهتمام الأسواق فعلياً.

بين «سلاح الديون» واستراتيجية التحوط

بينما يقلل وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، من أهمية تحركات المستثمرين الأجانب، يرى خبراء أن هذه الضغوط تأتي في وقت «هش» للدولار.

الواقع الجديد يشير إلى أن المستثمرين العالميين لم يعودوا يرغبون في استخدام ديون واشنطن أداة «عقاب سياسي» فحسب، بل بدأوا استراتيجية «التحوط الكبرى» (Hedging). فهم يريدون البقاء في السوق الأميركية القوية بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنهم في الوقت نفسه يقلصون مشتريات السندات، لحماية أنفسهم من انهيار محتمل في قيمة الدولار، أو تذبذب حاد في الفائدة.