حين تفرض الشخصيات أفكارها على الروائي

شرذمة العراق وتشظيه في رواية لحازم كمال الدين

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

حين تفرض الشخصيات أفكارها على الروائي

غلاف الرواية
غلاف الرواية

كان أحد الشخصيات الرئيسية كاتبا مرموقا لكنهم منعوه من النشر أيام حكم صدام حسين فهجر الكتابة وعمل كسائق تاكسي وتحول إلى رجل عصابات أو ميليشيات مستفيدا من موهبته في الابتكار الذي كان سببا في اختطافه.
ينتهك حازم كمال الدين في روايته الجديدة «كاباريهت»، الصادرة عن «دار فضاءات» بعمان، الكثير من الاشتراطات السردية المتعارف عليها ليخلق نصا روائيا جديدا ينتمي إلى تيار الميتا - رواية أكثر من انتمائه إلى الرواية النمطية شكلا ومضمونا. ولو دققنا النظر في مستهل الرواية لاكتشفنا أهمية الإشارة «إلى أن أي تشابه في الوقائع والأحداث هو تضمينٌ أو تناصٌّ أو تلاصٌّ وليس محض مصادفة» كما يذهب الروائيون دائما في دفع الشبهة عن أنفسهم. فثمة وعي بهذا التضمين، وإصرار على التناص مع أعمال أدبية أخرى، ولا ضيرَ في التلاصّ كلما دعت الحاجة الإبداعية إلى ذلك. فهذا النص المفتوح بحسب الساردة هو «معمعة» شديدة التعقيد لا يستطيع فيها القارئ أن يجد منفذاً في «المتاهة» النصيّة التي ولجها ليصبح جزءاً حيوياً من لعبتها الفنية. تذهب الساردة أبعد من ذلك حينما تصف هذه الرواية بأنها «ارتجالات» لا تأبه بأي تسلسل أو تخطيط مسبق، ويمكن قراءتها على وفق هذا الشكل الارتجالي من دون أن تنفرط الحكاية أو تتصدع وحدة النص الروائي، هذه الوحدة الهارمونية التي تُشبه إلى حدٍ كبير وحدة الواقع العراقي الراهن!
تشير الساردة التي يختبئ وراء قناعها صوت الروائي بأن فصول هذه الرواية يمكن أن تُقرأ منفصلة أو مجتمعة، أو صعوداً من الفصل الأول إلى الفصل الأخير أو بالعكس دون أن يتأثر النص، لكن أخوف ما تخافه الساردة هو أن يهمل القارئ أحد الفصول فيتقوض النص برمته!

* الشخصيات المثقفة
يضعنا حازم كمال الدين في الفصل الأول من «كاباريهت» في مواجهة 3 شخصيات مثقفة رئيسة تبقى حية وفاعلة على مدار النص الروائي وهي السيدة داليا، ووالدها رشدي، وزوجها «سندباد» الذي اختُطِف واحتجز في المدائن. تخرجت داليا في قسم المسرح بكلية الفنون الجميلة ببغداد عام 2002، وتزوجت من السيد سندباد الذي اختطف عام 2007 بعد أن وشى به صديقه علاء الدين، ثم فاحت من عملية الاختطاف رائحة الابتزاز وعلامات الغواية. لعل المنعطف الأساسي في حياة داليا أنها تقرر الانخراط في هاجس الكتابة بوصفه علاجا نفسيا لفجيعتها بزوجها المخطوف فهي تشبه التدوين بالولادة، وعدم التدوين بالحمل ومتاعبه المعروفة. وسوف تعرض ما تكتبه على زوجها السندباد ووالدها رشدي الذي ينصحها دائما بنشر ما تكتبه في الصحافة الثقافية. إضافة إلى ذلك، فهي تكتب القصة والمسرحية. أما والدها رشدي، فهو رجل ميسور الحال ورث عن أبيه أموالا وبيوتا وبساتين كثيرة تبدد بعضها، وتفرهد بعضها الآخر ولم يبق له سوى بيت في المنصور أهداه لابنته بمناسبة زواجها، وبيت آخر في محيط شارع الربيع.
تكمن إشكالية الأب رشدي في كونه كاتبا ورساما ومراسلا حربيا في آن معا لكنه لا ينشر ما يكتبه، ولا يعرض ما يرسمه، ولا يبعث تقاريره إلى أي منبر إعلامي، ويريد أن يكون شاهدا على عصره شرط أن تظهر شهادته بعد موته بعقود. لا يشذ الزوج سندباد في اهتمامه عن زوجته وأبيها فقد كان كاتبا مرموقا لكنهم منعوه من النشر أيام حكم صدام حسين فهجر الكتابة وعمل سائق تاكسي وتحول إلى رجل عصابات أو ميليشيات، مستفيدا من موهبته في الابتكار الذي كان سببا في اختطافه.
يتضمن هذا الفصل أيضا إنجاب داليا لابنتها «وديعة» بعملية قيصرية في الشهر الثامن من حملها. وقد بدأت وديعة تنادي جدها «بابا» وذلك لغياب الأب المخطوف، غير أن هذا الجد قرر مقارعة الخاطفين، والإشراف على إيصال ابنته داليا يوميا إلى مقر عملها في مديرية طابو الرصافة.

* الأبعاد الفنتازية
تنطوي هذه الرواية على أبعاد فنتازية كثيرة، ويميل الروائي إلى الكوميديا السوداء التي نشعر بها على مدار الرواية برمتها، فلقد قسم الكاتب العاصمة بغداد وحدها إلى ممالك وجمهوريات وولايات ودوقيات وسلطنات ليشير بوضوح إلى شرذمة العراق وتشظيه بعد الاحتلال الأنجلو - أميركي وهيمنة الأحزاب الدينية المتخلفة التي نهبت البلاد، وسبت العباد، وكرست الطائفية المقيتة بعد أن أوغلت في خطف الناس، وتعذيبهم، وقتلهم على الهوية.
تتكرر الإشارة إلى خطف السندباد، حيث تقف داليا وأبوها وعلاء الدين أمام ضابط الحرس الوطني لكن الكاتب يلجأ إلى قطع الحدث ثم المعاودة إليه لاحقا، حيث تُذِّكرنا الساردة بزوجها السندباد الذي كان يشتكي من شحة فرص العمل التي دفعته إلى التفكير ببيع البيت ومغادرة العراق لكن زوجته أصرت على البقاء فعمل سائق تاكسي قبل أن «يعلسه» صديقه علاء الدين، والعلس باللهجة العراقية الدارجة يعني تقديم كل المعلومات الممكنة عن الضحية المراد خطفها ثم ابتزاز أهلها من خلال المساومة على حياته. يتزوج علاء الدين من داليا لكنه لا يستطيع ممارسة الحب معها لأنه يشعر بأنه يخون صديقه الحميم! نتعرف في هذا الفصل على شخصية عبد الله الطنطل الذي ترك مهنته كغرافيكي وأصبح خاطفا، فهو سجين سابق لكنه حصل على عفو رئاسي قبل سقوط صدام حسين بمدة طويلة. كما أن علاء الدين نفسه كان نزيلا في قسم الأحكام الثقيلة في أبي غريب قبل أن يُخلى سبيله بأشهر معدود من احتلال بغداد ويتطوع في النصف الثاني من 2003 إلى سلك الحرس الوطني ويتعرف على شبكة واسعة من الشرطة والقباطنة والمردشورية ويعمل علاّساً بينما كان يتمنى أن يصبح خاطفا لما تنطوي عليه هذه المهنة من هيبة وجبروت بعكس دور الشحاذ المعوق الذي يمارسه بباب الشيخ.
تقوم داليا بدفن علاء الدين في الحديقة حيث تضعه في تابوت وتزوده بهاتف نقال لكنه يعترف قبل أن ينتهي شحن البطارية بأنه ابتز السندباد وأخذه إلى معبر سلطنة التاجي وسلمه مقابل15 في المائة من السعر الكلي وهو مدفون في فجوة محفورة في حائط في المدائن. إن دفن زوجها الثاني علاء الدين حيا له دلالة كبيرة لأنه ساهم في علس السندباد وقام بابتزاز العائلة غير مرة لكن الوالد رشدي قرر التصدي للخاطفين.

* ما وراء السرد
تبدأ أولى المعالم الميتا - سردية في هذه الرواية حينما تقرر داليا أن تكتب عن السندباد بالطريقة التي تراها مناسبة حيث لا وجود للحيتان ولا لبيضة الرخ وقد وافق السندباد بأن تكتبه بنسخة معاصرة من دون أن يكون بطلا أو أسطورة لكنه أخذ يتمرد عليها شيئا فشيئا وبدأ يتدخل في حيثيات الفصل القادم ويقترح العنوان. ترى من يكتب ومن ينكتب؟ وهذا الأسلوب بحد ذاته هو أسلوب ميتا - سردي حين تملي الشخصية شروطها على الكاتب وتتدخل في صناعة المصائر. أي أنها تخرق التقليد المتعارف عليه في الكتابة وهيمنة المبدع على مجمل اشتراطات اللعبة الفنية.
يتمادى السندباد في تدخلاته ويحتج على شرذمتها للسرد المضطرب أصلا، وعدم تعريجها على خصائصه البشرية، وسلخه من إطاره التاريخي، وأصبح يقف أمام مذبحة وليس أمام نص للقراءة. كما اقترح أن تعيد كتابة فصل العلاس وأن تقتل علاء الدين لكنها ظلت تميل إلى تركه حيا لأن بقاءه على قيد الحياة يخدم ترابط الأحداث. يتدخل السندباد ثانية في أحداث الفصل ويقترح أيضا أن يكون عنوانه «تحت ضوء الحكي» الذي تقع فيه أحداث فنتازية مذهلة لا تختلف كثيرا عن الأساطير والقصص العجائبية.
يتعزز الأسلوب الميتا - سردي في الفصل السابع حينما يعترض السندباد على داليا لأنها دست قصيدة هنا أو تحقيقا لكاتب صحافي هناك لأنها تعتقد أن كل شيء في الحياة هو انتحال بما في ذلك اختطافه من «ألف ليلة وليلة» وتحويله إلى بطل معاصر انتهى به المطاف إلى تجويف في جدار. يُصر الوالد رشدي بأن أبطال الروايات هم أنفسنا وعشاقنا الذين نتوهم وجودهم على الورق، كما ينتقدها السندباد لأنها تحب التسلط على الضحية ففي رأسها يوجد ديكتاتور صغير يريد أن يتحكم بشخصيات النص كلها ويصنع مصائرها كما يريد. ثم يسرد الوالد قصة الزوج الذي سوف يمنع من النشر، ويضطر للعمل سائق تاكسي، ثم حوذي عربة قبل أن يعلسه علاء الدين.

* الفتاوى الغريبة
تتطرق الرواية في أكثر من فصل إلى الفتاوى الغريبة التي صدرت عام 2007 والتي تُلزم السكان بتغطية عورات الحيوانات والمخالف يُجلد باعتباره ولي الأمر الذي يتوجب عليه صيانة حرمة الكائنات غير العاقلة.
يعتبر الفصل العاشر الأكثر غرابة بين فصول الرواية حيث تطلب داليا أن يحوّلوها إلى رجل وينقذوها من الورطة التي تعيش فيها، مسترجعاً الروائي المضايقات الكثيرة التي تعرضت لها في طفولتها وصباها وشبابها الأمر الذي يدفعها إلى التحول إلى رجل والزواج من سارة على سنة الله ورسوله.
يركز الفصل الحادي عشر على فكرة الكتابة والإدمان عليها بوصفها حلا للمشكلات النفسية التي تعاني منها لكن كتاباتها «صادمة كالفضيحة» كما يقول الوالد، وبفضل إبقاء السندباد معلوسا توجها الوسط الثقافي رائدة لتيار سردي جديد. لم يسلم الوسط الثقافي من سخرية الكاتب التي جعلت كُتّاباً من طراز فيكتور هيجو وغابريل غارسيا ماركيز أن يثنيا على أسلوبها، بل إن ماركيز نفسه قال: «كلما جئت على السرد في نصك أجد أنه يشكل قطيعة واضحة مع نصوص الما قبل، ويفتح كوة في واقع الما بعد». وفي السياق ذاته تعتقد داليا أن الثيمة هي الرجل بخلاف كل الناس الذين يقولون: «إن الأسلوب هو الرجل». وتذهب أبعد من ذلك حينما تريد أن تكتب نصا سرديا هجينا فيه من الريبورتاج والخيال والواقع بمقدار ما فيه من الطب والكيمياء، كما أنها تنهمك في تهشيم الوحدة المركزية للجنس الأدبي الذي تكتب فيه ولا تجد ضيرا في تدخل شخصياتها في كتابة هذه النصوص الأدبية الصادمة.
ينطوي الفصل الأخير على أكثر من ثيمة أولها الدعوة التي تلقتها من محرر أنطولوجيا أجنبي يلتمسها للكتابة عن شارع المتنبي. وثانيها الذهاب إلى شارع المتنبي والبحث في مكتبة المثنى التي عصف بها حريق كبير ترك أبناء قاسم الرجب رميما. والثيمة الثالثة هي خروجها من شارع المتنبي بكيس من الورق الذي سوف يجعل منها أحسن كاتبة في العالم!
لم يكن حازم كمال الدين أول من خرق التقاليد السردية الكلاسيكية فلقد سبقه إلى ذلك عدد غير قليل من الكتاب العراقيين على وجه التحديد من بينهم محسن الموسوي في «أوتار القصب»، ولطفية الدليمي في «عالم النساء الوحيدات» و«نساء زحل»، ومحمد خضير في «كراسة كانون»، وعبد الخالق الركابي في «الراووق»، وأنعام كجه جي في «الحفيدة الأميركية»، ونصيف فلك في «خضر قد والعصر الزيتوني» وغيرهم من الكتاب الذين تمكنوا من كسر الإيهام السردي، وتحطيم البنية الخطيّة التتابعية التي تتيح لشخصيات النص أن تفرض أفكارها ورؤاها على كاتب النص الروائي بالطريقة التي تراها مناسبة بوصفها صانعة للحدث ومشاركة فيه.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».