حين تفرض الشخصيات أفكارها على الروائي

شرذمة العراق وتشظيه في رواية لحازم كمال الدين

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

حين تفرض الشخصيات أفكارها على الروائي

غلاف الرواية
غلاف الرواية

كان أحد الشخصيات الرئيسية كاتبا مرموقا لكنهم منعوه من النشر أيام حكم صدام حسين فهجر الكتابة وعمل كسائق تاكسي وتحول إلى رجل عصابات أو ميليشيات مستفيدا من موهبته في الابتكار الذي كان سببا في اختطافه.
ينتهك حازم كمال الدين في روايته الجديدة «كاباريهت»، الصادرة عن «دار فضاءات» بعمان، الكثير من الاشتراطات السردية المتعارف عليها ليخلق نصا روائيا جديدا ينتمي إلى تيار الميتا - رواية أكثر من انتمائه إلى الرواية النمطية شكلا ومضمونا. ولو دققنا النظر في مستهل الرواية لاكتشفنا أهمية الإشارة «إلى أن أي تشابه في الوقائع والأحداث هو تضمينٌ أو تناصٌّ أو تلاصٌّ وليس محض مصادفة» كما يذهب الروائيون دائما في دفع الشبهة عن أنفسهم. فثمة وعي بهذا التضمين، وإصرار على التناص مع أعمال أدبية أخرى، ولا ضيرَ في التلاصّ كلما دعت الحاجة الإبداعية إلى ذلك. فهذا النص المفتوح بحسب الساردة هو «معمعة» شديدة التعقيد لا يستطيع فيها القارئ أن يجد منفذاً في «المتاهة» النصيّة التي ولجها ليصبح جزءاً حيوياً من لعبتها الفنية. تذهب الساردة أبعد من ذلك حينما تصف هذه الرواية بأنها «ارتجالات» لا تأبه بأي تسلسل أو تخطيط مسبق، ويمكن قراءتها على وفق هذا الشكل الارتجالي من دون أن تنفرط الحكاية أو تتصدع وحدة النص الروائي، هذه الوحدة الهارمونية التي تُشبه إلى حدٍ كبير وحدة الواقع العراقي الراهن!
تشير الساردة التي يختبئ وراء قناعها صوت الروائي بأن فصول هذه الرواية يمكن أن تُقرأ منفصلة أو مجتمعة، أو صعوداً من الفصل الأول إلى الفصل الأخير أو بالعكس دون أن يتأثر النص، لكن أخوف ما تخافه الساردة هو أن يهمل القارئ أحد الفصول فيتقوض النص برمته!

* الشخصيات المثقفة
يضعنا حازم كمال الدين في الفصل الأول من «كاباريهت» في مواجهة 3 شخصيات مثقفة رئيسة تبقى حية وفاعلة على مدار النص الروائي وهي السيدة داليا، ووالدها رشدي، وزوجها «سندباد» الذي اختُطِف واحتجز في المدائن. تخرجت داليا في قسم المسرح بكلية الفنون الجميلة ببغداد عام 2002، وتزوجت من السيد سندباد الذي اختطف عام 2007 بعد أن وشى به صديقه علاء الدين، ثم فاحت من عملية الاختطاف رائحة الابتزاز وعلامات الغواية. لعل المنعطف الأساسي في حياة داليا أنها تقرر الانخراط في هاجس الكتابة بوصفه علاجا نفسيا لفجيعتها بزوجها المخطوف فهي تشبه التدوين بالولادة، وعدم التدوين بالحمل ومتاعبه المعروفة. وسوف تعرض ما تكتبه على زوجها السندباد ووالدها رشدي الذي ينصحها دائما بنشر ما تكتبه في الصحافة الثقافية. إضافة إلى ذلك، فهي تكتب القصة والمسرحية. أما والدها رشدي، فهو رجل ميسور الحال ورث عن أبيه أموالا وبيوتا وبساتين كثيرة تبدد بعضها، وتفرهد بعضها الآخر ولم يبق له سوى بيت في المنصور أهداه لابنته بمناسبة زواجها، وبيت آخر في محيط شارع الربيع.
تكمن إشكالية الأب رشدي في كونه كاتبا ورساما ومراسلا حربيا في آن معا لكنه لا ينشر ما يكتبه، ولا يعرض ما يرسمه، ولا يبعث تقاريره إلى أي منبر إعلامي، ويريد أن يكون شاهدا على عصره شرط أن تظهر شهادته بعد موته بعقود. لا يشذ الزوج سندباد في اهتمامه عن زوجته وأبيها فقد كان كاتبا مرموقا لكنهم منعوه من النشر أيام حكم صدام حسين فهجر الكتابة وعمل سائق تاكسي وتحول إلى رجل عصابات أو ميليشيات، مستفيدا من موهبته في الابتكار الذي كان سببا في اختطافه.
يتضمن هذا الفصل أيضا إنجاب داليا لابنتها «وديعة» بعملية قيصرية في الشهر الثامن من حملها. وقد بدأت وديعة تنادي جدها «بابا» وذلك لغياب الأب المخطوف، غير أن هذا الجد قرر مقارعة الخاطفين، والإشراف على إيصال ابنته داليا يوميا إلى مقر عملها في مديرية طابو الرصافة.

* الأبعاد الفنتازية
تنطوي هذه الرواية على أبعاد فنتازية كثيرة، ويميل الروائي إلى الكوميديا السوداء التي نشعر بها على مدار الرواية برمتها، فلقد قسم الكاتب العاصمة بغداد وحدها إلى ممالك وجمهوريات وولايات ودوقيات وسلطنات ليشير بوضوح إلى شرذمة العراق وتشظيه بعد الاحتلال الأنجلو - أميركي وهيمنة الأحزاب الدينية المتخلفة التي نهبت البلاد، وسبت العباد، وكرست الطائفية المقيتة بعد أن أوغلت في خطف الناس، وتعذيبهم، وقتلهم على الهوية.
تتكرر الإشارة إلى خطف السندباد، حيث تقف داليا وأبوها وعلاء الدين أمام ضابط الحرس الوطني لكن الكاتب يلجأ إلى قطع الحدث ثم المعاودة إليه لاحقا، حيث تُذِّكرنا الساردة بزوجها السندباد الذي كان يشتكي من شحة فرص العمل التي دفعته إلى التفكير ببيع البيت ومغادرة العراق لكن زوجته أصرت على البقاء فعمل سائق تاكسي قبل أن «يعلسه» صديقه علاء الدين، والعلس باللهجة العراقية الدارجة يعني تقديم كل المعلومات الممكنة عن الضحية المراد خطفها ثم ابتزاز أهلها من خلال المساومة على حياته. يتزوج علاء الدين من داليا لكنه لا يستطيع ممارسة الحب معها لأنه يشعر بأنه يخون صديقه الحميم! نتعرف في هذا الفصل على شخصية عبد الله الطنطل الذي ترك مهنته كغرافيكي وأصبح خاطفا، فهو سجين سابق لكنه حصل على عفو رئاسي قبل سقوط صدام حسين بمدة طويلة. كما أن علاء الدين نفسه كان نزيلا في قسم الأحكام الثقيلة في أبي غريب قبل أن يُخلى سبيله بأشهر معدود من احتلال بغداد ويتطوع في النصف الثاني من 2003 إلى سلك الحرس الوطني ويتعرف على شبكة واسعة من الشرطة والقباطنة والمردشورية ويعمل علاّساً بينما كان يتمنى أن يصبح خاطفا لما تنطوي عليه هذه المهنة من هيبة وجبروت بعكس دور الشحاذ المعوق الذي يمارسه بباب الشيخ.
تقوم داليا بدفن علاء الدين في الحديقة حيث تضعه في تابوت وتزوده بهاتف نقال لكنه يعترف قبل أن ينتهي شحن البطارية بأنه ابتز السندباد وأخذه إلى معبر سلطنة التاجي وسلمه مقابل15 في المائة من السعر الكلي وهو مدفون في فجوة محفورة في حائط في المدائن. إن دفن زوجها الثاني علاء الدين حيا له دلالة كبيرة لأنه ساهم في علس السندباد وقام بابتزاز العائلة غير مرة لكن الوالد رشدي قرر التصدي للخاطفين.

* ما وراء السرد
تبدأ أولى المعالم الميتا - سردية في هذه الرواية حينما تقرر داليا أن تكتب عن السندباد بالطريقة التي تراها مناسبة حيث لا وجود للحيتان ولا لبيضة الرخ وقد وافق السندباد بأن تكتبه بنسخة معاصرة من دون أن يكون بطلا أو أسطورة لكنه أخذ يتمرد عليها شيئا فشيئا وبدأ يتدخل في حيثيات الفصل القادم ويقترح العنوان. ترى من يكتب ومن ينكتب؟ وهذا الأسلوب بحد ذاته هو أسلوب ميتا - سردي حين تملي الشخصية شروطها على الكاتب وتتدخل في صناعة المصائر. أي أنها تخرق التقليد المتعارف عليه في الكتابة وهيمنة المبدع على مجمل اشتراطات اللعبة الفنية.
يتمادى السندباد في تدخلاته ويحتج على شرذمتها للسرد المضطرب أصلا، وعدم تعريجها على خصائصه البشرية، وسلخه من إطاره التاريخي، وأصبح يقف أمام مذبحة وليس أمام نص للقراءة. كما اقترح أن تعيد كتابة فصل العلاس وأن تقتل علاء الدين لكنها ظلت تميل إلى تركه حيا لأن بقاءه على قيد الحياة يخدم ترابط الأحداث. يتدخل السندباد ثانية في أحداث الفصل ويقترح أيضا أن يكون عنوانه «تحت ضوء الحكي» الذي تقع فيه أحداث فنتازية مذهلة لا تختلف كثيرا عن الأساطير والقصص العجائبية.
يتعزز الأسلوب الميتا - سردي في الفصل السابع حينما يعترض السندباد على داليا لأنها دست قصيدة هنا أو تحقيقا لكاتب صحافي هناك لأنها تعتقد أن كل شيء في الحياة هو انتحال بما في ذلك اختطافه من «ألف ليلة وليلة» وتحويله إلى بطل معاصر انتهى به المطاف إلى تجويف في جدار. يُصر الوالد رشدي بأن أبطال الروايات هم أنفسنا وعشاقنا الذين نتوهم وجودهم على الورق، كما ينتقدها السندباد لأنها تحب التسلط على الضحية ففي رأسها يوجد ديكتاتور صغير يريد أن يتحكم بشخصيات النص كلها ويصنع مصائرها كما يريد. ثم يسرد الوالد قصة الزوج الذي سوف يمنع من النشر، ويضطر للعمل سائق تاكسي، ثم حوذي عربة قبل أن يعلسه علاء الدين.

* الفتاوى الغريبة
تتطرق الرواية في أكثر من فصل إلى الفتاوى الغريبة التي صدرت عام 2007 والتي تُلزم السكان بتغطية عورات الحيوانات والمخالف يُجلد باعتباره ولي الأمر الذي يتوجب عليه صيانة حرمة الكائنات غير العاقلة.
يعتبر الفصل العاشر الأكثر غرابة بين فصول الرواية حيث تطلب داليا أن يحوّلوها إلى رجل وينقذوها من الورطة التي تعيش فيها، مسترجعاً الروائي المضايقات الكثيرة التي تعرضت لها في طفولتها وصباها وشبابها الأمر الذي يدفعها إلى التحول إلى رجل والزواج من سارة على سنة الله ورسوله.
يركز الفصل الحادي عشر على فكرة الكتابة والإدمان عليها بوصفها حلا للمشكلات النفسية التي تعاني منها لكن كتاباتها «صادمة كالفضيحة» كما يقول الوالد، وبفضل إبقاء السندباد معلوسا توجها الوسط الثقافي رائدة لتيار سردي جديد. لم يسلم الوسط الثقافي من سخرية الكاتب التي جعلت كُتّاباً من طراز فيكتور هيجو وغابريل غارسيا ماركيز أن يثنيا على أسلوبها، بل إن ماركيز نفسه قال: «كلما جئت على السرد في نصك أجد أنه يشكل قطيعة واضحة مع نصوص الما قبل، ويفتح كوة في واقع الما بعد». وفي السياق ذاته تعتقد داليا أن الثيمة هي الرجل بخلاف كل الناس الذين يقولون: «إن الأسلوب هو الرجل». وتذهب أبعد من ذلك حينما تريد أن تكتب نصا سرديا هجينا فيه من الريبورتاج والخيال والواقع بمقدار ما فيه من الطب والكيمياء، كما أنها تنهمك في تهشيم الوحدة المركزية للجنس الأدبي الذي تكتب فيه ولا تجد ضيرا في تدخل شخصياتها في كتابة هذه النصوص الأدبية الصادمة.
ينطوي الفصل الأخير على أكثر من ثيمة أولها الدعوة التي تلقتها من محرر أنطولوجيا أجنبي يلتمسها للكتابة عن شارع المتنبي. وثانيها الذهاب إلى شارع المتنبي والبحث في مكتبة المثنى التي عصف بها حريق كبير ترك أبناء قاسم الرجب رميما. والثيمة الثالثة هي خروجها من شارع المتنبي بكيس من الورق الذي سوف يجعل منها أحسن كاتبة في العالم!
لم يكن حازم كمال الدين أول من خرق التقاليد السردية الكلاسيكية فلقد سبقه إلى ذلك عدد غير قليل من الكتاب العراقيين على وجه التحديد من بينهم محسن الموسوي في «أوتار القصب»، ولطفية الدليمي في «عالم النساء الوحيدات» و«نساء زحل»، ومحمد خضير في «كراسة كانون»، وعبد الخالق الركابي في «الراووق»، وأنعام كجه جي في «الحفيدة الأميركية»، ونصيف فلك في «خضر قد والعصر الزيتوني» وغيرهم من الكتاب الذين تمكنوا من كسر الإيهام السردي، وتحطيم البنية الخطيّة التتابعية التي تتيح لشخصيات النص أن تفرض أفكارها ورؤاها على كاتب النص الروائي بالطريقة التي تراها مناسبة بوصفها صانعة للحدث ومشاركة فيه.



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».