برنامج «شوستر لايف» الأكثر إثارة للجدل على الشاشتين الروسية والأوكرانية

المقدم الشهير قال لمعارضيه في أوكرانيا: لو كان غوبلز حيًا لاستضفته

سافيك شوستر
سافيك شوستر
TT

برنامج «شوستر لايف» الأكثر إثارة للجدل على الشاشتين الروسية والأوكرانية

سافيك شوستر
سافيك شوستر

لم يكن برنامج «شوستر لايف» قد استعاد مكانته لدى الأوساط السياسية والإعلامية الأوكرانية حتى داهمته السلطات الرسمية بقرار إلغائه جزاء خروجه على قواعد اللعبة، وتصديق ما يقال حول «حرية الكلمة» و«التزام كييف بقواعد الديمقراطية». فقد اتخذت قناة «24» الأوكرانية قرارها بإغلاق برنامجه الأسبوع الماضي، ولم يكن قد استكمل فترة بث أولى حلقاته المباشرة بسبب استضافته لمعلق روسي من أصول أوكرانية لم يلتزم بما كانت حددته السلطة الأوكرانية من قواعد وحدود تتفق مع ثوابت سياساتها.
وللإحاطة بكل جوانب هذه القصة الإعلامية المثيرة للجدل، نعيد إلى الأذهان بعضا من تاريخ صاحبها الذي طالما «تقلب» بين أحضان مختلف «الإذاعات والقنوات بمختلف توجهاتها وتخصصاتها في بلدان الشرق والغرب على حد سواء».
إنه سافيك شوستر الذي كان حمل عند مولده اسم شيفيليس ميخايلوفيتش شوستيريس. وكان سافيك الذي ولد في ليتوانيا «السوفياتية» في عام 1952 وكان يحمل الجنسية الروسية قبل تحوله إلى الجنسية الأوكرانية في عام 2012. وما بين التاريخين عمل الصحافي والتلفزيوني المعروف في إذاعة «سفوبودا» في ميونيخ في عام 1988. وحتى انتقل منها إلى موسكو مشرفا على مكتبها الجديد الذي تمكنت من افتتاحه فيها في موسكو في مطلع تسعينات القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
ومن «سفوبودا» التي انتقلت إلى براغ، تحول سافيك إلى العمل في قناة «إن تي في» التي افتتحها الملياردير اليهودي فلاديمير جوسينسكي «إمبراطور الإعلام الروسي» إبان سنوات حكم الرئيس الأسبق بوريس يلتسين، لتكون على رأس قوته الإعلامية الضاربة التي حددت ملامح سياسات وتوجهات الكرملين على مدى سنوات طويلة، حتى جاء زعيم روسيا الجديد فلاديمير بوتين ليحد من الكثير من عبثية «إعلام القطاع الخاص» في مطلع القرن الحالي. ولعل ذلك تحديدا ما لم يسمح لسافيك بالاستمرار طويلا في الساحة الإعلامية الروسية ليضطر إلى الانتقال إلى أوكرانيا بعد نجاح «ثورتها البرتقالية» وليستأنف نشاطه «المثير للجدل»، متكئا على ما يملكه من قدرات وخبرات إعلامية هائلة، وهو الذي يتقن الكثير من اللغات ومنها الروسية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والليتوانية والأوكرانية!. افتتح سافيك باكورة برامجه الحوارية في أوكرانيا ببرنامجه السياسي الأسبوعي «حرية الكلمة» في سبتمبر (أيلول) 2005 على قناة «ICTV»، لكنه سرعان ما انتقل منها إلى قناة «إنتر» الأوكرانية الخاصة في أغسطس (آب) 2007 ليقدم برنامجه الجديد التسمية القديم المضمون تحت اسم «الحرية مع سافيك شوستر».
وتتوالى البرامج وتختلف التسميات والقنوات التي كانت تفتح أبوابها لاستقبال «المشاكس الدائم»، لكنها سرعان ما كانت تتبرم وتتأفف لتعلنه في نهاية المطاف بأنها لا تستطيع رفع سقفها بما يتناسب مع طموحاته الليبرالية التي يكتنفها الكثير من الغموض والريبة.
على أن سافيك شوستر لم يكن ليستسلم أمام مضايقات و«تعسف» كبار المنتجين والمليارديرات ممن كانوا حجر عثرة على طريق تنفيذ مشروعاته «الطموحة» والمثيرة دائما للجدل، وهو ما دفعه إلى تسجيل مؤسسته الإعلامية المستقلة التي حملت اسمه، وكذلك برنامجه «شوستر لايف»، الذي كان ينتقل به ومعه من قناة إلى أخرى حتى وجد له منفذا من خلال شاشة تلفزيون القناة «24» في مطلع فبراير (شباط) الجاري.
وحين حان الوقت المحدد يوم الجمعة قبل الماضي لبدء الحلقة التي طال انتظارها، واستقر ضيوف البرنامج في مواقعهم، ومعهم من استضافهم سافيك من معلقين ومتابعين داخل الاستوديو، وتحلق المشاهدون حول شاشات تلفزيون «24»، في انتظار الرأي والتعليق حول ما احتدم من جدل بشأن تباين الرؤى والتوجهات بشأن الأحداث في جنوب شرقي أوكرانيا ومدى التزام الأطراف المعنية ببنود اتفاق «مينسك - 2» الذي توصل إليه زعماء «رباعية نورماندي»، حتى انفجر الموقف، وحدث ما لم يكن أحد يتوقع حدوثه بمثل هذه السرعة على خلفية ما قاله ضيف البرنامج من موسكو ماكسيم شيفتشينكو المعروف بمواقفه القومية المتشددة والذي كان زار كثيرا مناطق جنوب شرقي أوكرانيا انطلاقا من مواقف مؤيدة لتوجهاتها حول الانفصال عن أوكرانيا.
وكانت القناة «24» هي القناة الوحيدة التي قبلت بث برنامج «شوستر لايف» من إنتاج مؤسسته الإعلامية، إلى جانب قناة «112» التي نقلت برنامج شوستر عنها. لكنها أيضا ربما تكون القناة الوحيدة التي حسمت قرارها يوم الأربعاء الماضي، لتقرر وقف هذا البرنامج ولم يكن قد رأى النور لأكثر من حلقته الأولى على شاشتها. أما عن السبب فقد عزاه الكثيرون ومعهم السلطات الرسمية الأوكرانية إلى استضافة سافيك شوستر لماكسيم شيفتشينكو أحد أبرز الإعلاميين والسياسيين القوميين المتشددين في روسيا رغم أصوله الأوكرانية.
ورغم أن مشاركة شيفتشينكو في البرنامج كانت عبر «سكاي بي»، فإنه استطاع «إفحام» و«إحراج» كبار السياسيين الأوكرانيين ممن استضافهم البرنامج بما قاله حول «العمليات التنكيلية» للجيش الأوكراني، و«الحرب التي تدور بين الأشقاء» في جنوب شرقي أوكرانيا، وهو ما اعتبرته السلطات الرسمية «ترديدا للقوالب الإعلامية الدعائية المعادية لأوكرانيا من جانب العاصمة الروسية». ومن المعروف أن السلطات الرسمية وأجهزتها الإعلامية في أوكرانيا تصور المقاتلين من جنوب شرقي أوكرانيا بوصفهم عملاء لروسيا وإرهابيين متمردين يناهضون سلطات الدولة وينتهكون قوانينها بعد أن أعلنوا الانفصال عن أوكرانيا.
إزاء كل ذلك وحول كل ذلك، احتدم الجدل في الساحة الإعلامية والسياسية الأوكرانية، واشتعلت المعارك الكلامية وانزلقت الأطراف الرئيسية في الساحة السياسية الأوكرانية إلى تبادل الاتهامات.
وكانت القناة «24» المسؤولة عن بث برنامج «شوستر لايف»، استهلت ردودها وتفسيراتها لما جرى من وقائع خلال ذلك البرنامج هذه المعارك، بالإعراب عن سخطها إزاء استضافة ماكسيم شيفتشينكو. وقالت إن «الصحافي الروسي راح يردد ويدافع عما تروجه الأجهزة الدعائية الروسية من قوالب دعائية حول (الحملات التنكيلية) و(الحرب بين الأشقاء)، وهو ما يعتبر في وقت الحرب أمرا معاديا لأوكرانيا، لا يمكن أن يكون له موقع على الشاشات الأوكرانية، ويؤسفنا أن ذلك جرى من خلال شاشتنا». وقد انضم إعلاميون أوكرانيون آخرون إلى هذا الموقف، ما دفع شوستر إلى سرعة الانضمام إلى هذه الحملة كاملة العدد من خلال رسالة مفتوحة قال فيها في معرض تبريره لدعوة الضيف الروسي إلى برنامجه رغم معرفته بموقفه القومي المتشدد:
«إنني لو قُيض لي العيش قبل ذلك الزمن لكنت دعوت ملك الدنمارك وجوزيف غوبلز (وزير الدعاية الهتلرية إبان سنوات الحرب العالمية الثانية)». وكان سافيك شوستر حاول في هذه الرسالة دغدغة مشاعر الأوكرانيين من خلال عدد من التساؤلات حول ما إذا كانوا يريدون العيش في ظل ما وصفها بـ«ديكتاتورية قوانين بوتين أو زاخارتشينكو»، فيما اتهم ضيفه الروسي شيفتشينكو بالعداء لأوكرانيا. ومضى شوستر في رسالته ليكيل الاتهامات لحكام منطقة الدونباس في جنوب شرقي أوكرانيا بانتهاج سياسات وأساليب تنظيمات إرهابية على غرار «داعش».
ومن اللافت أن هناك في أوكرانيا ومن القوميين المتشددين من وجد في هذه «القصة» مبررا لاتهام الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو بمحاولة فرض الديكتاتورية وخنق حرية الكلمة وإقرار «الرقابة» على الإعلام مثل أوليغ لياشكو زعيم الحزب الراديكالي القومي المتشدد وهو أمر يثير الكثير من الدهشة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن لياشكو خاض الانتخابات البرلمانية حليفا لبوروشينكو ضمن «ائتلاف الرئيس».
ولعل مثل هذا الموقف من جانب شوستر والقوميين الأوكرانيين هو ما دفع الصحافي الروسي ماكسيم شيفتشنكو إلى الرد والتعليق في رسالة مفتوحة أودعها صفحاته في مواقع التواصل الاجتماعي ونشرتها الصحف الروسية والأوكرانية، وكان قال فيها إن إثارة الضجيج حول برنامج تلفزيوني يمكن أن تكون مسألة سخيفة لا قيمة لها على خلفية استمرار الحرب الأهلية في أوكرانيا التي مات وجرح فيها عشرات الألوف من المواطنين الأوكرانيين، فيما اضطر الملايين إلى الرحيل بحثا عن الملجأ والمأوى في المناطق المجاورة. وأضاف أنه لا يستطيع التزام الصمت تجاه محاولات اجتزاء مقاطع من حديثه الذي لم يستمر أكثر من 3 دقائق ضمن برنامج استمر لما يزيد على الساعة، خارج سياقها من جانب سافيك شوستر الذي يتشدق بالحديث عن حرية الفكر وكان قضى الكثير من سنوات عمره عاملا في إذاعة «سفوبودا». ونفى شيفتشينكو أنه استخدم عبارات معادية لأوكرانيا، وإن اعترف بحدة نبرته في الحديث، فيما توعد من وصفهم بطواغيت المال من مصاصي الدماء بمحاكمات عسكرية بسبب دورهم في الزج بالشعب الأوكراني إلى أتون الحرب الأهلية.
على أن هناك في أوكرانيا من يواصل محاولاته من أجل الحيلولة دون حجب برنامج شوستر والسماح له بمواصلة حلقاته إيمانا من جانبهم بضرورة إعلاء «حرية التعبير» وعدم فرض الرقابة مستشهدين بالكثير من أجواء الماضي القريب والتي يعترفون بأنها طالما شهدت الكثير من الحرية الإعلامية إبان سنوات حكم الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش الذي جرت الإطاحة به في إطار «انقلاب غير معلن» في 23 فبراير من العام الماضي.



لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
TT

لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)

في حين تتصدر بعض الحروب والنزاعات اهتمامات وسائل الإعلام الدولية، فإن حروباً أخرى قد تكون أكثر مأساوية، تتوارى ولا تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية. وهذا ما أرجعه خبراء لأسباب عدة من بينها هيمنة الغرب على الإعلام، وقلة اهتمامه بالصراعات في الدول الفقيرة، إضافةً إلى مستوى تعقيد نزاعٍ ما وطول أمده.

في تقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، أخيراً، ذكر أنه بخلاف نزاعَي أوكرانيا والشرق الأوسط، «من غير المرجح أن تحظى حروب أخرى باهتمام الإعلام الدولي». ولفت التقرير إلى أنه «بدءاً من عام 2025، كان هناك 59 نزاعاً نشطاً بين دول حول العالم، وهو أعلى عدد منذ الحرب العالمية الثانية وفقاً لمعهد الاقتصاد والسلام».

أيضاً تضمّن تقرير «معهد رويترز» مقابلات مع ثلاثة صحافيين من بوركينا فاسو وأوغندا وإثيوبيا سبق لهم تغطية نزاعات وحروب، أعربوا كلهم عن إحباطهم من ضعف التغطية لقصص لها تأثير إنساني عميق.

ثم أشار التقرير إلى أن «الأزمات في الدول الفقيرة، خصوصاً في أفريقيا، تحظى باهتمام أقل من غيرها... وأنه خلال عام 2024 رصد المجلس النرويجي للنازحين تغطية إعلامية ضئيلة لأكثر أزمات النزوح، ثمانٍ منها كانت في أفريقيا، حيث تصدّرت الكاميرون وإثيوبيا وموزمبيق القائمة».

الأهمية الجيوسياسية

وأضاف أن «التغطية الإعلامية للنزاعات تعكس رؤية ضيقة تشكلها الأهمية الجيوسياسية أكثر من الإلحاح الإنساني». ثم لاحظ أن نتائج دراسة لـ«المرصد الأوروبي للصحافة» بيّنت إن «نحو 10 في المائة فقط من وقت البث في نشرات الأخبار العامة في ألمانيا وسويسرا والنمسا يُخصص لدول الجنوب العالمي».

محمد عبد الحميد عبد الرحمن، الصحافي السوداني ورئيس تحرير القسم العربي في إذاعة هولندا العالمية ومدير وكالة السودان للأبناء سابقاً، رأى أن «هناك علاقة معقدة بين الإعلام والسياسة والرأي العام». وأوضح في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن «الإعلام في أثناء الحرب لا يغطي ولا يعكس الواقع كما هو، بل يعكس ما يُعد مهماً أو قابلاً للتسويق أو يخدم سرديات معينة، لذلك تختلف التغطية من حرب إلى أخرى». ثم أردف: «المصالح الجيوسياسية، خصوصاً للدول الكبرى وحلفائها، وتحديداً أميركا ودول غرب أوروبا، هي التي تحدد مدى وكيفية تغطية الحروب ومبرّراتها وفظائعها ومترتباتها الإنسانية الفادحة».

ومن ثم، أضاف عبد الرحمن، الذي عمل خلال مسيرته المهنية مراسلاً حربياً في السودان والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا: «الاهتمام الإعلامي الدولي بالحروب يتناسب طردياً مع مدى تأثيرها على مصالح القوى الدولية والإقليمية واستراتيجياتها إلى حد ما»، لافتاً إلى تراجع الاهتمام بالوضع في السودان مع اندلاع حرب غزة، وتراجع الاهتمام بغزة في ظل استحواذ أوكرانيا على الاهتمام.

بعدها تطرّق الصحافي السوداني إلى «عوامل أخرى تؤثر في تغطية الحروب؛ من بينها البُعد الجغرافي لموقع الحرب عن مواقع مؤسسات الإعلام الدولية الكبرى، حيث غالباً ما تهم النزاعات التي يصعب الوصول إليها». وفي مقارنة بين حرب أوكرانيا والنزاع الممتد منذ عقود في الكونغو الديمقراطية، قال عبد الرحمن إن «وسائل الإعلام تتجنّب الخوض في النزاعات المعقّدة التي تتطلّب معرفة معقولة بخلفياتها، وتميل إلى التركيز على النزاعات التي يمكن تبسيطها إلى نزاع بين قوى شريرة وأخرى خيّرة ومظلومة».

الدمار في غزة (آ ف ب)

ملاحقة الجديد وهجر الحروب الطويلة

وأردف: «الصحافيون وأجهزة الإعلام عادةً ما يميلون إلى ملاحقة الجديد والابتعاد عن الحروب الطويلة، فكل كارثة تسرق الأضواء من سابقاتها، لكن رغم ذلك تلعب التغطية الإعلامية دوراً مهماً جداً، بل وحاسماً في بعض الأحيان، لتشكيل الرأي والضغط على أطراف النزاع والمجتمع الدولي للتخفيف من حدة النزاع أو تصعيده حسب المصالح المعرَّضة للخطر جرّاء استمرار الحرب».

من ناحية أخرى، وفق محمد عبد الحميد عبد الرحمن، «التغطية المتحيزة أو المتأثرة بالمصالح قد تعمل في بعض الأحيان على إطالة أمد الحرب؛ ذلك إلى أن استمرار تغطية نزاعٍ ما لفترة طويلة لا يعني بالضرورة استمرار اهتمام الرأي العام به، بسبب ما يمكن أن نسميه إرهاق التغطية والمتابعة والتعاطف».

وتابع: «لا تؤدي التغطية المكثفة بالضرورة إلى إنهاء النزاعات والميل إلى إنهائها كما نلاحظ بوضوح في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي... لأن المواقف الدولية تحكمها المصالح والتحالفات ولا تخضع في معظم الأحيان للضغط الإعلامي».

على صعيد متصل، وفق تقرير «معهد رويترز»، فإن «النزاعات بين الدول المستقلة تحظى بتغطية أكبر من النزاعات الداخلية؛ نظراً إلى تأثيرها الأوسع على السياسة العالمية والاستقرار الاقتصادي. أما النزاعات في المناطق الأقل تأثيراً اقتصادياً، فمن المرجح تجاهلها بغضّ النظر عن شدّتها أو آثارها الإنسانية... يلعب القرب الثقافي دوراً في تحديد الخبر المهم، وغالباً ما تحظى النزاعات التي يشعر الجمهور الغربي بأنها أقرب إليه بتغطية كبرى».

هنا أرجع يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، غياب بعض الحروب عن العناوين الرئيسية، جزئياً، إلى «هيمنة الغرب على وسائل الإعلام والاتصال». وقال لـ«الشرق الأوسط» خلال حوار معه، إن «تجانس المحتوى الإعلامي يزيد من تفاقم أوجه عدم المساواة أو الاختلال في التوزيع العالمي للمحتوى الإعلامي».

وقارن بين حجم التغطية الإعلامية للحروب الجارية في أوكرانيا وإيران، وحجم التغطية للحروب المستعصية المستمرة منذ عقود في الصومال والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فنبّه إلى أن «توزيع وسائل الإعلام يفترض ضمناً هيمنة السياسة والاتصال ورأس المال».

لجنة ماكبرايد

كذلك تطرّق إكو إلى إنشاء «اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال» عام 1977 برئاسة الآيرلندي شون ماكبرايد (حامل جائزة نوبل للسلام)، ومشاركة ممثلين من 15 دولة أخرى. وقال إن اللجنة أعدَّت فيما بعد تقريراً بعنوان «أصوات متعددة... عالم واحد»، عُرف بـ«تقرير ماكبرايد»، شدد على «وجود اختلال فادح بين الشمال والجنوب، لا تزال أصداؤه تتردد إلى اليوم».

وللعلم، كان إكو قد أجرى عام 1991 دراسة حول تغطية الصحف النيجيرية للأزمات الإقليمية والدولية، كدراسة حالة عن ليبيريا وحرب الخليج. وذكر أن «الدراسة أظهرت أن وسائل الإعلام الغربية آنذاك، لا سيما (سي إن إن) الأميركية و(بي بي سي) البريطانية كانتا تقودان السرديات المتعلقة بالحروب... وهذا الوضع لم يتغير، إذ ما زال الإعلام الغربي يهيمن على سرديات الحروب حتى الآن».

أما بالنسبة إلى «حرب غزة»، فقد أورد تقرير «معهد رويترز» أنه «رغم التغطية الكبيرة للحرب في غزة، فإن بعض الضحايا يحظون باهتمام إعلامي أكبر من غيرهم. حيث كانت التغطية الإعلامية لكل قتيل إسرائيلي أعلى بـ33 مرة من نظيرتها للقتيل الفلسطيني في محتوى (بي بي سي) خلال سنة».

وهنا علّق خالد القضاة، عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، في لقاء مع «الشرق الأوسط» فقال إن «الواقع يؤكد أن موضوع الحياد الإعلامي غير موجود، فبعض المؤسسات الإعلامية هي انعكاسات لسياسات دولية وتنسجم مع مواقفها فيما يتعلق بالحروب والنزاعات».

وأوضح أن «تغطية النزاعات والحروب تختلف بين المتابعة داخل دولة النزاع نفسها والتي تتعرض لانحيازات حسب مواقف الدولة وأطراف الصراع، والتغطية في المؤسسات الدولية التي تنحاز أيضاً إلى مواقف دولها واهتمامات شعوبها». وشدد من ثم على «ضرورة التنوع في مؤسسات الإعلام من أجل تقليل درجة الانحياز في تغطية النزاعات وضبط المصطلحات والمواقف وزيادة الاهتمام بالنزاعات المهملة».


ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
TT

ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)

على الرغم من تراجع منصة «إكس» عن دعم الأخبار المعززة بروابط خارجية، فإن تعديلات خوارزمية أخيرة أجرتها المنصة «قد تعيد المحتوى الإخباري إلى واجهة الاهتمامات بشرط تغيير عقيدة النشر التقليدية».

هذا التحول لم يعد مجرّد تكهّن تقني؛ بل أثبتته الأرقام في دراسة حديثة أجراها مختبر «نيمن لاب» للصحافة التابع لجامعة هارفارد الأميركية، وأشارت إلى «عقوبات خوارزمية» غير مُعلنة تواجهها الروابط الخارجية، مقابل مكافآت لمنتجي المحتوى داخل المنصة.

الدراسة، التي نشرت نتائجها في أبريل (نيسان) الحالي، أوضحت أن «الناشرين الذين يعتمدون على نشر عنوان الخبر مرفقاً برابط يُخرج المستخدم من التطبيق لصالح بقائه على المنصة الإخبارية مالكة الخبر، باتوا يعانون من تراجع حاد في معدلات الوصول».

بينما رصدت الدراسة عدة عوامل أخرى قد تدفع بالأخبار إلى الواجهة. مثلاً، وجدت أن التغريدات التي تبدأ بعبارة «خبر عاجل» حققت تفاعلاً يزيد بمقدار 4 أضعاف بشرط أن يكون المحتوى مكتوباً بأسلوب «أصلي» يغني القارئ عن الخروج من المنصة.

أيضاً، حذّرت الدراسة من أن الخوارزمية أصبحت تتعامل بصرامة مع مقاطع الفيديو «المعاد تدويرها» من منصات أخرى؛ إذ يُخفض الوصول للفيديوهات التي تحمل علامات مائية لمنصة أخرى مثل «تيك توك» بنسبة تصل إلى 90 في المائة.

مستشار الإعلام الرقمي، رامي الطراونة، قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً إن «إكس» تسعى - حالها كحال جميع المنصات – إلى تعزيز وقت مكوث المستخدمين عليها لأطول مدة ممكنة. وأوضح أن الهدف هو بقاء المستخدم، غير أن «المنصة معنية كذلك بالحفاظ على طابع وصبغة محتواها الإخباري الملخص والمركز، مستغلة ميل المتابعين إلى تجربة مبسطة تتضمّن أقل عدد ممكن من التنقل والنقرات مع أكبر زخم من المعلومات (المعلبة) في المكان نفسه». وتابع: «لذلك فإن المنشورات التي تكتفي برابط وعنوان دون تفاصيل لم تَعُد تحظى بمكانتها السابقة، بينما باتت الأفضلية أوضح للمحتوى الذي يقدم الخبر نفسه داخل المنشور».

حسب الطراونة فإن «إكس» لا تعادي الأخبار؛ لكنها لم تعد تكافئ «الكسل التحريري»، على حد قوله. قبل أن يضيف: «لقد صار الوصول يُبنى على جودة الصياغة داخل (إكس) لا على مجرد رابط وانتظار جهد من المتابعين». ودلل على ذلك بأن محتوى «إكس» من المنشورات النصية والفيديو يمثل مصدر تغذية أساسي لـ«غروك» (نموذج ذكاء اصطناعي توليدي خاص طورته المنصة أخيراً)، الذي تستثمر فيه «إكس» بشكل كبير، وهو ما يضيف بعداً وقيمة إضافية لأهمية نشر المحتوى الكامل على المنصة من وجهة نظر ملاكها».

أيضاً وفق الطراونة فإن «الممارسة الأنسب حالياً لمواكبة تغيرات المنصة وخوارزميتها، هي ببساطة أن يبدأ المنشور بخلاصة خبرية قوية ومباشرة، تتضمن أهم معلومة أو تطور أو رقم، ثم يستكمل السياق عبر شرح أو محتوى مرئي سريع». وأردف: «كلما كان المحتوى أصلياً ومباشراً وسهل الالتقاط في لحظة الحدث، زادت فرص ظهوره ضمن التدفقات والملخصات الفورية». أما عن فرص الربح أمام الناشرين داخل المنصة، فقال: «رغم تقلبات (إكس) ما تزال أدوات الربح فيه تمثل فرصة مفيدة، إذا استُخدمت كرافعة تمويل لا كموجه تحريري... ويمكن للمؤسسات الإخبارية الاستفادة من الاشتراكات، ومشاركة الإيرادات، وتحقيق الدخل من الفيديو، ثم إعادة توظيف جزء من هذه العوائد لدعم انتشار المحتوى الجاد والعام ذي القيمة».

من جهة ثانية، في نقاش مطلع الشهر الحالي، جمع رئيس قسم المنتجات في «إكس»، نيكيتا بير، وصحافيين في الـ«نيويورك تايمز»، عبر المنصة، اتهمت الصحيفة المنصة بأنها «تحد من التفاعل على الأخبار»، لكن بير نفى، وأرجع التراجع إلى أسلوب الصحيفة. إذ قال إنها «لم تغير أسلوب صياغة عناوينها منذ 20 سنة، ووصف ذلك بـ«الأسلوب القديم» الذي لا يتناسب مع الخوارزمية، وأن المشكلة في «طريقة النشر» التي لا تشجع المستخدم على التفاعل.

من جانبه، اعتبر أحمد البرماوي، رئيس تحرير منصة «فولو آي سي تي» للاقتصاد الرقمي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «لا تزال فرص انتشار المحتوى الإخباري على منصة (إكس) قائمة، لكنها شهدت تحولاً واضحاً في آليات الوصول للجمهور». ثم أوضح أنه لم يعد أمام المؤسسات الإخبارية «خيار أحادي بين جذب الزيارات إلى مواقعها أو الاكتفاء بالنشر داخل المنصة»، بل أصبح الاتجاه نحو «نموذج هجين هو الأكثر واقعية وفاعلية».

وأضاف أن «الاعتماد الكامل على الروابط لم يعد يحقق النتائج المرجوة، في ظل القيود التي تفرضها الخوارزميات، بينما يحمل الاعتماد الكامل على النشر داخل المنصة مخاطر تتعلق بالتحكم في الوصول». وتابع: «لذا تميل المؤسسات الناجحة إلى المزج بين تقديم محتوى متكامل وجذاب داخل (إكس) مع استخدام الروابط بشكل انتقائي وذكي، وهذا التحول يعكس حقيقة أن (إكس) لم تعد مجرد وسيلة لتوزيع المحتوى؛ بل منصة نشر قائمة بذاتها تتطلب استراتيجيات تحريرية مخصصة».

أخيراً، على صعيد تحقيق الإيرادات، يرى البرماوي أنه «يمكن للناشرين الاستفادة عبر مسارين: الأول مباشر من خلال برامج تحقيق الدخل المرتبطة بنسبة التفاعل والمشاهدات. والثاني غير مباشر عبر بناء جمهور قوي يمكن توظيفه لاحقاً في الشراكات الإعلانية أو توجيهه إلى منصات أخرى».


جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
TT

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة، وبين ما يُكشَف للرأي العام وما يُحجَب عنه باسم «سرية التحقيقات». فكلما اشتعلت قضية في الفضاء العام، عاد السؤال ذاته ليفرض حضوره: أين تنتهي حرية النشر وتبدأ ضرورات الحماية القضائية؟

وانفتح الباب واسعاً أمام موجة جدل في مصر أعقبت قرار قضائي بـ«حظر النشر» في 3 قضايا أخيراً، وُصفت بأنها تمس «صورة المجتمع»، من بينها واقعة «انتحار سيدة في الإسكندرية»، وقضيتان تتعلقان بـ«اعتداءات جنسية على قُصّر من قبل أقارب»، في أحداث أعادت إلى الواجهة إشكاليات التناول الإعلامي للقضايا الحساسة، خصوصاً بعد تداول منصات إلكترونية مواد مكتوبة ومُصوَّرة عُدَّت صادمةً أو غير منضبطة مهنياً.

الإجراء السابق الذي اتخذته النيابة المصرية، الأسبوع الماضي، بـ«حظر النشر» عزته إلى «الحرص على حماية سير التحقيقات... ومنع تداول معلومات غير دقيقة أو غير مكتملة قد تؤثر في الرأي العام أو تمس خصوصية الضحايا وأسرهم».

غير أنَّ القرار، كما هي الحال في قرارات مماثلة خلال السنوات الأخيرة، لم يظل محصوراً في إطاره القانوني؛ بل تحوَّل إلى نقاش عام واسع امتد من غرف الأخبار إلى منصات التواصل. وبينما عدّ صحافيون في منصات رقمية إخبارية أن «حظر النشر» يضعهم أمام معضلة مهنية بين الالتزام القانوني من جهة، ومواكبة اهتمام الجمهور المتزايد من جهة أخرى، يرى برلمانيون وخبراء أنه يُعدُّ جزءاً من أدوات حماية التحقيقات في قضايا حساسة، وأنَّ «الهدف ليس حجب المعلومات عن المجتمع، وإنما ضبط توقيت نشرها».

نقيب الصحافيين المصريين، خالد البلشي، سارع إلى إعلان موقف قطعي «رافض لحظر النشر»، معتقداً أنه «لا يمكن أن يكون وسيلة للتعامل مع القضايا - مهما كانت تفاصيلها - في ظلِّ انتشار وسائل التواصل والتدفق الهائل والعابر للحدود للمعلومات». وإذ ذهب إلى اعتبار أن «المجتمعات تُحمَى بالحقائق لا بحجبها»، فإنَّه رأى أن «العلاج يكون دائماً بالنشر المهني الملتزم بالمعايير القانونية والمهنية».

وعلى مدار العقد الأخير شهدت مصر عدداً من قرارات «حظر النشر» في قضايا جنائية واجتماعية. ففي عام 2025 صدر قرار بـ«حظر النشر» في واقعة وفاة القاضي سمير بدر عبد السلام. وفي عام 2022 صدر قرار مماثل في قضية مقتل الإعلامية شيماء جمال على يد زوجها، كما طُبِّق «الحظر» في قضية مقتل الطالبة نيرة أشرف، وشمل الحظر أيضاً قضية «شقة الزمالك» الخاصة بحيازة آثار.

أما في سنوات سابقة، فقد امتد «حظر النشر» إلى قضايا ذات طابع أخلاقي وسياسي؛ ففي عام 2019 شمل قضية «الفيديوهات الفاضحة» المرتبطة بعدد من الفنانات ومخرج شهير. وفي عام 2015 فُرض الحظر في قضية مقتل ناشطة يسارية.

ويستند «حظر النشر» في مصر إلى مجموعة من النصوص التي تتيح لجهات التحقيق أو المحاكم «فرض السرية على بعض القضايا». ويجرِّم قانون العقوبات نشر تفاصيل التحقيقات في حال صدور قرار بالحظر، مع إمكانية توقيع عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة.

رئيس «اللجنة التشريعية» بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، محمد عيد محجوب، قدَّم رؤيةً داعمةً لاستخدام «حظر النشر» في حدود معينة، عادّاً أنه «ضرورة إجرائية» في مراحل التحقيق الأولى، و«ليس بدعة مصرية». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف الأساسي هو حماية مجريات الاستدلال، ومنع التأثير على الشهود، أو توجيه الرأي العام قبل اكتمال الصورة، محذِّراً من أنَّ تداول المعلومات غير المكتملة قد يؤدي إلى «حالة من اللبس والبلبلة بالمجتمع».

ويشار إلى أنه في بريطانيا يقيّد «قانون ازدراء المحكمة» الصادر عام 1981 النشر المؤثر على العدالة وفق مبدأ المسؤولية الصارمة، ويمنح المحاكم «سلطة تأجيل أو تقييد نشر تفاصيل القضايا لحماية سير المحاكمة، مع السماح بالتغطية العادلة والدقيقة».

ورغم سريان قرارات النيابة المصرية بـ«حظر النشر» في القضايا الثلاث التي شغلت الرأي العام أخيراً، فإنَّ النيابة قد باشرت، الثلاثاء الماضي، التحقيق في وقائع انتهاك لهذا «الحظر». ويقول متابعون إن «أغلبها وقع عبر حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي».

عضو «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر، عبد المحسن سلامة، قال إن «(حظر النشر) هو الاستثناء وليس القاعدة، ويأتي لضرورات معينة ولصالح كل الأطراف، وبهدف حماية المجتمع وخصوصيات الضحايا وذويهم وأسرهم». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «لجان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تتابع (بدقة) مدى التزام وسائل الإعلام المحلية، والأجنبية العاملة في مصر، بقرار النيابة بشأن (حظر النشر) في القضايا المنظورة أمام جهات التحقيق راهناً، وذلك من خلال لجنتَي (الرصد والشكاوى)».

ويوضِّح سلامة أن «أي خروقات يتم رصدها تُعرَض على المجلس لاتخاذ ما يراه مناسباً بحقِّ المؤسسات المخالفة»، ويشير إلى أن «نسبة هذه الخروقات، سواء في القرار الحالي أو في القرارات السابقة تبدو محدودةً وفي نطاق ضيق». وأكد أن «قرارات حظر النشر تهدف إلى الحيلولة دون تحويل تلك القضايا المنظورة أمام المحاكم إلى مادة للتكهنات والتحليلات التي قد تخالف المعايير والقيم المهنية الراسخة».

أستاذة الصحافة في جامعة القاهرة، الدكتورة ليلى عبد المجيد، ترى أن «حرية النشر تظل الأصل في العمل الإعلامي»، لكنها «حرية محكومة بضوابط مهنية وقانونية هدفها حماية الأفراد، وضمان عدم الإضرار بالمجتمع».

وتوضِّح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «بعض القضايا، خصوصاً ذات الطابع الإنساني الحاد أو المرتبط بالأمن، أو الجرائم الحساسة، تستدعي قدراً من التوازن في التغطية الإعلامية بما يمنع الانزلاق إلى الإثارة أو انتهاك الخصوصية». وتلفت إلى أنَّ الإفراط في التفاصيل أو تقديمها دون سياق مهني قد يؤدي إلى آثار اجتماعية سلبية، من بينها احتمالات التقليد لدى بعض الفئات الهشة، خصوصاً الشباب والمراهقين.

غير أنَّ نقيب الصحافيين المصريين، ومع تمسكه بموقفه الرافض لقرارات «حظر النشر» والذي أعاد تأكيده لـ«الشرق الأوسط»، دعا الصحافيين والإعلاميين إلى «مراعاة الدقة المهنية والمسؤولية المجتمعية». وجدَّد دعوته إلى ضرورة «إطلاق التزام مهني طوعي وجماعي داخل الوسط الصحافي لضبط الأداء، وتطوير مواثيق وأكواد التناول الإعلامي، إلى جانب التدريب والمساءلة المهنية النقابية»، مؤكداً أن «الصحافة المنضبطة قانونياً ومهنياً هي الضمان الحقيقي لحماية المجتمع وحقوق جميع الأطراف».

لكن د. ليلى عبد المجيد ترى أن «التحدي الأكبر خلال المرحلة الراهنة يتمثل في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي غيرت جذرياً طبيعة تداول المعلومات، إذ لم يعد النشر مقتصراً على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح متاحاً للجميع؛ ما أدى إلى انتشار محتوى غير موثق يختلط فيه الخبر بالرأي والتكهن».

وتشير إلى أن «هذا الواقع الجديد يفرض تحديات إضافية على (حظر النشر) إذ لم يعد من السهل ضبط تدفق المعلومات عبر جهة واحدة، ما يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية هذا الإجراء في العصر الرقمي».

ومن زاوية قانونية وحقوقية، يقدِّم المحامي والناشط المصري، طارق العوضي، مقاربةً وسطيةً، يتحدَّث فيها عن أن «(حظر النشر) يجب أن يُفهم بوصفه أداةً استثنائيةً لا قاعدة عامة». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «التوازن بين حرية الإعلام ومتطلبات العدالة التزام دستوري يتطلب استخدام هذا الإجراء بحذر شديد، بما يضمن عدم تحوله إلى وسيلة لحجب المعلومات عن الرأي العام بشكل دائم أو غير مُبرَّر».