هيمنغواي عشق الجزيرة «الجميلة والطويلة والبائسة» وأهداها جائزة نوبل

هايدي عبد اللطيف قامت برحلة إلى كوبا لتتقصى آثاره فيها

هيمنغواي في أحد مقاهي هافانا
هيمنغواي في أحد مقاهي هافانا
TT

هيمنغواي عشق الجزيرة «الجميلة والطويلة والبائسة» وأهداها جائزة نوبل

هيمنغواي في أحد مقاهي هافانا
هيمنغواي في أحد مقاهي هافانا

يتناول كتاب «على خطى هيمنغواي في كوبا»، الصادر في القاهرة عن دار «آفاق» للكاتبة هايدي عبد اللطيف، واحدة من أكثر مراحل الروائي الأميركي خصوبة على المستويين الحياتي والإبداعي، وهي فترة إقامته في كوبا التي امتدت 20 عاماً.
تقصّت المؤلفة التي تجيد الإسبانية والإنجليزية أثر خطى هيمنغواي في المكان، ولمست روائحها في الفنادق والمقاهي والجزر والحانات، من خلال رحلة قامت بها لتعرف كيف أثرت «لؤلؤة الكاريبي» على مجمل تجربته الإنسانية.
الكتاب ينتمي لأدب الرحلة، وتستهله المؤلفة بشهادة لجابرييل غارثيا ماركيز الذي يرى أنه لم يترك كاتب أثراً في كوبا كما فعل هيمنغواي، إذ يقول؛ توغل هيمنغواي في روح كوبا أكثر مما قدر عليه الكوبيون في عصره، ولعل هذا ما يفسر شعور صاحب «العجوز والبحر» نفسه بأنه «نصف كوبي» في تصريحات تلفزيونية بعد حصوله على نوبل حينما قال بالإسبانية التي كان يجيدها؛ أنا سعيد للغاية بكوني أول «كوبانو ساتو» يفوز بهذه الجائزة.
صحيح أن نوبل منحت هيمنغواي شهرة عالمية، لكنه أصبح أيضاً مواطناً عالمياً بفضل أعماله التي اتخذت من بقاع كثيرة خارج موطنه الأصلي مسرحاً لها وترجمت قصصه ورواياته لعشرات اللغات وقرأها ملايين في أرجاء المعمورة كما شاهدوا الأفلام المقتبسة عنها. ولد في أميركا، وحمل جنسيتها، وامتلك فيها منزلين، لكنه استقر أطول وقت في بيته في كوبا حيث قضى فيه نحو 20 عاماً من حياته التي تخطت الـ60 بقليل، فأوراقه ومسودات رواياته ورسائله وأغراضه الخاصة استقر معظمها في بيته هناك.
يقول ماركيز: «غالباً ما يُسأل كثير من الكتاب الذين لديهم منازل عدة في أماكن مختلفة من العالم عن تلك التي يعتبرونها مكان إقامتهم الرئيسي وجميعهم تقريباً يجيبون؛ إنه المكان الذي توجد فيه كتبهم». وهيمنغواي ترك في تلك البلد كتبه التي يبلغ عددها 9 آلاف تقريباً، فضلاً عن رسائل وأعمال لم تنشر، و900 أسطوانة من موسيقاه المفضلة حتى الأثاث والتحف واللوحات الفنية.

ميدالية «نوبل»

غادر صاحب «ثلوج كلمنجارو» كوبا مضطراً في عام 1960 نتيجة لسوء العلاقات بين حكومة الثورة بقيادة فيدل كاسترو والولايات المتحدة، تاركاً كل شيء في موضعه كأنه سيعود في القريب، كما ترك أيضاً أثره في شوارع هافانا القديمة وحاناتها ومطاعمها، فضلاً عن موانئ الصيد على امتداد خليجها. لقد أغرم بالجزيرة الخلابة التي وصفها في كتابه «التلال الخضراء لأفريقيا» بـ«الجزيرة الجميلة والطويلة والبائسة»، معترفاً بعشقه لها في كل مناسبة: «أعيش في كوبا لأنني أحبها، هنا أجد الخصوصية التي تجعلني أكتب». كان يرغب في أن يبقى فيها حتى نهاية حياته ويدفن في حديقة بيته إلى جوار شجرة القابوق «السيبا» العملاقة التي تستقر عند مدخل المنزل.
وعندما نال جائزة نوبل للآداب 1954 أهدى الجائزة للكوبيين قائلاً: «هذه الجائزة تنتمي إلى كوبا لأن هذا العمل (العجوز والبحر) تشكل وخلق في كوبا وسط أهالي كوهيمر الذين أعدني واحداً منهم». ومنح الميدالية التذكارية للجائزة إلى هذا البلد لتحفظ في كنيسة السيدة العذراء في مدينة سانتياغو، موضحاً سبب اختياره: «أهديت ميدالية الجائزة إلى الصيادين في بلدة كوهيمر، ومع أن قصة رجل عجوز وسمكته تخص العالم أجمع، فإنها حكايتهم، وتجب مشاركة هذه الميدالية معهم، فالميدالية تعلق إلى جوار القلب، وأنا قلبي في كوبا».
ولا تزال ميدالية نوبل محفوظة في كنيسة «لابيرخن دي لاكاريداد» في أقصى جنوب الجزيرة إلى اليوم، وكانت كوبا قد منحته في العام ذاته قبل فوزه بنوبل أرفع أوسمتها المدنية، وهو وسام كارلوس مانويل الذي تسلمه يوم ميلاده الخامس والخمسين في 21 يوليو (تموز) 1954.

مكانة خاصة

وبعد نجاح الثورة الكوبية مطلع 1959 لم يخفِ هيمنغواي إعجابه بها، وعبّر عن ذلك في أكثر من تصريح صحافي: «نحن الرجال الشرفاء نؤمن بالثورة الكوبية». وحينما عاد إلى البلد في نهاية ذلك العام كان في استقباله عدد من الصحافيين وجمع من أهالي البلدة، فكرر الإعلان عن تقديره للثورة قائلاً: «يسعدني أن أعود إلى هنا مجدداً، فأنا أنتمي إلى كوبا، ولم أصدق كل التقارير التي نشرت في الصحافة الأجنبية ضد الثورة». وفي لفتة مفاجئة، احتضن هيمنغواي العلم الكوبي، ولثمه بشفتيه لتحييه الجماهير الواقفة بحرارة. وعندما طلب منه المصورون تكرار ما فعله ليقوموا بالتقاط الصور، أجابهم: «يا سادة، أنا كاتب، ولست ممثلاً، لقد قبلت العلم بإخلاص». ويوضح الكتاب أن مشاعره تجاه تلك البلاد وأهلها كانت صادقة، وارتباطه بها حقيقياً، ورغم أنه عاش في أماكن متعددة حيث نشأ في شيكاغو، ثم سافر إلى إيطاليا خلال الحرب العالمية الأولى، وعاد منها إلى شمال ميتشغان، ثم تورونتو في كندا، كما انتقل إلى باريس مطلع العشرينات، وخلال العقد التالي كتب عن الحرب الأهلية في إسبانيا، وسافر في رحلات صيد في أفريقيا، لكن أي منها لم تنافس المكانة التي احتلتها كوبا في قلبه وحياته وكتاباته. هنا صار كوبياً يرتدي «الجوابيرا» وهي قمصان كوبية بيضاء واسعة مصنوعة من الكتان والمعروفة بتصميمها الشهير ذي الجيوب الأربعة الأمامية. ومن تلك الجزيرة بلغت شهرته الآفاق بعد نيله أرفع وأشهر الجوائز الأدبية.

في شوارع هافانا

جاءت علاقته بالعاصمة هافانا بمثابة الحبيبة التي يهرب إليها من بيته في «كي ويست» حيث يبحر إليها بقارب صديقه «جو راسل» ويقيم في الغرفة 511 بفندق «موندوس» مطلاً على خليجها من بعيد. كانت رحلات هروبه بعيداً عن بيته وزوجته وولديه بغرض ممارسة الصيد في الخليج والكتابة، ويمكنك أن تتخيله يتجول في شوارع المدينة القديمة بقامته الفارعة وكتفيه العريضتين يتسكع فيها ويلتقي بفنانيها ومثقفيها. وخلال تلك السنوات استمتع هيمنغواي بالعاصمة الفاتنة لأقصى درجة، استكشف حاناتها ومقاهيها وتعرف على كثير من أهلها ونسائها وصادق بعضهن فقد صادفت تلك الفترة حالة من عدم استقرار علاقته بزوجته. ومنذ نهاية الثلاثينات صارت هافانا الحبيبة السكن والمستقر، فقد منحته كوبا الوحي والإبداع بعد سنوات عجاف مرت عليه خلال الأربعينات، لم ينشر أثناءها رواية ذات قيمة حتى ألهمته مياهها قصة «العجوز والبحر» التي تعد أشهر أعماله.

لقب «بابا»

تستقصي المؤلفة صور وآثار هيمنغواي وحكاياته في حانات هافانا ومطاعمها ومع أهل بلدة سان فرانسيسكو دي باولا حيث يقع بيته و«كوهيمر» القريبة منها، موضحة كيف توغل في المجتمع الكوبي وصار جزءاً منه، فالروائي الأميركي الشهير يحمل في الجزيرة لقب «بابا» أطلقه عليه جيرانه من الصبية الصغار عقب انتقاله إلى مزرعته في «فينكا بيهيا» فقد عاملهم بلطف وسمح لهم بالدخول إلى حديقة بيته ليقطفوا ثمار الفواكه المتوفرة فيها وكوّن منهم فريقاً للعبة البيسبول، كما ضمّ ابنه للفريق، وتولى بنفسه تدريبهم على امتلاك مهارات اللعبة التي كان من أكبر مشجعيها. وهي الرياضة الشعبية الأكثر انتشاراً في البلد.
وتروي أن الصغار استصعبوا اسم هيمنغواي، فنادوه بابا مثلما يناديه أبناؤه، وأصبح الاسم معتاداً بينهم، خصوصاً بعدما استعان بعدد منهم للعناية بقططه وكلابه أثناء غيابه أو في إحضار رسائله من مكتب البريد. شاع اللقب، حتى بين العاملين في البيت، وبعدها انتشر بين أهالي البلدة الصغيرة، وكانوا يجدون فيه تعبيراً عن مدى إحساسهم به، خصوصاً أنه اقترب منهم ودخل بيوت أغلبيتهم كواحد منهم، يشاركهم أفراحهم وأتراحهم ويقدم لهم مساعدات حرص أن تيسر لهم حياتهم، ومنها على سبيل المثال مساهمته في تمويل إنشاء خط لمياه الشرب.
في «كوهيمر» التي كان ينطلق من مينائها بقاربه «بيلار» في رحلات صيد، توثقت علاقته بعدد من صياديها وارتبط مع سكانها بعلاقات صداقة، وخصوصاً «جريجوريو فوينتس» قائد القارب وأحد ملهمي روايته «العجوز والبحر». وتلعب كوهيمر دوراً مركزياً في الرواية وتحظى بالوصف الدقيق حيث يصف ميناءها الشهير الذي انطلق منه الصياد سانتياغو، بينما يظهر في أحداثها مطعمه المفضل «لاتيراثا» وكان يطل منه على خليجها الصغير. ولأنه منح كوهيمر الخلود من خلال عمله الأدبي، فقد حرص أهل البلدة على تكريمه وتخليد ذكراه بعد وفاته بإقامة تمثال نصفي له، صنعوه من الحديد والمعادن الموجودة في قواربهم، ليظل هيمنغواي حياً بذكراه؛ حيث يقع التمثال متوسطاً ساحة القلعة موجهاً نظره إلى مدخل الميناء الذي طالما أبحر منه.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».