«قاموس الشعرية» من عصر النهضة إلى الحداثة الأوروبية

ناقدان فرنسيان يربطانه بالجذور القديمة للتراث الشعري

«قاموس الشعرية» من عصر النهضة إلى الحداثة الأوروبية
TT

«قاموس الشعرية» من عصر النهضة إلى الحداثة الأوروبية

«قاموس الشعرية» من عصر النهضة إلى الحداثة الأوروبية

صدر حديثاً عن «دار الرافدين» العراقية «قاموس الشعرية... من القدماء إلى المحدثين» تأليف الروائية والناقدة الفرنسية شانتال لابري، المعلمة في مدرسة ليسيه فينيلون في باريس، والكاتب باتر يس سولير الذي كان مدرساً في مدرسة ليسيه لويس لو غراند، ثم صار مفتشاً عاماً للآداب في بلاده. وينقسم القاموس إلى جزئين: الأول يتضمن عشرين مقالاً حول الشعرية وجذورها القديمة لدى العديد من الفلاسفة والكتاب والشعراء اليونانيين والرومان، والتراث الشعري المسيحي، أما الثاني فهو عبارة عن أنطولوجيا خصصها سولير ولابري لتعريف الفنون والأنواع الإبداعية التي ورد ذكرها في القسم الأول.
قدم النسخة العربية من «قاموس الشعرية» الكاتب المصري لطفي السيد منصور، وهو بعنوانه هذا يكشف عن الفكرة الأساسية التي أراد مؤلفاه التأسيس لها، وهي علاقة الشعرية بالجذور القديمة والتراث الإبداعي الذي تركه أرسطو بكتابه عن الشعر، وهوراس بـ«فن الشعر»، فضلاً عن تأملات شيشرون وكينتيليان حول فن الخطابة، و«أطروحة السامي» لبزيدو - لونجن.

شعريات العصور القديمة
يقول المفكر الفرنسي باسكال كينيار، في مقدمته للقاموس، إنه مما لا شك فيه أن الاتصال بالعمل الإبداعي كان في العالمين اليوناني والروماني جزءاً من الأداء والعرض، وكانت القراءة العامة ممارسة اجتماعية واسعة الانتشار، ودائماً ما كان يعتقد القدماء أن الفن يتمتع بوظيفة علاجية أو تطهيرية.
ويفرد المؤلفان في القاموس مساحة كبيرة للأجناس والأشكال التي يعود مصدرها وحيويتها للعصور القديمة، وتظهر فيها ثوابت شعرية، كما يسعى كل منهما للتذكير بمدى تأثير الشعرية القديمة، التي تتسرب داخل النصوص الحديثة، ومنها السيرة الذاتية، التي وصفها القاموس بأنها حكاية استعادية، نثرية، يعيشها المؤلف بصيغة الشخص الأول الذي يروي وجوده الخاص، وهو وجود يُفهم على أنه الحياة المعيشة لفرد واحد بشكل واقعي، وهي حياة تبدو منطقية بفضل الطابع المؤقت الذي يميز المراحل والتغييرات في تكوين الشخصية.
وهذا الطابع المؤقت، حسب ما جاء في القاموس، ضروري، وهنا تصبح الحياة وجوداً، لكن لا يمكن فهمها على هذا النحو إلا إذا كانت في حالة بحث سردي. إنها عمل ذاكرة حية وحيوية تريد أن تقبض على الزمن في حركته ذاتها. وتُقَيم السيرة الذاتية، بصرف النظر عن محتواها، بإيقاعها، وفيضانها، «الذي ليس مرادفاً للبوح هنا، ولكنه يستحضر قوة الموج، وحقيقة شيء ما، يفيض ويمتد، ويتشكل فقط من خلال التدفق»، فتكشف السيرة الذاتية كل ثنايا الروح، وتَبسِطها، وتجعل القارئ الممثل الوحيد في توليفة محتملة، وهو وحده الذي يمكنه الحكم عليها، وهذا ما يلاحظه المفكر والناقد السويسري جان ستاروبنسكي، وهو يتحدث عن «اعترافات» جان جاك روسو.

القصيدة الرعوية
يركز القاموس أيضاً على عدد من القواعد والأعمدة القديمة التي استندت عليها الشعرية في تجلياتها الحداثية والمعاصرة، منها القصيدة الرعوية، التي تسربت الكثير من سماتها من الشاعر الروماني فيرجل الذي عاش ما بين «70 - 19 ق.م» إلى بول فاليري «1871 - 1945»، وريمون كوينو «1903 - 1976» وخوسيه ماريا دي هيرديا «1842 - 1905» وغيرهم، كما يفرد القاموس مساحة للحديث عن «الجوقة» وسماتها قديماً وحديثاً، و«المحاورة» باعتبارها جنساً أدبياً يجمع بين اثنين أو أكثر من المتحاورين، في عملٍ يحاكي الخطابات وليس الأفعال. وهناك مقالات حول «الرثاء» و«المديح» و«الملحمة» و«الحكاية الخرافية الرمزية» و«رسالة البطلة» وهي كما يراها مؤلفا القاموس «رسالة حب مكتوبة شعراً، مرسَلة من بطلة إلى بطلٍ هجرها، لزوج غير مخلص، أو عاشق لا يثبت على حال»، وقد كتب «أوفيد» مجموعة من نحو عشرين رسالة للبطلات، انتقلت إلى الأجيال اللاحقة تحت عنوان «رسائل البطلات»، نحو 20 قبل الميلاد، وهي قصائد تمر عبر سلسلة كاملة من عذابات الحب منذ ولادة العاطفة والنشوة، على حد تعبير رولان بارت.
وهكذا ومن خلال المقالات التي رتبها سولير ولابري حسب الأبجدية، وتركزت حول «قصيدة الأود» و«الملحمة» و«الهجاء» وغيرها من الأنواع الأدبية والشعرية بدا الهدف واضحاً، من أول وهلة، وهو ربط أجناس معينة، في ممارساتها الحديثة والمعاصرة، بشعريات العصور القديمة الإغريقية والرومانية، بحيث صار عصر النهضة، مثلاً، حديثاً بعودته إلى العصور القديمة، وجاءت الدراما الباروكية، التي أعاد ابتكارها «كلوديل» من تراث «إسخيلوس» وهو ما يشير إلى أن الموضوعات المهمة والأشكال الشعرية الكبيرة تتشكل عبر القرون.

الشعرية باعتبارها تراثاً
من هنا يمكن ببساطة ملاحظة ما أراد المؤلفان التركيز عليه، وهو أن فكرة الحداثة المعزولة عن التراث تظل غير مؤكدة، وقد لاحظ الروائي الفرنسي ميشيل بوتور بالفعل أن ثمة عودة إلى الأمس تحدُث في الأدب الفرنسي، وهي لا تعني بالطبع التخلي عن الحداثة، بل الرغبة في التموضع داخل تراث أطول، حيث تبدو أحياناً محاكاة ساخرة. وقد أعاد الكتاب والمبدعون والمفكرون في أوروبا وأميركا اكتشاف «الأسلوب القديم»، وهو ما بدا في موضوع التهليل النوستالجي والساخر لشخصية بيكيت، وكذلك عند كل من الشاعرين الفرنسيين مارك تشولودينكو في قصائده «أود» وإيمانويل هوكار، وهو يستعيد في قصائده شكل المرثية، فالشاعر حسب وجهة نظره حارس لا إرادي للحياة اليومية، يتذكر ما يريد أن يتذكره.
وأخيراً يمكن ملاحظة أن مؤلفي القاموس سعيا إلى توسيع الإمكانيات التي يتيحها مصطلح «الشعرية» إلى «شاعرية تدعو إلى دراسة العديد من الأشكال، وكذلك الأجناس».

وأدفنها في داخلي
أبتلع الطريق وأتركها تتقلّب فيَّ
أدوّر الساعات
وأتنقّل بينها (...)



رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية

رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية
TT

رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية

رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية

كيفَ، في قلب مشاغله العديدة، وجدَ الوقت للجلوس إلى آلته الكاتبة أو إملاء سكرتيرة مكتبه هذه المئات من الرسائل الشخصية والمهنية؟ أو ما كانت إدارة قرص التليفون خليقة أن تغني عن هذا الجهد؟

أسئلة لا بد أن تتبادر إلى ذهن القارئ وهو يتناول هذا المجلد الضخم الصادر في 2025 عن دار «فيبر وفيبر» للنشر بلندن في 1080 صفحة. إنه الجزء العاشر من رسائل ت. س. إليوت التي تصدر تباعاً، ومن المنتظر أن تصل إلى 20 جزءاً.

The Letters of T. S. Eliot، Volume 10 (1942- 1944)

وقد أشرف على إصدار الكتاب وزوده بهوامش ضافية جون هافندن John Haffenden أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة شفيلد البريطانية، وذلك بالاشتراك مع فاليري إليوت Valerie Eliot أرملة الشاعر الراحلة وزوجته الثانية.

تغطي رسائل هذا الجزء أعوام 1942 - 1944 ويخيم عليها شبح الحرب العالمية الثانية التي مست شتى مناحي الحياة في بريطانيا. فنحن نجد هنا ذكراً لغارات الطيران الألماني على لندن وكوفنتري وغيرهما من المدن، وتوزيع الطعام بالبطاقات، وإطفاء الأنوار، وصعوبات الاتصال مع العالم الخارجي، وتعطل الأنشطة الفنية من مسارح ودور سينما ومعارض ومهرجانات. كذلك شحت كمية الورق اللازم لطباعة الكتب والمجلات والصحف. وانعكس ذلك على دار النشر التى كان إليوت أحد مديريها فاضطرت إلى الإقلال من إصداراتها وتأجيل الكثير مما سبق التعاقد عليه. ومن هنا كانت العديد من هذه الرسائل تحمل اعتذار إليوت عن قبول عشرات المخطوطات التي كانت تفد على الدار ما بين دواوين شعر وروايات ومجموعات قصصية ومسرحيات ودراسات نقدية، مما لا بد أنه سبب إحباطاً شديداً للأدباء والنقاد الذين كانوا يطمحون إلى أن ترى أعمالهم النور وأن تحظى بمباركة أشهر شاعر أنجلو-أميركى في القرن العشرين.

رسائل إليوت موجهة إلى أفراد من أسرته مثل شقيقه الأكبر هنري الذي كان باحثاً متخصصاً في دراسة آثار أشور وإيران والشرق الأدنى، وإميلي هيل محبوبة إليوت في شبابه قبل أن يهاجر من الولايات المتحدة الأميركية إلى بريطانيا، وجون هيوارد الذي شارك إليوت السكن في لندن زمناً، ومترجمي أعماله إلى لغات أجنبية، والشعراء سان جون بيرس وو. ه. أودن وستفن سبندر، والروائيين إ. م. فورستر وجورج أورويل ولورنس دريل، والكتاب المسرحيين شون أوكيزي ورونالد دنكان، والمخرج السينمائي جورج هولرنغ الذي حول مسرحية إليوت «جريمة قتل في الكاتدرائية» إلى فيلم سينمائي نال رضا إليوت، والنقاد ا. ا. رتشاردز وف. ر. ليفيس وآلن تيت وكثيرين غيرهم.

تحفل هذه الرسائل بتعليقات إليوت على الأعمال الأدبية المقدمة للدار وتكشف عن بصيرته النقدية النافذة وفطنته إلى مواضع القوة ونقاط الضعف في أدب عصرنا. وقبل ذلك تكشف عن التزامه الأخلاقي وضميره المهني اليقظ فهو يقرأ كل كلمة من النص المقدم إليه قبل أن يصدر عليه حكماً، ولا يعرف المجاملة وإنما يقبل ما يستحق النشر ويرفض ما لا يستحق، ويطلب من الكاتب أن يلتزم بأعلى معايير الدقة وألا يبخل بجهد في سبيل إزالة الشوائب ودعم النواحي الإيجابية في نصه.

ومن الأحداث التي تسجلها الرسائل عمل إليوت في الدفاع المدني أثناء الحرائق الناجمة عن غارات الطيران الألماني على لندن، وخمسة أسابيع قضاها في السويد، ورحلة قام بها إلى ويلز في 1944، ومشروعات رحلات (لم تتم) إلى آيسلندا وشمال أفريقيا، واعتذاره عن قبول عرض بالعمل مستشاراً للشعر في مكتبة الكونجرس بواشنطن دي سي، ومحاضرات ألقاها وندوات شارك فيها، وأحاديث إذاعية سجلها، ومسرحيات شاهدها مثل مسرحية «جوستاف» للكاتب السويدي سترندبرغ، وأوبرا «كريستان وأيزولده» لفاجنر، وأعمال المثال هنري مور، وأعمال موسيقية كان يحبها مثل رباعيات بتهوفن الوترية.

وتنتثر في تضاعيف الرسائل آراء نقدية مهمة لإليوت كقوله مردداً كلمات الشاعر الرمزي الفرنسي مالارميه: «إن الشعر يصنع من كلمات لا من أفكار»، مضيفاً: «إن القصيدة في المحل الأول شكل ونفخ للحياة في الكلمات». والشعر «يتطلب اختياراً حريصاً واستخدام حد أدنى من الاستعارات والصور ومنح كل منها الحد الأقصى من التأثير»، فـ«الإسراف في الزخرفة عدو الشكل».

ويرى أن على الشاعر أن يكتب «أقل» قدر ممكن من الشعر، فالمهم هو الكيف لا الكم. ولدى أغلب الشعراء نجد خَبثَاً (بفتح الخاء والباء) كثيراَ وعروقاً نضاراً قليلة. والنظم «يجب أن يكون على الأقل صنعة قبل أن يكون فناً». وتلقي الرسائل أضواء على ما كان إليوت يحب ويكره. فهو يفضل مثلاً الشاعر البرتغالي لويس دي كاموش (من القرن السادس عشر) على الشاعر الإنجليزي ميلتون. ويسخر إليوت من الصورة التي رسمها ميلتون للجحيم في قصيدته «الفردوس المفقود».

وفي إطار تفضيله لشعر الماضي على شعر الحاضر يقول: «أشك في أنني أجد متعة كبيرة في أي شعر معاصر ـ سواء لمعاصريي أو لمن يصغرونني سناً». بل يذهب إلى حد القول (لا يجب أن نحمله على محمل الجد بطبيعة الحال): «إني أكره الشعر» راسماً كلمة «أكره» (HATE) بحروف التاج الكبيرة إمعاناً في التوكيد!

ومن الطريف أن نجده يخطئ أحياناً في هجاء بعض الكلمات أو رسم أسماء الأعلام أو قواعد النحو (صوّب له المحرر جون هافندن هذه الأخطاء). ولكن من الواضح أن ذلك كان من قبيل السهو لا الجهل. فما كان لمثل إليوت، وهو إلى جانب جويس من أعظم من استخدموا اللغة الإنجليزية في عصرنا، أن يجهل الصواب. وينطبق عليه في هذا الصدد قول أبي فراس الحمداني عن نفسه:

وأغفو ولا أعطي الهوى فضل مقودي

وأهفو ولا يخفى عليّ صواب

والكتاب محلى بصور فوتوغرافية لإليوت بين سن الثالثة والخمسين والسادسة الخمسين (فترة كتابة الرسائل)، وأغلفة الطبعات الأولى من كتبه، وصور من راسلهم، وصورة له وهو يسجل حديثاً من استوديو محطة الإذاعة البريطانية في لندن مع الروائي جورج أورويل والناقد وليم إمبسون والقاص الهندي مولك راج أناند وآخرين، وصورة له في أبريل (نيسان) 1943 وهو يقرأ قسماً من قصيدة «الأرض الخراب» في حضور الملكة الأم (زوجة الملك جورج السادس ووالدة الملكة إليزابيث الثانية)، والأميرات إليزابيث (الملكة فيما بعد) وشقيقتها مرجريت، وصورة له منهمكاً فى العمل مع زملائه من مديري دار «فيبر وفيبر» للنشر قبل أن تصيب الدار قنبلة من طائرة ألمانية، وبهذا الاجتماع للكلمة والصورة تتكون لدى القارئ فكرة جلية عن حياة شاعر «الأرض الخراب» وأفكاره وعلاقاته الإنسانية في لحظة زمنية فارقة من عمره ومن تاريخ القرن العشرين.


كيف يسهم الأدب في بناء ثقافة نزاهة مجتمعية؟


د.غازي القصيبي
د.غازي القصيبي
TT

كيف يسهم الأدب في بناء ثقافة نزاهة مجتمعية؟


د.غازي القصيبي
د.غازي القصيبي

يشكّل الأدب أحد أكثر الحقول الثقافية قدرة على مساءلة الواقع وصياغة الوعي، فهو ليس فعلاً جمالياً معزولاً، بل ممارسة إنسانية ذات أثر معرفي وأخلاقي. فالكاتب، في لحظات التحوّل الكبرى، لا يُختبر بقدرته على السرد فقط، بل بمدى نزاهته في تمثيل الحقيقة، ومسؤوليته في التعامل مع القيم التي يضخّها في الوعي الجمعي. ومن هنا تبرز النزاهة لا بوصفها قيمة أخلاقية خارج النص، بل بوصفها عنصراً بنيوياً في الكتابة نفسها، يربط بين صدق الرؤية، وعمق التجربة، واحترام القارئ.

الأدب، في جوهره، تعبير لغوي جمالي يعكس التجربة الإنسانية ويقدّم رؤية للعالم، لكنه في الوقت ذاته يحمل وظيفة ثقافية تتجاوز المتعة إلى بناء الوعي، وحفظ الذاكرة، ونقد الاختلالات الاجتماعية والسياسية. وحين ينجح الأدب في أداء هذه الوظائف دون تزييف أو ادعاء أو خطابية مباشرة، فإنه يسهم تلقائياً في ترسيخ ثقافة النزاهة، لأن النزاهة هنا ليست شعاراً أخلاقياً، بل ممارسة معرفية تحترم العقل والواقع والإنسان.

وتتجلى النزاهة في الكتابة والبحث من خلال جملة من القيم المتداخلة، في مقدمتها الصدق في الرؤية والتعبير، أي قدرة الكاتب على مواجهة الواقع كما هو، دون تجميل مضلل أو شيطنة مجانية. وقد جسّد تشارلز ديكنز هذا المعنى حين قدّم صورة قاسية للفقر والظلم في المجتمع الإنجليزي، كما فعل نجيب محفوظ وفواز حدّاد في فضح اختلالات السلطة والمجتمع العربي دون الوقوع في فخ الدعاية أو التبسيط الآيديولوجي. ويُضاف إلى ذلك مبدأ الشفافية، الذي يفرض على الكاتب والباحث احترام الحقيقة والمصدر، وعدم توظيف المعرفة بوصفها أداة إغواء أو تلاعب، وهو ما نجده واضحاً في أعمال كبار الروائيين، حيث تقوم الرواية على معرفة دقيقة تحترم ذكاء القارئ بدل استدراجه.

غير أن النزاهة لا تكتمل دون شعور عميق بالمسؤولية، فالكلمة ليست بريئة من آثارها، والكاتب مسؤول عن الأثر الاجتماعي والمعرفي لنصّه. ولعل تجربة غازي القصيبي في كتابه (حياة في الإدارة) تمثل مثالاً واضحاً لتحوّل الكتابة إلى ممارسة أخلاقية تسائل البيروقراطية، وتدعو إلى تحديث القيم المهنية بلغة أدبية قريبة من القارئ. كما أن النزاهة تفترض أمانة معرفية ترفض الانتحال والتلفيق، وتقوم على نقد الذات قبل نقد الآخر، وهو ما ميّز مشاريع فكرية كبرى عند طه حسين ومحمد عابد الجابري، حيث تحوّل النقد إلى فعل تحرير للثقافة لا إلى محاكمة لها.

ولا يمكن الحديث عن نزاهة الكاتب بمعزل عن نزاهة الثقافة نفسها، إذ إن الثقافة ليست مجرد إنتاج نصوص، بل منظومة مؤسسية وقيمية تحدد ما يُكتب، وكيف يُستقبل، وما يُكافأ أو يُقصى. فنزاهة الثقافة تقاس بمدى استقلال مؤسساتها، وشفافية أنشطتها، وعدالة مسابقاتها، ووضوح معايير التحكيم فيها. وعندما تتحول الجوائز والفعاليات الثقافية إلى دوائر مغلقة أو أدوات مجاملة أو نفوذ، فإنها تُفرغ الإبداع من معناه، وتدفع الكاتب والباحث إلى التكيّف بدل الابتكار، وإلى التماهي بدل النقد.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية تفعيل ثقافة النزاهة داخل المؤسسات الثقافية، لا عبر الشعارات، بل من خلال ممارسات واضحة تحترم الجهد البحثي والإبداعي، وتضمن تكافؤ الفرص، وتمنع تضارب المصالح، وتفصل بين الإدارة والتحكيم. فالثقافة النزيهة هي التي تسمح بالاختلاف، وتحمي حق السؤال، وتدرك أن النقد ليس تهديداً بل ضرورة حيوية لتجددها.

ويظل التحدي الأكبر أمام الكاتب والباحث هو تحقيق التوازن بين حرية الإبداع والمسؤولية الأخلاقية، فالإبداع لا ينمو في بيئة فوضوية، لكنه أيضاً لا يبرر التحريض أو الكراهية أو التسطيح. وقد نجح الأدب في تحقيق هذا التوازن عبر الانحياز إلى الإنسان بوصفه قيمة عليا، كما فعل غازي القصيبي بالفكاهة والرمز، وفواز حدّاد عبر السرد الكاشف، وأورويل وهوغو وآتوود عبر مقاومة الهيمنة دون الوقوع في خطاب مباشر أو تبسيطي، في زمن تتزايد فيه ضغوط السوق، وإغراء الشهرة، وتسييس الجوائز وتحوّلها من وسيلة تشجيع إلى تنفيع، ولعل أبسط علامات النزاهة في الجوائز التزامها بالمعايير المعلنة والمواعيد المحددة لكونها عقداً أخلاقياً بين المؤسسة والمبدعين، لتصبح النزاهة فعل مقاومة ثقافية بامتياز. فالكاتب النزيه هو من يحافظ على صوته الخاص، ويرفض أن يتحول إلى مروّج، أو أن يختزل الأدب في سلعة أو موقف عابر. ومن هنا فإن تعزيز النزاهة ليس مسؤولية فردية فحسب، بل مشروع ثقافي متكامل يبدأ من الكاتب والباحث، ويمتد إلى المؤسسة، ويكتمل في وعي المجتمع.

إن الأدب، حين يُكتب بنزاهة ويُحتضن في بيئة ثقافية شفافة، يتحول من فعل جمالي إلى قوة أخلاقية ناعمة، قادرة على بناء وعي نقدي، وترسيخ قيم العدالة، وصيانة كرامة الإنسان، وذلك هو الدور الأعمق الذي كُتب للأدب أن يؤديه عبر التاريخ.

*إعلامي وناقد كويتي


تفتيت الزمن في رواية مصرية

تفتيت الزمن في رواية مصرية
TT

تفتيت الزمن في رواية مصرية

تفتيت الزمن في رواية مصرية

عن دار صفصافة للنشر بالقاهرة صدرت أخيراً رواية «سر الهوى» للروائي المصري صبحي موسى. تدور الرواية حول سيرة رجل عجوز مسن يدعى الشهايبي، لا أحد يعرف الزمن الذي ولد فيه، ويكاد يكون متأبياً على الموت، فكلما تعرض لحادث أيقن الناس أنه لن ينجو منه وسيموت فيه، لكنه يفاجئهم بنهوضه، وكأنه استمد روحاً جديدة من أرواحه العديدة.

تنطلق الرواية من إحدى المرات التي يواجه فيها الشهايبي الموت، واعتقاد الجميع أنه مات، لكنه سرعان ما استفاق، كي يحكي لهم عن الأهوال التي عاشها طيلة الليل، بينما هم نائمون في أحضان زوجاتهم.

تعتمد الرواية على تقنية تفتيت الزمن وتشظيه، بين الماضي الذي يرويه الشهايبي بصيغ عديدة ومتباينة، والحاضر الذي يرويه ابنه عمر، الذي يعمل صحافياً في المدينة، ويعود إلى القرية بمجرد معرفته بمرض أبيه، ليتم نسج أحداث الرواية وصراعات الشهايبي مع أبنائه، الراغبين في الحجر عليه وتوزيع تركته عليهم. وبينما هو يفكر في طريقة لحرمانهم من أملاكه، فإنهم يفكرون في طريقة للخلاص منه، ويستقرون على تزويجه من سيدة صغيرة السن، تزوجت ثلاث مرات من قبل، ومات أزواجها الثلاثة بعد أشهر من زواجها بهم، فيفكرون في تزويجه منها للخلاص منه، لكن ابنه عمر يكتشف تلك الحيلة، ويستدعي الزوجة المنتظرة زبيدة كي تذيب الجليد الذي تراكم على قلبه وأعضائه، لكن الأب ينهض فجأة من موته، ويختفي من غرفته، بينما يبحث أبناؤه عنه في كل مكان فلا يجدوه.

وبرغم أن الشهايبي عرف عدداً كبيراً من النساء، فإنه رفض أن يتزوج بأي منهن طيلة حياة زوجته فاطمة، بعد أن قطع لها على نفسه عهداً بألا يتزوج عليها، حين طالبه والده بأن يبني لها بيتاً واسعاً قبل أن يتزوج بها، لكن فاطمة قررت أن تذهب مع الشهايبي إلى غرفته على أرض طرح النهر، في ذلك الخلاء الواسع المظلم الذي أطلق عليه الناس اسم «المجهول» لكثرة ما يجتاحه من كائنات غريبة، بدءاً من اللصوص وقطاع طرق أو الجن والعفاريت.

كان من بين النساء اللائي عرفهن الشهايبي «نجمة» الجميلة التي كانت تعاني من صداع نصفي لا يهدأ إلا بممارسة الحب العنيف، و«الكاوية» التي عالجت ابنه حمدان باستخدام كي رأسه بالمسامير الحمراء، و«المليحة» صاحبة البيت الذي تتردد عليه نجمة، و«زبيدة» التي طلبت من الشهايبي أن يتزوجها بعد وفاة زوجها، لكنه رفض، مصراً على أن يفي بوعده لفاطمة وألا يتزوج عليها.

بموت فاطمة حاول أن يفي بوعده لزبيدة، فطلب من بناته أن يذهبن لخطبتها له، لكنهن أبلغن أبناءه الذكور، واتفقوا جميعاً على منعه من الزواج، بل تهديد زبيدة في بيتها بالموت حال قبولها بالزواج من أبيهم. فقرر الشهايبي أن يتحدى أبناءه ويتزوجها، لكنها رفضت قائلة إنها لا تريد أن تخسر معاش زوجها.