النموذج المعرفي في خريطة التقدم العربي... السؤال الحاضر الغائب!

سيكون بداية السير في الطريق الصحيح لو ظهر واكتمل

عبد الوهاب المسيري - محمد عابد الجابري - ميشال فوكو - ماكس فيبر
عبد الوهاب المسيري - محمد عابد الجابري - ميشال فوكو - ماكس فيبر
TT

النموذج المعرفي في خريطة التقدم العربي... السؤال الحاضر الغائب!

عبد الوهاب المسيري - محمد عابد الجابري - ميشال فوكو - ماكس فيبر
عبد الوهاب المسيري - محمد عابد الجابري - ميشال فوكو - ماكس فيبر

هذه المقالة محاولة لفتح باب المناقشة حول نموذجنا المعرفي العربي، فمنذ ثورات الاستقلال وصولاً إلى ثورات الربيع العربي والغبار الثائر بين هذين العصرين يحيط برؤيتنا عن الوصول لنموذج معرفي، صحيح المبنى سليم المعنى واضح الجدوى. وهذا النموذج المعرفي لو ظهر واكتمل فإنه، في اعتقادي، بداية السير في الطريق الصحيح نحو التقدم المنشود؛ ويمكن مناقشة هذه النموذج وفرص الوصول إليه من خلال المسائل التالية:
أولاً: ما المقصود بالنموذج المعرفي الذي يجب أن نتبناه أو نعيد إنتاجه عربياً؟ وقبل أن آتي لتحديد المفهوم المطلوب في هذا السياق، تجدر الإشارة لما قدمه توماس كون في كتابه المشهور «بنية الثورات العلمية»، فقد حاول أن يسلط فيه الضوء على فكرة المنهج أو النظام المعرفي أو «البرادايم» الذي شكل أهم النظريات العلمية في الفيزياء والرياضيات والطبيعيات عموماً؛ وكانت محاولة تفسيرية لفهم طريقة التفكير لدى أصحاب أهم النظريات العلمية، حتى لو جاء تفسير لاحق أو «برادايم جديد» يعيد بناء تفسير أحدث للنظرية. هذا النظام المعرفي الذي أثبتت حقائق جديدة للعلم وفق طرق موثوقة للتأكد من صحة نتائجه هو ما يشكل الثورات المعرفية المتوالية، بل أحياناً تصبح هذه الطريقة العلمية من النظر سبباً في حل الكلمات المتقاطعة وأحجية الصور المقطعة لكثير من قضايا العلم والواقع، حسب تعبير باتريك هيلي (انظر كتابه «صور المعرفة: مقدمة لفلسفة العلم المعاصرة»، ترجمة نور الدين عبيد، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، 2008، ص 167).
ويمكن الإشارة أيضاً إلى جهود الدكتور محمد عابد الجابري في كتبه حول العقل العربي، وفي محاولته اكتشاف بنية العقل المكون المنتج للمعرفة، فاشتغل على معرفة بنية هذا النظام كي يحلل جوانب الخلل التي أصابت الأمة، فقال في بيان مفهومه: «والنظام المعرفي في ثقافة ما هو: بنيتها اللاشعورية» (انظر كتابه «تكوين العقل العربي»، طبعة مركز دراسات الوحدة العربية، 1984، ص 78)، مستعيناً بميشال فوكو في صناعة هذا المعنى للنظام المعرفي الذي ركز فيه الجابري على الدرس التراثي أكثر من غيره، ولكن سياقنا هنا في تحديد مفهوم (النموذج المعرفي) سيقترب من محاولة الدكتور عبد الوهاب المسيري الذي اشتغل على صياغة هذا النموذج مستفيداً من توسع ماكس فيبر في مجال النموذج المعرفي، ليشمل التصورات كافة حول الإنسان والعالم والمادة والآخر والكون والعلم وغيرها، فالنموذج المعرفي حسب تعريف المسيري: «بنية تصورية يجردها عقل الإنسان من كم هائل من العلاقات والتفاصيل والحقائق والوقائع، يحللها ثم يربط بينها وينسقها بشكل برهاني، ليصل إلى الصيغ الكلية النهائية للوجود الإنساني» (انظر كتاب «العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة»، دار الشروق، الطبعة الخامسة، 2016، ص ص 444-445). وهذا التعريف الذي نقلته عن المسيري هو جمع وترتيب لمفهومه حول النموذج المعرفي. ومن وجهة نظري، أجده المفهوم الأقرب الجامع لبناء التصورات كافة حول الوجود الإنساني. ويمكن لهذا النظام التصوري أن يشكل نسقاً كلياً يعيد فهم الثغرات غير المفسرة حول الطبيعيات والغيبيات، ويعيد وضع قطع البازل في مكانها الصحيح في لعبة الصور المقطعة حول كثير من مشكلاتنا التنموية والحضارية.

ثانياً: ما أهمية بناء نموذج معرفي؟ للإجابة عن هذا السؤال، نحتاج إلى العودة للتاريخ القديم. فعندما حاول الإنسان أن يضع له نظاماً في التفكير يصل من خلاله للحقيقة والفهم لما يجري من حوله، كانت أمامه ثلاثة مسارات رئيسة يفكر من خلالها، وهي: اللاهوت أو الفلسفة أو العلم التجريبي. وقد هيمنت النظم المعرفية الدينية والفلسفية على العالم لقرون طويلة. ولكن بعد عصر النهضة في أوروبا، هيمن على العقل البشري؛ التفكير من خلال نظم معرفية تجريبية، وهي كما حدد هيغل: «كل شيء صادق يجب أن يكون في العالم الواقعي معطى للحس» (انظر «صور المعرفة»، باتريك هايلي، ص 116). هذه القفزة العلمية في التفكير المادي أجرت في يدي الأوروبيين مكامن القوة الصناعية، ومكاسب الثراء والسيطرة، وأضحى «العلم» -وفق هذه الطريقة- نسقاً معرفياً يحكم كل التصورات، بما فيها المعتقدات حول الخلق والموت والحياة. ولا يعني هذا أن الدين والفلسفة انتهى دورهما المعرفي، ولكن تراجعا خطوات، في مقابل تفرد النظم المادية للعلم.
ونحن في عالمنا العربي، باتت غالب نظم الحداثة والتقدم التي تسوق وتعرض لنا، ليس لكونها سلعاً أو خدمات بل دواءً للنجاة، مرهونة بأنموذج الغرب المعرفي. ومع قوة هذا الوهج الحداثي، وكثرة السائرين فيه، فإنه لا يزال نظاماً ناقصاً في وضع حلوله للاحتياجات الروحية والأخلاقية والبيئية، مع تصدع مستمر يظهر في بُناه المعرفية، وهذا ما حدا بكثير من المفكرين العرب للدعوة لوضع أنموذج معرفي لا يصادم الثوابت الدينية، ولا يتعارض مع القيم الإنسانية، ويفي بشكل واضح للمستجدات الحداثية وغيرها، منهم على سبيل المثال: الجابري والعروي وطه عبد الرحمن وعلي حرب والتزيني وأبو سليمان والمسيري وغيرهم؛ قد يختلفون في بعض التصورات، ولكنهم يشعرون بوضوح بوجود أزمة خانقة يمر بها العقل المسلم الغائب الحاضر.
هذا الغياب للنموذج المعرفي لأي أمة يعني السير في طريق محفوف بالمخاطر بلا علامات أو خرائط، والدافعية التي تحصل في بدايات النهوض لا يمكن لها الاستمرار إذا خلت من نموذجها المعرفي الذي يصحح المسير ويعالج الطوارئ ويربط التصورات بنسق كلي صحيح، لذلك فشلت غالب مشاريع اليسار الاشتراكي في العالم، ووعود القوميات العربية بالوحدة والتقدم، وتفككت مشاريع الصحوة في بناء المجتمع الإسلامي المنشود، وهو المهدد الحالي للنهضة الصينية التي تحمل نموذجاً معقداً فيه كثير من الهوات المعرفية، وإن بدت للناظر قوته الشكلية.
في المقابل، نجد أن المجتمعات الغربية، حتى مع النقد المعاصر لبرادايم الحداثة، لا يزال نظامها المعرفي متسقاً مع مجالاتها الحياتية كافة، فالحرية الرأسمالية لا تجدها منعدمة في السياسة أو الحياة المدنية، والعلمانية لما جاءت بصفتها فكرة لإدارة الشأن العام لم تصطدم كثيراً مع بنية الفكر والدين. وفي اليابان مثال آخر أجده قريباً في تصوير النسق المتكامل الذي يظهر في أنموذجهم المعرفي، فقيمة العمل الجماعي أو روح الفريق تجدها مقدسة ضمن أخلاق الساموراي المحترمة جداً عند اليابانيين، كما يمكن أن تراها في العمل الوظيفي والبحثي والحزبي، بل إنك تشعر بها في الشارع والمرفق العام، بصفتها مشتركاً حقيقياً بينهم، وهذا ما أجده بعيداً في واقعنا العربي.

نموذج معرفي عربي
ثالثاً: لماذا نحتاج (المجتمعات العربية) إلى بناء نموذجنا المعرفي؟ هنا أقول بوضوح: لأن مجتمعاتنا لديها تطلعات وأحلام كبيرة، وشبابها متوثب لصناعة فرق نهضوي، وقيادتها قد وضعت خططاً استراتيجية تحقق هذه الطموحات، كما أن القَدَر قد وضعنا في قلب العالم ومركز الحضارات وانبثاق الديانات الكبرى. هذه وغيرها تستلزم أن يكون لدينا نموذجنا المعرفي المتماسك المتكامل في نَظْم كل هذه التطلعات والثوابت والتصورات في نسق واحد يحوط بالمجتمع ويحميه ويدفعه للتقدم.
ولكن من خلال تأمل في حركة هذه المجتمعات وإعلاناتها النهضوية، أشعر أن هناك مخوفات ومحاذير قد تصيب هذه الحركة النشطة بالتعثر أو الحيرة؛ أذكر هنا بعض الشواهد المتنوعة للبرهنة على هذا التعثر: ففي مشهدنا الديني، ما عدنا نعرف ما هو الثابت من ديننا الحنيف الذي يجب أن نبقى عليه ثابتين دون تململ، وما هو الظني النسبي الذي يمكننا إعادة الاجتهاد حوله حسب متغيرات الظروف. كذلك بدأ نموذج العقل القبلي أو الأمني يسيطر على تصورات كثيرين في التعاطي مع مؤسسات الدولة والعلاقة بأطياف الوطن، ويحدِث تشوهات في نسقنا المعرفي والأخلاقي؛ وهذا التصور الجزئي الصارم يتنامى بصمت قد يفكك طبيعة التكامل بين أجزاء المجتمع الواحد. كما أفرزت مشاريع التنمية الناقصة قبولاً ضمنياً لتنامي العشوائيات السكنية الفقيرة الخطيرة على الأمن والأخلاق، في مقابل تنامي المجمعات السكنية المغلقة الخاصة بمجموعات مترفة قد تكون سبباً لإشعال حرب طبقية في المستقبل. أيضاً أرى بحزن كبير إدماننا المتوحش لمواقع التواصل الاجتماعي، وآثاره المتتابعة في تشكيل أُسر هشة وفردانية أنانية تصنع للفرد أحلاماً من فقاعات كاذبة، دون حراك فعلي لمواجهة هذه التصدعات في المجتمع. والأخطر -من وجهة نظري- نموذج الوطنية النفعية التي لا ترى الولاء والانتماء للوطن إلا في مقابل نفع مشروط واستحواذات خاصة يغنمها الفرد ولو احترق الباقون؛ هذه النفعية قد أصبحت تنمو بيننا كأعشاب سامة، وتُبرر وفق براهين جوفاء أمام المجتمع. كما أن نموذج الفرد الاستهلاكي اللاهث وراء الإعلانات الساقط في فخاخ الديون البنكية أصبح مثيراً للشفقة. ولا أنسى حاجتنا الكبرى لبناء مؤسسات تعليمية رصينة، فالواقع التعليمي بات مزرياً في غالب الدول العربية، ومؤشراته هي الأدنى عالمياً، والأهم بعد ذلك أن العقل المعاصر مشوش بكثير من المقولات الضعيفة والأطروحات التقليدية الباردة. وقد راج عندنا سوق النقل الأعور للمعرفة، والاستيراد اللاهث للفلسفات الأجنبية، بلا وعي نقدي أو تصور علمي مستقل؛ هذه وغيرها من المخوفات هي ما أثار كتابتي لهذا المقال، وطرح هذا السؤال في العنوان.
رابعاً: أختم بهذا السؤال: ما العمل لإيجاد نموذجنا المعرفي؟ هذا السؤال العملي بحثه كثير من المفكرين الذين سبق ذكرهم، ورغم جودة كثير منها، فإن عصرنا الحاضر أطلت معه تحديات ومتغيرات لم تكن ظاهرة آنذاك في ساحتنا العربية، ولكني هنا سأبين خمسة أمور أراها ضرورة في أي نموذج معرفي لأمتنا العربية، وهي تمثل من وجهة نظري الأذرع التي تسير بها العجلة، والقوائم التي يقف عليها هذا النموذج: أولها: الموقف من الدين، فلا يزال التردد حول موقفنا من الدين في التشريع وإدارة الحياة قائماً، ولا تزال هناك ضبابية في التعامل مع حدوده وأحكامه، بين منكر ومؤول ومستغل ومسيس. ثانياً: الموقف من الهوية، فثبات الهوية الجمعية مهم لخلق توافق فكري بين مكونات المجتمع، ومحاولات نسف الهويات الراسخة للمجتمع مقابل هويات متخيلة يتم جلبها من أعماق التاريخ توحي بمشروع فاشل يسلخ الحي ولا يعيد الميت للحياة. ثالثاً: الموقف من اللغة، فاللغة العربية باتت في مجتمعاتنا لغة ثانية فقيرة في الحضور مهمشة عن ارتقاء المنصات بعيدة عن إلهام الأجيال القادمة. رابعاً: الموقف من الدولة، فالدولة بدستورها ومؤسساتها الكبرى (الاقتصاد والجيش) لا بد أن يكون ظهورها كاملاً، وحضور مؤسساتها عالياً، ولا تختزل بحزب أو يستبد بها عدو. خامساً وأخيراً: الموقف من حقوق الإنسان، فالعربي هو عماد هذا النموذج، وكرامته وحريته وأمنه ورفاه عيشه ضروراتٍ للبقاء على قيد التأثير، فلا فائدة من نموذج معرفي يهمش أفراده، ويُضعف حقوقهم الوجودية.
هذه الخماسية التي بها تكاملت نماذج معرفية لمجتمعات شتى عبر التاريخ ليست اختراعاً آت به، بل هو من ضرورات التفكير وإعادة الحضور للمسلمات البدهية التي غابت عن التفعيل والتمكين في بناء تصورنا المنشود لنظامنا المعرفي، إما عمدا وإما غفلة، والأمل كبير في قياداتنا العربية بإحياء هذا المشروع الناظم، وإعادة الاعتبار له، على غرار ما تقوم به المملكة العربية السعودية في مشروعها الواعد نحو رؤية 2030. ولعله بداية الخير والقطرات الأولى لغيثٍ متتابعٍ منهمرٍ.

* أستاذ بقسم الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن - الظهران
(المملكة العربية السعودية)



قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
TT

قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)

كم مرة وجدت نفسك تؤجل مهمة ضرورية إلى وقت لاحق؟ مشروع عمل يتراكم، أو كومة من الملابس تنتظر الطي، أو فاتورة تؤجل سدادها يوماً بعد يوم. التسويف سلوك شائع يكاد لا يسلم منه أحد، وغالباً ما يبدأ بنية بسيطة للتأجيل، لكنه يتحول سريعاً إلى عادة مرهقة تعيق الإنجاز. لكن ماذا لو وُجدت طريقة سهلة وسريعة تساعدك على كسر هذه الحلقة، وتمنحك دفعة فورية للبدء؟ هنا تبرز «قاعدة الثواني الخمس» بوصفها إحدى أكثر الأساليب بساطة وانتشاراً لمواجهة التسويف.

وحسب موقع «فيري ويل هيلث»، تُعد هذه القاعدة أداة عملية يمكن تطبيقها فوراً لتحفيز النفس على اتخاذ الخطوة الأولى نحو إنجاز المهام.

ما هي قاعدة الثواني الخمس؟

اكتسبت «قاعدة الثواني الخمس» شهرة واسعة، لا سيما عبر منصات مثل «تيك توك»، بوصفها حلاً سريعاً ومباشراً لمشكلة المماطلة. وقد ابتكرتها المؤلفة ومقدمة البودكاست ميل روبنز، التي قدّمتها وشرحتها في كتابها «قاعدة الثواني الخمس» (The 5 Second Rule).

تقوم الفكرة على مبدأ بسيط: عندما تشعر بضرورة القيام بمهمة ما، أو حتى برغبة في إنجازها، تبدأ فوراً بالعد التنازلي من الرقم خمسة إلى الرقم واحد، ثم تتحرك مباشرة لتنفيذها دون تردد.

على سبيل المثال، إذا كنت مستلقياً صباحاً تتصفح هاتفك بلا هدف، وخطر ببالك أنه ينبغي عليك النهوض لتنظيف أسنانك أو تناول الإفطار، فإن هذه القاعدة تدفعك إلى التحرك فور انتهاء العدّ، بدلاً من الاستسلام للتفكير المطوّل أو التأجيل. فهي تُحفّز الجزء المسؤول عن اتخاذ القرار في الدماغ، مما يساعد على بدء التنفيذ قبل أن يتدخل التردد.

كيف تعمل هذه القاعدة؟

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير، أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق، ثم تمتد هذه الدقائق إلى ساعات أو حتى أيام. وهنا يأتي دور «قاعدة الثواني الخمس» التي تعيد تركيزك إلى اللحظة الراهنة، وتساعدك على كسر نمط المماطلة عبر اتخاذ إجراء فوري.

توضح راشيل إيسيب، مدربة الإنتاجية، أن هذه القاعدة «يمكن أن تعزز إنتاجيتك؛ لأنها تخلق شعوراً بالإلحاح والأهمية تجاه إنجاز مهمة معينة أو مجموعة من المهام».

من جانبه، يشرح كيفن كونور، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «Modern SBC»، الأساس النفسي لهذه القاعدة قائلاً: «صُممت أدمغتنا لحمايتنا من الشعور بعدم الارتياح، وهو ما يدفعنا غالباً إلى تجنب المهام الصعبة أو المرهقة أو التي تبدو كبيرة ومعقدة. إن العد التنازلي يُنشّط القشرة الجبهية الأمامية، وهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرارات. وهذا التحول الذهني البسيط قد يكون كافياً لتجاوز الشك والبدء في التحرك، قبل أن يضغط الدماغ على زر التوقف».

ما فوائد هذه القاعدة؟

تؤكد الدكتورة إيلينا توروني، اختصاصية علم النفس، أن «قاعدة الثواني الخمس» تمثل أداة فعالة لكسر حلقة الإفراط في التفكير والتسويف، إذ تمنح الأفراد وسيلة بسيطة لتجاوز التردد والبدء في العمل.

وتضيف أن هذه القاعدة، من خلال خلق نوع من الزخم والاندفاع، تساعد على بناء الثقة بالنفس، وتقليل الشك الذاتي، وتعزيز الدافع والتحفيز مع مرور الوقت.

ويرى كونور أن فوائد هذه القاعدة لا تقتصر على زيادة الإنتاجية فحسب، بل تمتد إلى تحسين الصحة النفسية بشكل عام. فالتسويف والإفراط في التفكير غالباً ما يرتبطان بمشاعر سلبية مثل التوتر، وتأنيب الضمير، والتشكيك في القدرات الذاتية.

ويختتم قائلاً: «إن كسر هذه الحلقة، حتى عبر خطوات صغيرة جداً، يمكن أن يعزز الثقة بالنفس، ويخفف القلق، ويمنح الإنسان شعوراً بالهدف. فالأمر لا يتعلق فقط بإنجاز المزيد من المهام، بل بالشعور بقدر أكبر من السيطرة على يومك وحياتك».


أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط مع الخصائص والسمات المتباينة للأجواء والجغرافيا العربية.

وتشير البيانات الجوية الصادرة حديثاً إلى أن الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط، تتأثر بعاصفة شتوية قوية نادرة نسبياً خلال هذا الوقت من العام، بسبب تشكل منخفض جوي عميق ناتج عن حدوث تفاعل معقد بين كتل هوائية باردة مقبلة من المنطقة القطبية وأخرى مدارية دافئة، مما يؤدي إلى اضطرابات جوية شديدة، تتمثل في انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة، وأمطار غزيرة، ونشاط قوي للرياح، مع احتمالية حدوث ظواهر جوية متطرفة.

ووفق الخبراء، فإن حالة الطقس الحالية ذات طابع إقليمي واسع النطاق، وتشمل تأثيراتها أجزاء كبيرة من الدول العربية جنوب البحر المتوسط ومناطق الخليج والشام والعراق، مع استمرار التحذيرات من أن هذه الظواهر الجوية قد تمتد كذلك إلى إيران وتركيا.

علماء أرجعوا التقلبات الحادة إلى تغير المناخ (الشرق الأوسط)

قال الدكتور مصطفى عصام، مدرس في قسم الفلك والأرصاد الجوية وعلوم الفضاء في كلية العلوم بجامعة القاهرة المصرية: «تتعرض منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام لآثار توزيع معين للكتل الهوائية، إذ تشهد المنطقة تحرك منخفض جوي اتجه من شمال أوروبا إلى حوض البحر المتوسط، خلال يومي، الثلاثاء والأربعاء، حيث يؤثر على دول شمال أفريقيا المطلة على البحر المتوسط، ويكمل مسيرته عبوراً للبحر الأحمر، ليمتد تأثيره إلى دول الخليج وبلاد الشام.

مرتفع الأورال

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن سبب تحرك هذا المنخفض الجوي من شمال أوروبا إلى الجنوب هو وجود مرتفع جوي معروف بمرتفع الأورال، من سماته إجبار أي منخفض يتكون على المحيط الأطلسي بالاتجاه جنوباً، وبالتالي ظهور تأثيره على الدول العربية.

ويأتي المنخفض الجوي قادماً من أوروبا عبر البحر المتوسط محملاً بكمية كبيرة من بخار الماء، ويعزز الإشعاع الشمسي في هذا الوقت من العام وجود كمية كافية من الطاقة الحرارية التي تؤدي إلى تكوُّن السحب الرعدية.

وأوضح عصام أن تأثير هذا المنخفض الجوي يستمر ليصل إلى السعودية مع احتمال كبير جداً لوجود السحب الرعدية وكميات من الأمطار على المناطق الغربية ووسط وشمال المملكة، والتي تتحرك باتجاه الشرق، وصولاً إلى المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية والكويت والعراق والإمارات والبحرين وقطر وعمان، فجر يوم الجمعة.

فيضانات بجزر الكناري الإسبانية (إ.ب.أ)

وكان المركز الوطني للأرصاد في السعودية قد أصدر تحذيراً بشأن احتمال تشكّل أعاصير قمعية وشواهق مائية في البحر الأحمر ومناطق أخرى متأثرة بحالة مطرية نشطة. كما توقع المركز استمرار هطول أمطار رعدية تتراوح بين متوسطة وغزيرة اليوم (الأربعاء)، قد تؤدي إلى جريان السيول، وتكون مصحوبة بزخات من البرد ورياح شديدة السرعة مثيرة للأتربة والغبار، ما قد يتسبب في تدنٍ أو شبه انعدام في مدى الرؤية الأفقية.

وكتب الدكتور محمد الألفي، أستاذ الهيدروجيولوجيا ونظم المعلومات والاستشعار عن بعد في كلية العلوم بجامعة المنصورة المصرية، على صفحته في منصة «فيسبوك»: «تعد هذه الحالة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع في مصر والمنطقة العربية».

عوامل متزامنة

وأضاف أن موجات عدم الاستقرار هذه تنشأ نتيجة لتضافر عدة عوامل متزامنة، وهي المنخفض الجوي المتوسطي، حيث تتسم موجات الربيع بتكون منخفضات جوية تنشأ فوق البحر المتوسط، تحمل معها هواءً رطباً وبارداً. ويحفز هذا الهواء الرطب تكون السحب الركامية والرعدية، خصوصاً حين يلتقي بالهواء الدافئ القادم من الجنوب.

وأضاف أن العامل الثاني هو التباين الحراري الحاد، إذ يأتي عدم الاستقرار بالتزامن مع ارتفاع مؤقت في درجات الحرارة على جنوب البلاد، مما يخلق حالة من التباين الحراري الحاد بين الشمال والجنوب، وهو ما يحفز تكون السحب الرعدية الممطرة.

من جانبه، وصف الدكتور عمر فكري، الحاصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء الفلكية، رئيس القبة السماوية بمكتبة الإسكندرية سابقاً، مثل هذه الظواهر بأنها «ظواهر مناخية متطرفة وغير متوقعة على كوكب الأرض، موضحاً أن مثل هذه الظواهر لا تقتصر على منطقتنا العربية فقط، إنما تحدث الآن لكن بتأثير معاكس على مناطق مقابلة في نصف الكرة الجنوبي أيضاً، ولكن في صورة ظواهر مناخية شديدة الحرارة والجفاف مصحوبة بوقوع حرائق في تلك المناطق.

تطور غير متوقع

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مثل هذه الظواهر هي تطور غير متوقع في الظروف الجوية على كوكب الأرض، إذ إن الله خلق كوكب الأرض ليكون متزناً حرارياً، ولكن مع ارتفاع مستويات الاحتباس الحراري ارتفع المحتوى الحراري لكوكب الأرض بشكل عام، وبالتالي ظهور مثل هذه الظواهر المناخية المتطرفة وغير المعتادة.

أحد شوارع الجيزة المصرية غارق في الأمطار (الشرق الأوسط)

من جانبه، قال عصام إن هذه الظواهر المناخية تعد من الأمور المعتادة، ولكن ليس من الضروري حدوثها في كل عام، لأن من خصائص الجو التباين السنوي وفق توزيعات الكتل الهوائية التي تتأثر بالكتلة الجليدية في القطب الشمالي، والكتلة الهوائية القطبية التي تسبب تغير مسار المنخفضات الجوية الطبيعية.

وفيما يتعلق بتعزيز التغير المناخي لمثل هذه الظواهر الجوية، أوضح أن الدراسات العلمية أثبتت أن المرتفعات الجوية التي تسبب تحرك تلك المنخفضات للجنوب تزيد في الشدة، كما تزيد في مدة بقائها بفعل التغير المناخي، وبالتالي تزيد من تأثير الأجواء الممطرة أو الأجواء الجافة، وفق مكان تكون المرتفع، كما حدث في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) من هذا العام، حيث كانت الأجواء دافئة وجافة لمدة زمنية طويلة.


راحة بين الحلقات... كيف تساعد مشاهدة مسلسلاتك القديمة على تحسين صحتك النفسية؟

أبطال مسلسل «friends» (رويترز)
أبطال مسلسل «friends» (رويترز)
TT

راحة بين الحلقات... كيف تساعد مشاهدة مسلسلاتك القديمة على تحسين صحتك النفسية؟

أبطال مسلسل «friends» (رويترز)
أبطال مسلسل «friends» (رويترز)

تخيل أنك مررت بيوم طويل وشاق. شعرت بأن العمل لا نهاية له، وكانت حركة المرور كالكابوس، وعندما تصل أخيراً إلى المنزل، كل ما ترغب فيه هو مشاهدة شيء ترفيهي بلا تفكير. فتجلس على الأريكة، وتشغل مسلسل «Friends» أو «house» أو «لن أعيش في جلباب أبي». فجأة تشعر بخفة الحياة وسعادة أكبر. ربما شاهدت تلك المسلسلات ألف مرة من قبل، ولكن لا يهم.

على نحو مفاجئ، قد يكون لهذه العادة فوائد فعلية على صحتك النفسية، فإعادة مشاهدة البرامج التلفزيونية القديمة ليست مجرد عادة مسلية، بل تحمل فوائد مثبتة للرفاهية النفسية والعاطفية. تساعد هذه العادة على تقليل التوتر، وتنظيم المشاعر، ورفع المزاج، وحتى مواجهة إرهاق اتخاذ القرارات اليومية.

ويستعرض تقرير نشره موقع «فيريويل مايند»، أبرز الفوائد العلمية لإعادة مشاهدة مسلسلاتك المفضلة، وكيف يمكن لهذه العادة البسيطة أن تمنح عقلك وجسدك استراحة ضرورية من ضغوط الحياة اليومية.

ما هي الفوائد؟

لدينا جميعاً برامج تلفزيونية نعود إليها دائماً لأنها تشعرنا بالدفء والراحة، مثل بطانية مريحة. وتقول كلاريسا سيلفا، عالمة سلوك: «الروتين اليومي يمكن أن يكون مرهقاً ذهنياً، ولهذا فإن مشاهدة البرامج القديمة المألوفة تشعرنا بالطمأنينة. فهي لا تضيف إلى العبء الذهني، بل تمنحنا مهرباً نحتاجه بشدة».

وتضيف إيمي داراموس، اختصاصية علم النفس الإكلينيكي في عيادة كلاريتي في شيكاغو: «أحياناً نحتاج أن تبقى الحياة كما هي لبضع ساعات لنشعر بالأمان والاستقرار».

وفيما يلي بعض الفوائد المدعومة علمياً لإعادة مشاهدة البرامج المفضلة:

تقليل الحمل الذهني:

أدمغتنا بحاجة للراحة من التحفيز المستمر الذي نتعرض له طوال اليوم. مشاهدة برنامج جديد يتطلب جهداً ذهنياً، أما إعادة مشاهدة شيء مألوف فتمنح العقل استراحة عندما نكون مرهقين.

تخفيف التوتر والقلق:

يمكن أن تكون مشاهدة التلفاز وسيلة للهروب. القصص المألوفة تمنح شعوراً بالثبات عندما تصبح الحياة غير متوقعة، على عكس المحتوى الجديد المليء بالتقلبات العاطفية. عندما نكون متوترين ومرهقين، يمنحنا ذلك شعوراً بالسيطرة.

مساعدة في تنظيم المشاعر

عندما نشعر بالضيق أو الإرهاق، تساعد إعادة مشاهدة البرامج المريحة على تنظيم العواطف. نعلم أن الشخصيات ستتغلب على تحدياتها وأن النهاية ستكون سعيدة، مما يمنحنا شعوراً بالأمل والراحة في حياتنا.

مواجهة إرهاق اتخاذ القرارات:

حياتنا مليئة بالقرارات اليومية، من اختيار الملابس إلى تحديد وجبات الطعام. إعادة مشاهدة البرامج المألوفة تساعدنا على تجنب اتخاذ المزيد من القرارات في يومنا.

رفع المزاج:

رؤية لحظات مضحكة أو دافئة تحبها يمكن أن تحسن المزاج فوراً، كما توفر دفعة من الدوبامين للدماغ.

خلق شعور بالانتماء:

قد لا تكون الشخصيات حقيقية، لكنها تمنح شعوراً بالارتباط والراحة.

التخفيف من الملل والشعور بالوحدة: الشعور بالحنين أثناء إعادة المشاهدة يمكن أن يحارب الملل والشعور بالوحدة وحتى الحنين للوطن.

لماذا نعيد مشاهدة البرامج التلفزيونية؟

في عالم مليء بالمسلسلات والأفلام الجديدة، قد نشعر أحياناً بالذنب عند العودة إلى برنامج قديم مفضل، كأننا نتكاسل. ولكن علمياً، هناك أسباب عديدة:

الاسترخاء:

مشاهدة برنامج جديد تتطلب متابعة الحبكة والتعرف على الشخصيات الجديدة وفهم دوافعها. أما برنامج مألوف، فلا يودد ضغط ذهني، والفكاهة والشخصيات المألوفة ترفع المزاج.

الراحة والتوقعية:

البرامج القديمة تمنح شعوراً بالأمان لأنها تتبع نمطاً معروفاً.

الحنين للماضي:

إعادة مشاهدة البرامج القديمة تعيدنا إلى أنفسنا في الماضي، وتذكرنا بأوقات أكثر بساطة وسعادة.

الارتباط العاطفي:

الروابط العاطفية مع الشخصيات الخيالية، المعروفة بالعلاقات «الطرفية»، تمنح شعوراً بالرفقة والانتماء.

الخلفية الصوتية:

أحياناً لا نركز على المشاهدة، بل نحتاج فقط لصوت مألوف أثناء القيام بالأعمال اليومية.

العناية الذاتية:

تخصيص وقت لمشاهدة برنامج قديم يساعد على الاسترخاء وإعادة شحن الطاقة.

اكتشاف تفاصيل جديدة: يمكن أن نلاحظ تفاصيل جديدة لم نرها من قبل، سواء كانت عبارة مضحكة أو إيماءة أو إشارة.

متى تصبح إعادة المشاهدة غير صحية؟

إعادة مشاهدة البرامج القديمة يمكن أن تكون استراتيجية صحية للتعامل مع التوتر والقلق، ولكنها قد تصبح مشكلة إذا استبدلت بالعادات الصحية الأخرى، مثل النوم أو التواصل الاجتماعي أو ممارسة النشاطات اليومية.

يقول العلماء إنه إذا أصبحت عادة الإفراط في مشاهدة المسلسلات وسيلة للهروب من الوحدة أو الاكتئاب أو القلق الاجتماعي، فقد تتحول إلى سلوك غير صحي.