هل حان وقت تجربة متصفّح إلكتروني جديد؟

للمستخدمين القلقين على خصوصيتهم

هل حان وقت تجربة متصفّح إلكتروني جديد؟
TT

هل حان وقت تجربة متصفّح إلكتروني جديد؟

هل حان وقت تجربة متصفّح إلكتروني جديد؟

تحوّل استخدام المتصفحات الإلكترونية إلى عادة بالنسبة لمعظم النّاس.
إذا كنتم تستخدمون «مايكروسوفت إدج» لتصفّح شبكة الإنترنت، فهذا يعني أنّكم غالباً تعملون ببرنامج ويندوز. وإذا كنتم تستخدمون متصفّح «سافاري»، فهذا يعني غالباً أنّكم من زبائن آبل. أمّا في حال كنتم من مستخدمي «كروم»، فهذا يعني أنّكم تملكون هاتفا أو لابتوباً من غوغل، أو أنكم حمّلتم متصفّح غوغل على جهازكم الخاص بعد استخدامه على الكومبيوتر في المدرسة أو العمل.
بمعنى آخر، يقع اختيار المستخدمين عادة على المتصفّحات الشّائعة والمألوفة، ومن السّهل جداً أن يُغرم المستخدم بأحد المتصفّحات لأنّها جميعها تطبيقات سريعة وقادرة وتخدم الهدف نفسه: زيارة موقعٍ إلكتروني.
إذن، طالما أنّ الفروقات بينها طفيفة، لماذا نكلّف أنفسنا عناء البحث عن خيار آخر؟
متصفح شخصي
آمل أن أنجح في إقناعكم في نهاية هذا المقال بتجربة شيء آخر: نوعٌ جديد من أدوات الملاحة الإلكترونية يُعرف باسم المتصفّح الشخصي. ظهر هذا النّوع من المتصفّحات من علامات تجارية أقلّ شهرة كـ«داك داك غو» DuckDuckGo و«برايف» Brave خلال السنوات الثلاث الماضية. ولكنّ المميّز فيها هو أنّها تجمع كميّة أقلّ من البيانات عن مستخدميها من خلال حجبها للتقنيات المستخدمة للتعقّب.
بشكلٍ عام، تقدّم معظم محرّكات البحث التقليدية وتحديداً «غوغل كروم» أفضل الخدمات. وبينما تضمّ بعض المحرّكات كـ«سافاري» و«فايرفوكوس» إعدادات وقائية للتعقّب، تركّز العلامات التجارية الأقلّ انتشاراً أكثر على حماية الخصوصية.
وصلنا اليوم إلى نقطة تحوّل فيما يتعلّق بالخصوصية الرقمية لا سيما أن صناعة الإعلانات الإلكترونية تشارف على التوقّف عن استخدام ملفّات إعداد الارتباط وهي عبارة عن رموز مزروعة في محرّكات البحث التي نستخدمها ومهمّتها ملاحقتنا من موقعٍ إلى آخر والمساعدة في استهدافنا بالإعلانات. تحاول شركة غوغل والتي يعتبر محرّكها البحثي الأكثر استخداماً في العالم منذ مدّة تطوير وسيلة جديدة لاستهدافنا بالإعلانات دون الاعتماد على هذه الملفّات.
ولكن دعونا لا ننتظر هذه المرحلة لأنّنا نستطيع ومنذ اليوم أن نتّخذ قراراً بعدم السماح بتعقّبنا من الآن فصاعدا.
تقول جيني جيبهارت، مديرة الحقوق الرقمية في منظّمة «إلكترونيك فرونتيير فاونديشن» (منظّمة الحدود الإلكترونية) غير الربحية التي تتابع المسائل المتعلّق بالخصوصية: «نقف اليوم أمام مفترق طرق. تبحث الشركات التي تحقّق أرباحاً عن طريق استهداف مستخدميها بالإعلانات، ومنها غوغل عن وسيلة جديدة للاستمرار بهذه المسرحية. لقد حان وقت حصول المستخدمين على المعرفة اللازمة ليحدّدوا خيارهم».
على عكس محرّكات البحث التقليدية، تأتي المتصفّحات الشخصية بأشكالٍ عديدة وتخدم أهدافاً مختلفة.
اختبارات ميدانية
على مدارِ أسبوعٍ كاملٍ، اختبرتُ ثلاثة متصفّحات من هذا النّوع هي «داك داك غو» و«بريف» و«فايرفوكس فوكوس» Firefox Focus وتفاجأتُ باقتناعي أخيراً بالانتقال إلى متصفّح «برايف» واعتماده محرّك بحث رئيسي على هاتفي الآيفون. وإليكم ما حصل.
*ما المتصفّح الخاص؟ من المهمّ جداً أن نعرف ما تفعله المتصفّحات الخاصّة وما الذي لا تفعله ولهذا السبب، سنلقي نظرة على ما تخفيه.
تضمّ المتصفّحات الخاصّة عادة تقنيات شبكية تستخدم منذ سنوات:
- تعتمد على ما يُسمّى الوضع الخاص والذي يُعرف أيضاً بالوضع الخصوصي private mode، وهو جلسة تصفّح لا تسجّل تاريخاً عن المواقع الإلكترونية التي زرتموها. يعتبر هذا الأمر مفيداً لكم إذا كنتم لا ترغبون بأن يتمكّن أشخاصٌ آخرون من الدخول إلى جهازكم للتلصّص عليكم.
- تستخدم المتصفّحات الخاصّة أيضاً ما يُعرف بحاجبات المتعقّبات tracker blockers التي يتمّ غالباً تحميلها كبرنامج إضافي في المتصفّح. تعتمد الحاجبات على لائحة من المتعقّبات المعروفة التي تجمع المعلومات المتعلّقة بهوية المستخدم. عند تحميلكم لأي موقعٍ إلكتروني، يرصد البرنامج هذه المتعقّبات ويمنعها من ملاحقتكم من موقعٍ إلى آخر. ولكنّ الجانب السلبي المؤثّر لهذه المقاربة هو أنّ حجب هذه البرامج قد يؤدّي إلى انهيار بعض المواقع الإلكترونية وتعطّل بعض العناصر كبطاقات التبضّع والفيديوهات.
تشغّل المتصفّحات التي تركّز على الخصوصية عادة وضع الخصوصية غيابياً أو تبادر إلى حذف تاريخ تصفّحكم بشكلٍ تلقائي فور مغادرتكم لها. تضمّ المتصفّحات أيضاً وسائل وقائية مدمجة لردّ التعقّب تتيح لها حجب المتعقّبات التي تستخدم مقاربات تضعف تفكيك المواقع الإلكترونية.
ولكنّ المتصفّحات الخاصّة لا تمنع مزوّد خدمة الإنترنت من الاطلاع على المواقع الإلكترونية التي تزورونها. لذا، إذا كنتم في عطلة واستخدمتم اتصال الواي - فاي المتوفّر في الفندق، فلن يستطيع المتصفّح الخاص حجب معلومات تصفّحكم عن مزوّد خدمة الإنترنت هناك. لهذا النّوع من الحماية، يجب الاتصال بشبكة خاصّة افتراضية وهي عبارة عن تقنية تعتمد على نفقٍ افتراضي يحمي معلومات التصفّح الخاصّة بكم.
فروق بين المتصفحات
*تعرّفوا على الفروق بين المتصفّحات الخاصّة. تتشابه متصفّحات «فايرفوكس فوكوس» و«داك داك غو» و«برايف» بين بعضها ولكنّها أيضاً تخفي فروقات مهمّة.
- يضمّ متصفّح «فايرفوكس فوكوس» المتوفّر على الأجهزة المحمولة فقط كالآيفون وهواتف الآندرويد الذكية، المكوّنات الأساسية التي يُبحث عنها عادة في أي متصفّح. يطبع المستخدم فيه عنواناً إلكترونياً، وعند الانتهاء من التصفّح، يمكنه النقر على رمز القمامة لحذف الجلسة، فضلاً عن أن مغادرة التطبيق تؤدّي إلى حذف التّاريخ تلقائياً. عند تحميلكم لأي موقعٍ إلكتروني، يعتمد المتصفّح على قاعدة بيانات للمتعقّبات لتحديد التي تستوجب الحجب منها.
- يتوفّر «داك داك غو» أيضاً للأجهزة المحمولة فقط ولكنّه متصفّح أكثر تقليدية، ما يعني أنّه يتيح لكم تحديد إشارات مرجعية وفتح أكثر من نافذة تصفّحية.
عندما تستخدمون شريحة البحث فيه، يستعيد المتصفّح النتائج من محرّك بحث «داك داك غو» الذي تدّعي الشركة المالكة له أنّه أكثر تركيزاً على الخصوصية لأنّ إعلاناته لا تتعقّب سلوك المستخدمين الإلكتروني. علاوة على ذلك، يمنع «داك داك غو» المتعقّبات الإعلانية من التحميل. عند الانتهاء من التصفّح، انقروا على رمز الشعلة في أسفل الشّاشة لحذف الجلسة.
- بدوره، يعتبر «برايف» أيضاً أقرب إلى المتصفّحات التقليدية المزوّدة بتقنية مقاومة للتعقّب وبمزايا كالإشارات المرجعية وتعدّد النوافذ. يضمّ هذا المتصفّح وضع الخصوصية الذي يجب تشغيله إذا كنتم لا ترغبون بوصول الآخرين إلى تاريخ تصفّحكم.
يتّسم «برايف» بالصرامة لجهة حجب المتعقّبات إلى درجة أنه يمنع الإعلانات من الظهور بشكلٍ كامل بينما يحجب المتصفّحان الآخران الإعلانات بوتيرة أقلّ.
يعتبر معظم النّاس عدم ظهور الإعلانات مكسباً لهم. أمّا بالنسبة لأولئك الذين يريدون ردّ جميل ناشرٍ تمّ حجب إعلاناته، يستضيف «برايف» شبكة خاصّة للإعلانات يمكنكم استخدامها. ومقابل مشاهدة إعلانات لا تتعقّب سلوككم، ستحصلون على نسبة من العائدات على شكلِ عملة رمزية يمكنكم منحها للمواقع التي تحبّونها. (تجدر الإشارة إلى أنّ هذه العملات تُعطى للمواقع التي تجمعها شراكة ببرايف فقط).
معركة المتصفّحات
اختبرتُ المتصفّحات الثلاثة المذكورة أعلاه على هاتفي الآيفون واستخدمتُ كلّ واحدٍ منها كمتصفّح رئيسي لبضعة أيّام. ووجدتُ أنّ ثلاثتَها تضمّ زراً يتيح للمستخدم معرفة عدد المتعقّبات التي حُجبت عند تحميل المواقع. لاختبار هذا الزر، زرتُ موقع صحيفة «نيويورك بوست» الذي يحمّل 83 متعقّباً دون أي إجراءات وقائية. وكان عدد المتعقّبات المحجوبة 15 في «داك داك غو» و22 في «برايف»، بينما حجب «فاير فوكس فوكوس» 45 من أصل 83.
ولكنّ هذه الأرقام لا تكشف القصّة الكاملة، فقد عمل متصفّح «فايرفوكس فوكوس» أحياناً على تفكيك عناصر المواقع الإلكترونية ما أدّى إلى فشل تحميل الفيديوهات، وعدم إقفال نوافذ الإعلانات على بعض المواقع.
شرحت سيلينا ديكلمان، مسؤولة تنفيذية في شركة «موزيلّا» التي تملك «فايرفوكس» أنّ الإجراءات الحمائية الصارمة في «فايرفوكس فوكوس» يمكن أن تؤدّي أحياناً إلى انهيار المواقع الإلكترونية، وأنّ الشركة عملت مع الناشرين لضمان تحميل مواقعهم بشكلٍ صحيح.
لم أعان من مشاكل كثيرة عندما استخدمتُ «برايف» أو «داك داك غو» رغم بعض العلل الصغيرة. في حالة واحدة فقط، كنتُ أستخدم «داك داك غو» لتصفّح موقع «واير كاتر» المتخصص في تقييم المنتجات الجديدة التّابع لصحيفة «نيويورك تايمز»، وغابت أسماء بعض المنتجات بسبب فشله في تحميلها رغم استمرار الموقع بالعمل بشكلٍ طبيعي، ما بدى لي غريباً بعض الشيء.
وأخيراً، أعتقد أنّكم ستشعرون بالرّاحة لاستخدام أي من هذه المتصفّحات الخاصّة حتّى ولو لم تجعلوه متصفّحكم الرئيسي لأنّه ضروري جداً في بعض الأبحاث الحسّاسة كتلك المرتبطة بصحّتكم على شبكة الإنترنت.
أمّا بالنسبة لي، فيجب أن أعترف أنّ «برايف» أذهلني لأّنه حمّل مواقعي المفضّلة دون مشاكل ومنحني شعوراً بالرضا عندما أتاح لي تصفّحها دون إعلانات، فضلاً عن المرونة التي منحني إيّاها لمشاهدة الإعلانات التي أريدها في أي وقت. من جهته، قال بريندان إيتش، المسؤول التنفيذي في «برايف»، إنّ متصفّح الشركة يحجب ملفّات تعريف الارتباط «دون رحمة. إذا استخدم النّاس برايف بأعداد كبيرة، لا شكّ في أنّه سيقضي على الاقتصاد القائم على التعقّب».
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

خاص يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يرى باحثون أن صعود الذكاء الاصطناعي السيادي يعيد تشكيل خريطة الحوسبة العالمية في ظل تحوّلٍ من نموذج السحابة المشتركة إلى سيطرة معمارية على البيانات والموارد.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تطبيقات استوديو «أبل» للمبدعين (أبل)

لماذا يختار بعض صُنّاع المحتوى «أبل»… ويتمسّك المحترفون بـ«أدوبي»؟

«أبل» تراهن على التكامل بين الأجهزة والسرعة والبساطة لصانع المحتوى اليومي، بينما ترتكز «أدوبي» على العمق والمرونة والأدوات الاحترافية للمشاريع المعقّدة.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا «نوت بوك إل إم» أداة ذكاء اصطناعي مجانية عظيمة الفائدة

«نوت بوك إل إم» أداة ذكاء اصطناعي مجانية عظيمة الفائدة

يشكل «نوت بوك إل إم» NotebookLM أداة الذكاء الاصطناعي المجانية الأكثر فائدة خلال عام 2025؛ إذ يتميّز بقدرتين رائعتين: أولاً- يمكنك استخدامه للعثور على مجموعة.

جيرمي كابلان (واشنطن)
تكنولوجيا تدعم جميع المتصفحات الإضافات التي تطور من قدراتها عبر نظم التشغيل المختلفة

«جواسيس في متصفحك»: إضافات تعزيز الإنتاجية تتحول إلى كابوس أمني

تُعدّ إضافات المتصفح Browser Extensions اليوم جزءاً لا يتجزأ من تجربة المستخدم الرقمية، حيث تَعِد بتحويل المتصفح البسيط إلى أداة عمل خارقة قادرة على الترجمة .

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا ينتقل الذكاء الاصطناعي في القطاع المصرفي من مرحلة التجارب إلى التشغيل واسع النطاق ليصبح جزءاً من البنية الأساسية لاتخاذ القرارات الحساسة (شاترستوك)

الذكاء الاصطناعي في العمل المصرفي… هل يتحول من أداة مساعدة إلى بنية أساسية؟

يدخل الذكاء الاصطناعي العمل المصرفي بوصفه بنية أساسية، حيث تُدار القرارات آلياً، وتقاس الثقة رقمياً، وتتصاعد تحديات الحوكمة، والبيانات، والاحتيال.

نسيم رمضان (لندن)

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
TT

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات «بتكوين» بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار على عملاء بوصفها مكافآت ترويجية عن طريق الخطأ، ما أدى إلى موجة بيع حادة على المنصة.

واعتذرت «‌بيثامب» عن ‌الخطأ الذي ‌وقع ⁠أمس ​الجمعة، ‌وقالت إنها استعادت 99.7 في المائة من إجمالي 620 ألف «بتكوين» بقيمة تبلغ نحو 44 مليار دولار بالأسعار الحالية. وقيدت عمليات التداول والسحب ⁠على 695 عميلاً متأثراً بالواقعة في ‌غضون 35 دقيقة ‍من التوزيع ‍الخاطئ أمس.

وأفادت تقارير إعلامية بأن ‍المنصة كانت تعتزم توزيع مكافآت نقدية صغيرة في حدود 2000 وون كوري (1.40 دولار) ​أو أكثر لكل مستخدم في إطار حدث ترويجي، لكن ⁠الفائزين حصلوا بدلاً من ذلك على ألفي «بتكوين» على الأقل لكل منهم.

وقالت «‌بيثامب» في بيان: «نود أن نوضح أن هذا لا علاقة له بقرصنة خارجية أو انتهاكات أمنية، ولا توجد مشاكل في أمن النظام ‌أو إدارة أصول العملاء».


«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
TT

«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)

طوّر علماء صينيون مولّد طاقة فائق القوة وصغير الحجم، في خطوة تمهّد الطريق لتطوير أسلحة من الجيل القادم قد تُستخدم يوماً ما ضد أسراب الأقمار الاصطناعية، مثل كوكبة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت أسلحة الموجات الدقيقة عالية الطاقة اهتماماً متزايداً بوصفها بديلاً منخفض التكلفة للصواريخ والبنادق التقليدية، نظراً لقدرتها شبه غير المحدودة على إطلاق النبضات.

وفي هذا السياق، يُجري باحثون في الولايات المتحدة، وروسيا، والصين على وجه الخصوص، دراسات مكثفة حول إمكانية تطوير هذه التقنية إلى أسلحة طاقة موجهة قادرة على تعطيل الأقمار الاصطناعية.

ويُعدّ تدمير قمر اصطناعي في الفضاء مهمة بالغة التعقيد، إذ من المرجح أن تُخلّف الأسلحة التقليدية كميات كبيرة من الحطام المداري، ما قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، بما في ذلك تهديد الأقمار الاصطناعية التابعة للدولة المنفذة نفسها.

ومن الناحية النظرية، يمكن لأسلحة الموجات الدقيقة تعطيل الأقمار الاصطناعية مع توليد قدر محدود من الحطام، فضلاً عن إتاحة قدر من «الإنكار المعقول»، وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية واضحة.

وتعتمد هذه الأسلحة على مبدأ تخزين الطاقة الكهربائية ثم إطلاقها دفعة واحدة على شكل نبضة قوية، على غرار آلية عمل ملف تسلا.

وتُستخدم هذه النبضة الهائلة من الطاقة في تشغيل مولدات الموجات الدقيقة، التي تعمل بدورها على تعطيل الأنظمة، والأجهزة الإلكترونية.

شاشة تظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

وحتى وقت قريب، كانت غالبية النماذج الأولية لهذه المولدات النبضية ضخمة الحجم، إذ بلغ طولها 10 أمتار على الأقل، ووزنها أكثر من 10 أطنان، ما جعل دمجها في أنظمة الأسلحة الصغيرة أو المتحركة أمراً بالغ الصعوبة.

غير أنّ دراسة حديثة أجراها علماء صينيون من معهد شمال غربي الصين للتكنولوجيا النووية (NINT) أظهرت تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، حيث استخدم الباحثون مادة عازلة سائلة خاصة تُعرف باسم «ميدل 7131»، ما أتاح تحقيق كثافة أعلى لتخزين الطاقة، وعزلاً أكثر قوة، وتقليلاً لفقدان الطاقة، وأسهم في تصميم جهاز أصغر حجماً، وأكثر كفاءة.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة: «من خلال استخدام مادة عازلة سائلة عالية الكثافة للطاقة تُعرف باسم (ميدل 7131)، إلى جانب خط تشكيل نبضات مزدوج العرض، تمكنت الدراسة من تصغير حجم محول تسلا المتكامل، ونظام تشكيل النبضات».

وبحسب الدراسة، يبلغ طول الجهاز الجديد أربعة أمتار فقط (13 قدماً)، ويزن خمسة أطنان، ما يجعله أول جهاز تشغيل صغير الحجم في العالم لسلاح الميكروويف عالي الطاقة.

ويُعرف هذا الجهاز باسم TPG1000Cs، وهو صغير بما يكفي ليُثبت على الشاحنات، والطائرات، بل وحتى على أقمار اصطناعية أخرى، وفقاً لما أفاد به الباحثون.

وأشار الباحثون إلى أن «النظام أظهر استقراراً في التشغيل لمدة دقيقة واحدة متواصلة، حيث جُمعت نحو 200 ألف نبضة بأداء ثابت».

ويؤكد خبراء أن سلاح ميكروويف أرضياً بقدرة تتجاوز 1 غيغاواط (GW) سيكون قادراً على تعطيل وتدمير آلية عمل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية في مدارها بشكل كبير.

وذكر الباحثون، بحسب ما نقلته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، أن جهاز TPG1000Cs قادر على توليد نبضات كهربائية فائقة القوة تصل إلى 20 غيغاواط.

وتأتي هذه التطورات في وقت نشرت فيه الصين عدداً من الدراسات التي تشدد على ضرورة إيجاد وسائل فعالة لتعطيل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك.


الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد قصة برمجيات. فمع تسارع الحكومات في تنفيذ استراتيجياتها الرقمية، واندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب العمليات المؤسسية، يتحوّل النقاش من التطبيقات إلى البنية التحتية، تحديداً من يملكها وأين تُدار وكيف تُبنى. فالمفهوم الذي يتصدر هذا الجدل اليوم هو «السيادة».

غير أن السيادة في سياق الذكاء الاصطناعي ليست مجرد شعار جيوسياسي، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في فهم الدول والشركات لمخاطر المرحلة الجديدة، خصوصاً في عصر النماذج اللغوية الكبرى.

فالحوسبة السحابية التقليدية أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد أضاف بُعداً مختلفاً. إذاً ماذا يحدث عندما تتعلّم النماذج من بيانات حساسة بطرق يصعب عكسها؟

يجيب سامي عيسى، الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»، بأنه «لا يوجد في عالم الذكاء الاصطناعي ما يُسمى بالحق في النسيان. إذا تعلّم نموذج لغوي أسرار نموذج عملي التجاري، فمن شبه المستحيل إقناعه بإلغاء ما تعلّمه». ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن الفارق بين تخزين البيانات وترميزها داخل أوزان النموذج «هو ما يدفع باتجاه مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي».

سامي عيسى الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»

السيادة بالهندسة المعمارية

يمكن النظر إلى السيادة من زاويتين؛ الأولى قائمة على التشريعات والضوابط التعاقدية، والثانية قائمة على البنية الهندسية ذاتها. السيادة بالسياسة تعتمد على القوانين والاتفاقات، لكن تنفيذ تلك الضوابط يصبح معقّداً حين يكون «التسرّب» غير قابل للاسترجاع. ويقول عيسى إن «التسرّب لا يمكن استعادته ولا يمكنك أن تطلب من النموذج أن ينسى».

وهنا تظهر فكرة «السيادة بالهندسة المعمارية»، أي بناء بيئات حوسبة معزولة ومخصصة بالكامل لجهة واحدة، بحيث لا تكون مشتركة مع أطراف أخرى. وفي هذا النموذج، تكون البنية التحتية «مفصولة مادياً» (air-gapped)، ولا يشاركها أي عميل آخر.

المنطق واضح، فإذا كانت النماذج التوليدية تستمد قيمتها من بيانات حساسة كالنماذج التجارية أو الشيفرات الجينية أو البنى المالية، فإن التحكم المعماري يصبح أداًة استراتيجيةً لحماية هذه القيمة. فالسيادة هنا ليست انعزالاً، بل إدارة واعية للمخاطر طويلة الأمد.

الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي

على مدى عقدين تقريباً، أعادت الحوسبة السحابية تشكيل البنية الرقمية للشركات. لكن حتى اليوم، لم تنتقل غالبية بيانات المؤسسات بالكامل إلى السحابة العامة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ البعض يعيد النظر.

يرى عيسى أنه «بعد 15 أو 20 عاماً من الحوسبة السحابية، لم تنتقل نسبة كبيرة من بيانات المؤسسات إلى السحابة. أما الآن، في عصر الذكاء الاصطناعي، نرى بعضهم ينسحب». ويُرجع عيسى السبب ليس إلى أساس عاطفي بل بنيوي، ويقول: «في الحوسبة التقليدية، يمكن فصل البيانات، أما في النماذج اللغوية، فإن المعرفة تصبح جزءاً من تكوين النموذج نفسه. لكن هل يعني ذلك أن الحوسبة السحابية والسيادة في مسار تصادمي؟».

يرد عيسى قائلاً: «أعتقد أن الأمر كذلك، فالذكاء الاصطناعي سرّع هذا الاتجاه»، موضحاً أن المقصود ليس نهاية الحوسبة السحابية، بل ظهور بنى مزدوجة. إنها بيئات سحابية مشتركة للأعمال العامة وبيئات سيادية مخصصة للتطبيقات الاستراتيجية.

النماذج اللغوية تجعل مسألة «السيادة» أكثر إلحاحاً لأن المعرفة التي تتعلّمها لا يمكن استرجاعها أو محوها بسهولة (غيتي)

مخاطر البطء أكبر من مخاطر الإسراف

بينما يتخوف بعض صناع القرار من الإفراط في الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يرى عيسى أن الخطر الأكبر هو التردد، ويشرح أن «مخاطر التقليل في الاستثمار أكبر من مخاطر الإفراط فيه»، وأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تدريجي في السرعة أو السعة، بل يعيد تعريف نماذج الإنتاجية والخدمات. ويصف عيسى ما يحدث بأنه «ليس مجرد قفزة تقنية بل طريقة مختلفة تماماً في التفكير بالأعمال وخلق القيمة». ويشدد على أنه بالنسبة للدول التي تسعى إلى التحول لمراكز للذكاء الاصطناعي، «فإن التأخير قد يعني خسارة سباق استقطاب المواهب».

البنية التحتية وحدها لا تكفي

الاستثمار في مراكز البيانات لا يحل المشكلة بالكامل، فالموهبة هي العامل الحاسم. ويفيد عيسى خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» بأن «الموهبة تحتاج إلى وقت، وأن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يتطلب طيفاً واسعاً من الكفاءات؛ مهندسي كهرباء ومختصي طاقة وخبراء مراكز بيانات ومطوري برمجيات وباحثي تعلم آلي وغيرهم». ويلفت عيسى إلى أن «أي تقنية تعزز الإنتاجية تؤثر في سوق العمل لكنها تخلق أيضاً وظائف جديدة»، ويضرب مثالاً توضيحياً كنجاح وادي السيليكون «الذي لم يكن نتيجة بنية تحتية فقط، بل نتيجة منظومة تعليمية ومؤسسية بُنيت على مدى عقود»، ويضيف: «إذا أردت أن تصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي، فإن أهم قرار معماري هو أن تبدأ الآن».

تتجه بعض المؤسسات إلى نماذج سيادية معمارية مخصّصة بدل الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية المشتركة (غيتي)

السيادة... لكن مع ترابط عالمي

ألا تعني السيادة الاستقلال الكامل؟ يرد عيسى قائلاً إن «السيادة الكاملة دون أي ترابط هي خيال. فإنتاج الشرائح المتقدمة، على سبيل المثال، لا يزال يعتمد إلى حد كبير على مصانع خارجية... لذلك، السيادة مفهوم نسبي»، ويزيد: «هناك درجات من السيادة يمكن تحقيقها...لكن 100 في المائة سيادة؟ حتى العالم بأكمله لا يستطيع ذلك».

بالنسبة للدول ذات الطموحات الكبيرة والموارد المحدودة، يظل السؤال قائماً: كيف تلحق بالركب؟ يحذر عيسى من أن «هذه ليست ثورة تكنولوجية يمكن أن تتأخر عنها ولا يمكنك أيضاً أن تنتظر عشر سنوات بينما تستمتع الدول المجاورة بمكاسب الإنتاجية». الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع واحد، بل قطاعات بأكملها.

في النهاية، قد لا يكون الجدل حول السيادة مجرد صراع جيوسياسي، بل تحوّل اقتصادي عميق. فالتحكم في بيئات تدريب النماذج قد يصبح عاملاً استراتيجياً يعادل أهمية الموارد الطبيعية في مراحل سابقة. لكن، كما يختتم عيسى، فإن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على العتاد «حيث إن بناء الموهبة يحتاج إلى وقت واستثمار طويل الأمد».