هنرييش هاينه... الشعر والحب

لعب دوراً إيجابياً في التقريب بين الشعوب الأوروبية التي كانت متعصبة قومياً

هنرييش هاينه
هنرييش هاينه
TT

هنرييش هاينه... الشعر والحب

هنرييش هاينه
هنرييش هاينه

ولد الشاعر هنرييش هاينه في مدينة دوسلدورف بألمانيا عام 1797 ومات مقعداً غريباً في باريس عام 1856 عن عمر يقارب الستين. وبما أنه من أصول أقلوية يهودية فقد علّق آمالا كبيرة على فلسفة التنوير الكونية وابتعد كثيراً عن انتمائه الديني، بل وحاول طمسه كلياً لكي يلتقي مع الآخرين على أرضية واسعة مشتركة تضم الجميع. وهو ذات الشيء الذي فعله معاصره كارل ماركس. فماركس أيضاً كان من عائلة يهودية ولكنها غيرت دينها وأصبحت مسيحية بروتستانتية قبيل ولادته. ومعلوم أن ماركس تحرر من الطائفية كلياً ودعا الأقليات إلى عدم التقوقع على الذات، وإنما الانفتاح على العناصر التقدمية المتحررة لدى الأغلبية والعمل معهم من أجل عصر تنويري جديد يتساوى فيه الجميع في الحقوق والواجبات أمام دولة القانون والمؤسسات. وهذا ما حصل في ألمانيا بعد موت هاينه وماركس بجيل أو جيلين. ثم أصبح نظام المواطنة المتساوية راسخاً حالياً في كل أنحاء أوروبا الحديثة. فلم يعد الألماني يتساءل بينه وبين نفسه إذا ما التقى ألمانياً آخر بالصدفة لأول مرة في دولة أجنبية: هل هو يا ترى كاثوليكي أم بروتستانتي؟ هل هو من مذهبي أم لا؟ وإنما كل ما يهمه هو أنه ألماني مثله يتكلم اللغة الألمانية وينتمي إلى تراثها الطويل العريض. أما طائفته أو مذهبه فهذا آخر ما يفكر فيه.
في عام 1871 قرر هنرييش هاينه مغادرة ألمانيا والاستقرار في باريس عاصمة الحضارة والثقافة الأوروبية في ذلك الزمان. ومن لا يعشق باريس ويرغب أن يقيم فيها يوماً ما كما فعل همنغواي وجويس وبيكيت وعشرات المبدعين الآخرين؟ باريس ضرورية للتنفس والإبداع والحياة البوهيمية والتسكع، خصوصاً التسكع على غير هدى... وكان مشاءً كبيراً، والمشي لا نهاية له في مدينة كعاصمة النور. إنه متعة ما بعدها متعة. وقد سبق بودلير إلى معاشرة «البنات» في الحي اللاتيني قبل أن يتعرف على امرأة فرنسية أحبته وساعدته كثيراً وجعلته يستقر. والمرأة مفتاح الوطن عادة. المرأة هي بحد ذاتها وطن.
وكثيراً ما كان يغير سكنه، ولكنه لم يكن يبارح حي مونمارتر الشعبي إلا قليلاً. ومعلوم أنه على هضبة المونمارتر توجد كنيسة جميلة تدعى: القلب المقدس. لاحظوا الاسم! وهي تطل إطلالة بانورامية رائعة على باريس ويتجمع حولها الفنانون ورسامو «البورتريهات» أو الصور الشخصية... وفي ذلك الوقت كان يتردد كثيراً على الاشتراكيين الطوباويين وفي طليعتهم المفكر الكبير سان سيمون. في الواقع أن هاينه كان شاعراً رومانطيقيا قبل كل شيء، ثم دعا إلى تجاوز المدرسة الرومانطيقية لاحقاً. ولكنه كان أيضاً صحافياً ومفكراً منخرطاً في هموم عصره وقضاياه. لقد جمع بين الشعر والفكر والأدب. وهو على أي حال أحد كبار الشعراء الألمان في القرن التاسع عشر.
ينبغي العلم بأن باريس كانت عاصمة الحرية في ذلك الزمان إذا ما قسناها بالمدن الألمانية التي كانت لا تزال محكومة من قبل الإقطاع والأصولية والاستبداد. فباريس بعد نصف قرن من الثورة الفرنسية كانت تؤمّن للكاتب حرية التفكير والنشر والتعبير إلى حد لا يستهان به. أما السلطات الرجعية الجرمانية فكانت قد أدانت عصبة «ألمانيا الفتاة» التي ينتمي إليها هاينه مع آخرين عديدين. وهي جماعة تدعو إلى تجديد الأدب والحياة السياسية الألمانية على غرار ما حصل في فرنسا. كانت ذات توجه ليبرالي واضح معادٍ للطائفية والعقلية الإقطاعية القديمة والكهنوت. ومعلوم أن الأتراك قلدوها عندما أسسوا هم أيضاً جمعية «تركيا الفتاة». والعلاقة بين الأتراك والألمان قديمة تماماً كالعلاقة بين المغاربة بالمعنى الواسع للكلمة وفرنسا. وبعد أن استقر في باريس راح هاينه يلعب دور الوسيط الثقافي بين ألمانيا وفرنسا فقد عرّف الفرنسيين على الفكر الألماني وعرّف الألمان على التيارات الفكرية والأدبية الفرنسية. وهكذا أصبح جسراً ثقافياً بين البلدين والحضارتين. وهذا ما يفعله المثقفون العرب المقيمون في باريس أو لندن إلخ... فهم أيضاً جسر ثقافي بين لغتين وأدبين وعالمين... وما أجمل الجسور! ما أجمل التفاعل الإيجابي مع الحضارات والثقافات الأخرى. لماذا التقوقع على الذات؟ ولكن لا ينبغي أن نفقد خصوصيتنا أيضاً ونذوب في الآخرين. لا إفراط ولا تفريط.
وهكذا لعب دوراً إيجابياً في التقريب بين الشعوب الأوروبية التي كانت متعصبة قومياً آنذاك. وكثيراً ما كانت تخوض الحروب ضد بعضها بسبب هذه العصبيات القومية بين الفرنسيين والإنجليز والألمان... ومعلوم أنه ألّف كتاباً مهماً عن تاريخ الدين والفلسفة في ألمانيا لتعريف الفرنسيين بذلك. كما كتب العديد من المقالات عن الحياة الأدبية والمسرحية والسياسية الفرنسية لتعريف الألمان بها. والواقع أن هنرييش هاينه كان يمتلك كل المواهب التي تجعل من الإنسان كاتباً. فقد كان حساساً جداً، ملتهب المشاعر والأخيلة، بارعاً في أسلوب الكتابة. ويبدو أن أمه أثرت على طبيعته وتوجهاته. ومعلوم أنها كانت مثقفة تتقن عدة لغات كالفرنسية، والإنجليزية، واللاتينية، هذا بالإضافة إلى الألمانية بالطبع. وكانت متأثرة جداً بجان جاك روسو، وقد ربت ابنها على محبته. وهذا يعني أنها كانت أماً رائعة. فمن لا يحب جان جاك روسو، أعظم كاتب في العصور الحديثة؟
ألم يقل غوته: فولتير أغلق عصره، وأما روسو فقد دشن العصر الآخر؟ ألم يرثه هولدرلين بقصيدة عصماء؟ بالمناسبة: جنون هولدرلين وهو في عز الشباب ألا يعلو على كل شعر أو نثر؟ أليس الجنون بحد ذاته أعظم صرخة احتجاجية على خواء العالم؟...
ومن باريس كتب هاينه قصيدة حنين إلى ألمانيا يقول فيها:
«آه يا ألمانيا، يا حبي البعيد! عندما أفكر فيكِ تصعد الدموع إلى عيني، وفرنسا المرحة تبدو لي كئيبة. وشعبها اللطيف يبدو لي مزعجاً ثقيلاً. وحده الحس الصائب البارد والناشف يرين في باريس. آه يا أجراس الجنون! آه يا أجراس الإيمان. كم يبدو وقع رنينكما حلواً على قلبي!
يخيل لي أني أسمع من بعيد بوق الحارس الليلي. إنه لصوت أليف وحنون. أغاني الحارس الليلي تعبر المسافات حتى تصل إلى قلبي مختلطة بتغاريد العندليب».
هكذا نلاحظ أن هاينه لم يستطع أن ينسى ألمانيا رغم أنها أهانته وعذبته بل وطردته. فذكريات الطفولة والشباب الأول لا يمكن أن تنسى. والشاعر الغريب حتى ولو كان سعيداً في منفاه يظل غريباً فلا شيء يعوض عن الوطن إلا الوطن. ولكن الوطن الألماني في ذلك الزمان ما كان يرحب بكتابه وشعرائه. كان لا يزال مستبداً يكره المثقفين ويحارب ميلهم غير المفهوم للحرية والتنفس والانطلاق. وعدد المثقفين الألمان المنفيين كان كبيراً جداً آنذاك. ومعظمهم كان يتوجه إما إلى باريس، وإما إلى لندن.
وأكبر مثال على ذلك كارل ماركس الذي هرب إلى بروكسل وباريس أولاً قبل أن يستقر في لندن لاحقاً. ومعلوم أن ماركس كان أكبر «متسكع» في أوروبا كما تقول الكاتبة فرانسواز جيرو.
كتب هاينه مرة إلى أحد أصدقائه يقول: «كنت مريضاً وتعيساً لفترة طويلة من حياتي. ولكني الآن لم أعد كذلك. أو قل إني مريض وتعيس إلى حد النصف فقط. وربما كانت هذه الحالة تمثل أقصى ما يمكن من السعادة على هذه الأرض. فلا يمكن أن نطلب من الحياة أكثر مما تستطيع».
كان هنرييش هاينه ينتمي إلى جيل الاحتراق والعبور: أي الجيل الذي عمل من أجل التنوير والتغيير. ولكن لم يتح له القدر أن يكحل عينه به، لم يعش الوقت الكافي لكي يستمتع به ويقطف ثماره. وأعتقد أن هذه هي حالتنا نحن المثقفين العرب. وقد صدرت عنه هذه العبارة العميقة وشديدة الدلالة في المقارنة بين الفرنسيين والألمان. قال إن الألمان أحدثوا الثورة الكبرى على المستوى الفلسفي ضد العهد الاقطاعي الأصولي اللاهوتي القديم. وقد تم ذلك على يد كانط وفيخته وهيغل. وهذا هو مغزى الفلسفة المثالية الألمانية التي هي أكبر فلسفة في العصور الحديثة. أما الفرنسيون فقد أحدثوا الثورة ضد هذا العهد القديم بالذات على المستوى السياسي عندما اندلعت الثورة الفرنسية. وهي أكبر زلزال حصل في تاريخ العصور الحديثة. وبالتالي فهما ثورتان متكاملتان: ثورة الفكر، وثورة السياسة. الأولى للألمان والثانية للفرنسيين.
ولكن الأمور أكثر تعقيداً من ذلك. فالفرنسيون أحدثوا أيضا ثورة فكرية قبل أن يحدثوا ثورة سياسية. وإلا فما معنى فولتير وديدرو وجان جاك روسو؟

من شعره

مقطع صغير

كل تعاستي وآلامي
وضعتها في هذا الكتاب
وعندما تفتحونه
سوف تقرأون في قلبي

ربيع جديد

سوف أتغلغل بين الأزهار
وأنا أيضا سأتفتح
سأتغلغل كالأحلام
وأترنح في كل خطوة
آه! أمسكيني يا حبيبتي
لكيلا أسقط كالسكران
على قدميك
والحديقة ملأى بالناس

من أقوال هاينه

حب جنوني: كلام فارغ. هل يمكن للحب أن يكون إلا جنونا؟
المؤرخ هو نبي ينظر إلى الخلف!
المجد للأجيال القادمة: سوف تكون أجمل منا وأكثر سعادة
الخبرة مدرسة جيدة ولكنها تكلف غالياً
ينبغي أن نغفر لأعدائنا، لكن ليس قبل أن نراهم مشنوقين!



إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.