«علي الزيبق» و«روبن هود» بطلان في قفص «الخروج على القانون»

أميرة مروان تكشف عن المشترك الإنساني بينهما في كتاب جديد

«علي الزيبق» و«روبن هود» بطلان في قفص «الخروج على القانون»
TT

«علي الزيبق» و«روبن هود» بطلان في قفص «الخروج على القانون»

«علي الزيبق» و«روبن هود» بطلان في قفص «الخروج على القانون»

يكشف كتاب «مغامرات الشطار بين الثقافة العربية والإنجليزية» للباحثة أميرة مروان، المشترك الإنساني بين «علي الزيبق» الذي عاش في العصر العباسي ما بين بغداد والقاهرة، و«روبن هود» الذي عاش في بريطانيا بعد ذلك بعدة قرون. ويرصد الكتاب هالتهما الأسطورية، والعلائق التي جمعت بينهما، ونظرتهما للحياة بعين الخارج على القانون، حتى أصبحا على مر الزمان بطلين شعبيين ملهمين للشعراء وصناع السينما والدراما.
تشتغل الباحثة على هذه المفارقة في كتابها الذي يقع في 348 صفحة من القطع الكبير، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، عبر دراسة تطبيقية تتناول قصص وحكايات وبطولات هذين النموذجين بوصفها إبداعاً فنياً شعبياً من تأليف العامّة واختراعهم.

نموذج «علي الزيبق»

جاءت أول إشارة لـ«علي الزيبق» في نهاية الليلة الثامنة بعد السبعمائة من ألف ليلة بعنوان «حكاية علي الزيبق المصري مع السقاء»، وهي الحكاية الوحيدة التي دارت أحداثها في مصر، وفيها يلتقي «الزيبق» مع السقاء الذي يحمل له رسالة سفره إلى بغداد ويعطيه عشرة دنانير بشارة. يتوجه «الزيبق» ليخبر صبيانه ويستعد للسفر إلى بغداد، وفي أثناء سفره يتعرض لمغامرتين تبرزان شجاعته؛ إحداهما قتله السبع البرّي الذي كان يعترض القوافل، والأخرى قتله قاطع طريق وأتباعه باستخدامه حيلة من حيله. وبعد أن ينتهي من رحلته ويصل إلى بغداد يعيش عدداً من المواقف الصعبة والمغامرات الشيقة تجتمع فيها شخصيات فرعية مثل «دليلة المحتالة» و «عِذرا اليهودي»، حيث تنتهي القصة بتخصيص الخليفة قاعة لـ«الزيبق» تَسَع أربعين صبياً من صبيانه، وزواجه بأربع بنات كاملات الحسن والجمال. ويختم الراوي في «ألف ليلة» القصةَ خاتمةً مؤثرة بقوله: «ثم بعد ذلك اتفق أن عليا المصري سهر عند الخليفة ليلة من الليالي فقال له الخليفة: مرادي يا علي أن تحكي لي جميع ما جرى لك من الأول إلى الآخر، فحكي له جميع ما جرى له من دليلة المحتالة وزينب النصابة وزريق السماك، فأمر الخليفة بكتابة ذلك وأن يجعلوه في خزانة الملك، فكتبوا جميع ما وقع له وجعلوه من جُملة السير لأمة خير البشر ثم قعدوا في أرغد عيش وأهناه إلى أن أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات».
انعقدت البطولة النسائية في تلك القصة لشخصية «دليلة المحتالة»، تلك الشخصية التي ذاع صيتها في عالم الشطار والعيارين في التراث العربي بما عُرف عنها من خداع ومكر، وقد وصفها القاصّ في «الليالي» بأنها صاحبة حيل وخداع وكانت تتحايل على الثعبان حتى تُخرجه من وكره وكان إبليس يتعلم منها المكر.
ويعد التنكر من أهم الفنون التي يتقنها أهل هذه الفئة لإتمام حيلهم وألاعيبهم. وقد أبرز لنا القاص في هذه القصة مدى تمرس هؤلاء الشطار بهذا الفن والاستعانة به في إتمام حيلهم وخديعة الآخرين لتحقيق ما يصبون إليه متنكرين في صور شتى من صور النماذج البشرية التي يموج بها المجتمع العباسي آنذاك.
وتوضح الكاتبة أن القصّ في حكاية «علي الزيبق» يتميز فنياً بمحاولة الراوي نقل المسموع إلى مرئي وذلك بتغليب الأفعال المصوِّرة على الأفعال الحاكية، فبدلاً من أن يصف حضور شخص بقوله: «حضر فلان»، يقول: «رأيت فلاناً حاضراً»، ثم يتبع ذلك بالمواصفات التي تجسِّد هذا الحضور، وهو ما يزيد ارتباط السرد بالمتلقي وإثارة دهشته وإشباع توقعه.

نموذج «روبن هود»

تنتقل الباحثة في النصف الثاني من الكتاب إلى نموذج «روبن هود» من خلال الرجوع إلى عدد من الروايات المستلهَمة لهذا النموذج، مثل رواية «المغامرات المرحة لروبن هود ذائع الصيت» للكاتب الأميركي هاورد بايل الذي قدم الكثير من القصائد والحكايات الخيالية لمطبوعات نيوريوك منذ عام 1876. وقد تخير الباحث رواية هاورد دون غيرها من روايات القرن التاسع عشر التي استلهمت الشخصية لما حققه العمل من نجاح كبير ساعد في ازدياد شعبية «روبن هود» بين جميع الفئات، إذ نجح بايل في نقل الشخصية من عالم المذنبين إلى عالم البطولة الشعبية والمثل والقدوة التي تسهم في التأثير إيجابياً على النشء.
ويحمل الفصل الأول من الرواية عنوان «روبن هود والسمكري»، وتدور أحداثه حول رغبة شريف نوتنغهام في القبض على «روبن هود» لسببين أحدهما أخذ المكافأة التي خُصصت للقبض عليه، والآخر أن القتيل الذي قتله «روبن» كان أحد أقاربه ولكنه لم يجد من يعاونه في الأمر فأرسل رسولاً إلى مدينة لينكولن يبحث عن رجل جريء يعاونه في التفتيش عن «روبن هود».
الفصل الثاني تبدأ أحداثه بذهاب شريف نوتنغهام إلى مدينة لندن حيث الملك هنري الثاني ليُطلعه على أمر «روبن». وبسبب الأخبار المتداولة يعنّفه الملك مطالباً إياه بالقبض على هذا اللص ليعود شريف نوتنغهام، مفكراً بخطة للقبض على «روبن هود»، وهي مباراة الرماية، لما يعلمه من شغف «روبن» وبراعته في هذا الفن، فيرسل مَن يجوب الأسواق ليعلن عن تلك المباراة وجائزتها السهم الذهبي، وتصل أنباء المباراة وخداع الشريف إلى «روبن هود» ورجاله فيقرر الذهاب إلى تلك المباراة وجماعته متنكرين، وينجح في الفوز بالجائزة وإفساد حيلة الشريف دون أن يفصح عن شخصيته. وتدور أحداث الفصل الثالث حول قبض رجال شريف نوتنغهام على أحد رجال «روبن» الذي أرسله لاستطلاع أخبار وأفعال الشريف، وما إن يصل خبر القبض عليه إلى «روبن» حتى يهمّ مستعداً ورجاله لإنقاذه.
ولما كانت الأزياء من حيل التنكر، فإن الراوي قدم بوضوح أزياء بطله مثل الملابس ذات اللون الزيتي أو أزيائه المؤقتة التي استهدفت التنكر في ملابس جزار أو إسكافي أو عازف قيثارة أو خادم بلدي أو متسول.
وقد وضع كل من «علي الزيبق» و«روبن هود»، بوصفهما نموذجين للخارجين على القانون لهم قوانين خاصة لتلك الحياة التي يعيشونها تعكس أفكارهم، والتي تنصبّ على أنهم يساعدون الفقراء والمظلومين من عامة الشعب ويعيدون إليهم أموالهم التي سُلبت منهم دون وجه حق، كما أقسموا أنهم لن يتعرضوا بأذى لطفل أو امرأة سواء كانت جارية أو زوجة أو أرملة.

قيم مشتركة

اختلف نموذجا «علي الزيبق» و«روبن هود» في الحقب الزمنية إلا أنهما اتفقا في التحول من نموذج المذنبين الخارجين على القانون واللصوص المحتالين إلى أبطال شعبيين وثوار اجتماعيين وسياسيين يصححون الأوضاع الخاطئة ويحققون العدالة بمفهومهم. أيضاً نجد كلاً منهما ذا نزعة دينية ووطنية يناصر الحاكم الشرعي ويتصدى لمنافقي السلطة من الموظفين والحاشية التي تبحث فقط عن مصالحها الشخصية.
هناك أيضاً ما يتصل بروح الفروسية وشعاراتها من شجاعة وكرم ونُبل أخلاق ووفاء بالعهود وتحمل المسؤولية، فـ«علي الزيبق» في ذلك مثله مثل بقية أبطال السير والأساطير الشعبية: جريء القلب، ذكي الفؤاد، مقدام لا يخشى الخطر والمغامرة... وكذلك «روبن هود» شجاع دائم الإقدام على المغامرة والتصدي لأعدائه، واثق الخطى في مثل قوله: «توقف واجعل الرجل الأفضل يعبر أولاً».
ويتوافق البطلان فيما تضمنته شجاعتهما من شعارات الفروسية الأخرى كالكرم والشهامة والأخلاق النبيلة والوفاء بالعهود التي عكستها مواقفهما، إذ لم يتوانَ «الزيبق» عن مد العون والمساعدة للفتاة التي تأذّت بسبب فارس باطش في شوارع القاهرة، كما تدفعه شهامته إلى مساعدة المقدم الشامي ومعاونته على حمل حمولته وهو في طريق رحلته إلى بغداد. وبالمثل وبدافع الشهامة، ينقذ «روبن هود» البحارة وسفينة المرأة الأرملة من غارة القراصنة الفرنسيين ويقْدم على مساعدة الأرملة العجوز مخلّصاً أبناءها من حبل المشنقة. وبعد، يتضمن الكتاب جهداً كبيراً في تجميع المادة وتوثيقها فضلاً عن موضوعه الشيق المثير، لكن يعيبه اللغة الأكاديمية الجافة والتقسيمات الكثيرة المرهقة والخوض في تفاصيل لا تهم سوى المتخصصين. ويبدو أن المادة التي قدمتها الباحثة تم نشرها كما هي في الفضاء الأكاديمي الجامعي كدراسة علمية دون بذل جهد في تحريرها من جديد في هذا الكتاب لتناسب القارئ العام غير المتخصص.



سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)
سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)
TT

سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)
سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)

من أجل العودة الباريسية المدوّية، لا بدّ من أغنيةٍ ناطقةٍ بالفرنسيّة توقظُ الحنين إلى زمن سيلين ديون وجان جاك غولدمان. وهو، لمَن لا يعرفُه، زمنُ الأحلام الممكنة وقصص الحب التي تصنع المعجزات.

استباقاً لسلسلة حفلاتها المرتقبة في العاصمة الفرنسية، الخريف المقبل، أصدرت الفنانة الكنَديّة العالميّة أغنية «Dansons» (هيّا نرقص) من تأليف الفنان الفرنسي جان جاك غولدمان وإنتاجه. بصوتٍ مكتملِ الإحساس والصلابة، تصدح ديون: «هيّا نرقص فوق الهاويات، على حواف القمم... هيّا نرقص حين يترنّح العالم كي ننسى آلامنا».

يا له من توقيتٍ صائبٍ لهكذا إعلان، في لحظةٍ ينفض العالم عنه ركام الحرب، كما تنفض سيلين ديون عنها أوجاعاً رافقتها خلال السنوات الـ6 الماضية بسبب إصابتها بمتلازمة الشخص المتيبّس.

وفق المعلومات التي تداولتها الصحافة الفرنسية، فإنّ الأغنية كُتبت عام 2020 بالتزامن مع أهوال جائحة «كورونا»، لكنها بقيت في أدراج غولدمان؛ وكأنها كانت تنتظر تَعافي صوت ديون كي ينسكب عليها. أما وقد حان موعد العودة، سحبت ديون الأوراق من الأدراج وغنّت بصوتها القويّ والممتلئ إحساساً، وإن ظَلّلَه طيفُ جُرح.

مع أنّ الأغنية لم تترافق وفيديو كليب، فإنّ أداء ديون وحدَه قادرٌ على رسم ما يكفي من الصور في المخيّلة؛ وكأنّ النجمة الطالعة من مرضها واقفةٌ في أعلى برج إيفل أو على تلّة مونمارتر في باريس، تدعو الناس للرقص معها فرحاً وانتصاراً للحياة والحب.

سيلين ديون في إحدى الصور المواكبة لإصدارها الغنائي الجديد (سوني ميوزيك)

تنتمي «Dansons» إلى خانة الأغاني الشعريّة الرومانسية، وهي لا تختلف كثيراً عن النمط الذي سبق وقدّمه ديون وغولدمان في أعمالهما المشتركة الكثيرة. هو نمطٌ لا يشبه ربّما موسيقى هذا الزمن ولا يتماشى وذوق الجيل الجديد، إلّا أنه أقرب إلى الأغاني الكلاسيكيّة المُفتَقَدة التي تُحيي القصيدة والكلمة الهادفة إنسانياً.

ومن المرتقب أن تستأنف ديون نشاطها الموسيقيّ بدخولها الاستوديو قريباً من أجل تسجيل مجموعة من الأغاني، على أن يكتمل ألبومها الجديد عشيّة سلسلة حفلاتها في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) المقبلَين في ميدان «باريس لا ديفانس».

جان جاك غولدمان مؤلّف ومنتج أغنية سيلين ديون الجديدة (أ.ف.ب)

منذ تشخيصها بمتلازمة الشخص المتيبّس، التي تصيب الجهازَين العصبي والمناعي، دخلت سيلين ديون في شبهِ اعتزال. كادت تفقد صوتها وقدرتَها على السير، لكنّ إرادتها الصلبة والعلاج المكثّف سمحا لها بإطلالاتٍ متفرّقة بين الحين والآخر.

عام 2023، وضعت صوتها على مجموعة من أغاني فيلم «Love Again» كما كانت لها مشاركة فيه بشخصيتها الحقيقية. وفي صيف 2024، أبهرت جمهور أولمبياد باريس عندما افتتحت الألعاب الرياضية الصيفيّة بتقديم إعادة لأغنية «Hymne à l’amour» (نشيد الحب) لإديث بياف. كما كانت لها إطلالات غنائية مقتضبة في مناسباتٍ خاصة.

تُعدّ أغنية «Dansons» العودة الغنائية الرسمية لسيلين ديون (58 سنة) بعد آخر إصداراتها الخاصة قبل المرض، أي ألبوم «Courage» (شَجاعة) عام 2019. ويأتي هذا التعاون مع غولدمان، بعد 10 سنوات على ألبومهما المشترك الأخير «Encore un soir» (مساءٌ واحدٌ بعد) الصادر عام 2016.

جان جاك غولدمان (74 سنة) معتادٌ على مواكبة «ديفا الأغنية» في لحظاتٍ مصيريّة عدّة من حياتها. فالألبوم الأخير الذي جمعهما قبل 10 أعوام صدرَ بعد أشهر قليلة على وفاة زوج ديون، المنتج رينيه أنجليل.

بين غولدمان وديون صداقة وشراكة مستمرة منذ 1995 (موقع غولدمان)

مدّ غولدمان يد العون لصديقته عندما أرادت أن تصعد إلى المسرح من جديد، بعد خسارتها الرجل الذي اكتشف موهبتها ثم صار حب حياتها وأب أولادها. تذهب الصحافة الفرنسية إلى درجة وصف العلاقة بين الفنانَين بـ«قصة الحب الفنية». وما أغنية ديون الجديدة سوى دليلٍ إضافي على فرادة تلك العلاقة والخصوصية التي يتعامل بها غولدمان مع ديون.

فهذه العودة الفنية ليست محصورة بالفنانة الكنديّة، إنما هي عودة كذلك بالنسبة إلى غولدمان نفسه الذي اختار الاعتزال والانكفاء عن الأضواء عام 2005. لكنّ كل المستحيلات تصبح ممكنة من أجل سيلين، التي اكتشفها غولدمان يوم كانت بعدُ في بداياتها فانذهل بصوتها. منحَها عام 1995 ألبومَها الفرنسي الأكثر مبيعاً «D’Eux» (مِنهُم)، وهو الذي أدخلَها فعلياً إلى فرنسا من أبوابها العريضة.

سارت الشراكة الفنية جنباً إلى جنب مع العلاقة الإنسانية التي نمت بينهما، وتَكرّر التعاون عام 1998 في ألبوم ناجح آخر باللغة الفرنسية بعنوان «S’il suffisait d’aimer» (لو كان الحب يكفي). وفي 2003، ألّف غولدمان الألبوم الثالث لديون بعنوان «1 fille et 4 types» (فتاة وأربعة أشخاص). لكن مع اعتكافه الفني عام 2005، سكتت أغانيهما إلى أن كسرَ صمته عام 2016 ومنحها أغنية الوداع لزوجها الراحل.

مرةً جديدةً، يكسر غولدمان صمته الكبير من أجل العودة الكبرى لسيلين ديون. فهل يكمل النجم الفرنسي رحلته مع صديقة عُمره ويوقّع لها ألبوماً كاملاً، أم يكتفي بأغنية واحدة؟ والسؤال الأكبر: هل يطلّ معها في إحدى حفلاتها المرتقبة على مسرح «لا ديفانس»، ليشعل الجماهير التائقة إلى ملاقاته من جديد؛ هو الذي اختير خلال 14 سنة متتالية، ورغم بُعدِه وصمته، «الشخصية الأحبّ إلى قلوب الفرنسيين»؟


مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
TT

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، عن مبادرة لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها، وذلك خلال كلمة ألقاها مع ختام «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» بمركز الملك فهد الثقافي في الرياض، الخميس.

وشهد الحفل الختامي حضور عددٍ من المسؤولين والشخصيات الثقافية، وقيادات ومنسوبي منظمات القطاع الثقافي غير الربحي، ومنسوبي جهات حكومية ذات العلاقة، ومانحين وداعمين من الأفراد والقطاع الخاص، والمهتمين.

وقال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان في كلمته: «بدعم وتمكين مستمر يحظى به القطاع الثقافي من قيادتنا، نسعد اليوم بختام أعمال ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي، لنحتفي بمسيرة استثنائية لشركاء الأثر».

وأكد أن القطاع الثقافي غير الربحي شهد نقلة تاريخية، في ظل «رؤية المملكة 2030»، واستراتيجية الوزارة له، موضحاً أن عدد منظماته قفز من 30 إلى أكثر من 1650 منظمة، وسجل 20 ألف متطوع مليون ساعة تطوعية، كما أسهمت برامج الدعم التي تجاوزت 340 مليون ريال في تمكينه وتعزيز قدرته على الإنتاج والتأثير.

وأضاف وزير الثقافة السعودي: «قيمنا وإرثنا وثقافتنا تمثل عناصر القوة في القطاع الثقافي غير الربحي، وبفضلها ساهمت المجتمعات المحلية بمختلف مناطق المملكة في ترميم نحو ألف موقع للتراث العمراني».

وأشار الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان إلى أن المبادرة الجديدة تستهدف في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر يتضمن تقديم دعم مالي مماثل لما يقدم من قبل المنظمات غير الربحية لدعم وتمكين ملاك البلدات التراثية الراغبين في ترميم وإعادة تأهيل هذه البلدات على نفقتهم الخاصة.

وأبان أن هذه المبادرة تتوِّج شراكة مميزة وفاعلة بين العمل الحكومي ممثلاً في هيئة التراث، والعمل المجتمعي، للحفاظ على البلدات التراثية في مناطق السعودية، وتحفيز الجهود لتنميتها وإدارتها وتفعيلها وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تسهم في تنمية المجتمعات المحلية، والحفاظ على الهوية العمرانية، مضيفاً أنه سيتم الإعلان عن فتح باب التقديم عليها خلال الربع الرابع من العام الحالي 2026.

واستعرضت الجلسة الختامية للملتقى منجزات القطاع الثقافي غير الربحي منذ إعلان وزارة الثقافة عن استراتيجيته خلال عام 2021، التي تضمّنت عدة مبادراتٍ تطويرية وتمكينية للمنظمات الثقافية غير الربحية. ومن أبرز المنجزات تأسيس جمعياتٍ مهنية واحتضانها، وتسريع عملية نموها، وتطوير منهجية متكاملة لتصحيح أوضاع الأندية الأدبية والجمعيات.

كما تضمنت المنجزات إطلاق برنامج الدعم مقابل الأداء لتمويل مشاريع مختلف فئات المنظمات الثقافية غير الربحية ذات الأثر؛ بما يسهم في تحقيق استدامته. وطوّرت الوزارة إطاراً لتقييم وتصنيف تلك المنظمات على الصعيدين المالي والإداري، وتطوير عدّة جمعيات من خلال تطوير خططها السنوية، وبناء القدرات والمعارف.

وشهد الملتقى على مدى يومين 14 جلسةً حوارية، ناقش فيها مجموعة من الخبراء والمختصين المحليين والدوليين واقع القطاع الثقافي غير الربحي الحالي، ودوره في صناعة المستقبل في ظل التوجُّهات الحديثة، والمستقبل الإنساني المشترك، ودور الثقافة بوصفها قوّةً ناعمة، وأهمية تمكين المنظمات الثقافية غير الربحية لبناء أثرٍ مستدام ثقافياً واقتصادياً.

واستعرض المشاركون نماذج التعاونيات الثقافية، ودور المسؤولية الاجتماعية في تنمية القطاع غير الربحي، بالإضافة إلى آفاقٍ ومساراتٍ مبتكرة للتمويل الثقافي، وأهمية التكامل الفعّال والمستدام، والتعاون الدولي ودوره في التمكين الثقافي، والممكنات والفرص التي تقدمها الوزارة للقطاع ومنظماته، وتطويرها لكفاءتها المؤسسية.

واشتمل الملتقى على عدّة أركان ومبادرات تفاعلية، حيث قدَّم «مختبر المعرفة» مجموعة ورش عمل تطبيقية متخصصة في الحوكمة وقياس الأثر وتنمية الموارد، لتمكين منسوبي المنظمات الثقافية غير الربحية، وأتاحت «جلسات المشورة» فرصة عقد لقاءات إرشادية فردية مع الخبراء، في حين أسهمت «لقاءات 360» في تعزيز التواصل وبناء الشراكات، واستعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة لمنظمات القطاع، وعرّفت «بوابة التمكين» المشاركين ببرامج الدعم وآليات الاستفادة منها.

ويأتي ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي ضمن جهود وزارة الثقافة لتمكينه، ودعم منظماته، لرفع مستوى تأثيرها الثقافي والمجتمعي، وذلك لتحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية 2030».


الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
TT

الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)

بعد نجاح مسلسل «فريد»، اتجهت محطة «إم تي في» اللبنانية إلى توسيع تجربة الدبلجة بالعامية المحلية، فاختارت عرض مسلسلي «شراب التوت»، و«المشردون» بصوت لبناني. هذه الخطوة، التي شقّت طريقها بصعوبة في بداياتها، تبدو اليوم أكثر رسوخاً، لتؤكد أن المقولة القائلة بعدم استساغة اللهجة اللبنانية في الدراما المدبلجة ليست دقيقة. فقد تفاعل الجمهور مع هذه الأعمال بإيجابية، ما ساهم في كسر حاجز كان يُعد عائقاً أمام تطوّر هذا القطاع.

وسام بدين بدأ بصناعة الدوبلاج اللبناني من الصفر (وسام بدين)

ومع شركة «ديفكات ستوديوز»، التي يديرها وسام بدين، انطلقت عجلة الدبلجة اللبنانية بشكل فعلي، مستكملة مساراً كان قد بدأه في الثمانينات والتسعينات المخرج نقولا أبو سمح. يومها، فتح الباب أمام دبلجة المسلسلات المكسيكية إلى العربية الفصحى عبر استوديوهات «فيلملي»، واستطاع وضع لبنان على خريطة صناعة الدبلجة، من خلال أعمال أجنبية مدبلجة تركت أثرها لدى الجمهور اللبناني، ولا تزال حاضرة في الذاكرة حتى اليوم. وكان أول عمل هو «السندباد»، ثم توالت المسلسلات المكسيكية مثل «أنت أو لا أحد» و«سوف تدفع الثمن» و«ماريا مرسيدس» وغيرها.

غير أن انتشار الدبلجة باللهجة السورية لاحقاً أدى إلى تراجع حضور «فيلملي»، قبل أن يعيد بدين إحياء هذا المجال عبر تأسيس «ديفكات ستوديوز»، التي انطلقت بأعمال كرتونية وألعاب فيديو وبرامج إذاعية.

لم تولد فكرة الدبلجة باللهجة اللبنانية صدفة، بل جاءت بمبادرة من رئيس مجلس إدارة «إم تي في» ميشال المر، الذي رأى فيها مشروعاً واعداً. وكان «فريد» باكورة هذه التجربة، قبل أن تتوسع لتشمل أعمالاً تركية أخرى مثل «شراب التوت»، و«المشردون». ويؤكد بدين أن التخوّف من اللهجة اللبنانية تلاشى. فقد أبدى الجمهور حماسة لسماعها بأصوات ممثلين محليين، ما أضفى قرباً أكبر على مجريات العمل.

ويشير إلى أن اللهجة اللبنانية، بما تحمله من مرونة وانفتاح، قادرة على مواكبة الأعمال الأجنبية، ولا سيما أنها تتضمن مفردات دخيلة من لغات أخرى، ما يسهل اندماجها في سياقات درامية متنوعة، ولا يحصرها في نطاق الأعمال التركية فقط.

ويعلّق: «يشتهر لبنان بالانفتاح، ولهجته تشكّل نموذجاً حيّاً لتعدد الثقافات. وعادةً ما نستخدم عبارات ومفردات أجنبية، وقد اعتمدنا عليها في صناعتنا لتقديم نموذج واقعي يعكس أحاديثنا اليومية».

أحدث الأعمال المدبلجة المعروضة على «إم تي في» في «المشرّدون» (وسام بدين)

وقد أسهم حضور ممثلين لبنانيين بارزين في إنجاح هذه التجربة، من بينهم خالد السيد، وجمال حمدان، وجناح فاخوري، وتقلا شمعون، وميراي بانوسيان، ووجيه صقر، ورانيا عيسى وغيرهم. في حين يوقّع إخراج هذه الأعمال عدد من الأسماء المعروفة في هذا المجال، مثل رانيا حمندي، ومحمد قدورة، وريتا صبّاغة. وتشرف على تنفيذ هذه الأعمال ريتا نجم.

ورغم هذا النجاح، يلفت بدين إلى أن دعم «إم تي في» يبقى الأساس، داعياً محطات لبنانية أخرى إلى الانخراط في هذه الصناعة، لما توفره من فرص عمل لمئات العاملين في المجالين الفني والتقني. كما يوضح أن تكلفة دبلجة ساعة تلفزيونية أقل بكثير من إنتاج عمل درامي جديد، ما يدفع القنوات إلى اعتماد هذا الخيار في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

يؤكد بدين أن هيكلية هذه الصناعة وأسسها أصبحت راسخة في لبنان، وباتت قادرة على تلبية حاجات أسواق أخرى. ويضيف: «أنا متأكد من أن المشاهد العربي يتقبل اللهجة اللبنانية، ونلمس ذلك من خلال التعليقات التي نتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقناة (إم تي في) يشاهدها الملايين خارج لبنان، وأعمالنا المدبلجة باللبنانية تحقق نسب مشاهدة مرتفعة».

وعن مستقبل هذه الصناعة، يقول: «أنا منكب على تطوير هذا المجال منذ فترة طويلة، ولا أترك باباً أو منبراً إلا وأطرقه للترويج له. لكن الأمر لا يتعلق بالتفاؤل أو التشاؤم، بل هو مسار طويل يتطلب المثابرة والجهد والتشجيع. فقد وُلدت هذه الصناعة من الصفر، حتى إننا استحدثنا مترجمين لتقديم نصوص تتلاءم مع خصوصية اللهجة اللبنانية. ونأمل أن تتحسن الأوضاع في البلاد لضمان استمرارية أفضل».

ويختم وسام بدين: «نتطلع أيضاً إلى المنصات والقنوات الإلكترونية، مثل (أمازون) و(إم بي سي) وغيرهما، ونأمل أن تكون قد لاحظت نجاح الدبلجة باللبنانية، فتتجه إليها في إنتاجاتها المستقبلية».