قال رئيس حزب «الحرية والعدالة» الجزائري، محند سعيد أوبلعيد المعروف اختصارا بـ«محمد السعيد»، إن مبادرة «التوافق الوطني» التي يسعى إليها أقدم أحزاب المعارضة «هي الأكثر واقعية في الظروف التي تمر بها البلاد لأن أصحابها لا يشترطون رحيل النظام».
وأوضح وزير الإعلام الأسبق في مقابلة مع «الشرق الأوسط» جرت بمكتبه في العاصمة، أن مطلب قطاع من المعارضة إعلان شغور منصب رئيس الجمهورية، بحجة أنه عاجز عن أداء مهامه بسبب المرض، «طرح غير جدي». واقترح أن يفضي «مؤتمر التوافق» المرتقب قبل نهاية الشهر الحالي، إلى صيغة لتفادي الخوض في قضية شغور السلطة، تتمثل في تنازل الرئيس عن بعض من صلاحياته للبرلمان. وفيما يلي نص الحوار.
* يثير مسعى التوافق جدلا حاليا بين مؤيد ومعارض. أنت كيف تنظر له وهل ستشارك في مؤتمر التوافق المرتقب قبل نهاية الشهر؟
- نحن نؤيد مبادرة جبهة القوى الاشتراكية، وقد التقينا بقيادتها والاتصالات جارية لإنجاحها. إنها ندوة للوفاق وليس للإجماع لأننا لا يمكن أن نحقق الإجماع حول الرؤية السياسية للمستقبل، وإنما نحقق توافقا حولها. المهم أن الفكرة انطلقت من الإجماع الذي جرى الحديث عنه أيام ثورة التحرير (1954 - 1962)، وحتى في تلك الفترة لم يكن هناك إجماع حول ضرورة تفجير ثورة ضد المستعمر.
أنا أعتقد أن هذه المبادرة هي الأكثر واقعية، لأنها الأكثر قابلية للتطبيق في الظروف الحالية. فهي لا تشترط رحيل النظام ولا ترى التغيير إلا مع النظام. وهذا هو عين الصواب. فماذا تملك المعارضة من أدوات حتى تفرض على النظام أن يرحل؟. وما هو وزن أحزاب الموالاة لو زال عنها تأييد النظام لها؟ إن إنجاز التغيير مسألة تتعلق بميزان القوى، وهذا الميزان هو حاليا لصالح السلطة مادات الأحزاب السياسية الموالية والمعارضة غير قادرة على تأطير الشارع، وليس هناك ما يوحي في القريب المنظور بغير ذلك.
صحيح أن جبهة القوى الاشتراكية لم تقدم ورقة مكتوبة بخصوص التوافق، فهي تقترح لقاء في مرحلة أولى لتبادل الآراء انطلاقا مما هو قائم اليوم، وهو الدعوة إلى التغيير، بمعنى التوافق حول التغيير ولكن مع قبول السلطة اليوم كأمر واقع. ومن هذا الواقع وبالاتفاق مع السلطة، نحاول أن نصوغ رؤية لمستقبل الجزائر، تكون محل أكبر قدر من التوافق. هذه هي رؤية جبهة القوى الاشتراكية لندوة الوفاق الوطني. وفي مرحلة أولى لا توجد خطة معينة للتوافق، وإنما تأتي الخطة في مرحلة ثانية أي في الندوة الثانية، ممكن بعد 3 أو 4 أشهر، وحينها سننتقل إلى التفاصيل بعد أن نكون قد اتفقنا على المبادئ الأساسية للرؤية المستقبلية للجزائر.
* ولكن أهم أحزاب السلطة وهو «جبهة التحرير الوطني»، متحفظ بشدة على المسعى، فيما تحرص جبهة القوى الاشتراكية على حضور ممثلين عن السلطة في مؤتمر الوفاق.
- تعهد عمار سعداني أمين عام جبهة التحرير في آخر لقاء جرى مع قيادة جبهة القوى الاشتراكية، بحضور ندوة الوفاق. ولكن تسربت أخبار مفادها أن سعداني لا يقبل الجلوس مع شخصيات غير حزبية، وأنه لن يجلس إلا إلى الأحزاب المعتمدة. وقد استفسرت قيادة «القوى الاشتراكية» حول هذه القضية، وقيل لي أن سعداني لم يبلغها خلال لقائها به، أنه لن يحضر الندوة.
* هل التحفظ الذي عبر عنه أمين عام جبهة التحرير، إزاء مسعى الوفاق يعكس موقفا سلبيا من السلطة بخصوص مؤتمر الوفاق؟
- من الصعب أن نتصور أن جبهة التحرير تتصرف بصفة مستقلة ومنفصلة عن السلطة، فهذا الحزب يأتمر بأوامر السلطة وكل ما يصدر عنه وراءه رئاسة الجمهورية بكل تأكيد. ولكني لا أتفق مع من يقول بأن مسعى جبهة القوى الاشتراكية فشل، لأن ندوة الوفاق لم تعقد بعد. الحديث عن الفشل والنجاح يكون عندما تعقد الندوة، لنرى مستوى المشاركة فيها. أنا نصحت الأصدقاء في الحزب بعدم التسرع في تحديد موعد للندوة، وقلت لهم إن الأولوية هي لتوفير حظوظ النجاح. وفي كل الأحوال، حتى لو أجلت الندوة فلا يعني ذلك علامة فشل، فالأهم هو البحث عن شروط نجاحها، ولا ضير لو انتظر أصحابها شهرا آخر.
* قطاع من المعارضة أو ما يسمى تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي، اقترح تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة بحجة أن هناك شغورا في السلطة، يتعلق بمرض الرئيس. هل توافق هذا الطرح؟
- للأسف، أنا مضطر إلى القول إن هذا الطرح غير جدي. فانتخابات الرئاسة لم يمر عليها عام وقد شارك فيها بعض من يطالبون اليوم بانتخابات مبكرة. الانتخابات جرت وأفرزت رئيسا وانتهى الأمر، أما من يشكك في نزاهتها فهذا أمر مألوف منذ أن دخلنا عهد التعددية عام 1989، فالحزب الذي يخسر يقول إن الانتخابات مزورة وإن فاز فيها يقول عن نفسه إنه شرعي.
أنا لا أوافق من يتحدث عن وجود شغور في منصب الرئيس، عمليا لدينا رئيس يمارس صلاحياته لكنه يعاني من عارض صحي يمنعه فقط من المشي على رجليه. فهو يستقبل مسؤولين أجانب ويعقد مجلس الوزراء. صحيح أن الجزائر تعيش وضعا استثنائيا لم تعرفه أبدا من قبل، بسبب مرض رئيس الجمهورية - عجل الله بشفائه - وما ترتب عن ذلك من فوز الرئيس في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، من دون المشاركة المباشرة فيها. فهذا الوضع جديد لم نتعود عليه. ولكن ليس هناك إخلال صريح بالدستور حتى نتحدث عن شغور في الحكم. والغريب أن بعض المنادين بذلك شاركوا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة مع ذات الرئيس ولم يطالبوا بتنحيته، فماذا تغير في ظرف أشهر قليلة؟ لا شيء. فالمؤسسات قائمة بأدائها المعهود والرئيس يمارس نشاطه، ولو بوتيرة أقل.
* ولكن الرئيس لم يلق خطابا منذ شهور طويلة، ولم يسافر إلى الخارج لتمثيل الجزائر في المؤتمرات والاجتماعات، وذلك بسبب المرض؟
- هذا صحيح إذا دخلنا في تفاصيل هذه القضية، ولكن دستوريا تتوفر في الرئيس شروط أداء مهامه، فقد أدى القسم الدستوري أمام الرأي العام. وهذه الإشكالية يمكن أن نجد لها حلا، إذا نجحت ندوة الوفاق الوطني، ويكون ذلك بمراعاة الطارئ الصحي للرئيس، وبالتالي بعض الصلاحيات التي يملكها، توزع على بعض مؤسسات الدولة كالبرلمان.
وإن كنت أعارض تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة، فأنا أدعم أي مبادرة لتنظيم انتخابات برلمانية قبل أوانها، لأن البلاد بحاجة إلى مؤسسة تشريعية منتخبة حقيقة أو على الأقل بنسبة ضعيفة من التزوير. وبالمعطيات الحالية في البلاد، يصعب إجراء انتخابات نظيفة لانعدام الثقة بين المواطن والسلطة، زيادة على تغلغل المال الفاسد في الحياة السياسية وتغوله. ورموز هذا الوضع غير الطبيعي كدسوا ثرواتهم بأموال الدولة، وترعرعوا في أحضانها وتغولوا برعايتها ويسعون الآن للسيطرة عليها حفاظا على مصالحهم. وبهذه الكيفية يشكل هؤلاء عاملا يهدد استقرار البلاد.، بل أصبحوا مصدر خطر لأن تخوفهم من انقلاب الوضع عليهم، يجعلهم في تحالف طبيعي غير معلن مع الخارج.
وإذا أردت أن تتأكد من ذلك، ابحث عن ثرواتهم في الخارج وقارنها بنسبة استثمارها في الداخل، فتجدها ضعيفة، وهذا دليل على أنهم غير مطمئنين للمستقبل في بلادهم، ولا تجد في هذا الوضع إلا من جمع المال بطرق ملتوية غير نظيفة، ولا تجد في السلطة من يدعمه إلا المستفيد منها. والحمد لله أن الشعب يعرف كل شيء، وليس غافلا كما قد يتصور البعض.
* من المسؤول عن هيمنة المال الفاسد؟ هل هو النظام الذي تتهمه المعارضة بشراء الذمم بأموال ريوع النفط؟ أم المجتمع المدني العاجز عن التصدي لهذه الظاهرة؟
- النظام مسؤول بطبيعة الحال لأن المال بين يديه، لكن الذي استفاد من المال تقع عليه مسؤولية فساد هذا المال. فالمستفيدون منه يوظفونه لأغراض غير شريفة، ويحرصون على ممارسة نفوذهم بواسطة المال، لتعيين أشخاص في السلطة لتوفير الحماية لأنفسهم. وصاحب المال في وقتنا الحالي، عينه دائما على الخارج لأن حليفه موجود في الخارج ويوفر له الحماية، لهذا أغلب رؤوس الأموال محل شبهة فساد موجودة في الخارج.
لقد أنعم الله علينا بأموال ضخمة طيلة الـ15 سنة الماضية، بفضل ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط. والمستفيد من المال بغير وجه، استثمره لتحصين مواقعه للحصول على المزيد من المشاريع التي تدر الأرباح وبطرق ملتوية، وعينه على مستقبله في الخارج. والشعب مسؤول عن هذه الوضعية، فقد اقتنع الناس بأن كل مشكلاتهم تحل بدفع رشى، وأصبح التعامل بالرشوة في مجتمعنا أمرا عاديا، وهذا أخطر من الرشوة التي تمارس على مستوى أعلى.
* بعد تهاوي أسعار النفط، لاحظ مراقبون ارتباكا من جانب الحكومة بخصوص الإجراءات التي اتخذتها لمواجهة انكماش مرتقب لمداخيل البلاد من العملة الصعبة. كيف ترى تصرف الحكومة مع أزمة أسعار النفط؟
- إذا ثبت أن الحكومة مرتبكة فهذه كارثة، لأن الأسعار تحددها دائما تقلبات السوق النفطية. والحكومة التي تملك رؤية مستقبلية للاقتصاد، تعد سيناريوهات للتعامل مع كل الأوضاع، فإذا حدث ارتباك كما تقول فهذا يعني أننا لم نعد السيناريوهات اللازمة لمثل هذه الأوضاع. ولكن يفترض أن الجزائر اتعظت من تجربة منتصف ثمانينات القرن الماضي، عندما واجهت أزمة خانقة بعد سقوط أسعار النفط، ولكن الحقيقة أنها لم تستخلص الدروس وأخشى أن تتكرر أحداث أكتوبر (تشرين الأول) 1988 (انتفاضة شعبية ضد غلاء المعيشة وندرة مواد الاستهلاك، أفضت إلى انفتاح سياسي). وإن تكررت تلك الأحداث، فإن الانزلاق سيكون أخطر وعلى نطاق أوسع. فالمجتمع تغير والمحيط الجيو - سياسي والإقليمي تغير ويتميز بالاضطراب وانتشار الجماعات المسلحة في كل البلدان المجاورة، مقارنة بالثمانينات عندما كانت الأوضاع مستقرة وآمنة، والحكمة تقتضي اليوم التعامل بتبصر مع هذه الوضعية الدقيقة.








