رئيس حزب «الحرية والعدالة» الجزائري: حديث المعارضة عن شغور منصب الرئيس «طرح غير جدي»

محمد السعيد يقول لـ «الشرق الأوسط» إن أصحاب المال الفاسد يهددون استقرار البلاد

محمد السعيد
محمد السعيد
TT

رئيس حزب «الحرية والعدالة» الجزائري: حديث المعارضة عن شغور منصب الرئيس «طرح غير جدي»

محمد السعيد
محمد السعيد

قال رئيس حزب «الحرية والعدالة» الجزائري، محند سعيد أوبلعيد المعروف اختصارا بـ«محمد السعيد»، إن مبادرة «التوافق الوطني» التي يسعى إليها أقدم أحزاب المعارضة «هي الأكثر واقعية في الظروف التي تمر بها البلاد لأن أصحابها لا يشترطون رحيل النظام».
وأوضح وزير الإعلام الأسبق في مقابلة مع «الشرق الأوسط» جرت بمكتبه في العاصمة، أن مطلب قطاع من المعارضة إعلان شغور منصب رئيس الجمهورية، بحجة أنه عاجز عن أداء مهامه بسبب المرض، «طرح غير جدي». واقترح أن يفضي «مؤتمر التوافق» المرتقب قبل نهاية الشهر الحالي، إلى صيغة لتفادي الخوض في قضية شغور السلطة، تتمثل في تنازل الرئيس عن بعض من صلاحياته للبرلمان. وفيما يلي نص الحوار.

* يثير مسعى التوافق جدلا حاليا بين مؤيد ومعارض. أنت كيف تنظر له وهل ستشارك في مؤتمر التوافق المرتقب قبل نهاية الشهر؟
- نحن نؤيد مبادرة جبهة القوى الاشتراكية، وقد التقينا بقيادتها والاتصالات جارية لإنجاحها. إنها ندوة للوفاق وليس للإجماع لأننا لا يمكن أن نحقق الإجماع حول الرؤية السياسية للمستقبل، وإنما نحقق توافقا حولها. المهم أن الفكرة انطلقت من الإجماع الذي جرى الحديث عنه أيام ثورة التحرير (1954 - 1962)، وحتى في تلك الفترة لم يكن هناك إجماع حول ضرورة تفجير ثورة ضد المستعمر.
أنا أعتقد أن هذه المبادرة هي الأكثر واقعية، لأنها الأكثر قابلية للتطبيق في الظروف الحالية. فهي لا تشترط رحيل النظام ولا ترى التغيير إلا مع النظام. وهذا هو عين الصواب. فماذا تملك المعارضة من أدوات حتى تفرض على النظام أن يرحل؟. وما هو وزن أحزاب الموالاة لو زال عنها تأييد النظام لها؟ إن إنجاز التغيير مسألة تتعلق بميزان القوى، وهذا الميزان هو حاليا لصالح السلطة مادات الأحزاب السياسية الموالية والمعارضة غير قادرة على تأطير الشارع، وليس هناك ما يوحي في القريب المنظور بغير ذلك.
صحيح أن جبهة القوى الاشتراكية لم تقدم ورقة مكتوبة بخصوص التوافق، فهي تقترح لقاء في مرحلة أولى لتبادل الآراء انطلاقا مما هو قائم اليوم، وهو الدعوة إلى التغيير، بمعنى التوافق حول التغيير ولكن مع قبول السلطة اليوم كأمر واقع. ومن هذا الواقع وبالاتفاق مع السلطة، نحاول أن نصوغ رؤية لمستقبل الجزائر، تكون محل أكبر قدر من التوافق. هذه هي رؤية جبهة القوى الاشتراكية لندوة الوفاق الوطني. وفي مرحلة أولى لا توجد خطة معينة للتوافق، وإنما تأتي الخطة في مرحلة ثانية أي في الندوة الثانية، ممكن بعد 3 أو 4 أشهر، وحينها سننتقل إلى التفاصيل بعد أن نكون قد اتفقنا على المبادئ الأساسية للرؤية المستقبلية للجزائر.
* ولكن أهم أحزاب السلطة وهو «جبهة التحرير الوطني»، متحفظ بشدة على المسعى، فيما تحرص جبهة القوى الاشتراكية على حضور ممثلين عن السلطة في مؤتمر الوفاق.
- تعهد عمار سعداني أمين عام جبهة التحرير في آخر لقاء جرى مع قيادة جبهة القوى الاشتراكية، بحضور ندوة الوفاق. ولكن تسربت أخبار مفادها أن سعداني لا يقبل الجلوس مع شخصيات غير حزبية، وأنه لن يجلس إلا إلى الأحزاب المعتمدة. وقد استفسرت قيادة «القوى الاشتراكية» حول هذه القضية، وقيل لي أن سعداني لم يبلغها خلال لقائها به، أنه لن يحضر الندوة.
* هل التحفظ الذي عبر عنه أمين عام جبهة التحرير، إزاء مسعى الوفاق يعكس موقفا سلبيا من السلطة بخصوص مؤتمر الوفاق؟
- من الصعب أن نتصور أن جبهة التحرير تتصرف بصفة مستقلة ومنفصلة عن السلطة، فهذا الحزب يأتمر بأوامر السلطة وكل ما يصدر عنه وراءه رئاسة الجمهورية بكل تأكيد. ولكني لا أتفق مع من يقول بأن مسعى جبهة القوى الاشتراكية فشل، لأن ندوة الوفاق لم تعقد بعد. الحديث عن الفشل والنجاح يكون عندما تعقد الندوة، لنرى مستوى المشاركة فيها. أنا نصحت الأصدقاء في الحزب بعدم التسرع في تحديد موعد للندوة، وقلت لهم إن الأولوية هي لتوفير حظوظ النجاح. وفي كل الأحوال، حتى لو أجلت الندوة فلا يعني ذلك علامة فشل، فالأهم هو البحث عن شروط نجاحها، ولا ضير لو انتظر أصحابها شهرا آخر.
* قطاع من المعارضة أو ما يسمى تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي، اقترح تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة بحجة أن هناك شغورا في السلطة، يتعلق بمرض الرئيس. هل توافق هذا الطرح؟
- للأسف، أنا مضطر إلى القول إن هذا الطرح غير جدي. فانتخابات الرئاسة لم يمر عليها عام وقد شارك فيها بعض من يطالبون اليوم بانتخابات مبكرة. الانتخابات جرت وأفرزت رئيسا وانتهى الأمر، أما من يشكك في نزاهتها فهذا أمر مألوف منذ أن دخلنا عهد التعددية عام 1989، فالحزب الذي يخسر يقول إن الانتخابات مزورة وإن فاز فيها يقول عن نفسه إنه شرعي.
أنا لا أوافق من يتحدث عن وجود شغور في منصب الرئيس، عمليا لدينا رئيس يمارس صلاحياته لكنه يعاني من عارض صحي يمنعه فقط من المشي على رجليه. فهو يستقبل مسؤولين أجانب ويعقد مجلس الوزراء. صحيح أن الجزائر تعيش وضعا استثنائيا لم تعرفه أبدا من قبل، بسبب مرض رئيس الجمهورية - عجل الله بشفائه - وما ترتب عن ذلك من فوز الرئيس في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، من دون المشاركة المباشرة فيها. فهذا الوضع جديد لم نتعود عليه. ولكن ليس هناك إخلال صريح بالدستور حتى نتحدث عن شغور في الحكم. والغريب أن بعض المنادين بذلك شاركوا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة مع ذات الرئيس ولم يطالبوا بتنحيته، فماذا تغير في ظرف أشهر قليلة؟ لا شيء. فالمؤسسات قائمة بأدائها المعهود والرئيس يمارس نشاطه، ولو بوتيرة أقل.
* ولكن الرئيس لم يلق خطابا منذ شهور طويلة، ولم يسافر إلى الخارج لتمثيل الجزائر في المؤتمرات والاجتماعات، وذلك بسبب المرض؟
- هذا صحيح إذا دخلنا في تفاصيل هذه القضية، ولكن دستوريا تتوفر في الرئيس شروط أداء مهامه، فقد أدى القسم الدستوري أمام الرأي العام. وهذه الإشكالية يمكن أن نجد لها حلا، إذا نجحت ندوة الوفاق الوطني، ويكون ذلك بمراعاة الطارئ الصحي للرئيس، وبالتالي بعض الصلاحيات التي يملكها، توزع على بعض مؤسسات الدولة كالبرلمان.
وإن كنت أعارض تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة، فأنا أدعم أي مبادرة لتنظيم انتخابات برلمانية قبل أوانها، لأن البلاد بحاجة إلى مؤسسة تشريعية منتخبة حقيقة أو على الأقل بنسبة ضعيفة من التزوير. وبالمعطيات الحالية في البلاد، يصعب إجراء انتخابات نظيفة لانعدام الثقة بين المواطن والسلطة، زيادة على تغلغل المال الفاسد في الحياة السياسية وتغوله. ورموز هذا الوضع غير الطبيعي كدسوا ثرواتهم بأموال الدولة، وترعرعوا في أحضانها وتغولوا برعايتها ويسعون الآن للسيطرة عليها حفاظا على مصالحهم. وبهذه الكيفية يشكل هؤلاء عاملا يهدد استقرار البلاد.، بل أصبحوا مصدر خطر لأن تخوفهم من انقلاب الوضع عليهم، يجعلهم في تحالف طبيعي غير معلن مع الخارج.
وإذا أردت أن تتأكد من ذلك، ابحث عن ثرواتهم في الخارج وقارنها بنسبة استثمارها في الداخل، فتجدها ضعيفة، وهذا دليل على أنهم غير مطمئنين للمستقبل في بلادهم، ولا تجد في هذا الوضع إلا من جمع المال بطرق ملتوية غير نظيفة، ولا تجد في السلطة من يدعمه إلا المستفيد منها. والحمد لله أن الشعب يعرف كل شيء، وليس غافلا كما قد يتصور البعض.
* من المسؤول عن هيمنة المال الفاسد؟ هل هو النظام الذي تتهمه المعارضة بشراء الذمم بأموال ريوع النفط؟ أم المجتمع المدني العاجز عن التصدي لهذه الظاهرة؟
- النظام مسؤول بطبيعة الحال لأن المال بين يديه، لكن الذي استفاد من المال تقع عليه مسؤولية فساد هذا المال. فالمستفيدون منه يوظفونه لأغراض غير شريفة، ويحرصون على ممارسة نفوذهم بواسطة المال، لتعيين أشخاص في السلطة لتوفير الحماية لأنفسهم. وصاحب المال في وقتنا الحالي، عينه دائما على الخارج لأن حليفه موجود في الخارج ويوفر له الحماية، لهذا أغلب رؤوس الأموال محل شبهة فساد موجودة في الخارج.
لقد أنعم الله علينا بأموال ضخمة طيلة الـ15 سنة الماضية، بفضل ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط. والمستفيد من المال بغير وجه، استثمره لتحصين مواقعه للحصول على المزيد من المشاريع التي تدر الأرباح وبطرق ملتوية، وعينه على مستقبله في الخارج. والشعب مسؤول عن هذه الوضعية، فقد اقتنع الناس بأن كل مشكلاتهم تحل بدفع رشى، وأصبح التعامل بالرشوة في مجتمعنا أمرا عاديا، وهذا أخطر من الرشوة التي تمارس على مستوى أعلى.
* بعد تهاوي أسعار النفط، لاحظ مراقبون ارتباكا من جانب الحكومة بخصوص الإجراءات التي اتخذتها لمواجهة انكماش مرتقب لمداخيل البلاد من العملة الصعبة. كيف ترى تصرف الحكومة مع أزمة أسعار النفط؟
- إذا ثبت أن الحكومة مرتبكة فهذه كارثة، لأن الأسعار تحددها دائما تقلبات السوق النفطية. والحكومة التي تملك رؤية مستقبلية للاقتصاد، تعد سيناريوهات للتعامل مع كل الأوضاع، فإذا حدث ارتباك كما تقول فهذا يعني أننا لم نعد السيناريوهات اللازمة لمثل هذه الأوضاع. ولكن يفترض أن الجزائر اتعظت من تجربة منتصف ثمانينات القرن الماضي، عندما واجهت أزمة خانقة بعد سقوط أسعار النفط، ولكن الحقيقة أنها لم تستخلص الدروس وأخشى أن تتكرر أحداث أكتوبر (تشرين الأول) 1988 (انتفاضة شعبية ضد غلاء المعيشة وندرة مواد الاستهلاك، أفضت إلى انفتاح سياسي). وإن تكررت تلك الأحداث، فإن الانزلاق سيكون أخطر وعلى نطاق أوسع. فالمجتمع تغير والمحيط الجيو - سياسي والإقليمي تغير ويتميز بالاضطراب وانتشار الجماعات المسلحة في كل البلدان المجاورة، مقارنة بالثمانينات عندما كانت الأوضاع مستقرة وآمنة، والحكمة تقتضي اليوم التعامل بتبصر مع هذه الوضعية الدقيقة.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».