محمد المانع... خرج من «مخزن التجارب» ونقش اسمه على «أديم الوشم»

سجل حضوراً ثقافياً وإنسانياً وإدارياً وتربوياً أبهر كثيرين

محمد عبد الله المانع نجم تربوي وثقافي واجتماعي وخيري
محمد عبد الله المانع نجم تربوي وثقافي واجتماعي وخيري
TT

محمد المانع... خرج من «مخزن التجارب» ونقش اسمه على «أديم الوشم»

محمد عبد الله المانع نجم تربوي وثقافي واجتماعي وخيري
محمد عبد الله المانع نجم تربوي وثقافي واجتماعي وخيري

لم تكن سيرة ومسيرة الشيخ محمد بن عبد الله المانع أحد رواد ورموز العمل التربوي والثقافي والإداري والإنساني والخيري في السعودية، سيرة عادية تنتهي برحيل صاحبها، لكنها ظلت محفورة في الأذهان حتى بعد وفاته، فأعماله ومواقفه تُعدُ دروساً في غاية الأهمية، ويمكن تقديمها وصفات إدارية، ولمسات حكمية وأمصالاً ناجعة لمعالجة كثير من الإشكاليات والمواقف التي تواجه الإنسان في حياته اليومية ويعجز عن حلها.
حفلت سيرة المانع بمسارات ومحطات متعددة ومتباينة وبقصص ومواقف أشبه بالتراجيديا، وحملت دلالات تتعدى واقعه الخاص إلى واقع المجتمع السعودي، ورموز الوطن، وهو ما جعل حياة محمد بن عبد الله المانع تحفل بجوانب مضيئة، برزت في الجانب التربوي والتعليمي رائداً للتعليم بمنطقة الوشم (وسط السعودية)، وأول مدير للتعليم فيها، بالإضافة إلى جوانب أخرى تنم عن قدراته الإدارية، وملكاته الأدبية والثقافية، واحتوائه للمشكلات، وامتلاكه روح الدعابة وامتصاص الغضب، وتصغير العظائم، بأسلوب لا يخلو من ذكاء وفطنة، كما كانت له جهود إنسانية وخيرية محاطة بالسرية التامة ولم يُعلم عنها إلا بعد رحيله قبل 5 سنوات.
نجح أحمد محمد المانع نجل الراحل في لملمة كل ما تفرد به والده وما سجله من حضور وما تركه من بصمات في كل محطاته، مبرزاً رحلة الكفاح والعصامية والوطنية والإخلاص وإنكار الذات التي سطرها الآباء والأجداد في البدايات الأولى خلال مرحلة تأسيس الدولة الناشئة وما بعدها، وشارك بها كثير من الوطنيين المخلصين في مختلف المناطق، وكان محمد المانع أحدهم وبرز في منطقة الوشم جنوب غربي الرياض؛ حيث ولد في حاضرتها (شقراء) عام 1936م، من أب حمل صفات فطرية مكتسبة أهلته للنجاح تلك الصفات التي عمل على تنميتها عبر علاقاته الاجتماعية المتعددة، وما تعلمه من تعاملاته الاقتصادية المتنوعة، وما اكتسبه من تجارب في سفراته وتنقلاته وقت الجمالة (مهنة امتلاك مجموعة من الإبل لنقل البضائع عليها ثم ممارسة عمليات البيع والشراء)، إلى العراق والكويت والأحساء وشمال المملكة، وما استفاد منها من خبرات، وقد أهله تكامل هذه العوامل معاً من التمكن من إيجاد حلول لكثير من القضايا والمشكلات المعروضة عليه، فقد كان عبد الله المانع، والد صاحب السيرة، من وجهاء مدينة شقراء ومرجعاً لرجالاتها ولمجموعة من رجالات المدن والقرى المجاورة لها في كثير من الأمور، فلقد كانوا يرجعون إليه لاستشارته في جوانب مختلفة ؛ التجارية منها، وبعض الجوانب الاجتماعية، وقد استفاد ابنه محمد هذه الصفات من والده.
درس محمد المانع في مدرسة شقراء الابتدائية التي تم افتتاحها عام 1941م، وكانت من أوائل مدارس السعودية حيث أمر بافتتاحها الملك عبد العزيز، وتولى إدارة المدرسة عند إنشائها الشيخ عبد المجيد جبرتي إمام الحرم النبوي الشريف، وحصل المانع على الشهادة الابتدائية عام 1947م، ثم التحق بمدرسة تحضير البعثات بمكة المكرمة التي أنشئت عام 1935م، وتعد خطوة مهمة من خطوات الملك عبد العزيز لإعداد المؤهلين وتخطي عقبة من عقبات تنمية القوى البشرية في المملكة، ونال شهادة السنة التحضيرية منها عام 1948م ليلتحق بعدها بمدرسة دار التوحيد بالطائف، ويتخرج منها عام 1951م، وتعد هذه المدرسة أحد أقدم وأعرق مدارس المملكة المتخصصة في تدريس مواد اللغة العربية، وأول مدرسة نظامية تقام في الطائف؛ حيث اختار الملك عبد العزيز لها هذا الاسم وأشرف على تأسيسها. وفي عام 1952م، التحق المانع بكلية الشريعة بمكة المكرمة التي تمثل المنارة الأولى للتعليم العالي في المملكة، كما توجه صاحب السيرة إلى بيروت 1967م، ليلتحق بدورة تدريب كبار موظفي التعليم في الدول العربية (اليونيسكو).
وخلال إقامته في بيروت، حرص محمد المانع على زيارة مدينة القدس والصلاة في المسجد الأقصى، وكانت فرصة لا تعوض، وقد كرر الزيارة أكثر من مرة، وفي إحدى رحلاته إلى مدينة القدس، رافقه فيها صديقه الشيخ عبد الله بن سليمان المنيع المستشار الشرعي بالديوان الملكي السعودي، ومنها الرحلة التي تمت قبل احتلال القدس بشهرين تقريباً، وأقام في فندق داود بالقدس، ومن الطرائف خلال رحلته إلى القدس برفقة الشيخ المنيع أنهما ذهبا إلى أحد الأطباء وكان وقتها يرتدي الزي الفرنجي، في حين أن الشيخ عبد الله يرتدي الزي العربي، وعند دخولهما للعيادة لاحظ الاحتفاء والترحيب المبالغ فيه من قبل موظف الاستقبال، إذ نهض مسرعاً من مكانه لحظة دخولهما العيادة، واستمر بالترحيب بهما، ولم يعلما سبب ذلك الاحتفاء المبالغ فيه، وبعد الاستفسار منه أبلغهما موظف الاستقبال أنه قد ظن أن المانع هو الشيخ ناصر المنقور الذي كان معتمداً للمعارف في نجد ثم أصبح مديراً لجامعة الملك سعود، ثم وزير دولة، فسفيراً لبلاده في أكثر من دولة، وتوفي في لندن عام 2007م، وحدث ذلك نظراً للتشابه بينهما.
بدأت رحلة الشيخ محمد بن عبد الله المانع مع التربية والتعليم عام 1950م مدرساً في المدرسة الابتدائية في شقراء، وبعد تخرجه من كلية الشريعة في مكة المكرمة، أول مؤسسة للتعليم العالي في السعودية، تم تعيينه مدرساً بالمدرسة الثانوية بعنيزة عام 1956م، رابع مدير لها، وهي أول مدرسة ثانوية بالقصيم، وخامس مدرسة تفتح على مستوى السعودية، ونال راتباً شهرياً قدره 1000 ريال، ثم تم تكليفه بالعمل لإدارة التعليم بنجد للتعرف على طبيعة المهمة التي سيكلف بها مديراً للتعليم في منطقة الوشم؛ حيث تم تعيينه فيها عام 1959م، أول مدير لهذه الإدارة.
سجل المانع حضوراً في العمل الاجتماعي والخيري من خلال حزمة من النشاطات وعضويته في جمعية أصدقاء المرضى في شقراء، واختير لعضوية أول مجلس محلي في المحافظة، كما أنشأ قسماً لتنويم النساء في شقراء بتكاليف 800 ألف ريال، وقسماً للحضانة، كما قدم أعمالاً خيرية لم يُعلن عنها إلا بعد وفاته، وكان عطوفاً على الفقراء والعمالة، ومنها أنه كان يخرج إفطاراً يومياً لعامل النظافة في الشارع الذي يقع عليه منزله، وطالبه بجمع بقايا الخبز ووضعها في أكياس ثم يقوم بجمعها وإهدائها لمربي الماشية أعلافاً لها.
من الصعب الحديث عن حضور الراحل في كل المجالات، لكن يمكن القول إنه بعد رحيله سجل كثيرٌ من تلامذته وزملائه في العمل من مقيمين وسعوديين شهاداتهم في صاحب السيرة، ودبج كثير منهم قصائد في الراحل أثناء حياته، وبعد مماته، ونوردُ بعضاً منها؛ حيث يقول عنه مصطفى حسين سليمان نائب عميد الكلية الجامعية المتوسطة بالأردن سابقاً، وهو أحد رواد التعليم في منطقة الوشم، وعمل معلماً وإدارياً تحت إدارة الراحل: «كان نعم الموئل للمغترب الذي تطأ أقدامه أرضاً لم يألفها، فكان استقباله لكل مدرس يوسع خاطره ويهّون عليه غربته ويخرج بمعنويات عالية، كان هذا دأبه»، واختصر الإعلامي والشاعر والأديب السعودي الراحل عبد الله الزيد الذي كان ضمن طلاب مدرسة الداهنة في الوشم: «إن كل من عرف المانع قد فُتن بهذا المزيج العجيب من الرمزية الخالدة والنجومية الحقيقية والأنموذجية، واستطاع دون منازع أن يتحول إلى رمز آسر، وأن يكون نجماً إدارياً وثقافياً».
وفي قصيدة جميلة ورائعة تذكرنا باعتذاريات ومدائح الشاعر النابغة الذبياني للملك النعمان، قال الشاعر محمد بن إبراهيم العمار أحد رواد التعليم في منطقة الوشم، في قصيدة ألقاها قبل 42 عاماً في حفل تكريم وتوديع الراحل محمد المانع...

جوادٌ كمثلِ البحرِ في الجودِ والندى
وبحراً وداناهُ قليل المضائقِ
لقد كانَ غيثاً مالك المُلك ساقهُ
على الوشمِ هطّالٌ بغيرِ صواعقِ
مديرٌ نبيلٌ في المواقف دائماً
كريمٌ صدوقٌ من أناسٍ صادقِ
على قدرِ علمٍ فيهِ لم يعشق الهوى
ولكنه للعلم أكبرُ عاشقِ



«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
TT

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)

في روايته «أيام الإنسان السبعة»، يقدم الكاتب المصري عبد الحكيم قاسم ملحمة فنية عن مجتمع الدراويش في دلتا مصر، وكيف تكرس قرية كاملة نفسها للإعداد للذهاب إلى مولد السيد البدوي في سبعة أيام، ليصبح هذا الحدث الكبير أقرب لذروة الطقوس الشعبية التي يمارسها الدراويش والصوفية في هذه القرية وشبيهاتها.

ومع انتهاء «الليلة الكبيرة» لمولد السيد البدوي في مدينة طنطا (وسط الدلتا) والحضور الحاشد الذي شهدته تلك الليلة وما بها من طقوس شعبية وروحانية على السواء، تجدد الجدل حول الموالد في مصر، بين من يراها طقساً شعبياً وروحانياً يجذب الملايين من المحبين للأولياء والصالحين، ومَن يراها ظاهرة شعبية دون أساس روحاني سليم ترتكز عليه.

ومع توافد الحشود المليونية (البعض قدرها بنحو 5 ملايين زائر) على مولد السيد البدوي، أكدت محافظة الغربية، العام الماضي، أن المولد حضره أكثر من مليوني شخص، ونشرت محافظة الغربية على صفحتها الرسمية بـ«فيسبوك»، الخميس، تحية لزائري المدينة، وكتبت: «طنطا تتلالأ بأنوار مولد السيد البدوي، أجواء روحانية عامرة بالابتهالات والمدائح النبوية، وحركة تجارية نابضة بالحياة، مع توافد الزائرين من مختلف محافظات مصر والدول العربية والإسلامية لإحياء ذكرى العارف بالله سيدي أحمد البدوي، وسط أجواء من البهجة وجهود مكثفة من محافظة الغربية لتوفير الخدمات اللازمة وتنظيم الاحتفالات والحفاظ على سلامة وراحة الزائرين».

حشود غفيرة حضرت المولد (محافظة الغربية)

ومع تصدر مولد السيد البدوي «الترند» على «إكس» بمصر، الجمعة، تصاعد الجدل حول التبرك والاحتفال بالموالد، وهو ما رد عليه المتحدث باسم الطرق الصوفية في مصر، أحمد قنديل، وكتب على صفحة المشيخة بـ«فيسبوك»: «ليس كل من رفع صوته امتلك الحقيقة، وليس كل من تطاول على مقامات الصالحين أصبح عالماً بالدين، وليس من الشجاعة الفكرية أن يهدم الإنسان تاريخاً لا يعرفه، أو يطعن في رموز الأمة دون علم أو تحقيق أو إنصاف».

مضيفاً أن «الحديث عن سيدي أحمد البدوي، رضي الله عنه، أحد أعلام التصوف الإسلامي، لا ينبغي أن يكون ساحة للتجريح أو السخرية أو تصفية الحسابات الفكرية، وإنما ميدان للبحث العلمي الرصين، والرجوع إلى المصادر المعتبرة، والتمييز بين الحقائق التاريخية والروايات الشعبية التي تحتاج إلى تحقيق وتمحيص».

ويرى الباحث في التصوف الإسلامي الدكتور أحمد شتية، مدرس الدراسات الإسلامية بجامعة دمنهور، أن «تجمع الناس حول أحد الصالحين لا سيما من أصحاب التاريخ الكبير في العلم ونشر علوم التصوف ومجاهدة الأعداء كسيدي أحمد البدوي، جزء لا يتجزأ من الثقافة المصرية الدينية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الثقافة في الآونة الأخيرة شهدت تراجعاً بسبب عوامل فكرية كثيرة وتسرب بعض الأفكار التي تشوش على المسلمين دينهم بأن التعلق بالصالحين فيه شيء من الشرك، وفيه شيء من المغالاة، وهذا في الحقيقة خلط كبير وإسقاط للأمور على غير مواضعها. فالسيد أحمد البدوي، رضي الله عنه، إمام كبير، شهد له العلماء، سلفهم وخلفهم، وهذا ما لا يعرفه كثيرون من الناس الآن، ويكتفون بتناقل ما يكتب عبر (السوشيال ميديا) في شأن السيد أحمد البدوي، وفي شأن غيره من العلماء والأولياء والصالحين».

المولد شهد ملايين الزوار وفق تقديرات متابعين (محافظة الغربية)

وتشهد مصر الكثير من الموالد، من بينها موالد لآل البيت مثل «السيدة زينب»، و«مولد الحسين»، وغيرهما، وموالد أخرى للصالحين مثل «السيد البدوي»، و«إبراهيم الدسوقي»، و«عبد الرحيم القناوي»، و«المرسي أبو العباس»، وغيرهم.

ويرى المتخصص في التراث الشعبي الدكتور عبد الكريم الحجراوي أن الموالد ليست ظاهرة دينية أو روحانية فقط، بل هي أيضاً ظاهرة اجتماعية احتفالية أشبه بكرنفال سنوي يلتقي فيه المصريون من أنحاء البلاد، خصوصاً الموالد الكبيرة مثل مولد السيد البدوي.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «المولد به العديد من الأنشطة التجارية والألعاب، وقديماً كانت تقدم فيه فنون السيرك وما زالت تقدم فيه السيرة الهلالية والسير الشعبية، بالتوازي مع الفعاليات الروحانية مثل حلقات الذكر والندوات الدينية وغيرها، فهو نشاط كبير متشعب، ويجب عدم قصره على صفته أو طبيعته الروحانية».

ويرى الحجراوي أن هذا الجدل لا يتجاوز وسائل التواصل الاجتماعي، بينما على أرض لواقع هناك الملايين المتصالحون مع الموالد والذين يعدُّونها فرصة سنوية وموسمية لأنشطة كثيرة روحانية وترفيهية وتجارية.


5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
TT

5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)

بيّنت دراسة أجرتها جامعة إنسبروك في النمسا أنّ مداعبة الكلاب قد تساعد الجسم على الاستعداد لمواجهة المواقف المسبّبة للتوتّر؛ إذ يمكن للتلامس الجسدي مع الحيوان الأليف أن يخفّف استجابة الجسم البيولوجية للتوتّر عند التعرّض لضغط جديد، حتى إن لم يُسرّع تعافيه من التوتّر السابق.

ووجد الباحثون أنّ الأشخاص الذين داعبوا كلابهم خلال استراحة قصيرة بعد أداء مهمة مرهقة أظهروا استجابة بيولوجية أكثر هدوءاً عند مواجهة مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر، مقارنةً بمن بقوا بالقرب من كلابهم من دون لمسها. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «علم النفس البيولوجي».

وتشمل المواقف المسبّبة للتوتّر ضغوط العمل والاختبارات والمشكلات اليومية والتعرّض للنقد أو التقييم، وهي ظروف تتطلّب من الإنسان بذل جهد ذهني أو عاطفي للتعامل معها. وقد تؤدّي هذه المواقف إلى تنشيط استجابة الجسم للتوتّر، فتتغيّر معدّلات ضربات القلب وأنماط نشاط الدماغ استعداداً لمواجهة التحدّي.

وشملت الدراسة 64 شخصاً من أصحاب الكلاب، بينهم 51 امرأة و13 رجلاً، بمتوسّط عمر بلغ 34 عاماً. وشارك جميعهم في التجارب برفقة كلابهم الأليفة، التي اشترط الباحثون ألّا يقلّ عمرها عن عامين، وأن تتمتّع بصحة جيدة وتكون مرتاحة في البيئات الجديدة.

ولإثارة التوتّر لدى المشاركين، طلب الباحثون منهم أداء مهمّتين ذهنيّتين صعبتين تحت المراقبة، مع تلقّي تعليقات سلبية من أحد الباحثين عبر مكالمات مرئية.

وتمثّلت المهمة الأولى في الإجابة عن أسئلة في المعلومات العامة، مع منح المشاركين خمس ثوانٍ فقط للإجابة عن كلّ سؤال. أما الأخرى، فكانت إجراء عمليات حسابية ذهنية عبر العدّ التنازلي بفواصل رقمية ثابتة، وفق إيقاع تحدّده نقطة حمراء وامضة، من دون السماح للمشاركين بإبطاء وتيرتهم.

وأجرى كلّ مشارك مجموعتين من الاختبارات في اليوم نفسه. وخلال المجموعة الأولى، سُمح للكلب بالتجوّل بحرية داخل الغرفة؛ مّا أتاح لصاحبه مداعبته أو لمسه أو احتضانه. أما في المجموعة الأخرى، فبقي الكلب بالقرب من صاحبه مربوطاً بمقود قصير؛ إذ أمكن للمشارك رؤيته والتحدّث إليه من دون تلامس جسدي.

وراقب الباحثون نشاط الدماغ باستخدام تخطيط كهربائية الدماغ، وتتبّعوا نشاط القلب بواسطة تخطيط كهربائية القلب، قبل الاختبارات وأثناءها وبعدها. كما طلبوا من المشاركين تقييم حالتهم الشعورية في مراحل مختلفة، بما يشمل مدى شعورهم بالهدوء أو الإثارة، وطبيعة مشاعرهم الإيجابية أو السلبية، ومدى إحساسهم بالسيطرة على الموقف.

وأظهرت النتائج أنّ مداعبة الكلاب لم تساعد المشاركين على التعافي من التوتّر الأول بسرعة أكبر؛ إذ عادت مؤشّرات نشاط القلب وأنماط الموجات الدماغية إلى مستويات الراحة بوتيرة متشابهة، سواء داعب المشاركون كلابهم أم اكتفوا بالجلوس بالقرب منها من دون لمسها.

لكن التأثير ظهر عند مواجهة المشاركين مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر بعد استراحة استمرّت خمس دقائق. فقد أظهرت تسجيلات الدماغ ارتفاعاً أكبر في نشاط موجات ألفا لدى الأشخاص الذين لمسوا كلابهم خلال الاستراحة، واستمرّ هذا الارتفاع خلال المجموعة الثانية من الاختبارات؛ ما يشير إلى انخفاض مستوى التنشيط الدماغي خلال مواجهة المهمة المجهدة.

في المقابل، لم يظهر التأثير نفسه لدى المشاركين الذين أمضوا الاستراحة بالقرب من كلابهم من دون تلامس جسدي.

وكشفت النتائج أيضاً أنّ المشاعر التي أبلغ عنها المشاركون لم تتطابق دائماً مع استجابات أجسامهم؛ إذ اختلفت تقييماتهم الذاتية للتوتّر أحياناً عن المؤشّرات التي سجّلتها أجهزة قياس نشاط القلب والدماغ.

ويرى الباحثون أنّ التلامس الجسدي قد يكون أحد العوامل التي تفسّر بعض الفوائد الصحية والنفسية المرتبطة بالتفاعل مع الحيوانات الأليفة.


«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
TT

«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)

يكشف الفيلم اللبناني «قساطل - Pipes» للمخرج كريم قاسم جانباً من المعاناة اليومية في قرية أنهكها الجفاف بعد انقطاع إمدادات المياه، حيث يواجه أبطاله تحديات الوحدة والعزلة والفقد وسط واقع قاسٍ يفرض نفسه على تفاصيل حياتهم. ويشارك الفيلم في مسابقة الأفلام الروائية بالدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، بعد عرضه العالمي الأول في الدورة الستين من مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، حيث حصد بطله غسان سعد جائزة أفضل ممثل.

مع تفاقم أزمة انقطاع المياه في القرية، يُستدعى «حسن»، الموظف المتقاعد من مصلحة المياه، للعودة إلى عمله مستنداً إلى خبرة طويلة اكتسبها على مدى سنوات. وفي محاولة لإنقاذ القرية من شبح الجفاف الذي يلوح في الأفق، يتولى مهمة البحث عن أسباب الأزمة وإيجاد حلول لها. وقد عُرف حسن بين الأهالي بمبادرته الدائمة إلى مساعدتهم كلما انقطعت المياه عن منازلهم، إذ يجد في خدمة الآخرين وفي صداقاته متنفساً يخفف وطأة الوحدة التي يعيشها. لكن حياته تتقاطع مع سلسلة من الخسارات المؤلمة؛ فيكافح مشاعر الفقد بعد وفاة صديقه إثر تسرب غاز في ظروف غامضة، فيما يرزح تحت حزن عميق وهو يودع والدته.

تتفاقم مشكلة انقطاع المياه وتتحول إلى مهمة مستحيلة، تدفع بـ«حسن» للتحرك والتحقيق فيما حدث، فيما تتقاطع مهمته لإعادة المياه مع محاولته لفهم ملابسات الموت والفقد.

يتخذ المخرج كريم قاسم من «القسطل» أداة استكشاف، ليتجول بين المنازل والذكريات والالتزامات بالقرية، كمكان حي شاهد على تفاصيل الحياة اليومية.

يعثر «حسن» على زر معطف مفقود يخص شخصاً يُشتبه به في جريمة مقتل زميله البنغلاديشي «رضا»، فيقول بلهجته اللبنانية بآخر مشاهد الفيلم «نبلش»! أي نبدأ، ما يلفت إلى توجهه وأصدقائه للبحث عن الفاعل، وهو ما أعلن عنه المخرج كريم قاسم عن تقديم جزء ثالث ليكمل ثلاثيته الفيلمية.

ملصق الفيلم اللبناني (مهرجان الجونة)

وقال قاسم، في تصريحات صحافية، إن الشخصية الرئيسية بالفيلم تحظى باهتمام كبير كما في فيلمه «موندوف» الذي شارك به غسان سعد في دور صغير، «لذا جعلت منها محور أحداث الفيلم لإتاحة التعرف أكثر على ماضيها والغوص في حالتها النفسية، عبر رؤية سينمائية تربط التفاصيل بعضها ببعض من خلال «القساطل.

يتماهى أداء غسان سعد مع شخصية «حسن»، وتتقاطع مهنته بالفيلم مع مهنته الحقيقية في عمله بمصلحة المياه، فيقدم أداءً طبيعياً يتسم بالسلاسة، كما أن تجاربه المسرحية أكسبته خبرة أيضاً، ما أضفى على أدائه كثيراً من المصداقية في أول بطولة سينمائية له.

وهو ما يتوقف عنده الناقد طارق الشناوي متسائلاً: «هل الشخصية التي يؤديها الممثل عموماً لو عاشها بشكل فعلي سيؤديها بشكل أفضل، كما حدث مع بطل الفيلم غسان سعد الذي حاز جائزة التمثيل بمهرجان كارلو في فاري»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «سواء عاش الفنان الحالة أو عايشها فقانون الفن يجعل الإحساس بالشخصية أسبق من الجزء الواقعي، وعلى المبدع إذا لم يكن قد مر بالتجربة في حياته فيكفيه أن يحاول الوصول إلى عمقها، والمميز في فيلم (قساطل) أن أداء البطل وصل لعمقها ومارسها أيضاً».

وأشار الشناوي إلى أن انقطاع المياه ظرف عشناه، وما زلنا نعيشه في أغلب بلدان عالمنا العربي، لأن المقدرات الأساسية في حياتنا يظل جانب منها غير متحقق، وبالتالي القضية التي يطرحها الفيلم تمسنا وتمس العالم الثالث كله، لكن المخرج نسب القصص الموازية لمجموعة الأصدقاء الذين لا يحلون مشكلة القساطل بقدر محاولتهم التصالح مع قانون الحياة، لافتاً إلى أن «الفيلم به حالة من الصدق سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج أو الأداء».

ويصف الناقد الفني محمد نبيل «قساطل» بأنه «فيلم شاعري قدّمه المخرج كريم قاسم بأسلوب يجمع بين الروائي والوثائقي»، وأنه يعد بمثابة استكمال لتجربة المخرج في فيلم «موندوف». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفيلم يوجه نقداً حاداً للمجتمع عبر عديد من التفاصيل التي قدّمها المخرج بشكل واعٍ، مجسداً ما يحدث داخل لبنان اجتماعياً واقتصادياً، مقدماً إيقاعاً متمهلاً لمشكلة المياه التي تمثل الحياة نفسها، وتأثيرها على الناس».