لماذا سكت رامبو؟

ككل الشعراء الكبار في التاريخ اصطدم بعصره وزمانه وهو في العشرين

رامبو
رامبو
TT

لماذا سكت رامبو؟

رامبو
رامبو

ربما لم يعرف تاريخ الشعر شخصا مفعما بالتمرد والانطلاق مثل آرثر رامبو. فقد انفجر في عصره كالقنبلة الموقوتة. لقد لمع في سماء الشعر الفرنسي كالنيزك المارق ثم سرعان ما احترق مخلفا وراءه سرا يستعصي على التفسير. لكن لنعد إلى البدايات الأولى. لقد انفجر بالغضب العارم ضد كل شيء بدءا من أمه وقريته وانتهاء بالعالم بأسره مرورا بالمسيحية والتدين التقليدي بكل إكراهاته وقيوده. كل شيء يحصل كما لو أن رامبو كان يشعر بأنه محاصر من كل الجهات. كان يشعر بأنه مضغوط: والضغط يولد الانفجار. كل شيء يتآمر عليه، على عبقريته ورغباته، وربما لهذا السبب راح يغامر في كل الجهات، وعلى كافة الأصعدة والمستويات. وكـ«القارب السكران»، قصيدته الشهيرة، راح يترنح من مكان إلى مكان قاذفا بنفسه في فوهة المجهول غير عابئ بالمخاطر والتبعات. وكانت النتيجة أن قاربه تكسر على رصيف الواقع المر وهو في عز الشباب (37 سنة). لقد خسر حياة لم يعشها، ولكنه ربح الشعر. وحتى في كتاباته النثرية كان رامبو متشظيا كالقنابل والبراكين. لنستمع إليه يقول محددا شروط ظهور الشاعر الكبير:
ينبغي أن يعرف كل أشكال الحب، والعذاب، والجنون. ينبغي أن يخوض كل أنواع التجارب ويحترق في أتونها. ينبغي أن يبحث عن ذاته في ذاته، أن يستنفد في داخله كل السموم لكيلا يحتفظ منها إلا بالجوهر واللباب. يا لها من محرقة كبيرة، من عذاب هائل! عندئذ يحتاج إلى الإيمان كله وإلى قوة فوق بشرية لكي يستطيع أن يصمد. وعندئذ يصبح المريض الكبير، والمجرم الكبير، والملعون الكبير - والعالم الأكبر! وذلك لأنه في تلك اللحظة بالذات يرى ما لا يرى، يتوصل إلى سبر أغوار المجاهيل.
هذا هو تعريف الشاعر: إنه يقلص حدود المجهول باستمرار عن طريق توسيع آفاق اللغة والمعاني، أو الصور والمجازات. كل مجاز جديد يفترعه الشاعر أو يقدر عليه يمثل انتصارا على الآفاق المغلقة والجدران المسدودة. المجاز الإبداعي الخارق يوسع من مساحة الحرية على هذه الأرض. ولكن من يستطيع اقتناصه أو التوصل إليه؟ هيهات!.. من هنا شعورنا بالارتياح النفسي عندما نقرأ قصيدة حقيقية. ثم تتحول هذه المجازات المبتكرة إلى مكسب جديد للغة الشعرية بأكملها. يقول رامبو في قصيدة مشهورة بعنوان: الأبدية
لقد وجدناها
ماذا؟ - الأبدية
إنها البحر متلألئا تحت الشمس
روحي الخالدة
تراقب أمنيتك
رغم الليلة الوحيدة
والنهار المشتعل
هذه المقطوعة الصغيرة وسعت أرضية الشعر الفرنسي وربما العالمي وخاصة إذا ما قرأناها بلغتها الأصلية لا عن طريق الترجمة. لنلخص الوضع: البحر ساطعا تحت الشمس وأنت مستلق على الشاطئ في لحظة استرخاء تكاد تنسى العالم. أشعة الشمس المنعكسة على ذلك السطح المنبسط تشكل مساحات بيضاء تلتحم فيها السماء بالأرض. فتشعر ولو للحظة وكأنك انصهرت بالأبدية والخلود.
وكذلك الأمر عندما يقول في قصيدة بعنوان: العصر الذهبي
هذه الألف سؤال
التي تتفرع وتتشعب
لا تؤدي في النتيجة
إلا إلى السكر والجنون
ما هي هذه الأسئلة التي تتفرع وتتشعب؟ لا أحد يعرف. وليس المهم أن نعرف في نهاية المطاف. كل ما نعرفه هو أن تبكيت الضمير وتعذيب النفس بالأسئلة والمراجعات، بالندم والحسرات، لا يؤدي في النهاية إلا إلى السكر والجنون. فلندع الأشياء كما هي عليه، ولنعش حياتنا كما هي، أو كما قد تجيء..
ثم هذا المقطع الرائع الذي أخشى أن تخدشه الترجمة:
شبابٌ عاطل
لكل شيء مُستعبد
لياقة
ضيعت حياتي
آه! ليت الأزمنة تجيء
حيث تشتعل القلوب..
ما هي هذه الأزمنة التي تشتعل فيها القلوب؟ هل هي لحظة الفراق أم اللقاء: لقاء الحبيبة لأول مرة، أم لآخر مرة؟ وهل القلوب تشتعل في تلك اللحظة؟ نعم تشتعل وتضطرم فيها النيران.. ولكن متى تجيء هذه الأزمنة الوردية؟ لا أحد يعرف. ذلك أن الحياة الحقيقية غائبة كما يقول آرثر رامبو. بحياتنا كلها لم نعش الحياة التي نريدها. نعشق في مكان ونتزوج في مكان آخر. نسكن باريس ونحلم بلندن. كل شيء بالغلط! كل شيء بالمعكوس! ولكن هل وجدت الحياة الحقيقية يوما ما يا ترى؟ ألم يكن الشعراء في كل عصر وفي كل جيل يشعرون أنهم لم يأتوا في الوقت المناسب؟ إلى المتنبي دُر:
أتى الزمان بنوه في شبيبته
فسرهم وأتيناه على الهرم
رامبو، ككل الشعراء الكبار في التاريخ، اصطدم بعصره وزمانه فراح يحلم بحياة أخرى وزمن آخر. ذلك أن الحياة الخيالية دائما أجمل من الواقعية. الواقع شرس، صلب، بارد. الواقع جحيم. رامبو كان يبحث عن أفق وكلما وصل إليه تجلى له أفق آخر. وهكذا دواليك.. فلا الآفاق تنتهي ولا الاكتشافات والاندهاشات.. ذلك أن الرائي يريد اكتشاف العالم كله، أن يقلص مساحة المجهول في هذا العالم. ولكن العالم كبير لا ينتهي يا رامبو، وكذلك الشعر.. عندما توصل رامبو إلى التخوم القصوى، إلى التخوم التي لا تخوم بعدها، توقف عن الكتابة وسكت نهائيا. طالما تساءل الناس عن سبب هذا التوقف المفاجئ وغير المبرر على الإطلاق. ولطالما تحسروا، تمنوا لو أن رامبو أكمل الطريق لبضع سنوات إضافية على الأقل. كم من القصائد العبقرية كنا ربحناها! هل يعقل أن تتوقف عن الكتابة في العشرين؟ الناس لم تبتدئ بعد. لقد قذف بكل ما في أحشائه في ظرف 4 أو 5 سنوات ثم صمت صمت القبور. لطالما ضاع النقاد في النظريات والفرضيات والتخمينات. لطالما ضربوا أخماسا بأسداس. كتبوا عنها المجلدات! ولكن المسألة بسيطة في رأيي: إنه كالظواهر الطبيعية أو كالبركان انفجر دفعة واحدة ثم نضب. ألا تفهمون ذلك؟ هناك تخريجة أخرى: رامبو وصل إلى قمة الشعر.. وماذا تفعل بعد أن تصل إلى القمة؟ إما أن تبقى هناك وإما أن تنحدر. رامبو فضل أن يخرس كليا على أن ينحدر ويكرر نفسه. صمته لا يقل بلاغة عن شعره. صمته بحد ذاته قصيدة شعرية: وأي قصيدة! صمت رامبو لا يزال مدويا حتى اللحظة. إنه يلاحقنا، يعذبنا، يدمرنا.. في حياتنا كلها لم نقم من تلك الضربة!
لقد قتلنا قتلا إذ سكت فجأة دون أي تفسير أو تعليل. على الأقل لو استأذن منا قبل الانصراف، قبل أن يدير ظهره كليا. على الأقل لو قال لنا وداعا. ولكنه قالها! انظروا في ختام ديوانه الشهير «فصل في الجحيم» مقطعا بعنوان «الوداع الأخير» أو «وداعا لا لقاء بعده». وهناك تفسير ثالث يقول وأرجحه شخصيا: رامبو معجزة شعرية، وككل المعجزات يستعصي على التفسير. نقطة على السطر. هل يعقل أن تكتب كل هذه القصائد التي غيرت وجه الحداثة الشعرية العالمية وأنت طفل؟! وربما هناك تفسير رابع يقول: رامبو لم يخن قضية الشعر على عكس ما تتوهم. وذلك لأن حياته ذاتها تحولت إلى شعر، إلى مغامرة جنونية في شتى أصقاع الأرض: من جزر إندونيسيا وغاباتها، إلى قبرص، إلى الحبشة وعدن وحرار، والحبل على الجرار.. رامبو كان أكبر مشاء في التاريخ. هذا شيء ننساه كثيرا.هناك علاقة بين المشي والشعر، أو بين المشي والكتابة بشكل عام. هل كان نيتشه سيصبح فيلسوف كبيرا لولا أنه ضاع على الطرقات والدروب؟ وماذا عن جان جاك روسو؟ رامبو طبق نظرية الرائي عمليا بعد أن عاشها شعريا. نقطة على السطر. في كل يوم كان رامبو يمشي عشرات الكيلومترات عابرا السهول والوديان، معربشا على السفوح والجبال، مقلصا الآفاق. لكن العالم كبير يا رامبو والطريق لا ينتهي. أو قل كلما انتهت منه مساحة ابتدأت مساحات.. آه ما أجمل العالم! آه متى نصل إلى ما نبتغيه؟ متى نفرح قليلا؟ فربما وراء تلك الحواجز الطبيعية والقمم العالية تقبع أمانينا.
هناك شيء ما ينتظرنا في زمن ما، في لحظة ما، في مكان ما، فمتى سنصل إليه؟ متى يصل رامبو إلى ما يبتغيه ويهدأ؟ لماذا يركض رامبو في كل الاتجاهات؟ ماذا يريد رامبو في نهاية المطاف؟
يقولون لي ما أنت في كل بلدة
وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى
بالمناسبة لماذا تتأسفون على رامبو ولا تتأسفون على المتنبي؟ ألا تعلمون أنه قتل في الخمسين؟ أنا حتى الآن لم أقم الحداد عليه. حتى الآن لا تزال في القلب لوعة وحسرة. ماذا لو عاش 10 سنوات إضافية؟ كانت تغيرت خارطة الشعر العربي..
لو كان رامبو يعرف ما هو الشيء الذي يبحث عنه لتوقف وهدأ. ولربما تزوج وأنجب الأطفال وتصالح مع أمه. وساعدها على أعمال الحقول والبيدر والحصاد.. أو لربما وجد وظيفة في مكتب وتحول إلى بورجوازي صغير يعرف كيف يدخر فلوسه ويسلم على الناس في الشارع. لا، رامبو، لا يعرف أي شيء من هذا القبيل. ولهذا السبب فإنه يظل سائرا على الدروب باتجاه نقطة غائمة وأفق غير منظور: تحت قدميه الأرض وفوق رأسه قبة السماء. لنستمع إليه يقول من قصيدة بعنوان أحاسيس:
في أمسيات الصيف الزرقاء، سوف أتغلغل في الدروب الضيقة،
سوف أدعس العشب الغض، وسنابل القمح تخزني:
حالما، سوف أشعر بطراوتها على قدمي،
وسوف أترك الريح تبلل شعري العاري
***
لن أنبس بكلمة، لن أفكر بأي شيء:
لكن الحب اللانهائي سوف يصعد في أعماقي،
وسوف أذهب بعيدا، بعيدا جدا، كبوهيمي،
منخرطا في أحضان الطبيعة - كما لو أني مع امرأة
هذه القصيدة من أوائل ما كتبه رامبو. من هنا براءتها المطلقة. ولا يفهمها إلا أبناء الريف الذين ترعرعوا في البراري والحقول، وعاشروا التخوم. ولذلك أنصح أبناء المدن بعدم قراءتها. كل من لا يحب الريف، كل من لم ينصهر بعناصر الطبيعة في الصباحات الزرقاء، أو الأمسيات البيضاء، لا يمكنه أن يفهم قصائد رامبو الأولى. كل من لم يضع في السهوب اللانهائية، كل من لم يعشق امرأة «بدوية» فيما وراء السفوح والمهاوي السحيقة لا علاقة له برامبو. ويا جبل اللّي بعيد خلفك حبايبنا..



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».