رواية «الفقراء»... البيان التأسيسي لكاتب لا يوجد مبدع كبير إلا وفيه شيء منه

احتفاء عالمي بمرور مائتي عام على مولد فيودور دوستويفسكي

فيودور دوستويفسكي
فيودور دوستويفسكي
TT

رواية «الفقراء»... البيان التأسيسي لكاتب لا يوجد مبدع كبير إلا وفيه شيء منه

فيودور دوستويفسكي
فيودور دوستويفسكي

يحتفل العالم مع روسيا هذا العام بمرور مائتي عام على مولد فيودور دوستويفسكي، وهي مدة كافية من الزمن (الناقد الأكثر عدلاً) لامتحان أعماله التي لم تزل ملهمة، حيث لا يوجد مبدع كبير إلا وفيه شيء من دوستويفسكي، وقد تجاوز ظله كتاب الرواية إلى كتاب المسرح والسينما والفكر.
في إحدى رسائله، يعتبر دوستويفسكي «دون كيخوته» أعظم كتاب بعد الكتاب المقدس. وبعد هذه المسافة الفاصلة بيننا وبين دوستويفسكي يمكن القول باطمئنان إن مائة وأربعين عاماً تفصلنا عن رحيله لم تشهد مولد كاتب بحجمه.
تروي الكتب التي تتعرض لسيرته لحظة مولده الأدبي التي لم يحظَ بمثلها أي كاتب آخر، ولم يشهد التاريخ كاتباً صار نجماً للمجتمع الأدبي في بلاده قبل أن ينشر شيئاً!
لقد تحلَّقت حول مهده ثلاث من الأنفس الكبيرة، كانت كافية لميلاد مدوٍ. كان قد استقال لتوه من عمله ضابطاً مهندساً عام 1844، واستأجر مع صديقه ديمتري غريغوروفيتش منزلاً أقاما فيه معاً. وكان ديمتري كاتباً يحظى ببعض الشهرة، بينما بدأ دوستويفسكي في ذلك العام كتابة أولى رواياته «الفقراء»، وعندما انتهى منها في مايو (أيار) 1845 سهر على قراءتها مع صديقه، الذي حملها في الليلة التالية إلى الشاعر نيكراسوف، وأخذا يتبادلان قراءتها بصوت عالٍ حتى انتهيا منها عند الفجر، وقررا إيقاظ دوستويفسكي في تلك اللحظة!
سمع دوستويفسكي الطرقات على الباب. فتح بين مستيقظ ونائم ووجد نفسه في مواجهة صديقه وشريكه في السكن ديمتري غريغوروفيتش والشاعر نيكولاي نيكراسوف. احتضن نيكراسوف دوستويفسكي وهنأه على تحفته الفنية. وفي اليوم ذاته، مرر الشاعر الكبير المخطوط إلى ناقد روسيا الأكبر فيساريون بلنسكي مؤكداً له أن الرواية تنبئ عن مولد غوغول جديد، فأجابه بلنسكي ساخراً: «معك يتكاثر غوغول مثل الفطر». وبعد ثلاثة أيام ذهب دوستويفسكي إلى بلنسكي (ربما أرسل الناقد الكبير في طلبه بعد أن قرأ الرواية)، وعندما رآه سأله: «هل أنت، أنت نفسك تدرك قيمة ما كتبت؟».
وأثبت بلنسكي أن ما قاله لدوستويفسكي لم يكن إفراطاً عاطفياً يغدقه ناقد على كاتب في حديث شخصي لن يطلع عليه أحد، بل كتب عنه بعد ذلك: «المجد والشرف للشاعر الشاب الذي تحب آلهة وحيه سكان السقوف (العليات) والأقبية وتقول عنهم لأصحاب القصور المذهبة: هؤلاء بشر أيضاً، هؤلاء إخوتكم».
وقد صار دوستويفسكي ضيفاً دائماً على صالونات الأدب استناداً إلى شهادة الثلاثة الذين قرأوا مخطوطاً لم ينشر بعد. وقد عرف التاريخ مثل هذا الحماس الآيديولوجي لأعمال خلدت مع أصحابها إلى النسيان، لكن تصادف أن التقت حماسة الاشتراكي بلنسكي مشروع كاتب عظيم، تحقق فيما بعد.
العنوان «الفقراء» في الترجمة الأشهر للدكتور سامي الدروبي، أو «المساكين» في رؤية مترجمين آخرين يدلنا على الموقع الاجتماعي الذي ينظر منه الكاتب. وهو عنوان بسيط يحدد أفق التوقعات في الرواية، على النقيض من العنوان الأدبي الذي ينبغي ألا يوجه القارئ أو يلخص العمل. وستظل هذه سمة عناوين دوستويفسكي على وجه العموم، ويمكننا بسهولة أن نُبدل عنوان رواية بعنوان أخرى دون أن يهتز أفق توقعاتنا في الروايتين؛ فـ«الفقراء» يمكن أن تستعير عنوان «مذلون مهانون» بسهولة، و«الجريمة والعقاب» يمكن أن تتبادل عنوانها مع «الأخوة كارامازوف» أو «الشياطين» أو «الأبله».
ربما كان دوستويفسكي يختار عناوينه بدافع الرواج الصحفي، وعينه على ناشري الصحف وقرائها العجولين، وهي بالفعل عناوين صحافية حاذقة. لكن إمكانية تبديلها تدلنا كذلك على تماسك المشروع وأصالة همومه وأسئلته.
تقوم «الفقراء» على التراسل بين كهل وفتاة شابة، رسالة ترد على رسالة، دون تدخل من راوٍ يصف الشخصية أو الحدث أو المكان. ويمكن النظر إلى ثيمة الرسالة باعتبارها استراتيجية سهلة استكان إليها الكاتب ابن السادسة والعشرين، لكن الرسالة ستعاود الظهور جزئياً في رواياته بوصفها مكوناً مهماً من عناصر السرد، أفقاً للخجولين لكشف أعماقهم بصراحة يعجزون عن التحلي بمثلها عند المواجهة. وللرسالة دورها الحاسم كذلك في تحويل مجرى الأحداث. ففي «الجريمة والعقاب» مثلاً، تبدو رسالة الأم بولخيريا حاسمة في دفع راسكولينيكوف وشحنه بالغضب ما أسهم في إقدامه على جريمة قتل المرابية العجوز. كان الطالب المتوقف عن الدراسة يعتمد على ما ترسله له أمه من القليل الذي تملكه ومن عمل أخته دونيا كخادمة. وقد تناولت الأم في رسالتها ما تعرضت له أخته من تحرش مخدومها سيفيدريجايلوف ثم اضطرارها لقبول خطيب لا تحبه هو بيوتر بتروفتش قريب زوجة المتحرش!
في كل الأحوال، يمكننا في لحظتنا هذه أن ننتبه إلى أن «الفقراء» كانت بمثابة مانيفستو أو بيان تأسيسي، لا من حيث التزام دوستويفسكي بهموم الضعفاء فحسب، بل بوصفها بداية مشروع فني وفكري متماسك ومنسجم على نحو قوي. ومن هذه الملامح:
* تضامن الضعفاء وتبادلهم الشفقة والإحسان فيما بينهم. وعندما تكون مواردهم شحيحة إلى حد العوز يصبح الإحسان تضحية. وهذا هو جوهر ما يفعله ماكار دييفوشكين وفرفارا دوبروزيولوفا فيما بينهما، وما يفعله كل منهما تجاه شركاء معه في السكن يراهم أفقر وأضعف منه. وقد ظل بطلا الرواية يتبادلان الإشفاق حتى انسدت آفاق الحياة بما جعل فرفارا تقبل زواجاً (تعرف أن جوهره بيعاً وشراء) من الرجل الغني بيكوف الذي لجأ إلى حيلة الزواج بعد أن رفضت أن تنقاد له كعاهرة، وإذا بماكار يتخلى عن حبه وينخرط في مساعدتها في تحضيرات الزفاف بقلب دامٍ. هذا النوع من التضحيات نجده كثيراً في رواياته الأخرى، وبالأكثر لدى النساء.
* الإحسان هو الوجه الآخر للإهانة. والبعض يقدم إحسانه خصيصاً لإيقاع الإهانة بمن يحسن إليهم، وهذا ما فعلته قريبة فرفارا التي استضافتها هي وأمها بقصد إهانتهما وتأكيد تفوقها. وحتى لو لم يقصد المحسن إهانة من يحسن إليه، سرعان ما يحس الشخص محل الشفقة بالألم وثقل الدين، وهذا ما كان يحسه المتراسلان في «الفقراء» بين وقت وآخر، وهذا بالتحديد هو سر عصبية الطفلة اليتيمة صونيا في «مذلون مهانون» تجاه تعاطف الكاتب معها، وإصرارها على أن تكون مفيدة له، بل وحجبها ما تعرفه عن بنوتها للأمير فالكوفسكي لأنها ترفض الانتساب إلى رجل أهان أمها وأهانها بإنكاره بنوتها. وفي «الأخوة كارمازوف» يوجه ديمتري إهانة لموظف متقاعد تتحول إلى مأساة للموظف وأسرته يعيشون فيها حتى الموت، وكلما حاول مسيح الرواية «أليوشا» الاعتذار عن أخيه يشتعل غضب الأسرة كلها. وظلت كل محاولة ترضية بمثابة ملح على الجرح. وهكذا فكَّر راسكولينيكوف ذات لحظة، معتبراً تضحية شقيقته الرقيقة من أجله نوعاً من إهانة، ووصل في منولوجاته مع نفسه إلى اتهام الفتاة الكادحة بتعمد إهانته.
* الخجل من الوجود أمام الإحساس بالعجز، عجز الفقير عن الخروج من فقره، عجز السكير عن الإقلاع، حتى عجز المريض عن الشفاء يثير حنقه، ويترجم هذا الخجل من الوجود إلى رغبة في الاختفاء. في «الفقراء» يترك العجوز بوكروفسكي ابنه باتنكا لدى سيدة تكفله بسبب فقر هذا الأب المسكين، ويذهب بين الحين والحين منكمشاً لروئية ابنه: «يوحي إلى من يراه من أول نظرة أنه خجل من شيء ما أو أنه مرتبك بنفسه ضيق الذرع بشخصه، فكأنه يجعد جسمه ويلويه عامداً حتى لا يراه أحد». لاحقاً في «الجريمة والعقاب» ستجعل الرغبة في الاختفاء جسد راسكولنيكوف يتحدب تلقائياً كلما نزل إلى الشارع.
* افتقاد الحب، وبمعنى أوضح «الرغبة الحسية» بين الرجل والمرأة. في ذلك العالم الفقير، لا نقف مطلقاً على أي نزوع حسي بين مكار وفرفارا في «الفقراء»، وقد ظل هذا الملمح واحداً من ملامح كتابة دوستويفسكي. لا تترك «الشفقة» وآلامها فسحة للجسد كي يُعبر عن نفسه بحرية. لا نجد قبلة واحدة في روايات وقصص دوستويفسكي، كأن الشفاه لم تكن قد اختُرعت بعد! وفي المقابل لدينا كثير من الركوع الحزين يتبادله المحبون بعضهم أمام بعض، والأحضان الدامعة من إيفان بتروفتش وناتاشا في «مذلون مهانون» إلى راسكولنيكوف وصونيا في {الجريمة والعقاب}، وأليوشا وليز في {الأخوة كارامازوف}، وفي كل حب أحبته النساء للأمير ميشكين في «الأبله».

* إشارة: الاقتباسات بين الأقواس منقولة من مقدمة د.سامي الدروبي للمجلد الأول من أعمال دوستويفسكي، ومن ترجمته للروايات.



نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.