«كاره النساء» الذي لم ينتمِ لأحد ولا أحد انتمى إليه

سيرة حياتية جديدة عن فيليب روث بعد ثلاث سنوات من رحيله

فيليب روث
فيليب روث
TT

«كاره النساء» الذي لم ينتمِ لأحد ولا أحد انتمى إليه

فيليب روث
فيليب روث

سرد بليك بيلي الشامل لحياة فيليب روث ليس أقل من تحفة سردية بالغة الروعة، والكمال، والخصوصية. سيرة مستقاة من الأزمات الجمة التي ألمت بروث، وانعكست على شكل رغبات متقدة، وتوق لمصير مختلف، إذ لم يكن مقدراً لفيليب روث أن يُعامل معاملة صامتة، وإن تصوره خارج إطار الشهرة المستحقة لهو قدح بالغ السوء في شخصه وشخصيته وأعماله.
لقد جاء الاعتراف به والتقدير له على وجه السرعة. وبدأ الأمر أولاً بإشادة تقليدية إلى درجة ما لأول روايتين من تأليفه: رواية «التخلي»، ورواية «عندما كانت طيبة»، عندما كان روث لا يزال تحت تأثير كتابات هنري جيمس شبه الكلاسيكية التي رفعت الأدب إلى درجات التقديس. ومع ذلك، كان قد نشر بالفعل مجموعته القصصية بعنوان «وداعا كولومبوس»، التي اشتملت على قصص «إيلي المتعصب»، و«حارس العقيدة»، و«تحول اليهود». وحتى قبل الانفجار الأدبي المدوي الذي صاحب روايته «شكوى بورتنوي»، كان روث يحمل سمعة سيئة بشكل واضح بين جموع اليهود، إثر تعمده فضحهم وتشويه سمعتهم.
ومن ثم، تكاثرت المواعظ الحاخامية الساخطة. وشهد عام 1969 ظهور رواية «شكوى بورتنوي» التي أسفرت عن ارتفاع في موجات الغضب اليهودية الهادرة، لكن الرواية استمالت الآلاف من المشترين ذوي العقول المتفتحة، وركزت أضواء الشهرة الفورية على روث، الذي كان لا يزال في الثلاثينيات من عمره. ومن وجهة نظر المواعظ الحاخامية، أن افتراءات جوزيف غوبلز النازية القديمة التي أسفرت عن المحارق ومداخن غرف الغاز قد استلهمتها قريحة رجل يهودي أميركي، بأسلوب عصي على التصور. وما شهده روث بنفسه، الذي أصابه الشيء الكثير من هذه الانتقادات والهجمات، كان عبارة عن فظاظة رعناء جاهلة من قبل عقليات عصية على الانفتاح في مواجهة الحريات، والهجاء الحر، والسخرية اللطيفة.
يقول روث عن ذلك: «يبلغ عمر الجمهورية الأميركية 238 سنة. ولقد كانت عائلتي تعيش هنا منذ 120 عاماً، أو لأكثر من نصف عمر الجمهورية الأميركية نفسها. ولقد وصل أفراد عائلتي الأوائل إلى تلك البلاد إبان الولاية الرئاسية الثانية للرئيس الراحل غروفر كليفلاند، أي بعد مرور 17 عاماً فقط من انتهاء إعادة الإعمار. وكان المحاربون القدماء في الحرب الأهلية الأميركية يناهزون الخمسينيات من أعمارهم. وكان الروائيان الأميركيان الشهيران مارك توين وسارة أورني جيويت على قيد الحياة، كذلك كان المؤرخ الشهير هنري آدامز، وكانوا جميعاً في أوج شهرتهم. وكان الشاعر الأميركي والت ويتمان قد فارق الحياة منذ عامين فقط. ولم يكن لاعب البيسبول الأميركي بيب روث قد ولد بعد. فإن لم أتمكن من الارتقاء إلى مصاف الأدباء الكبار، فما يضيرك إن تركتني أتيه في أوهامي».

علاقات... وعلاقات
يبدو الحياة بنفسها يمكنها أن تمثل أبشع إهانة، وسخرية، متجسدة هذه المرة بماغي مارتينسون، المرأة المطلقة ذات الطفلين، و«صاحبة العزيمة»، إذ تبين أنها ليست أكثر من متشدقة متفاصحة خبيثة الطوية، ومحتالة ومخادعة. لقد خدعت روث بحملها المزيف حتى يتزوجها، وفعل ذلك رغم عدم رغبته في ذلك بالأساس. وتواصلت رحلة الألم الشديد معها عبر سنوات من السخط، والغضب، والتهديد، والانتقام القانوني المريع إلى نهاية بالغة العنف مع سقوط ماغي صريعة حادثة سيارة ليطلق القدر سراح فيليب روث على نحو مفاجئ وغير متوقع.
ثم جاءت الزيجة الثانية، وكانت من السيدة البريطانية كلير بلوم، باقتران مثير للذهول بين فنانين شهيرين: الممثلة والروائي، حيث واصل روث تأليف الحلقات المصورة في إذعان واضح لخدمة مواهب زوجته. غير أنه صُدم في نهاية الأمر إثر هوس زوجته الشديد بابنتها من زيجة سابقة آنا ستيغر، والتي صارت مغنية أوبرا طموحة للغاية. وكان الاشمئزاز متبادلاً بين زوج الأم وابنة الزوجة، كما امتعض فيليب روث امتعاضاً شديداً من تصرفات زوجته المعادية للسامية (رغم أن أجدادها الأوائل عن طريق الأب كانوا يحملون اسم «بلومنتال»، وكان أجدادها الأوائل عن طريق الأم يحملون اسم «غرافيتسكي»، وهي أسماء عائلات يهودية، وهم جميعاً من المهاجرين إلى المملكة المتحدة من مدينة غرودنو في غرب روسيا البيضاء).
وتواترت المآسي، واحدة تلو الأخرى. عندما انتهى فيليب روث من تأليف رواية بعنوان «تزوجت من شيوعية»، وهي عبارة عن تصوير باهت للغاية وبالغ الصراحة عن تجربة زواجه بكلير بلوم، ردت عليها هذه بنشر مذكراتها «الانتقامية» الخاصة بقصة حياتها مع فيليب روث. وجاءت المذكرات تحت عنوان: «مغادرة بيت الدمية». ومرة أخرى، يتحوّل العاشق السابق إلى غريم حانق في جولة من الانتقام الساحق، ولتترسخ اتهامات كلير عن فيليب روث – الكاره جداً للنساء والمحروم للغاية من المشاعر، وظلت هذه الأوصاف ملازمة له حتى يومنا هذا.
تصادقت هذه المصائب المتواترة في حياة روث مع مجموعة من الأمراض المريعة، والعمليات الجراحية المؤلمة، والآلام المبرحة، والانهيارات الداخلية ذات الصبغة الانتحارية، ونوبات الذعر، وجولات الاكتئاب، والاضطرابات النفسية الشديدة الناجمة عن تعاطي المخدرات، تلك الكارثة التي حلّت على حياة روث «كغراب قميء يحوم في كل الأجواء». وفي هذه الأثناء، وخلال الفترات الزمنية الفاصلة بين الحلقات القاسية من آلام حياته، ظل إنتاجه غزيراً، كتاب يتلو كتاباً (بلغ مجموعها 31 كتاباً) مع نيله عدة جوائز، وكذلك عاشقة تلو عاشقة، بعضهن يبقى لبرهة معتبرة من الزمن، في حين تتلاشى الأخريات تلاشي قطيرات الجليد تحت وطأة الشمس الحارقة، سيما بعد بدء نوبات الركود الأدبي، أو عندما يتحول دفء الرومانسية وحرارة العشق إلى صداقة. غير أن إغراءات الشابات الجذابات الصغيرات ظلت تتحكم بحياة الأديب الكبير، بصرف النظر عن كل الظروف المزرية التي توالت عليه.
كما لم يتخلص من «تهمة» كراهية النساء، تلك التي أيدتها قائمة مطولة من الشابات المتيمات سابقاً. كانت مغازلاته في بعض أحيانها باهظة، ومفرطة للغاية في أحيان أخرى: فلقد مرة استأجر سيارة ليموزين فارهة لاصطحاب السيدة بريجيت (اسم مستعار) البالغة من العمر 29 عاماً، وكان فيليب روث قد ناهز السبعين من عمره، في جولة تسوق فاخرة بين أكثر متاجر المدينة أناقة، حيث حصلت السيدة على فستان أسود قصير بمبلغ يصل إلى 1490 دولاراً. وجاءت حصيلة مشتريات تلك الليلة نحو 2563 دولاراً، إذ جعلته كتبه ثرياً للغاية، وصار يمتلك ضيعة منعزلة في ضاحية راقية بولاية كونيتيكت الأميركية.
في كثير من الأحيان، لم تنتهِ كل هذه العلاقات الجميلة، الطويلة منها والقصيرة، بسلام، ومثال على ذلك، كانت السيدة آن مودج، وهي تنتمي لأسرة راقية؛ إذ كان والدها أحد أقطاب صناعة الصلب في مدينة بيتسبيرغ الأميركية. لقد أصبحت ذات ميول انتحارية إثر انهيار علاقتها الطويلة مع فيليب روث خلال أغلب عقد الستينيات. والأخرى هي لوسي وارنر، التي رحلت بمحض إرادتها تاركة رسالة بالغة الأسى قالت فيها: «لا أستطيع إنقاذك يا فيليب، فأنا لا أبلغ سوى 22 عاماً من عمري فقط».
ولكن إن كانت أفعاله مع النساء اللاتي قد أكسبته صفة كاره النساء، فكيف نفسر انفصالاته المتتالية عن أصدقائه القدامى من الرجال؟ كانت إحدى هذه الصداقات قد جمعته مع الكاتب روس ميللر ابن شقيق الروائي الشهير آرثر ميللر، الذي استعان به في معاقبته لزوجته السابقة كلير بلوم على تفوهاتها الخطيرة التي شوهت بها علاقتها معها في كتابها «مغادرة بيت الدمية» سالف الذكر. كان مخططه يدور حول ابتكار سيرة ذاتية تصحيحية، من الناحية الظاهرية مع روس ميللر كمؤلف مفوض، في حين أنه كان خلف الكواليس يشرف على كل مجرياتها بنفسه مع الكثير من الإشراف الدقيق على الأسلوب وزاوية التناول. كانت مقاربة روس ميللر الخاصة لتلك السيرة الذاتية قد أغضبت فيليب روث كثيراً، حتى اتهمه بأنه كاتب لا يحظى بالبراعة الكافية، وأنه «في حاجة إلى معلم للغة الإنجليزية».
لكن، مع تقدمه في السن، وبسبب المعاناة التي ألمت به بسبب قصور في القلب، أخذ فيليب روث يميل للوحدة. كتب مرة إلى كونارو: «إنها شدة الحزن من كل شيء التي تزلزل قلبي». واستمر على هذه الحال حتى وفاته. وأثناء مراسم دفنه، قرأت السيدة جوليا غولييه، مقطعاً حزيناً من كتابه «الرعائي الأميركي»: «أجل، وحدنا نعيش، وحدنا للغاية، وحدنا على الدوام، وأمام نواظرنا، درجة هي أعمق وأعمق من الوحدة في انتظارنا». هل كان فيليب روث، الذي شرع في الكتابة والتأليف تحت أجنحة الروائي هنري جيمس، يستلهم دونما وعي منه كلمات جيمس، الذي كتب مرة: «هذه الوحدة، هل هي أعمق ما سوف يلحظ أحدنا في حياته؟ كلما تعمّقت في ذاتي، على أي درجة كانت، وعلى أي حال من الأحوال، أجد تلك الوحدة ماثلة أمامي، وكأنها أعمق من عبقريتي، وأعمق من انضباطي، وربما أعمق من كبريائي».
رغم كل ذلك، لا يمكن اعتبار روث وحيداً. وفي أواخر أيام حياته، كانت غرفته في المستشفى مليئة على الدوام بالمعجبين والمحبين الكبار منهم والصغار، والتلامذة الحقيقيين، والأصدقاء القدامى. لقد كان أشبه بالملك المحتضر الراقد على برج من التصورات الساخرة، والتخيلات العاصفة، والمآسي المعجزة. لكنه، ورغم طوفان المعزين الذين شهدوا وفاته، لم يكن ينتمي لأحد، ولم يكن ينتمي أحد إليه قط.
- خدمة {نيويورك تايمز}



نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.