أي مستقبلٍ للكتابة في ظل الذكاء الصناعي؟

«ووردسميث» تنتج نصوصها بكفاءة مفصلة إلى حدود النقطة في أجزاء من الثانية

أي مستقبلٍ للكتابة في ظل الذكاء الصناعي؟
TT

أي مستقبلٍ للكتابة في ظل الذكاء الصناعي؟

أي مستقبلٍ للكتابة في ظل الذكاء الصناعي؟

لا يسهل أبداً تقييم التأثيرات المُستقبلية التي قد تأتي بها الثورات التكنولوجية إلى العالم. فمن كان يصدق أن التليغراف سيغير إحساس البشر بالزمن، بعد أن كان خبر هزيمة نابليون في معركة واترلو استغرق شهوراً عدة قبل وصوله إلى آسيا، وأن القطارات التي مُددت لتصل إلى جنوب إيطاليا مع شمالها بدايات القرن العشرين فتحت الباب أيضاً لانتشار مافيات الجريمة المنظمة، وأن السيارة ستصبح سيدة التخطيط الحضري والمديني بلا منازع، وأن تطور الطيران الجوي سيجلب معه إلى جانب فوائد القرية الصغيرة انتشاراً معولماً للفيروسات ليس له مثيل في التاريخ، فوصل «كوفيد - 19» إلى جميع أصقاع الأرض خلال أسابيع قليلة فحسب. ومع ذلك، فإن البشر لا يتوقفون عن اقتراف مزيد من التوقعات حول كل ثورة تكنولوجية جديدة يعيشونها. فهم إما يتصورون تغييرات تنتج عنها في المدى القصير بأقرب مما قد يحتاجه تبلور الأمور، أو يقللون من شأن ما يمكن لتحولات التكنولوجيا أن تفعله في عقد من السنين.
ومع ثورة الذكاء الصناعي التي انطلقت قبل ستين عاماً تقريباً، سارع كثيرون إلى تصور عالم يأتي سريعاً تستغني فيه الآلات المتطورة عن كل جهد بشري، ليتفرغ الناس بعدها إلى قضاء أوقاتهم في التبطل والتثقف. فيما لا يكاد أحد يصدق اليوم ورغم توارد الشهادات عن وجود أنظمة مراقبة متطورة تمتلكها دول كبرى بالفعل، بإمكانها إجراء تطابق في أقل من ثانية واحدة على أي شخص في العالم من خلال بصمة وجهه التي قد تلتقطها كاميرات الطرق أو المعابر ومقارنتها بأي صور سابقة له تتوفر على أي قاعدة بيانات إلكترونية حكومية كانت أو على أي من تطبيقات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.
في هذه المنزلة بين التوقع المتسرع والاستيعاب المتأخر يأتي ذلك التطور الذي يجمع بين تعملق سرعة الحواسيب وقدرتها على التعامل مع حجم هائل من المعلومات الذي يمنح منظومات الذكاء الصناعي الجرأة على الاقتراب ملياً من مساحة أخرى طالما اعتبرناها حكراً على صفوة الأفراد ونتاج إبداع لا يمكن تخليقه في الأجهزة: الكتابة. وها هي شركات التكنولوجيا تخترق جدارنا الأخير عبر عدة تطبيقات يمكنها تقديم خدمات «مكتوبة» أدق وأسرع مما يقدر عليه البشر.
الشركة المالكة لـ«غوغل» استحوذت العام الماضي على «جيت باك» وهو تطبيق ذكي قادر من خلال جمع معلومات وصوراً محدثة لحظياً عن الإنترنت من إنتاج دليل للأحياء والمدن والأماكن والحصول منه على معطيات فورية، بحسب بحث القارئ. فإذا كان المستخدم يبحث مثلاً عن مقهى يرتاده الشباب من عمر معين ومستوى اجتماعي ما فسيقدم له أفضل الخيارات الممكنة، وأقرب الطرق إليها، وكل وصف قد يحتاجه لقضاء وقت على قياس مزاجه بما فيها صور وخبرات مرتادين، بعضهم ما زال في المقهى حتى تلك اللحظة، من خلال ما ينقلونه تطوعاً أو غفلة على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة. والأمر شبيه في كل موضع للاهتمام بالمدينة سواء موقعاً أثرياً أو مسرحاً عاماً أو نادياً للسهر أو مطعماً إثنياً أو سوقاً للماركات المحلية. وهذا يعني بكل بساطة أن صناعة الخرائط السياحية وأدلة السفر الملونة في مئات الصفحات ستنقرض ليس خلال عقد مقبل، وإنما فور انحسار موجة الوباء الأخيرة واستئناف الجمهور العريض فضوله لرؤية طرائق عيش الآخرين.
خطوة «غوغل» تلك جاءت بعد أسابيع فقط من شروع وكالة «أسوشييتد برس» في الاستعانة بتطبيق ذكي لكتابة الآلاف من التقارير والمقالات الفورية عن موضوعات ذات طابع تقني مثل حركة أسواق الأسهم والسندات وإعلانات أرباح الشركات وما قاربها. التطبيق الذي يحمل اسم صائغ الكلم «ووردسميث» ينتج نصوصه بكفاءة مفصلة إلى حدود النقطة في أجزاء من الثانية، الأمر الذي يعني بالمحصلة حصول القراء على التحديثات فور حصولها تقريباً مع الاستغناء شبه الكلي عن تدخل الصحافيين أو المحررين البشريين وإمكان إنتاج التقارير ذاتها بلغات وأنماط ومقارنات مفصلة بحسب حاجات القارئ الواحد إن تطلب الأمر.
وقد يجادل البعض بأن ذلك ممكن ربما في التقارير تقنية الطابع، ولكنه قد يكون قاصراً على مجاراة المعمار اللغوي لكتاب معينين لديهم أسلوبهم المتفرد وقدرتهم على توصيف الأحداث. وهذا نقد مستحق ربما للصيغة الحالية من «صائغ الكلم»، لكن منصة الأنثروبومورفايزد التي طرحتها شركة منافسة قادرة الآن على نشر مواد مكتوبة قريبة من اللغة الطبيعية، وهي تنتج سنوياً عدداً أكبر من التقارير الصحافية التي يدبجها كل الكتاب الصحافيين في العالم معاً وبتكلفة تقل عن 10 في المائة من تكلفة رواتبهم الشهرية. ومع أن أصحاب رؤوس الأموال الذين يستثمرون في مثل هذه التطبيقات يعتبرون أنها تساعد لناحية تحرير كتاب الصحف والمجلات من الأجزاء المملة في عملهم وتمنحهم الوقت والطاقة للتركيز على الجوانب الإبداعية، فإنه لا أحد منهم لديه شكوك في حتمية خسارة قطاع عريض من المحترفين لوظائفهم لمصلحة التطبيقات الجديدة، إن لم يكن اليوم فغداً بالتأكيد.
هذا الغد الآتي سيرتبط بقدرة هذه التطبيقات على التقاط كم هائل من نقاط الارتكاز المعرفية في وقت قياسي من مختلف قواعد البيانات، لتصوغ مقالات محترفة وفق هيكلية معدة سلفاً وبلغة مقبولة للغاية، ربما ليست بمستوى إبداع وليم شكسبير أو أبي الطيب المتنبي، لكنها مع زدياد تنوع البيانات وتراكم تعقيدها، يمكن للخوارزميات في مستقبل منظور أن تبدأ بإنتاج الكتابة ببصيرة تقترب من خيالات البشر، وربما في مرحلة ما - انطلق العمل عليها فعلاً - تجاوزه في مجالات مثل تغطية الحروب والكوارث الطبيعية والمباريات الرياضية وحتى الأنشطة الاجتماعية.
تقوم بعض التطبيقات الذكية الآن بجمع المعلومات عن التجارب الحسية البشرية المحصلة بالحواس الخمس. ولدى شركات التقانة اليوم خوارزميات تحلل الأصوات والموسيقى وتقرأ الصور والتحديثات المكانية والانفعالات والمعطيات البارزة في شكل الوجه أو ردود الأفعال أو صدق الابتسامة، ونوع النشاط الاجتماعي المشترك ويمكنها تالياً كتابة تقرير مفصل حول الأجواء السائدة في معلم جغرافي معين كمطعم أو ملعب لكرة القدم أو شاطئ البحر. وهذه باستطاعتها إنتاج تقارير فورية عن المظاهرات العامة بما في ذلك أعداد الأشخاص وفئاتهم العمرية أو الاجتماعية وهتافاتهم واليافطات التي يحملونها وتطور الأوضاع خلال المظاهرة وأجواء المشاركين فيها وربما تعليقاتهم فيما بينهم عليها في الأيام اللاحقة. وتقوم المؤسسات الإخبارية على نحو مزداد بتجربة الدرونات التي يمكنها نقل الأحداث مباشرة من مواقع أماكن يصعب الوصول إليها من قبل المراسلين، لا سيما أثناء الحروب والاشتباكات. وتجري شركات تقنية أميركية تجارب لجمع معلومات عن السير التفصيلي للمباريات عبر تركيب مجسات استشعار متناهية الصغر تحت ملابس اللاعبين. ويمكن لهذه الأجهزة أن تجمع كماً لا نهائياً من البيانات الفورية عن تقدم الأحداث في اللعبة عبر تتبع حركة اللاعبين وانفعالاتهم «سرعة تصادمهم، وقوة ضربات أقدامهم وهكذا»، مترافقاً مع مسح الأصوات والصور لتنتج مادة ثرية يمكن في لحظتها لتطبيق مثل «صائغ الكلم» تحويلها إلى مقال عاجل للمهتمين يتم تحديثه دورياً بحسب تغير المعطيات، وهو أمر يفوق بالتأكيد قدرة أي مراسل صحافي.
ولتعزيز قدرة التطبيقات مثل «صائغ الكلم» على إنتاج محتوى ذي نكهة شخصية - بنبرة ساخرة مثلاً أو بلهجة محلية أو وفق مصطلحات صناعة محددة - فإن قواعد بيانات هائلة يتم تجميعها حول التعبيرات الساخرة واللهجات المحكية، ومن ثم ربطها بالتعابير اللغوية المستخدمة في ملايين النصوص المكتوبة مسبقاً حول أحداث مشابهة.
لكن، حتى لو وصل الأمر بالأجيال المُقبلة من «صائغ الكلم» وإخوته إلى إنتاج كتابة ساخرة محلية وافية الإلمام بالحدث، فهل سيمكنها في لحظة ما كسر حاجز الإبداع الإنساني الأخير في فضاء تسجيل المشاعر والخبرات الإنسانية الذاتية عبر الرواية والشعر: تجربة الحمل والولادة، وحزن الفقد والموت، ومشاعر الفرح والرغبة، والإحساس بالعجز أمام عبث الوجود؟ نظرياً، ذلك ليس مستحيلاً، وما قد يمنع تَطويره هو حصراً انعدام رغبة رؤوس الأموال للاستثمار في خوارزمية تكتب الرواية أو تنظم الشعر. فتلك بضائع كاسدة في أيامنا، ولا تستحق اهتمام المستثمرين. ولعل كسادها وحده هو ما سينقذ مرتاديها من هجوم الخوارزميات الكاسح على الكتابة: لتظل قلعتنا الرمز الأخير في مواجهة فيضان الأذكياء الآليين عديمي المشاعر.



أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه
TT

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه

كان الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي رحل الخميس الماضي عن 83 عاماً، غزير الإنتاج، وجعلت منه رواياته متعددة الطبقات، التي شرّحت تصدعات المجتمع البرتغالي، عملاقاً أدبياً في مسقط رأسه وخارجه.

على مدار أكثر من 30 رواية ومجموعة من الكتابات الأخرى، رصد أنتونيس ببراعة خروج البرتغال المتعثر من حقبة الديكتاتورية الخانقة للدكتاتور أنطونيو دي أوليفيرا سالازار، التي امتدت من عام 1932 إلى 1968، وما تلاها من حروب استعمارية فاشلة في أفريقيا.

غلاف «ذاكرة الفيل»

وسمح له نهجه التجريبي الجريء في صياغة الشكل الروائي بتجاوز هويته ككاتب «صعب المراس» قادم من دولة أوروبية ثانوية غالباً ما يتم التغافل عنها. وكان اسمه حاضراً بقوة في القوائم القصيرة للعديد من النقاد المرشحين لنيل جائزة «نوبل للآداب»، بل رأى البعض أنه كان يستحقها أكثر من مواطنه البرتغالي خوسيه ساراماغو، الذي فاز بها عام 1998، فيما ذكر أصدقاؤه أنه كان يشعر بشيء من المرارة لعدم نيله الجائزة.

وقد حققت روايته «ذاكرة الفيل» الصادرة عام 1979 شهرة واسعة بين عشية وضحاها، وهي رواية تمحورت حول تجاربه كطبيب عسكري في حرب بلاده في أنغولا. أما روايته الصادرة عام 1983 بعنوان «فادو ألكساندرينو»، فقد سردت الاعترافات المؤلمة لأربعة من المحاربين القدامى في حروب البرتغال الاستعمارية، وهي ذات نسيج سردي متماسك بفضل الحيوية المتوقدة لصورها البلاغية الآسرة.

غلاف «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء»

واستخدم أنتونيس تقنيات مماثلة في روايات كبرى أخرى، مثل «دليل المحققين» الصادرة عام 1996، التي ركزت على سيرة وزير وحشي سابق في عهد ديكتاتورية سالازار؛ أما روايته الصادرة عام 2001 بعنوان «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟»، فقد صورت الرحلات الذهنية المضطربة لابن إحدى الشخصيات الاستعراضية في لشبونة.

بيد أن بعض النقاد لم يقتنعوا تماماً بأساليب أنتونيس، فقد كتب دوايت غارنر في صحيفة «نيويورك تايمز» أنه على الرغم من أن أسلوب «تيار الوعي» لدى المؤلف قد يكون «رائعاً» في بعض الأحيان، فإن رواية «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟» كانت تجربة مضنية للغاية، وأضاف: «أفضل خلع أظفر إصبع قدمي بكماشة صدئة على أن أسير عبر صفحاتها الـ585 المرهقة مرة أخرى». كما كتب ناقد آخر في الصحيفة، وهو ريتشارد إيدر، أن لجنة «نوبل» اتخذت القرار الصحيح باختيار السيد ساراماغو وتفضيله على أنتونيس.

غلاف «دليل المحققين»

ومن وجهة نظر أنتونيس، فإن غياب الحبكة الواضحة هو الأقرب للطريقة التي «يعيش» بها الناس حياتهم فعلياً في الواقع. إذ قال لماريا لويزا بلانكو، التي نشرت كتاباً من الحوارات معه عام 2001: «لا أريد من الناس أن (يقرأوا) رواياتي قراءة عابرة فحسب، وإنما أريدهم أن يعايشوها ويتفاعلوا معها، وأن (يُصابوا بها) كما يُصاب المرء بالمرض».

ينتمي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي ولد في لشبونة في الأول من سبتمبر (أيلول) لعام 1942، إلى الفئة البرجوازية العليا في لشبونة، لكن يصف طفولته بأنها كانت «محمية للغاية، وشبه قبلية». والده هو جواو ألفريدو دي فيغيريدو لوبو أنتونيس، طبيب أعصاب وأستاذ جامعي، ووالدته هي ماريا مارغاريدا ماتشادو دي ألميدا ليما. كان أنطونيو الأكبر بين ستة أشقاء، برز عدد منهم كأطباء مرموقين، بينما شغل شقيقه الأصغر «مانويل» منصب سفير البرتغال لدى المملكة المتحدة.

كانت تنشئة أنتونيس تتسم بشيء من المحافظة والتكلف في أوساط النخبة البرجوازية العليا، وكانت مدينته لشبونة، المتلاشية والكئيبة المطلة على البحر، التي قضى فيها حياته كلها، تظهر غالباً كخلفية مهيمنة في أعماله. فقد كتب في رواية «فادو ألكساندرينو»: «في الخارج، في الشارع، كانت أمطار مارس (آذار) المنسابة من الليلة السابقة تترنح منسالة على الواجهات المتهالكة مثل مكياج امرأة عجوز باكية».

وعلى الرغم من ثقافة والديه الواسعة، فإنهما حافظا على مسافة عاطفية من أبنائهما الستة، فقد وصف علاقته بوالدته في مقابلة مع صحيفة «لوموند» عام 2005 بأنها كانت «علاقة رسمية للغاية». كما كان أنطونيو الشاب يخضع لاختبارات أسبوعية حول القراءات المفضلة لوالده. وفي تلك الأثناء، كانت الديكتاتورية السلطوية تخنق المجتمع البرتغالي، علماً بأن والد أنتونيس كان أحد أطباء سالازار الشخصيين، وتقمع أي معارضة تجاه الحروب الاستعمارية البرتغالية.

يقول أنتونيس لمجلة «باريس ريفيو» في عام 2011 (كانون الثاني): «في نشأتي، كان من الطبيعي ألا تملك جواز سفر، وألا تتحدث في السياسة، وألا تستخدم حتى كلمة ديمقراطية. وأتذكر أنني سألت والدي ذات مرة وأنا صبي: ما هي الديمقراطية؟ فأجابني: اصمت وكُل».

ومع تقدمه في العمر، توترت علاقته بوالده، فعندما نشر أنتونيس روايته الأولى، قال له والده: «يمكن للمرء أن يدرك أن هذا عمل مبتدئ». وذكر المؤلف لصحيفة «لوموند»: «بعد ذلك، لم نتحدث عن أعمالي الأدبية مرة أخرى، رغم أنه أخبر أحد إخوتي بعد سنوات طويلة بأنه معجب بي».

وصف أنتونيس الحرب في أنغولا بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يصفّون بلامبالاة المتمردين الأسرى ويغتصبون الأفارقة

بدأ أنتونيس دراسته للطب في جامعة لشبونة عام 1959، وتخرج طبيباً قبل أن يبدأ خدمته العسكرية عام 1970. وفي العام نفسه، تزوج من ماريا خوسيه زافيير دا فونسيكا إي كوستا، وأنجب منها ابنتين: «ماريا» و«جوانا». ثم تزوج لاحقاً من ماريا جواو إسبيريتو سانتو بوستورف سيلفا، وأنجب منها ابنته الثالثة «ماريا إيزابيل». وبعد طلاقه الثاني، تزوج للمرة الثالثة في عام 2010 من كريستينا فيريرا دي ألميدا.

وفي عام 1973، عاد من أنغولا ليمارس الطب النفسي في مستشفى «ميغيل بومباردا» في لشبونة، وكان يكتب رواياته ليلاً. ومنذ البداية، كانت تجربة الحرب في أنغولا، والندوب التي خلفتها في نفسه، هي الدافع المحوري لأغلب أعماله.

كان يصف الحرب في رواياته بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يشهرون مسدساتهم بلا مبالاة لتصفية المتمردين الأسرى، ويغتصبون الأفارقة تحت تهديد السلاح، في مأساة لم تترك وراءها سوى اليأس. أما أطفال الحرب في قصصه، فقد كانوا مشوهين بالقصور العقلي، وعاجزين عن التأقلم مع ما يُفترض أنه حياة عادية بعد عودتهم إلى البرتغال.

يستذكر في حواره مع مجلة «باريس ريفيو» تجربته في أنغولا قائلاً: «كل ما أردته هو العودة حياً. أتذكر أننا كنا نحتفظ بتقاويم ونشطب على كل يوم نبقى فيه على قيد الحياة! لقد تحدثتُ مع أشخاص شاركوا في حرب فيتنام وحرب الجزائر، وفهمتهم تماماً».

وتناولت كتبه الثلاثة الأولى معاناة قدامى المحاربين الذين تطاردهم الأشباح، وظلت الحرب وسمة بادية للغاية ولازمة في كل رواياته اللاحقة. وكان من بين آخر أعماله المنشورة رواية «حتى تصبح الحجارة أخف من الماء» (2016)، التي استكشفت بأسلوب نثري تجريبي الهزات الارتدادية الناجمة عن حرب أنغولا.

وبوصفه كاتباً مارس الطب النفسي، أراد أن تعكس كتاباته تقلبات العقل البشري، إذ أوضح للناقدة رافائيل ريرول في صحيفة «لوموند» عام 2005، أن ما كان يحاول فعله هو «وضع نفسي في حالة قريبة من الحلم، حتى تخُفف من قسوة الرقابة الداخلية المعتملة في ذهني».

وأوضح أن تلك «الرقابة» هي التي «تحول بيننا وبين التفكير بطريقة غير ديكارتية»، مُبيّنا إيمانه بعدم خطية الإدراك البشري. وكتب الكاتب الفرنسي هادي قدور في صحيفة «لوموند» أن التخلص من هذه القيود سمح لأنتونيس بـ«إدراك العالم على حاله، قبل أن ننسقه وفق فئاتنا الاجتماعية كي ندركه»، مقارناً إياه بمارسيل بروست وفيرجينيا وولف.

وفي معرض تلخيصه لمفهومه عن الرواية، قال أنتونيس بأنها: «هذيان مُنظم».

* خدمة «نيويورك تايمز»


يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان
TT

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

عن دار «منشورات الربيع» بالقاهرة صدرت رواية «المساكنة الملعونة» للكاتبة السورية سوسن جميل حسن، وهي نص لفت الأنظار مؤخراً بسبب موضوعه المختلف الذي يختلط فيه جمال الإبداع بقسوة المحتوى؛ إذ تتناول المؤلفة تجربتها الشخصية مع مرض سرطان المخ الذي داهمها العام الماضي على نحو مفاجئ، حين كشفت الفحوصات عن ورم بحجم كبير وفي مرحلة متأخرة.

خضعت الكاتبة التي تقيم بالعاصمة الألمانية برلين إلى أكثر من جراحة عاجلة لإزالة الورم، لكنها سرعان ما أمسكت بجهاز «اللابتوب» وهي على الفراش لتبدأ في طرح تأملات وانفعالات في الموت والحياة عبر نص ينتمي إلى أدب السيرة الذاتية وكتابة اليوميات، على نحو يفيض عذوبة وشجناً بكلمات شديدة الصدق والواقعية.

ما زاد من عمق التجربة أن سوسن هي بالأصل طبيبة، وسبق أن عملت لسنوات طويلة ضمن منظومة وزارة الصحة السورية، تخصص أمراض الباطنة، قبل أن تغادر البلاد إلى ألمانيا بعد حماسها لأحداث ثورة 2011 وتعاطفها مع المتظاهرين عبر مقالات صحافية دأبت على نشرها بانتظام. وتستهل المؤلفة عملها بإهداء لافت إلى أفراد من عائلتها تقول فيه: «إلى ميسون، محمد، لمى، سليم، ريم، لين، لارا، لولا فيض محبتكم التي غمرت روحي ما استطعت الصمود، أحبّكم».

تقول المؤلفة في السطور الأولى من الرواية: «ها أنا في اليوم السادس والسبعين بعد لحظة الحقيقة. كانت تلك اللحظة في السابع والعشرين من آذار/ مارس 2025، يوم رأيت الموت للمرة الأولى في حياتي».

وتضيف: «لم أكن أشعر فيما مضى أن الموت قريب إلى هذا الحد، لكن الواقع قدّم لي الدليل الدامغ: الموت جزء من الحياة، هكذا كان عقلي يرسمه، وأدّعي فلسفة أُقنِع نفسي بها، لكنه عندما حضر وواجهني هازئاً بي، لم تنجدني الفلسفة، ولا ادعاءاتي السابقة كلها».

تكشف الرواية مشاعر البطلة وهي تكتشف إصابتها بسرطان الرئة مع انتقالات إلى الدماغ، وكيف أن تصنيفها من حيث مرحلة المرض هو المرحلة الرابعة، وعندما سألت طبيب الأورام عن العمر المقدر أن تعيشه، قال بكل وضوح إن ربع المرضى مثلها فقط يعيشون لخمس سنوات، فتتساءل: «خمس سنوات؟ وأحلامي؟ ومشاريعي؟ والروايات التي عزمت على تأليفها؟». وتروي المؤلفة كيف كانت مضطربة وتشعر برهبة من دخولها هذا النفق، المسمى بجهاز الرنين المغناطيسي؛ فهي التجربة الأولى لها على الرغم من معرفتها المسبقة به، والتطورات التي وقعت عليه منذ استخدامه لأول مرة في تصوير كامل الجسم عام 1977، لكنها بقيت مضطربة وخائفة. ومن دون محاكمات عقلية حينها وإنما بخيارات عاطفية، قرّرت أن تلجم خوفها، وأن تظهر بصورة المرأة ليست القوية فحسب، بل الجبارة.

كان هذا القناع الذي لبسته منذ أكثر من ثلاثة عقود، عندما تُوفِّي زوجها ووالد ابنتها وابنها، مخلفاً وراءه تركة ثقيلة من الديون والقضايا، حين كانت صبية لم تكمِل 34 سنة، وكان التحدي كبيراً، ولا بد من إظهار القوة عند امرأة «أرملة» في مجتمع ذكوري يعُدّ المرأة «غير المحروسة بذَكَر» جسراً يمكن المرور فوقه من دون إذن، وفق تعبير النص.

وُلدت سوسن جميل حسن في مدينة اللاذقية عام 1957، ودرست الطب البشري في جامعة «تشرين»، وعملت في المشافي التابعة لوزارة الصحة، وتولت مناصب إدارية طبية. صدرت روايتها الأولى «حرير الظلام» في 2009، ثم توالت أعمالها تباعاً: «ألف ليلة في ليلة»، و«النباشون»، و«قميص الليل»، و«خانات الريح»، و«وارثة المفاتيح»، فضلاً عن «اسمي زيزفون» التي وصلت إلى القائمة الطويلة في الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر».


أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية
TT

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

في أكتوبر (تشرين الأول) 1849 غادر مكسيم دو كامب البالغ من العمر 27 عاماً، وهو صحافي طموح ذو آمال عريضة، مدينة باريس لتصوير مواقع متنوعة عبر شرق البحر المتوسط. وبعد أن شُجِّع رسمياً على استغلال «الدقة التي لا تقبل الجدل» في التصوير الفوتوغرافي الناهض كفن حديث آنذاك، عاد إلى فرنسا بعد عام ونصف العام ومعه أكثر من 200 صورة، اختير منها 125 صورة لتشكل مادة لكتابه «مصر والنوبة وفلسطين وسوريا»، وهو أول كتاب مصور فوتوغرافياً يُنشر في فرنسا.

يتخذ الباحث والمؤرخ في شئون العمارة والفنون التراثية دكتور خالد عزب من تلك الواقعة مدخلاً لكتابه «الشرق بعيون الكاميرا الأولى - أقدم الصور الفوتوغرافية لمصر والشام» الصادر أخيراً عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة والذي يرصد تجارب الرحلات الأولى التي قام بها صحافيون ومغامرون ومستشرقون أخذوا على عاتقهم الاستفادة من نشأة الفوتوغرافيا كأداة لتسجيل وتوثيق ونقل عالم الشرق إلى مواطنيهم وقرائهم في الغرب عبر الكتب والصحف على حد سواء.

قضى مكسيم عشرة أيام في الإسكندرية، ثم ذهب إلى مدينة رشيد واستقل قارباً للقاهرة، حيث مكث من نوفمبر (تشرين الثاني) 1849 حتى فبراير (شباط) 1850 وزار حي «المطرية» والأهرامات، ثم عرج على الصعيد والتقط صوراً لمحافظة بني سويف، حتى وصل إلى معبد «أبوسمبل» وتجول بين أعمدته الشاهقة وكالعادة سجَّل ملاحظاته بكل دقة وفق منهج واضح في الكتابة والتحليل.

أشادت آراء نقدية في الصحف الفرنسية بأعماله المصورة ورأت فيها «معياراً جمالياً للتصوير الوثائقي»، حيث تُقدَّم مطبوعاته الورقية بدرجات ألوان باردة متدرجة، وصفها أحد النقاد بأنها «رمادية زاهية»، كما تتمتع هذه الأعمال بـ«بنطاق مدهش من الألوان الدافئة والعمل اليدوي والتوهج الذي يذكرنا بأصلها المتوسطي». وعلى الرغم من تركيز الكتاب على المعالم الأثرية والأطلال القديمة، فإنه يقدم أيضاً دليلاً على الحضارة الحديثة التي نشأت في العمارة ومشاريع الري والهندسة.

ويتطرق خالد عزب كذلك إلى دي برانجي ورحلته إلى الشرق، معتبراً أننا هنا أمام واحدة من أفضل مجموعات الصور التي التُقطت لمصر والشام في الحقبة الأولى لانتشار التصوير الفوتوغرافي.

ولد جوزيف جيرالد دي برانجي بفرنسا في 2 أكتوبر 1804 لعائلة ثرية وظل طفلاً وحيداً بعد وفاة إخوته، درس الرسم وواصل دراسته في باريس حيث حصل في عام 1828 على دبلوم في الفنون، وكان لديه اهتمام بدراسة الآثار، كما كان له دور مميز في الحفاظ على تراث فرنسا، لكن طغى عليه اهتمامه بالثقافة الإسلامية بشكل خاص، فضلاً عن الهندسة المعمارية والبستنة.

كانت له رحلات عديدة إلى الخارج فزار في الفترة من 1831 إلى 1834 كلاً من إيطاليا والجزائر وإسبانيا وصقلية وسويسرا حيث قدم خلالها رسومات للآثار والمناظر الطبيعية. بعد إقامة دي برانجي في روما، ذهب إلى اليونان ثم القاهرة والإسكندرية، فضلاً عن القدس وبعلبك ودمشق وحلب.

بالنسبة إليه، كانت الصور الفوتوغرافية مجرد أداة في خدمة الرسم ووفرت له نسخاً دقيقة للآثار لتبرز التفاصيل المعمارية الدقيقة، حيث قام بتصنيف لقطاته التي لا تعد ولا تحصى بعناية، وكتب على ظهرها التواريخ والأماكن التي التقطها فيها لكنه لم يفكر في عرضها على الفور، لتنشر فيما بعد تباعاً.