قواعد العشق على طريقة دانتي أليغييري!

700 عام على رحيل صاحب «الكوميديا الإلهية»

قواعد العشق على طريقة دانتي أليغييري!
TT

قواعد العشق على طريقة دانتي أليغييري!

قواعد العشق على طريقة دانتي أليغييري!

يكشف كتاب «دانتي أليغييري» عن أهمية الانتباه لمؤلفات أخرى لصاحب «الكوميديا الإلهية» دانتي أليغييري (1256 - 1321)، أحد رواد الأدب الكلاسيكي في إيطاليا وأوروبا في القرون الوسطى، كما يكتسب أهمية خاصة، كونه يصدر بالتزامن مع مرور 700 عام على رحيله.
صدر الكتاب عن دار المعارف بمصر، وترجمه للعربية د. حسين محمود، أحد أساتذة الأدب الإيطالي المعروفين بإنتاجهم الوافر في هذا السياق. ويرى أن الكتاب هو بمثابة «كُتيب» يمهد من خلاله دانتي للكوميديا الإلهية، ويتحفظ على كونه - كما يذهب النقاد - قصة ملهمة دانتي وحبيبته بياتريتشه، بل يراه كتاباً عن الشاعر نفسه.
يبدأ الكتاب بمقدمة قصيرة للغاية، يورد فيها الشاعر تعبيراً يمكن أن يعد مفتاحاً لفهم العمل كله، وهو «مفتتح حياة جديدة»، والمفتتح أو الاستهلال يكون في الغالب للأعمال الفنية عامة، والأعمال الموسيقية على نحو خاص. ومن ثم قد نعتبر مفتتح «حياة جديدة» لدانتي هو بداية حياته كشاعر ومؤلف. هي حياة جديدة تتميز عن حياته القديمة قبلها. ثم بعد ذلك يذكر أهم ما في هذه الحياة الجديدة، وهما شيئان لا ثالث لهما: شعره وملهمته.
والملهمة عند دانتي هي «بياتريتشه»، وكما يحكي هو «كانت طفلة، إذ التقاها وهو في أواخر عمر التاسعة، وهي في أوائل التاسعة» وقد أشعلت حبه، وكلاهما في هذه السن الصغيرة.
ثم يستعرض الكتاب قصة هذا الحب الذي استمر بداخله طيلة حياته، وانتهى واقعياً بموت بياتريتشه وهي سن الثامنة عشرة. أي أن هذا الحب الكبير النبيل استمر طيلة تسع سنوات هي سنوات الطفولة والمراهقة عند الشاعر وملهمته.
رآها، أو تجلت له، فارتجف قلبه وأصابه داء الحب، ثم مر بمراحل الحب كلها، وقال في كل مرحلة شعراً، ما بين السوناتا والأغنية، والجنسان مرتبطان بالموسيقى؛ ومن ثم فمفتتح «حياة جديدة» بالنسبة له ارتبط بشعره أكثر من ارتباطه بقصة حبه.
ورغم كل ما يسوقه المترجم للتأكيد على أن الكتاب ليس مجرد كتاب عن الحب وإنما عن الشعر والذات كذلك، فإنه يبقى مرتبطاً بعلاقة حب من طراز خاص. كانت العين أداة التواصل الوحيدة بين الحبيبين، فهما لم يتبادلا أي كلمات في حياتهما لنصبح أمام حالة أشبه ما تكون بـمفهوم الحب الصوفي أكثر من أي نوع آخر من الحب. إنه حبٌّ كله رؤى وتجلٍّ تسانده تأويلات الشاعر نفسه لشخصية بياتريتشه، على أنها قد لا تكون بشراً، وأنها مصدر النعمة والبركات، أو أنها مرتبطة بـ«قوى سماوية»، أو مرتبطة برقم تسعة الذي ينطوي تفسيره الشفري على أبعاد دينية لاهوتية.
إنه حب أفلاطوني يعود إلى التراث الكلاسيكي الذي نهل منه الشاعر وكان له وزنه في هذا العمل وفي غيره، وربما لم يكن حباً خالصاً على الإطلاق. فقد بدأ دانتي عمله بتصوير العشق حسب أسلوب أدبي شاع في عصره، وليس في الحقيقة أو الواقع.
وفي هذه الأشعار، وما رافقها من نثر، يستخدم الشاعر الوصف الأساسي الذي آثر المترجم أن يعبر عنه بـ«محبوبتي النبيلة». يروي دانتي كيف تعرض هذا الحب إلى هزة بسبب تهكم محبوبته على حاله في عشقها، ثم تعرض مرة أخرى إلى خطر النفي والإلغاء عندما رأى امرأة أخرى لا تقل عنها جمالاً ولا عاطفة، وفي هذه الحالة كان دانتي يذكر بياتريتشه ويخاطبها أحياناً بشكل محايد: «هذه المرأة» أو «امرأتي» أو «تلك المرأة»، كأنما أصبحت بالنسبة له، على الأقل نفسياً، شخصاً غير محبوب وغير نبيل القلب. ثم لام نفسه على محاولة توجيه الحب لغيرها، وعندها عاد إلى استخدام «المحبوبة النبيلة» للإشارة إليها.
وحتى نستطيع أن نفهم الدور الذي تلعبه الملهمة في أدب تلك الفترة، ومفهومَ الحب السائد في شعر المدرسة الصقلية التي أخذت منها المدرسة الفلورنسية، التي ينتمي إليها دانتي، والمعروفة باسم مدرسة «الأسلوب العذب الجديد»، يقول د. حسين محمود إن الحب في ذلك العصر، أي في العصور الوسطى المتأخرة، كان يسمى بـ«الحب البلاطي»، وهو وصف أطلقه عليه ناقد فرنسي عام 1883 هو «جاستون باريس». والمقصود بالبلاط هنا بلاط قصور الملوك والأمراء والسادة، وأبطاله هم الحاشية، الذين كانوا بالتأكيد من الطبقة العليا الأرستقراطية، أو من الفرسان. ويشمل مفهوم الحب البلاطي قيم وأخلاقيات بلاط الملوك، وبصفة خاصة «النبل». إنه حب أفلاطوني يعود إلى التراث الكلاسيكي الذي نهل منه الشاعر.
ومن سمات هذا الحب تقديس المرأة، التي ينظر إليها حبيبها على أنها كائن علوي سماوي، لا يمكن الوصول إليه، وكذلك دونية الرجل أمام المحبوبة. ورغم تسليم دانتي بهذا فإن شعره ينطوي على مناوأة لهذا التصور ومحاولة (فاشلة) في التخلص منه. وهو أيضاً الحب بلا انتظار لمقابل، أي أن الحبيب لا يطلب أي شيء مقابل طاعته للمرأة وعطائِه لها. ومع ذلك، لا يتعلق الأمر بالحب الروحي الأفلاطوني بشكل بحت، بل هو على العكس يبدو أحياناً مقروناً بالتأمل الحسي، أي أن له وجهاً مزدوجاً، فهو يحتل مكاناً وسطاً بين الرغبة الحسية والتوتر الروحي، ويقاس في المسافة الفاصلة بين المعاناة واللذة، وبين الكرب والانتشاء، ولذا فإن علاقة الزواج لا تتحمل مثل هذا الحب الذي يجعل الحبيب يحس بالكرب والانتشاء في الوقت نفسه.
يقع الكتاب في 42 فصلاً موجزة تجمع بين الشعر والنثر ومنها قوله دانتي حين وقعت عيناه على محبوبته للمرة الأولى: «في تلك اللحظة أقول بصدق إن روح الحياة، التي تسكن في قلب القلب، وفي حجرته السرية، بدأت ترتجف بشدة، فظهرت بشكل مرعب في أدق نبضات الجسد؛ أقول هيمَنَ الحبُّ على نفسي، التي سرعان ما مالت إليه، فراح يمارس سلطته وسلطانه علي، بفضل ما أسبغ عليه خيالي من مزايا، حتى صرت أنفذ كل ملذاته بالكامل. ومنها أمره لي في مرات كثيرة أن أسعى لرؤية الملاك الصغير، فرحت أبحث عنها في نفسي غير مرة، فرأيتها نبيلة جديرة بالثناء».
تموت بياتريشته، فيحزن دانتي لرحيلها ويقول في ذلك: «كانت من أكثر فتيات تلك المدينة جمالاً، ورأيت جسدها مسجّى بلا روح، وسط العديد من النساء اللواتي يبكين من شدة التأثر. عندئذ تذكرت أنني رأيتها من قبل بصحبة محبوبتي النبيلة، فلم أتمالك نفسي وأهرقت بعض الدموع، بل إنني وأنا أبكي فكرت في أن أقول بضع كلمات عن الموت، عرفاناً برؤيتي لها أحياناً مع محبوبتي:

«اِبكوا أيها العشاق لأن الحب يبكي،
عندما تسمعون سبب أنينه
الحب ينصت إلى نحيب السيدات الحزينات،
والحزن من عيونهن ينساب،
لأن الموت الجبان
عمل عمله القاسي في ذلك القلب النبيل،
فأفسد كل ما يستحق الثناء في هذه الدنيا
لدى امرأة نبيلة عالية الشرف.
اسمعوا كيف كرمها الحب،
الذي رأيته رأي العين ينتحب
يرثي موتها الحادث،
وهو لا يكف عن النظر إلى السماء،
إلى حيث استقرت روحها الجميلة،
يا لها من امرأة كان لها سحر خلاب».
ويتصدى دانتي للإجابة عن السؤال الكبير: ما الحب ؟ فيجيب: «حالما انتشرت قصيدتي الأخيرة عن العشق إلى حدٍّ ما بين الناس، حدث أن سمعها أحد الأصدقاء، ودفعته رغبته إلى أن يرجوني أن أقول له ما الحب، ولديه أمل في أكثر مما استحق، ربما بما سمع من كلماتي. لذلك، فكرت أنه من المستحسن أن أعالج موضوع الحب، وأعتقد أن هذا الصديق سوف يسعد بأنني قررت أن أقول هذه الكلمات التي أعالج فيها الحب، ثم كتبت سوناتا «الحب والقلب الرقيق»:

«الحب والقلب الرقيق شيء واحد،
هكذا يقول الحكيم في شعره،
والواحد دون الآخر يصبح هباء
مثل الروح العقلية دون عقل.
الطبيعة عندما تكون محبة،
تتخذ الحب ربّاً لها، والقلب لها بيتاً،
يستريح فيه وينام
قليلاً أحياناً وكثيراً أحياناً.
يظهر الجمال في امرأة حكيمة،
يعجب العينين، فيولد في القلب
الشوق إلى المسرة.
وأحياناً يدوم الشوق طويلاً في القلب،
حتى يوقظ روح الحب.
وكما يفعل هذا مع المرأة يفعله أيضاً مع الرجل الفاضل.

يواصل دانتي مرثيته للمحبوبة محاولاً أن يصمد بروحه المنكسرة في وجه الموت، ويذكر أن عينيه تعبتا من كثرة البكاء لدرجة أنهما لم يعد بإمكانهما تخفيف حزنه، لكنه في سبيل ذلك لم يجد سوى الشعر يخفف عنه وطأة تلك المحنة فيكتب أغنية عن العيون التي تتألم من أوجاع القلب:

«العيون تتألم من أوجاع القلب
فقد عانت من ألم الدمع،
حتى استسلمت لهزيمتها.
الآن، إذا كنت أرغب في التنفيس عن الألم،
الذي يقودني شيئاً فشيئاً للموت،
يجدر بي أن أتحدث وأنتزع الويلات.
ولأنني أذكر أنني تحدثت
عن امرأتي، عندما كانت على قيد الحياة،
مع النساء النبيلات، فأتحدث إليكن طائعاً،
وليس مع غيركن،
إلا من له قلب نبيل مثل قلب المرأة...
وسأخبركن عنها وأنا أبكي، لأنها
ذهبت فجأة إلى السماء،
وتركت سيدي الحب معي يتألم».



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».