الشعر في زمن الأزمة

«القصيدة أنت» مختارات من الشعر الأميركي المعاصر

دبليو إتش أودن
دبليو إتش أودن
TT

الشعر في زمن الأزمة

دبليو إتش أودن
دبليو إتش أودن

حتى في الحرم الجامعي، نادراً ما تلقي قصيدة بصوتٍ عالٍ في العراء. وإذا حدث، فغالباً ما يكون مؤشراً على حدوث شيء مريع. ففي الأيام التي أعقبت الانتخابات الرئاسية لعام 2016، صادفت أكثر من نسخة مطبوعة من قصيدة دبليو إتش أودن، بعنوان «1 سبتمبر 1939»، منشورة على أبواب المكاتب ولوحات الإعلانات؛ تلك القصيدة التي كُتبت على شفا الحرب العالمية الثانية تتحسر على المعاناة التي تنتظرنا، وتستحضر الملائكة التي قد تحملنا برفق، ليأتي المقطع الأخير الذي يقول لنا: «يجب أن يحب بعضنا بعضاً أو نموت».
ولقد انتهى الأمر بأودن إلى بغض تلك القصيدة، حيث رأى أنها تقدم راحة زائفة، وحاول مراجعة الخط الرئيسي، وصولاً إلى البيت الذي قام بتعديله ليصبح: «يجب أن يحب بعضنا بعضاً ثم نموت». ولا شك في أن هذا التعبير أكثر دقة، لكن الإصدار الأصلي يساعد كثيراً منا على الشعور بأنه أقوى قليلاً وأقل وحدة. فعلى الرغم من ذلك، فإن جملة أودن التي ظلت عالقة معي دائماً تأتي من مرثاته لصديقة ويليام باتلر يتس التي تعلنها صريحة أن «الشعر لا يحدث شيئاً».
ذكر أحد الزملاء هذا البيت عندما تحول اجتماع أعضاء هيئة التدريس إلى مناقشة الانتخابات، وما يجب القيام به. ووفقاً لهذا الزميل، فإن هذا يعني أنه يجب علينا ألا نكتفي بتدريس الأدب، ولكن يجب أن نتخذ إجراءات حقيقية، ونحقق شيئاً ما. فقد بدا أنه من غير المجدي إخباره بأنه أساء فهم القصيدة تماماً. إن أودن يمجد قدرة الشعر على الاستمرار والمثابرة، ويجعل «لا شيء يحدث» بمنع أنواع معينة من الخسارة والتغيير. بعبارة أخرى، لم تفعل قصائد ييتس شيئاً لمنع موته، لكنها ساعدته على الصمود والبقاء في ذاكرتنا.
أشارك أودن الأمل في أنه بدلاً من إحداث شيء ما، يجهزنا الشعر لنوع من البقاء -وحتى المقاومة- قد يكون حيوياً في السنوات الآتية، لكنني أشاركه أيضاً قلقه من أن الاعتقاد في هذا سيصرفنا عن الأمور الأكثر إلحاحاً.
ستذكر اختيارات بيرت ومقالاته حتى القراء الأكثر إحباطاً من الدعم الذي يمكن أن يوفره الشعر، ولماذا نجهد أنفسنا في كتابته وقراءته وتدريسه.
توفي أودن في وقت مبكر قبل أن يكون له قصيدة في أحدث كتاب لستيفن بيرت الذي حمل عنوان «أنت القصيدة: 60 قصيدة أميركية معاصرة وكيف تقرأها». ولكن، هل يقدم الشعر أنواع التوجيه والعزاء التي نحتاج إليها في أوقات كهذه، أم أن الشعراء وعشاق الشعر يشبهون إلى حد كبير فلاسفة الكراسي، وسائقي المقعد الخلفي، والوسطاء في صباح الاثنين، الذين يقدمون تصريحات كبيرة ووضوحاً في الإدراك المتأخر، لكنهم لا يفعلون شيئاً حقيقياً؟
سيكون من الظلم أن نأمل أن يجيب بيرت عن هذه الأسئلة، لكن القصيدة هي أنك تقدم نماذج إرشادية لما يمكن أن تفعله قراءة الشعر المعاصر، سواء سياسياً وغير ذلك. تعمل اختيارات بيرت وتعليقاته على تخيل كيف يمكن للشعر أن يستمر في التمتع بجمهور عام خارج قاعات الأوساط الأكاديمية - كيف يمكن للشعر المعاصر أن ينصح الناس ويريحهم في الأوقات الصعبة، كما فعل أودن.
هيكل الكتاب بسيط، ولكنه غير عادي، حيث يقدم بيرت 60 قصيدة قصيرة، كل منها لشاعر مختلف، بترتيب النشر الزمني. ويبدأ الكتاب بقصيدة جون آشبري من عام 1981، بعنوان «التناقضات والتعارضات» التي استمد من سطرها الأخير عنوان الكتاب، وينتهي بكتاب روس جاي، بعنوان «البكاء»، الذي نُشر لأول مرة في عام 2015. ويتبع بيرت كل قصيدة بمقال صغير عادة ما يكون بطول ثلاث إلى خمس صفحات. تمزج هذه القراءات التفسير النصي اليقظ مع مجموعة رائعة من النقاط السياقية، من تاريخ الأشكال الشعرية إلى سيرة الشاعر. قلة من النقاد الأحياء يمكنهم مضاهاة الاقتصاد والبصيرة في قراءات بيرت الدقيقة. وعلى الرغم من أنه لا يعد النقاد الأدبيين جمهوره الأساسي، فإن كتابه يقدم لنا فصلاً دراسياً رئيسياً في ممارسة النقد.
يفضل كثير من العلماء اليوم تقديم روايات تاريخية عن إنتاج النص واستقباله، أو السماح لأجهزة الكومبيوتر بالقراءة وعمل رسوم بيانية ملونة حول الكتب. ومن دون الاستسلام للجمالية الساذجة التي يُتهم بها القراء الجيدون أحياناً، تذكرنا المقالات القصيرة لبيرت بمدى القوة التي يمكن أن تكون عليها القراءة المتأنية، ومدى أهمية الحصول على أي قصيدة يجب أن تقدمها. على سبيل المثال، يبدأ نقاشه حول «طبيعتنا» لراي أرمنتروت بمطالبتنا بعدم النظر إلى القصيدة، وبدلاً من ذلك النظر إلى صورة قديمة لأنفسنا. فقصيدة أرمنتروت -كما يبين بيرت- تشرح كيف أن إيماءات احترام الذات هذه يمكن أن تجعلنا نشعر بالعزلة والتفاعل الاجتماعي.
ويتألق كل مقال من تلقاء نفسه لأن القراءات لا تتجه نحو مناقشة أوسع. فإذا كانت هذه التفسيرات الستين مجتمعة تقترح طريقة لقراءة الشعر بشكل عام، فإنها تفعل ذلك بشكل ضمني فقط. فالكتاب يفتقر إلى أطروحة مركزية، ويحتل مكاناً غريباً بين أنواع النقد. إنه يُذكرنا بالكتاب المدرسي، لكنه لا يحاول تغطية مجال ما بشكل منهجي، حيث يستحضر تنظيمه الزمني وتركيزه على فترة زمنية معينة وشعب معين بمجلدات المختارات الشعرية. ومع ذلك، فإن المقالات أطول وأكثر إمتاعاً من الحواشي الرئيسية في المختارات الشعرية. ولا يقدم بيرت هذه الاختيارات بصفتها ممثلة بشكل خاص للشعر الأميركي منذ عام 1980. وبدلاً من ذلك، يقدم سلسلة من «القصص المتداخلة المترابطة حول حالة الفن... يناقش الشعراء الصغار والكبار، التجريبيين والتقليديين. وأولئك الذين يعرفون المجال بالفعل سوف يتعرفون على كثير من المعالم المهمة، وبعض المفاجآت المرحب بها. وسوف يتمتع هؤلاء الجدد بمسار يسهل التحكم فيه عبر تضاريس صعبة في بعض الأحيان».
وعلى الرغم من أن بيرت لا يقدم حجة منهجية، فقد أشار إلى أن القصائد المختارة «تقوم بمهمة واحدة على الأقل من مهمتين». كثير منها يقول: «دعونا نتخيل الحياة الداخلية لشخص آخر»، وآخرون يقولون «الشعراء يجعلون اللغة غريبة» باستخدام الكلمات «بطرق نمطية للغاية»، مما يؤكد كيف أن للكلمات أبعاداً صوتية ومرئية. وبوضع هاتين المهمتين جنباً إلى جنب، فإن بيرت يدعو إلى الاعتدال. فغالباً ما يكره أتباع التجريب الشعري القصائد التي تكشف عن الحياة الداخلية، كما لو كانت القصيدة مجرد نوع خيالي من تدوين اليوميات. وبصفتهم طليعيين، غالباً ما يبحثون عن طرق كتابة أقل تعبيراً وأقل فردية. ولحسن الحظ بالنسبة لهم، فإن معيار بيرت الثاني الذي سماه «المرح اللغوي» يشير أيضاً إلى أنواع التجارب التي تجعل الشعر الأميركي الحديث صعباً للغاية، وبالنسبة لكثيرين مثيراً جداً للاهتمام. ويعترف بيرت بفئة من التجريبين «الذين يريدون قصائد لا تعتمد على مفاهيم الوعي الفردي أو الشعور أو الصوت»، ويضمن بعض الأمثلة: روبرت جرينير «حذاء من الأمواج»، ولوسترون «البيت الذي تنتظره أميركا». ومع ذلك، فهو يشير أيضاً بشكل صحيح إلى القيود المفروضة على مثل هذه الالتزامات المعادية للفردية، لأنه حتى القصائد غير الشخصية «تم تقديرها ومشاركتها وتقليدها من قبل الكتاب الفرديين الذين استخدم معظمهم أسمائهم الفردية». لهذا السبب، يتضمن الكتاب «مزيداً من القصائد التي تحكي قصصاً أو تتضمن على الأقل قصصاً، ومزيداً من القصائد التي تصور مشاهد متسقة، ومساهمات أقل من دوائر التجربة المعاصرة» أكثر مما توقعه بيرت. وأفضل مبرراته لهذا الاعتدال هي «تربوية: فبعض هؤلاء الشعراء (التجريبيين) يتطلبون أن تقرأ آخرين، هم أكثر تخصصاً أو أكثر تقدماً».
وتذكرنا المقالات القصيرة لبيرت بمدى قوة القراءة المتأنية. فمن السهل تخمين اختيارات معينة في كتاب مثل هذا، لكني أتردد في فعل ذلك. وما زلت أتساءل عن مكانة الطليعة الشعرية في المجموعة، فقط لأن مكانة التجريبية في الشعر الحديث لا تزال محل نزاع شديد. فقد تساءل النقاد، على سبيل المثال، عن كيفية مواءمة الجنس أو الهوية العرقية مع الشعراء المناهضين للفردانية. ففي عام 2015، انتقدت وشجبت كاثي بارك هونج، وكثير من الأشخاص الآخرين، كينيث جولدسميث لقصيدته الشعرية حول تقرير تشريح جثة مايكل براون، المراهق الأميركي الأفريقي الذي أطلقت عليه الشرطة النار في فيرجسون بولاية ميسوري. فقد جادل هؤلاء النقاد بأن قصيدة جولدسميث مالت إلى عدم شخصنة عنف الشرطة الذي يتعرض له الأشخاص الملونون. ومن ناحية أخرى، فإن بعض الشعراء الطليعيين -بما في ذلك جولدسميث وكريغ دوركين وفانيسا بليس- قد ساووا بين الدعوة إلى مجموعة متنوعة من الأساليب الشعرية والهدوء الليبرالي الجديد، في تراجع واضح للالتزام السياسي.
قبول الشعر الفردي -بحسب اعتقادهم- هو أن تؤمن بالحلم البرجوازي المحموم الذي تأخذ فيه المشاعر الشخصية الأولوية. وقد يرى القراء من هذا النوع انفتاح بيرت على شعراء تقليديين على أنه تحريف لما هو مهم حقاً في الشعر الأميركي الحديث، واستسلام للجمود السياسي المتجسد في الأنماط الشعرية القديمة. وقد يرى هؤلاء القراء رغبة بيرت في ممارسة مزيد من الألعاب التقليدية على أنها إخفاق في دفع قضية التجريب الشعري البارز سياسياً. لست متأكداً من أن «القصيدة هي أنت» تتضمن أعمال أدريان ريتش وكلوديا رانكين وآخرين ممن انخرط شعرهم في السياسة. وبعد قراءتي لهذا الكتاب، أجد أيضاً أن التضامن أكثر جاذبية وأكثر راحة.
* خدمة «نيويورك تايمز»



«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية
TT

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام العالمية بالنمو التكنولوجي الهائل للعملاق الصيني ومعدلات نموه القياسية، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» للصيني «هو أنيان» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية. الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية لعامل بسيط قضى عقدين من الزمن، وهو في صراع من أجل لقمة العيش، بل هو صرخة الأيادي العاملة الصغيرة ضد قسوة النظام العالمي.

يستعرض الكاتب بأسلوب واقعي، يمزج بين الدقة السردية والعمق الفلسفي، تجربته كعامل توصيل للطرود، عانى من ظروف عمل قاسية، قبل أن يصبح كاتباً مشهوراً بعد نشر كتاباته على منصّات صينية، حيث وصل حجم مبيعات الكتاب في الصين إلى 3 ملايين نسخة، وهو ما يفسر وصوله إلى أرفف المكتبات العالمية، حيث طُرحت الترجمة الفرنسية للكتاب في الأسواق الفرنسية في 7 يناير (كانون الثاني) الحالي عن دار «أوترومون» في 320 صفحة، وكانت مسبوقة بالنسخة الإنجليزية التي نشرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، كما تم الإعلان عن صدور قريب للنسخة الألمانية.

«حياتي كعامل توصيل في بكين» توثّق بدقة ظروف العمل القاسية التي مّر بها هو أنيان كعامل توصيل للطرود، واصفاً تلك الفترة بأنها «استنزاف للروح قبل الجسد»، حيث يجد الإنسان نفسه مجرداً من هويته، لا ينظر إليه إلا كـ«رقم تتبع» في تطبيق إلكتروني. الكاتب وصف الدوام الذي يمتد لـ12 ساعة متتالية، والفترات التجريبية بلا أجر، والبرد القارس والحرارة الخانقة والضغط المتواصل لإتمام مهام توصيل الطرود، كما وصف أيضاً كيف يعيش عمال التوصيل في غرف مقسمة إلى حجرات بلا نوافذ، أو في «بيوت القواقع»، وهي وحدات محمولة لا تتجاوز حجم السرير. الكتاب قُسم لفصول قدمت كـ«يوميات معركة»، ففي الفصل الأول «سباق ضد الزمن» يستعرض هو أنيان الضغط النفسي الهائل الذي تفرضه الشركات لتوصيل الطرود في مدة زمنية مستحيلة، وكيف تتحول الشوارع إلى حلبة صراع للبقاء. ثم يتعرض في الفصل الثاني «المدينة غير المرئية» إلى علاقة العامل بالمدينة، كيف يراها خلف الأبواب المغلقة وفي الممرات الخلفية، وكيف يشعر بالغربة رغم كونه المحرك الأساسي لحياة سكانها. وفي الفصل الثالث الذي يحمل عنوان «فلسفة الطرود»، ينتقل الكاتب من الرصد الواقعي إلى التأمل الفلسفي، متسائلاً عن قيمة العمل والكرامة الإنسانية في عصر يتم فيه تشييء البشر.

في واحد من أكثر المقاطع تأثيراً، يكتب أنيان ما يلي: «لم أكن أقود دراجتي، كنت أقود قدري المترنح بين زحام السيارات. في عيون الزبائن، أنا لست بشراً، أنا مجرد مهمة يجب أن تنتهي بسرعة. ولكن في أعماقي، كنت أخزّن كل نظرة ازدراء لأصنع منها درعاً من الكلمات». وفي مقطع آخر، يحلّل الكاتب علاقته بالخوارزمية التي تتحكم في جهده وفي أنفاسه. فيكتب: «الخوارزمية لا تعرف التعب، ولا تعرف أنني أب أو أنني مريض. إنها تطلب مزيداً من السرعة مقابل سنتات قليلة. لقد اكتشفت أن الحرية في بكين هي المسافة القصيرة بين طردين».

يتجاوز الكتاب حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً ضد توحش اقتصاد العمل الحر

صحيفة «لوموند»

حظي الكتاب بترحيب نقدي واسع في الدوائر الإعلامية الأنجلوسكسونية والفرنسية، حيث وُصف «هو أنيان» بأنه أحد أبرز المواهب الأدبية الصينية الجديدة من قبل صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية. وقد اختار ثلاث من أبرز المنابر الثقافية: «الغارديان»، و«صنداي تايمز»، و«الإيكونوميست»، «حياتي كعامل توصيل في بكين» ضمن أفضل كتب عام 2025. في صحيفة «الغارديان» أشارت الناقدة ريبيكا ليو إلى أن الكتاب يتناول موضوع الطبقة الاجتماعية، وتحديداً القوة العاملة منخفضة الأجر التي لا تحظى بالاعتراف، والتي تتعرض للاستغلال، والتي كانت وقود الطفرة الاقتصادية في الصين، بل العالم أجمع، في ظل العولمة. وفي مراجعتها بصحيفة «نيويورك تايمز»، اعتبرت الناقدة ليا غرينبلات أن الكتاب يقدم شهادة حية من خطوط المواجهة الأمامية لاقتصاد العمل الحر، وأن رحلة الكاتب من عامل متنقل بين الوظائف منخفضة الأجر إلى مؤلف مشهور عالمياً تحمل طابعاً استثنائياً.

أما صحيفة «لوموند» فقد خصّصت لمراجعة هذا العمل مساحة مطوّلة، واصفة إياه بأنه «مرآة كاشفة للاغتراب المعاصر»، حيث رأى نقّادها أن قوة «هو أنيان» لا تكمن في كونه ضحية لنظام اقتصادي جائر فقط، بل في امتلاكه تلك «النظرة السوسيولوجية» الثاقبة التي تحلل الطبقة الاجتماعية الصينية الجديدة. واعتبرت الصحيفة أن الكتاب يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً أو «مانيفستو» ضد توحش اقتصاد العمل الحر، مشيدةً بقدرة الكاتب على وصف «استنزاف الروح» الذي يسبق انهيار الجسد، وكيف يتحول الفرد في شوارع بكين إلى مجرد «رقم» في عالم افتراضي لا يعترف بالبشر. أما صحيفة «لفيغارو»، فقد ركّزت في قراءتها على الجانب الجمالي والأخلاقي للنصّ، واصفة أسلوب «أنيان» بـ«الواقعية العارية» التي لا تهدف إلى استدرار العطف، بل إلى إثارة التأمل الفلسفي حول قيمة الكرامة الإنسانية. وأشارت الصحيفة إلى أن الرحلة الاستثنائية للكاتب، من العيش في «بيوت القواقع» ووحدات الحاويات الضيقة إلى منصات التوقيع في كبرى دور النشر العالمية، تمثل انتصاراً للوعي على المادة. وذهبت «لفيغارو» إلى أن «أنيان» نجح في فضح زيف «الحرية» في المدن الكبرى، تلك الحرية التي اختزلها الكاتب ببراعة في «المسافة القصيرة بين طردين».


نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد
TT

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي، ثم ظهرت إلى جانبه محاولات نقدية مشكلة وإياه نواة منظورة لحركة النقد الأدبي العراقي متمثلة بتجارب الأستاذ الناقد الموسوعي باسم حمودي وعبد الجبار البصري، لكن الطاهر كان الأبرز تمثيلاً لها والأوضح تحفيزاً لفرسان النقد العراقي الذين بدأت مشاريعهم النقدية أواخر ستينات القرن الماضي؛ عبد الجبار عباس، وشجاع مسلم العاني، وفاضل ثامر، وياسين النصير الذين شيّدوا متناً نقدياً عراقياً نهض كل منهم في صياغة جانب منه؛ لتنطلق حركة نقدية جادة قوية التأثير في العمل الإبداعي العراقي؛ شعرياً وسردياً، آتت أكلها في إغنائه بكشوفات نقدية تنهل من حركة النقد عربياً وعالمياً بالانفتاح على مناهج ومدارس وتجارب نقدية وفكرية فيها... موضوعات ومفاهيم ومصطلحات. ولن تفوتنا إسهامات عبد الرحمن طهمازي لكن صوته الشعري كان الأطغى والأعلى نبرة في مسيرته الإبداعية.

وخلال عقد السبعينات ظهرت أسماء جديدة لشبان واعدين مثل محمد جبير وعبد الرحمن عناد ومؤيد الطلال وعبد الكاظم عيسى وسليم عبد القادر.

خلال الثمانينات ولدت تجربتان نقديتان مهمتان مثلتهما كتابات الدكتورين مالك المطلبي وحاتم الصكر؛ الأولى اقتفت أثر المدرسة الفرنسية في تمظهراتها البنيوية. أما الثانية، أي تجربة الصكر النقدية، فبرعت في النهل من المنهج القرائي وتعدد مستويات قراءاته، وإلى جوار هاتين التجربتين المهمتين اللتين أثرتا تأثيراً كبيراً في فحص الإبداع العراقي وأضافتا لبنات واضحة في مدماك النقد التطبيقي وفي ظلهما بدأت تجارب لافتة للنظر تتلفع بالأكاديمية التي كانوا يدشنونها آنذاك؛ صالح هويدي وعبد الله إبراهيم وباقر جاسم ومحمد صابر عبيد.

خلال العقدين المنصرمين بزغ في المشهد النقدي العراقي اسم نسوي لا ذكوري. إنه اسم الناقدة الدكتورة نادية هناوي؛ اسم اعتلى عتبات النقد الأدبي وطرق أبوابه بقوة وجرأة واضحتين لفتتا انتباه المبدعين الكبار عراقياً وعربياً؛ بجهدها المثابر واجتهادها الفريد؛ ليشغل عطاؤها مساحات واسعة من الصحف من خلال مقالات وكتب قيمة أصدرتها دور نشر محترمة، فاستقبل مشروعها النقدي بالإعجاب والثناء والتقدير. وكان أول المرحبين والمبشرين به الناقد الكبير فاضل ثامر الذي وصفها براهبة النقد، وتتبع عطاءها بالبحث المعمق وبانبهار وخلص إلى القول «يحق لنا أن نحتفي بولادة منظرة أدب عربية». ووصفها الناقد شجاع مسلم العاني بكونها ناقدة «قادرة على خرق المسلمات النقدية العراقية والإتيان بما هو جديد ومختلف... إنها ناقدة كبيرة وموهبة نقدية كبيرة».

ومن خارج دائرة النقد العراقي، عربياً، تواتر الإقرار بمشروعها النقدي.

ومرد ذلك متانة ورصانة مشروعها النقدي وأهميته وفاعليته النظرية والإجرائية. ومن التوصيفات الدقيقة لهذا المشروع، ما أكدته الباحثتان الدكتورة رواء الخزاعي ومها فاروق الهنداوي والدكتور عزيز الموسوي في الندوة التي عقدها اتحاد الأدباء تحت عنوان «استراتيجيات القراءة لدى الناقدة نادية هناوي»، إذ أكدوا، وهم باحثون أكاديميون وأساتذة متخصصون في السرديات بكبرى الجامعات العراقية، أن «الناقدة الكبيرة نادية هناوي ذات مشروع ريادي ليس بمعزل عما بعد الحداثة، وأنه مشروع بنيوي معرفي شهد تحولات مهمة وشكَّل مرحلة مفصلية في النقدية العراقية والعربية، بالأخص في كتاباتها عن السرد والتاريخ»؛ ولاحظوا أن التحول من نصاني إلى معرفي فلسفي والنفس للحداثة واضح فيه، إذ لم تتعامل هناوي بالمصطلح كما هو قار في المدونة الغربية، بل تحاوره وتسائله وتنتزع مصطلحاً ينتمي إلى فضائها، كما هو الحال في اجتراحها مصطلح «رواية التاريخ» بعد مساءلة فكرية فلسفية مفندة مصطلح المتخيل التاريخي الذي ذهب إليه بعض النقاد. فالتاريخ لديها ليس استحضاراً، بل استدعاء للمساءلة، والاستدعاء كسر لسلطة التاريخ.

لقد أجمعت بحوث الندوة أن «هناوي امتلكت أدوات الناقد النظرية والإجرائية والملكة النقدية، وأن مشروعها الكبير شكلته عدة روافد، منها المدونات الغربية غير أنها لم تكن ناقلة لها، بل فاحصة ومحاورة ومجترحة داخلة نظرية المعرفة بشجاعة عالية ولم تكن بمعزل عن الموروث العربي، لكنها لم تستدعه للمباهاة أو المباهلة، بل لإثبات التلاقح الفكري والإبداعي، وأنها تُغني قارئها بقراءاتها الموسوعية الاستقصائية، وقد تجاوزت الكتابة في التخصص الدقيق مخاطرة عن وعي منتقلة من النظرية السردية إلى علم السرد والسرد ما بعد الكلاسيكي».

ويأتي الكتاب الأربعون «أقلمة سرديات الرحلة عربياً وأجنبياً»، الصادر مؤخراً عن دار «أبجد»، في الوقت الذي تصارع فيه ناقدتنا الكبيرة وحشية المرض اللعين.

والكتاب ضمن سلسلة أبحاثها التي محورها أقلمة السرد العربي مستندة على أصول ومتون في مصادر ومظان ترود فيها بفرادتها وغزارتها منذ سنوات عدة.

ويتمحور الكتاب على السرد (الرحلي) من ناحيتي التأصيل النظري والنمذجة الإجرائية عبر فصوله الثمانية؛ إذ يهتم الفصل الأول باستقصاء القاعدة التي قامت عليها الأصول وتمخضت التقاليد الأدبية فتشكلت الأجناس، وبذلك تأصلت الرحلة كنوع سردي.

بينما يركز الفصل الثاني على دور رحلة غلغامش في نشأة التقاليد موضوعياً وفنياً كونها - أي الرحلة الغلغامشية - مصدراً أصلياً ساهم في البناء الشعري الملحمي، أولاً، والتدوين والنسخ، ثانياً، في ترسيخ أصالة هذا المصدر الذي تمظهرت أقلمته بأشكال مختلفة لا في مرويات الرحلات العربية فقط بل قبل ذلك في المرويات الصينية ذات التاريخ العريق - إلى عصور ما قبل الميلاد - وفيها شكلت الرحلة موضوعاً رئيسياً.

وتنتقل د. هناوي في الفصل الثالث إلى أقلمة الرحلة العربية والأجنبية في ضوء علم السرد غير الطبيعي باحثة في دور المؤلف وأهمية المكان في السرد الرحلي عبر ضمير المتكلم على مستويي الإنشاء النصي وموثوقية التوصيل القرائي، ثم تعرج على مركزية الهوية في تأليف الرحلة العربية التي تراها الأكثر تمثيلاً لموضوعة الذات والآخر والهوية من خلال المحاور التالية: 1- موقع المؤلف هامشاً في الثقافات الأجنبية، 2 - موقع المؤلف مركزاً في الثقافات الأحادية، 3 - أساليب أقلمة السرد الرحلي عامة ورحلة ابن فضلان خاصة (أقلمة كتاب الرحالة الحسن بن محمد الوزان؛ وصف أفريقيا).

يذكر أن هذه الرحلة كانت مدار رواية الكاتب أمين المعلوف «ليون الأفريقي»، وكتاب «وصف أفريقيا» الذي تراه هناوي نصاً مصدراً تمت أقلمته تاريخياً، وقد تمت أقلمة الكتاب نقدياً أيضاً من قبل محمد مهدي الحجوي بعنوان «حياة الوزان الفاسي وآثاره»، ودراسة أخرى بعنوان «ليون الأفريقي» للمستشرق كراتشوفسكي في مؤلفه «تاريخ الأدب الجغرافي العربي». وفي دراسة أساليب النصوص الرحلية المؤقلمة تقف عند رحلة الوزان عبر النص الروائي لأمين معلوف.

ولا يفوتها إجراء مفاضلة بين الأنا والآخر في الرحلة المتخيلة روائياً، أسلوباً ونمذجةً، ومدى درجة تقاربها والرحلة الفعلية، وآفاق بناء المتخيل السردي وتغيراتها تاريخياً متخذة من روايتي «الخميائي» لباولو كويلو ورحلة «ابن فطومة» لنجيب محفوظ مثالاً. وفي الفصل الأخير تعرج الباحثة على دراسة إقلمة سردية الرحلة الأجنبية من وجهة نظر الدراسات الثقافية على قلة ما يتعلق منها بأدب الرحلات ومؤلفة حديثاً ككتاب «نظرات إمبريالية: كتابة الرحلة والعبور الثقافي» و«مفردات مفتاحية في دراسة أدب الرحلات... مسرد نقدي».


بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»
TT

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

«لدى التصدي لتحقيق مخطوطات تنتمي لعالم الثقافة الشعبية المتسع والمراوغ، يكون الاختلاف المنهجي ضرورة يضطر إليها المحقق اضطراراً، فنحن في واقع الحال نكون أمام ثقافة موازية لما تعلمناه في قاعات الدرس، وهي ثقافة مختلفة إلى حد بعيد، كما أن هذه المخطوطات دائماً ما تثير قضايا خلافية وتدفع إلى بلورة أفكار جديدة، سواء على مستوى الموضوعات أو القضايا المنهجية. فاختلاف طبيعة المخطوط ومضمونه يحتّمان بلا شك طبيعة الإجراءات والأدوات الناجعة في التعامل معه».

بهذه النبذة يقدم د. هشام عبد العزيز كتابه «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي... حدود المصطلح والإجراءات المنهجية»، الذي جاء في مقدمة وأربعة فصول، والذي يستعرض مفهوم علم التحقيق وحدود المنهجية، وتحقيق التراث الشعبي بشكل خاص، كما يتعرض في أحد الفصول للاختلاف في بنية المفاهيم والمصطلحات في علم التحقيق بين النص الرسمي والنص الشعبي. لكن من أهم الفصول الذي أفرد له المؤلف مساحة وافية هو الفصل الأخير الذي يتناول النماذج التطبيقية التي تحدث فيها عن تجاربه في تحقيق مخطوطات التراث الشعبي. يرى عبد العزيز أن تحقيق التراث الشعبي يختلف بشكل يكاد يكون كلياً عن تحقيق التراث المعروف، ليس من حيث مادته فحسب، بل من حيث فلسفة العمل ومنهجه وبنية المفاهيم الحاكمة لعمل المحقق.

وفي هذا الإطار، يؤكد المؤلف حاجة تحقيق مخطوطات التراث الشعبي إلى ما يسميه «المحقق المتخصص»، فمثل هذا المحقق وحده الذي يستطيع استنطاق المخطوط «الشعبي» بمعارف حقيقية وآمنة، ومن دونه سيكون العمل أشبه بفوضى لا تقدم جديداً. وقد ضرب المؤلف، في هذا السياق، أمثلة كثيرة لأعمال محققة بالفعل، من بينها أعمال حصلت على جوائز، لكنها في حقيقة الحال لا تقدم شيئاً، بل إنها تحتوي على «تدليس علمي»، حسب ما يقول. ويرى أن «كل مخطوط جديد يحمل خبرة جديدة وتجربة علمية وتعليمية تعزّ عن الوصف... بعد هذا المشوار الطويل الذي أكمل ثلاثة عقود، أستطيع أن أقول بكل ثقة إن تحقيق التراث بشكل عام أكثر من مجرد علم وأوسع بكثير من قاعات الدرس». إنه، كما يضيف، «عملية تعليمية فيها جانب يشبه إلى حد بعيد تعليم الحرف الشعبية التي تقتضي المعايشة اليومية والمشكلات المتجددة مع كل عمل جديد... وكذلك كل مخطوط جديد يحتاج خبرة جديدة بهذا المخطوط تحديداً، وبمؤلفه، وبزمن تأليفه، وبزمن نسخه. ثم وهو الأهم: بالمجال المعرفي الذي ينتمي إليه هذا المخطوط. وكل عنصر مما سبق يحتاج إلى خبرات محددة وعميقة للتعامل معه بالكيفية التي تنتج معرفة حقيقية نافعة».

وسبق للمؤلف أن أصدر في مجال تحقيق مخطوطات التراث الشعبي خاصة عدة كتب، منها: «ألف ليلة وليلة... حكايات أخرى»، و«معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية»، و«المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب»، كما صدرت له عدة مؤلفات في مجال الثقافة الشعبية، منها: «فضل الخرافة»، و«معجم النيل»، و«السيرة الشعبية... جدل النوع وجغرافيا التداول».