معرض القاهرة للكتاب يختتم أنجح دوراته ويتخطى مليوني زائر

احتضن 600 ندوة و70 مليون كتاب و47 دولة مشاركة و850 دار نشر

أحد أجنحة المعرض
أحد أجنحة المعرض
TT

معرض القاهرة للكتاب يختتم أنجح دوراته ويتخطى مليوني زائر

أحد أجنحة المعرض
أحد أجنحة المعرض

أسدل الستار يوم الخميس الماضي على فعاليات الدورة الـ46 من معرض القاهرة للكتاب، التي شهدت إقبالا جماهيريا كبيرا لم يشهده تاريخ المعرض من قبل، ليصبح أكبر تظاهرة ثقافية، رغم الاضطرابات الأمنية، شهدتها مصر منذ أعوام، إذ ضمت 70 مليون كتاب و47 دولة مشاركة و850 دار نشر، وكذلك العاصفة الترابية التي غطت سماء القاهرة وعطلت مظاهر الحياة اليومية فيها، وكان من اللافت ارتداء زوار المعرض للكمامات أثناء زياراتهم للمعرض.
وفي تقليد سنوي، أعلن د. جابر عصفور، وزير الثقافة المصري، قائمة الفائزين بجائزة أفضل كتاب لعام 2014 في 10 فئات مختلفة تبلغ قيمة كل جائزة 10 آلاف جنيه مصري. وفاز بأفضل كتاب سياسي «البحث عن خلاص» لشريف يونس، وفاز كتاب «سقوط الآلهة.. قراءة في الوعي الجمالي عند سيد حجاب» لحميدة عبد الله بجائزة أفضل عمل في النقد الأدبي، وفازت رواية «الحريم» لحمدي الجزار بجائزة أفضل رواية، أما جائزة القصة القصيرة فمُنحت لمحمد عبد النبي عن مجموعته القصصية «كما يذهب السيل بقرية نائمة».
وفاز الروائي فؤاد حجازي بجائزة أفضل عمل للأطفال عن روايته «ابتسامات» وفاز كتاب «شفرة بصرية» للتشكيلي حمدي عبد الله بجائزة الأفضل في الفنون وفاز «اقتصاديات جماعة الإخوان المسلمين» لعبد الخالق فاروق بأفضل كتاب في العلوم الاجتماعية. وحصد ديوان «أنت في القاهرة» لإبراهيم داود بجائزة شعر الفصحى. أما ديوان «جنب البيت» لرجب الصاوي ففاز بجائزة شعر العامية المصرية، بينما فاز بأفضل كتاب علمي «الفطريات والمسرطنات في الأغذية» لفهيم شلتوت، وفازت بجائزة أفضل ناشر دار «سما».
ورغم أن فعاليات المعرض امتدت 16 يوما، فإن عددا كبيرا من الناشرين طالب بمد فترة المعرض ليصبح بذلك أطول معارض الكتب في العالم. وقال د. أحمد مجاهد، رئيس الهيئة العامة للكتاب المنظمة للمعرض لـ«الشرق الأوسط»: «تعد هذه الدورة هي الأنجح منذ عدة سنوات. وقد رفضت الهيئة رفضت مد فترة المعرض، الذي كان من المفترض أن يعقد على مدار 7 أيام على الأكثر طبقا للمعارض الدولية، إلا أنها سوف تواصل نشاطها الثقافي بإطلاق عدة معارض للكتب في عدد من المحافظات المصرية على مدار الشهور الثلاثة المقبلة».
ويضيف: «المعرض حقق نجاحا غير متوقع، فقد تخطى زوار المعرض مليوني زائر، ونفدت جميع تذاكر الدخول قبل أيام من انتهاء المعرض، وحققت الهيئة العامة للكتاب فقط مبيعات تخطت المليون جنيه، حيث بلغت مبيعات العام الماضي 550 ألف جنيه».
تميزت الدورة الـ46 ببرنامج ثقافي دسم وصلت ندواته فقط إلى 600 ندوة، فضلا عن حفلات التوقيع، وبرزت فيها وجوه العديد من الأدباء، الذين انعزلوا فترة عن الوسط الثقافي. وشارك في فعاليات هذه الدورة مجموعة من المثقفين العرب الذين غابوا أيضا عن مصر، وعلى رأسهم الشاعر السوري أدونيس، والباحث التونسي عبد المجيد الشرفي، والمفكر الإسلامي اللبناني رضوان السيد، الذي تحدث عن محمد عبده والتجديد الثقافي العربي الإسلامي، كما شارك المفكر اللبناني د. علي حرب في ندوات المعرض، ولكنه أبدى اعتراضه على التعويل على مسألة تجديد الخطاب الديني والاستناد إلى القضايا الفكرية التي سبق أن طرحت قبل 100 عام. وكانت شخصية المعرض هذا العام محمد عبده، وتناولت عشرات الندوات فكره ومنهجه الوسطي إلا أن المتحدثين فيها لم يتطرقوا إلى إسهاماته السياسية والاجتماعية وكيفية الاستفادة منها في وقتنا الحالي.
وكان من بين كبار الأدباء الذين شاركوا بالمعرض عبده جبير، وإبراهيم عبد المجيد، وأشرف الخمايسي، والكتاب الحائزون على جائزة البوكر في الرواية العربية، ومنهم الكاتب الكويتي سعود السنعوسي، والروائي العراقي أحمد سعداوي، والروائي المصري يوسف زيدان، كما شارك الروائي السوداني حمور زيادة، والكاتبة التونسية رجاء بن سلامة، ومن المملكة السعودية د. معجب العدواني، والشاعر السعودي أحمد قران الزهراني، والشاعر أحمد بن عبد الله التيهاني، ومن فرنسا الكاتب والصحافي الفرنسي آلان غريش الذي ينحدر من أصول يهودية مصرية، وهو رئيس التحرير السابق لجريدة «لوموند ديبلوماتيك» الفرنسية.
تطرقت الندوات لمختلف جوانب الثقافة والفكر والأدب والترجمة ودورها في إثراء الثقافات ومنها ندوة «الترجمة عبر العصور»، التي تطرقت إلى اهتمام الشعوب العربية بترجمة الروايات الغربية على حساب جميع مناحي المعرفة. في حين نقلت الندوات الخاصة بالأدب العربي مخاوف تأثير العالم الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي، مثل «تويتر» و«فيسبوك» على فن القص والسرد، وبرزت مخاوف المثقفين على الرواية العربية من كتابات السيرة الذاتية. وناقشت كثير من الندوات الفكر السلفي والفكر الجهادي في محاولة للتأصيل لفكر الجماعات المتطرفة، ومنها ندوة «المرجعيات الفكرية للجماعات الدينية» التي ناقشت كيف استغلت بعض الجماعات فكر ابن تيمية، وتعرضت الندوات لمخاطر أفكار سيد قطب وحسن البنا وتأثيرها في ظهور تنظيمات متطرفة مثل «داعش».
وأقيمت عدة ندوات تحتفي بتاريخ المملكة العربية السعودية كضيف شرف، كان من بينها الندوات التي ركزت على الإبداع السعودي: «قراءات في القصة والرواية السعودية»، تحدث فيها د. معجب العدواني الأستاذ بجامعة الملك سعود، ود. السيد محمد الديب أستاذ الأدب العربي والنقد بجامعة الأزهر، والقاصة السعودية ليلى بنت إبراهيم الأحيدب، وأدار الندوة الشاعر عيسى بن علي جرابا المدرس بالمعهد العلمي في صبيا، وتطرقت إلى تاريخ الرواية السعودية الذي بدأ منذ عام 1930 بصدور رواية «التوأمان» لعبد القدوس الأنصاري، التي طُبعت بمطبعة الترقي السورية. كذلك خلصت ندوة «الرواية السعودية والتحديات التي تواجهها» إلى أن الرواية السعودية سحبت البساط من الشعر، وأصبحت تحتل مكانة مرموقة في الرواية العربية.
وأقيمت أيضا ندوة للتعريف بآثار المملكة والاكتشافات الأثرية فيها التي تروي تاريخ المدن العربية ما قبل الإسلام في الجزيرة العربية.
وبدا النشاط الثقافي يسير في اتجاهين متوازيين، حيث اجتذبت الندوات الخاصة بتجديد الخطاب الديني كبار السن، بينما تكالبت جموع الشباب على حفلات التوقيع للكتاب الشباب والندوات الفنية التي حضرها نجوم السينما، وكان أبرزهم الفنان محمود حميدة والفنانة سميرة عبد العزيز.
واحتضن المعرض عددا من الأمسيات الشعرية شارك فيها أبرز الشعراء المصريين ومنهم: سيد حجاب، وجمال القصاص، وشريف الشافعي، وعدد من الشعراء من مختلف المحافظات. كما تضمنت الفعاليات إقامة معرض فني بعنوان «أياد مصرية»، الذي جسد الثورة المصرية بمشاركة مجموعة من الفنانين الشباب، وحفلا للموسيقى الكلاسيكية، وعروضا للأطفال.
بشكل عام، تميزت أجنحة المعرض بالعرض الجيد للكتب وإن كان من الملاحظ عدم التجديد في خريطة المعرض أو وضع خرائط واضحة للأجنحة. وكان أكبر الأجنحة الجناح السعودي «ضيف الشرف»، وحظي زواره بالحصول على كتاب «العلاقات السعودية المصرية ملوك ورؤساء»، أعدته الملحقية الثقافية السعودية بالقاهرة، الذي يرصد 100 عام من تاريخ البلدين، وضمت أروقته تعريفا بمختلف الجوانب الثقافية والتراثية والاجتماعية للمملكة، وأجنحة لأشهر الناشرين، ومنهم المتنبي، والمكتبة التراثية، وجرير، والعبيكان، التي أطلقت مشروع «إثراء»؛ أكبر مكتبة رقمية تفاعلية للمحتوى العربي.
وكان من الملاحظ التزايد الكبير في أعداد المؤلفين والأدباء الجدد من مختلف الدول العربية، والإقبال على أعمال الأديبات العربيات عامة والسعوديات خاصة من قبل المثقفين المصريين، ومن أبرز الأعمال التي لقيت رواجا أعمال الكاتبة الروائية سمر مقرن، ورواية «دحرجة الغبار» للروائية السعودية سلام عبد العزيز، وديوانا «في دهاليز الأرق» لسلوى أبو مدين، و«هموم وأحلام» لندى برنجي.
وتصدرت الروايات العربية المشهد في جميع أجنحة المعرض، أما الأجنحة التي لم تحتفِ بالروايات ولم تعلن عن تخفيضات، فكانت خاوية. لذا وجدت التخفيضات الهائلة طريقها إلى جناح الجامعة الأميركية بالقاهرة ودور النشر الأجنبية، خاصة على الروايات الأجنبية لكبار الكتاب مثل باولو كويلو وساراماجو.
وكان من اللافت ارتفاع أسعار الكتب عن العام الماضي، خاصة في الدور العربية التي لم تحقق أرباحا، كالدور المصرية، نتيجة تكاليف الشحن، إلا أن جمهور المعرض استفاد من التخفيضات الهائلة التي قدمتها وزارة الثقافة المصرية، والتي نافست بها باعة الكتب المستعملة التي كان يُنادى عليها «الكتاب بجنيه والرواية بجنيه». وعلى النقيض من العام الماضي، لم تحظَ كتب المنشقين عن جماعة الإخوان المسلمين بالشغف الذي لاقته العام الماضي، بل عزف عنها الجمهور في مقابل الإقبال الكبير على الكتب الخاصة بالتاريخ المصري، وخصوصا الحقبة الملكية والناصرية، إلى جانب كتب السير الذاتية للساسة والمفكرين، وتصدر المشهد كتب تحمل في عناوينها كلمة «داعش» في محاولة مكشوفة من دور النشر للكسب السريع، لكنها لم تلقَ رواجا.
ويظل معرض القاهرة للكتاب بوصلة للتعرف على ذائقة القارئ العربي والأجنبي لما يشهده من تنوع في جمهوره، كما يتضح لزائر المعرض التحولات الثقافية الناجمة عن المتغيرات السياسية والاقتصادية بالمنطقة، التي يمكنه رصدها في نوعية المطبوعات، والعناوين الصادرة حديثا، والتطور في صناعة الكتب وأغلفتها، والظواهر الثقافية المرتبطة بصناعة النشر، ومنها الأكثر مبيعا، والتزايد الملحوظ في دور النشر، وتعاملها مع الكتب كسلعة استهلاكية تعتمد على التسويق والدعاية بغض النظر عن قيمتها، وحفلات التوقيع وغيرها.
وكانت ظاهرة تزوير الكتب الأكثر إثارة للجدل والتساؤلات خلال أيام المعرض، تبعها قرار الهيئة العامة للكتاب بإغلاق ثلاث دور نشر نتيجة تلك الظاهرة التي استشرت في مصر بشراسة، والتي تضر ضررا بالغا بحقوق المؤلفين والناشرين وتدمر صناعة النشر.
ويُعد معرض القاهرة أيضا فرصة ذهبية لدور النشر لعقد الصفقات والاتفاق على مشروعات أدبية وتراجم، والتعاقد مع الأدباء والمؤلفين. وكانت إحدى ثمار معرض القاهرة للكتاب مشروع «كايروكولينج» لنشر ثقافة القراءة وتطبيق فكرة توصيل الكتب إلى المنازل بالمجان. ومن أهم الصفقات التي عُقدت في المعرض توقيع اتحاد الناشرين المصريين، ومؤسسة «إنتركونتننتال» الصينية، اتفاقية تعاون في مجال النشر الإلكتروني، بهدف دعم صناعة النشر الإلكتروني وإيصال الكتاب العربي لجميع القراء في العالم، حيث تقوم المؤسسة خلال عامين بتحويل ورفع 5 آلاف كتاب من دور النشر المصرية، على موقعها وتطبيقاتها وتسويقها في كل أنحاء العالم.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.