مائة عام من السرد... مائة عام من المفارقات العراقية المربكة

في 1921 نشر محمود أحمد السيد روايته الأولى بالتزامن مع ولادة الدولة الحديثة

محمود السيد مع غلاف رواية «أول رواية عراقية»
محمود السيد مع غلاف رواية «أول رواية عراقية»
TT

مائة عام من السرد... مائة عام من المفارقات العراقية المربكة

محمود السيد مع غلاف رواية «أول رواية عراقية»
محمود السيد مع غلاف رواية «أول رواية عراقية»

غالباً ما كانت المفارقات صانعة للحكايات الكبرى في عراق اليوم، كما في عراق يخرج للتو من ظلمة القرن التاسع عشر. مفارقة البداية/ الولادة عام 1903 بماذا تختلف، مثلاً، عن عام البدايات عام 2003... ثمة قرن كامل، مائة عام بالتمام والكمال، تفصل بين زمنين لعراق لم ينجح سوى بصنع المصائر التعيسة له ولأبنائه. محمود أحمد السيد، رائد القصة العراقية، الذي ولد يوم 14/ 3/ 1903، مثلما يذكر أغلب مؤرخي أدب السيد وكاتبي سيرته، ومنهم جامعا قصصه علي جواد الطاهر وعبد الإله أحمد، كان على موعد متفرد مع المفارقات العراقية؛ فقد ولد لأب هو إمام جامع عبد القادر الكيلاني، ومدرس في جامع الحيدرخانة بشارع الرشيد، فكانت هذه جوهر المفارقة العراقية الأولى، أن سمح الأب - إمام الجامع الشهير لابنه أن يُفيد من إحدى غرف الجامع ويستقبل أصدقائه، ومنهم الشخصية العراقية الشهيرة حسين الرحال وعوني بكر صدقي، فكان ذلك التجمع أولى حلقات الماركسيين العراقيين. ومن تلك الغرفة، في ذلك الجامع الشهير بدأت حكاية جريدة «الصحيفة» (صدر عددها الأول في 18/ 11/ 1924)، فكانت أول معارضة حقيقية، كما يكتب كثيرون، لدولة عراقية تتشكَّل للتو. فهل كانت تلك المفارقة هي البداية؟
واقع الحال، إن سيرة السيد هي ذاتها سيرة المفارقات العراقية المربكة؛ فإذا كان قد ولد في بيت دين، وتلقى تعليماً متصلاً بمكتبة والده إمام الجامع ثم دراسته في المدارس العثمانية آنذاك، فإنه كان على موعد مفارق مع الاحتلال البريطاني للعراق عام 1917 ومشهد بغداد بصفتها ملعباً للجيوش المحتلة، فكانت رحلة السيد إلى الهند هرباً من مشهد مدينته المستباحة وطلباً لحياة بديلة، ولم يكن قد أدرك العشرين بعد. ولكن لماذا الهند تحديداً؟ ثمة من يتحدث عن رغبته بالسفر إلى الحجاز، وليست لدينا تفصيلات مفيدة عن تلك الرحلة، وأغلب الظن أن السيد ربما كان يحاكي رحلة مماثلة قام بها سليمان فيضي، فكانت نتيجتها كتابه «التحفة الإيقاظية في الرحلة الحجازية/ 1919»، وهي مما عُرف عندنا اختصاراً بـ«الرواية الإيقاظية». ذهب السيد إلى الهند، إلى درة التاج البريطاني، مخالفاً منطق الرحلات العربية نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، وهو ما فعله الشوام والمصريون عندما قصدوا أوروبا أو أميركا الشمالية.

سيرة اسم

لا أحد يشبه محمود أحمد السيد سوى قصصه ورواياته ومقالاته. بهذه الخلاصة المركزة تختم فاطمة المحسن سيرتها المقترحة لحياة رائد القصة والرواية في العراق. ولكننا نعثر في هذا المقام على ثلاث سير تتداخل وتتقاطع فيما بينها: سيرة الكاتب محمود أحمد السيد، وسيرة بطل قصته المطوَّلة «جلال خالد»، وهناك سيرة صديقه حسين الرحّال. بعض مؤرخي أدب السيد لا يترددون عن الخلط بينهما، حتى كأننا إزاء سيرة واحدة. ولا بأس، لكن ماذا بشأن اسم محمود أحمد السيد نفسه؟ تقول أغلفة كتبه إنه قد بدأ النشر باسم «محمود آل المدرِّس/ في سبيل الزواج: 1921»، ثم صار ينشر باسم «السيد محمود أحمد البغدادي/ مصير الضعفاء: 1922». واستخدم الاسم ذاته في مجموعته «النكبات: 1922». ثمَّ رحَّل كلمة «السيد» إلى خاتم اسمه، فصار ينشر باسم «محمود أحمد السيد» كما في كتابه المشترك مع صديقه عوني بكر صدقي «السهام المتقابلة: 1922». ثمَّ نجده يرفع كلمة السيد من اسمه، وينشر باسم «محمود أحمد»، وهو شأن اسمه على غلاف كتابيه/ كراستيه «هياكل الجهل» و«القلم المكسور». ثمَّ نجده يستعيد لقب «السيد»، فينشر قصته المطوَّلة «جلال خالد: 1927» باسم «محمود أحمد السيد المدرِّس». ثمَّ يعود إلى اختصار اسمه فينشر مجموعته «الطلائع صور وأحاديث: 1929» باسم «محمود أحمد». ثم يعمد إلى صيغة جديدة فينشر مجموعته القصصية «في ساع من الزمن: 1935» باسم «محمود أ. السيد»، وبعدها استقر اسمه المعروف «محمود أحمد السيد» حسب صيغته الأخيرة لدى نقاده وكتاب سيرته، وفي الحقيقة، إن اضطراب اسم «السيد» يقدِّم صياغة مبكرة لعرف عراقي، ربما لا نجد مثيلاً له في البلاد العربية المجاورة، أن يستخدم الكاتب اسماً ثم يعدل عنه. لكنها تختصر لنا، في حالة السيد، جوانب رئيسية من كفاحه لأجل كتابة «قصة عراقية موجزة». كما أنها تعيد صياغة الجدل النقدي عن مرحلتي الكتابة والنشر عنده، فتحول عبر اسمه من كتابة الروايات الغرامية إلى كتابة القصص العراقية، وكأن السيد، في مرحلته الثانية قد استقر على اسمه المعروف والمتداول عندنا في كتب الأدب والدراسات المتصلة بأدبه، وهو استقرار يوازي تحوله للكتابة العارفة، إلى حد ما، بأسرار القصة بوصفتها جنساً أدبياً له أصوله وتقنياته.

مأثرة القص

اختار السيد القصة جنساً «أدبياً» في الكتابة، فكان خياره مغامرة كبرى في سياق أدب عربي لم يعرف، من قبل، هذا النوع من الأدب، لا سيّما ما يتصل بأصوله وتقنياته الأوروبية المعروفة، وازدادت المغامرة خطورة لأنها تحصل في بلاد مثل العراق تعلَّق تاريخه الأدبي وارتبط بالشعر. وفي هذا السياق، نقف عند نقطتين مهمتين. تتصل الأولى بالتحول بالكتابة العربية النثرية من صيغة «المقامات» ذات الصياغات العربية المتكلِّفة إلى صيغة القص النثري ذي الاستخدامات والصياغات العربية النثرية الجديدة. نعثر على هذا التحول الذي أسهم السيد في ترسيخه في كل ما كتب ونشر. والثانية، وهي الأهم عندنا، وتتعلَّق بنجاح السيد في اختيار لحظة القص الأثيرة، وهي كل ما يتصل بقصة الضعيف الخاسر؛ إذ إن لا قصة سوى قصة الخاسر. نعم، إنها سرديات الأعزل كما كتبها صاحب «الشيخ والبحر»، وهي ذاتها قصة دون كيشوت في صراعه الخاسر مع طواحين الهواء. وفي تصورنا أن «الخسران» هو منطق السرد الأول، هو جوهر كل قصة ورواية وناجحة. وفي هذا السياق فقد بالغ نقاد السيد ودارسو أدبه في التعويل على نزعة التشاؤم والتدين في أدب السيد؛ ظناً منهم أنها تفسر لهم المصائر التعيسة لأبطاله، ولم ينتبهوا إلى أن منطق الخاسر هو منطق القصة الأهم. وما كان لأحدهم أن يسأل نفسه: لنتخيل أن الرابح يكتب قصته؛ فما الداعي؛ إذن، لكتابة القصة؟!

خسارة السيد المبكرة

لم يخطئ أبداً من جعل السيد رائداً للقصة، ليس في العراق وحده، إنما هو أحد رواد القصة في العالم العربي برمته، وهو مساهم أساسي في تطويرها لأجل كتابة قصة عربية بمواصفات فنية ممتازة؛ فقد بدأ كتابة القصة والنشر في وقت مقارب مع بداية الكاتب المصري الشهير محمود تيمور «1894 - 1973م». وفي قصته المطوَّلة ثم في مجموعته القصصية الأخيرة «في ساع من الزمن» تتجلى مساهمة السيد وريادته المختلفة، ومن ثم، نضجه في كتابة القصة. لنأخذ قصته «جلال خالد» ونجد في مقدمتها قضيتين مهمتين: الأولى تخص استخداماً مبكراً جداً في تاريخ القصة والرواية لنظام المخطوطة؛ فالسيد يتحدث عن مذكرات «جلال خالد» التي سلّمها للسيد، وطلب السيد منه أن يثبت بعض رسائله في الجزء الثاني من القصة. وهذه هي الصيغة المتكرِّرة للمخطوطة في الرواية العراقية والعربية. ومن المؤسف أننا لا نجد، بحدود ما قرأنا، من يشير إلى هذه القضية الرئيسية المتصلة باستخدام المخطوطة في كتابة قصة جلال خالد. ثمة من يشير إلى محاولات مماثلة للإيهام بالواقع، وعندنا أن السيد قصد الأمر قصداً؛ بدليل ذكره للتماثل بين سيرته وسيرة جلال خالد. القضية الثانية تخص وعي السيد نفسه، وهو يكتب أنه بصدد كتابة قصة موجزة «نوفل»، ولقد وعد قراءه بأن يعود فيكتب «قصة مطوَّلة وافية»، وهي عنده «رومان». هذا التمييز يعيدنا إلى صياغات السيد لعناوين رواياته الغرامية ومجاميع قصصه. فقد كانت «في سبيل الزواج» هندية خالصة، ولم يكتب السيد على غلافها عنواناً فرعياً كما سنجده يفعل في كتبه اللاحقة. وسنجده في عنوان روايته الغرامية الثانية «مصير الضعفاء» ما يشير إلى أنه قد عثر على قصته العراقية، فيكتب عنواناً فرعياً: «رواية غرامية اجتماعية عراقية». ولا نجد في مجموعته القصصية الأولى سوى العنوان الرئيسي: «النكبات». ثم يعود السيد لكتابة القصة بعد توقف سنوات فينشر قصته المطوَّلة «جلال خالد» ويضع لها عنواناً فرعياً: «قصة عراقية موجزة». ويرسخ هذا التوجه بعنوان مجموعته «الطلائع: صور وأحاديث»، فيضع لها عنواناً فرعياً: «عراقية وغيرها»، ويسبق هذا العنوان بكلمة دالة هي «موجزة». وفي مجموعته الأخيرة «في ساع من الزمن» يكتب عنواناً فرعياً: «صور عراقية». وفي استقرار السيد على توصيف كتاباته القصصية بـ«عراقية» إشارات مفيدة عن معنى كتابة قصة عراقية. ولا نستطيع القول إن السيد كان متأثراً بالعنوان الشهير لرواية «زينب: مناظر وأخلاق ريفية» للكاتب المصري المؤسس محمد حسين هيكل؛ إذ لا دليل يُفيد بأن السيد قد قرأ رواية هيكل.
وبعد... فأي خسارة كبرى حلت بالقصة العراقية الناشئة، وقتذاك، برحيل السيد المبكر، إذ «تُوفي عن أربعة وثلاثين عاماً، في القاهرة صباح العاشر من يناير (كانون الأول) 1937»؛ وكانت القصة عنده قد بدأت آنذاك تتلمس طريقها نحو الكتابة الناضجة! نلمس هذا البداية المبكرة في قصص مجموعته الأخيرة «في ساع من الزمن»، حيث يعثر القارئ على الاستخدامات الناضجة والمفيدة لتقنيات القص.
إن الاحتفاء بالرائد محمود أحمد السيد، لا سيّما هذا العام، يكتسب بعداً «وطنياً» مهماً للعراق والمنطقة برمتها؛ ففي عام 1921 نشر السيد روايته الغرامية الأولى «في سبيل الزواج»، وكان العراق وقتها يشهد ولادة دولته الحديثة، ويا للمفارقة؛ فقد تأسست الدولة العراقية في مارس (آذار) عام 1921، وفي أول مارس كما كتب السيد نفسه في خاتمة إهدائه ظهرت روايته، أو في الأقل إنه تاريخ الانتهاء منها. وها نحن، بعد مائة عام، بلد بلا دولة، وهذه مفارقة لم يشهدها السيد، نحن شهودها الأحياء. ولا تنتهي المفارقات في بلاد المصائر التعيسة؛ ففي يوم 14/ 3/ 2006، بعد أقل من ثلاث سنوات على احتلال البلاد مجدداً يرحل أحد خلفاء السيد، إنه القاص والروائي المجيد مهدي عيسى الصقر. وما بين الولادة والوفاة أرشيف لا ينتهي من الخسارات.
* ناقد وأكاديمي من العراق



مصر: أنباء عن ترحيل مدونتين برازيليتين بسبب «فيديوهات فاضحة»

السائحتان البرازيليتان المضبوطتان في مصر (وزارة الداخلية)
السائحتان البرازيليتان المضبوطتان في مصر (وزارة الداخلية)
TT

مصر: أنباء عن ترحيل مدونتين برازيليتين بسبب «فيديوهات فاضحة»

السائحتان البرازيليتان المضبوطتان في مصر (وزارة الداخلية)
السائحتان البرازيليتان المضبوطتان في مصر (وزارة الداخلية)

أثارت واقعة السائحتين البرازيليتين اللتين تحرَّشتا بالمارة في شوارع الإسكندرية ومحافظات مصرية أخرى، وصوّرتا مقاطع فيديو تضمنت إيحاءات ومشاهد خادشة للحياء، جدلاً في مصر، خصوصاً بعد إعلان وزارة الداخلية القبض على المدونتين واعترافهما بتصوير مقاطع «الفيديو الخادشة للحياء» لحصد المشاهدات.

في حين ترددت أنباء عن إخلاء سبيل البلوغر البرازيلية ماليفولا ألفيس وصديقتها برونا ميركاتيلي في قضية الإيحاءات الجنسية والصور الخادشة، بكفالة قدرها 40 ألف جنيه، وترحيلهما إلى بلدهما، وفق ما نشره موقع «القاهرة 24»، دون تأكيدات رسمية.

وكانت وزارة الداخلية المصرية قد أعلنت قبل يومين توقيف سائحتين برازيليتين، وقالت في بيان لها إنه «في إطار كشف ملابسات مقاطع فيديو تم تداولها بمواقع التواصل الاجتماعي، تتضمن قيام سائحتين (تحملان جنسية إحدى الدول) بحركات استعراضية إباحية وتلميحات جنسية والتحرش بالمارة حال سيرهما بعدد من الشوارع بعدة محافظات».

وأضافت الوزارة أنه «بالفحص أمكن تحديد وضبط السيدتين الظاهرتين بمقاطع الفيديو (إحداهما صانعة محتوى) بنطاق محافظة الإسكندرية، وبمواجهتهما اعترفتا بارتكاب الواقعة على النحو المشار إليه، وقيامهما بتصوير تلك المقاطع ونشرها على صفحاتهما بمواقع التواصل الاجتماعي لزيادة نسب المشاهدات».

وتم اتخاذ الإجراءات القانونية حيالهما، وتولت النيابة العامة التحقيق. ونشرت مواقع مصرية معلومات عن الإفراج عن السائحتين بكفالة بعد تدخل سفارة بلدهما، وإعلان محامي الفتاتين أنه سدّد مبلغ الكفالة للإفراج عنهما، دون تأكيدات رسمية لخبر الإفراج.

وترى الخبيرة القانونية هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات من أجل حقوق المرأة، أن «الجدل المثار بشأن واقعة صانعتي المحتوى البرازيليتين في مصر يطرح تساؤلات قانونية مهمة حول حدود حرية صناعة المحتوى والمسؤولية القانونية عن الأفعال التي قد تمس كرامة الآخرين أو تنتهك الآداب العامة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «من الناحية القانونية، فإن السعي إلى تحقيق المشاهدات والانتشار لا يبرر أي سلوك قد يشكّل تحرشاً بالآخرين أو اعتداءً على حقوقهم، على أن يتحدد التكييف القانوني وفقاً لطبيعة الأفعال والأدلة المتاحة والنصوص القانونية واجبة التطبيق».

وتابعت: «كما أن أنباء الإفراج عن المتهمتين، إن تأكدت رسمياً، لا تعني بالضرورة البراءة، إذ يجب التمييز بين قرارات إخلاء السبيل والأحكام القضائية النهائية. فالأصل هو قرينة البراءة، مع ضرورة احترام القانون وضمان حق الدفاع».

وتؤكد هبة عادل أن «سيادة القانون المصري واجبة على الجميع دون تمييز بسبب الجنسية، وأن مواجهة هذه الوقائع يجب أن تقوم على التحقيق الجاد والتطبيق العادل للقانون، بعيداً عن التشهير أو إصدار أحكام مسبقة، بما يحقق التوازن بين حماية المجتمع وصون الحقوق والحريات».

وتصدرت واقعة السائحتين «الترند» على «إكس» في مصر خلال اليومين الماضيين، وسط أنباء عن تصدرهما «الترند» أيضاً في البرازيل، مع انتشار مقاطع فيديو قامتا بتصويرها على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط حالة من الاستنكار والاستهجان للواقعة، مع تعليقات تشير إلى أن الفتاتين متحولتان جنسياً ودأبتا على تصوير مثل هذه المقاطع لحصد المشاهدات.

«تكشف واقعة المدونتين البرازيليتين في مصر عن تحول مهم في اقتصاد المحتوى الرقمي، حيث لم تعد المشاهدات مرتبطة بجودة المحتوى فقط، بل أصبحت أحياناً مرتبطة بقدرته على إثارة الجدل واستفزاز الجمهور»، وفق الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي محمد فتحي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «يمكن فهم الواقعة باعتبارها نموذجاً لاقتصاد الانتباه، الذي تتحول فيه ردود الفعل الغاضبة والانتقادات إلى أدوات لزيادة الانتشار، وربما تحقيق عوائد مادية، فالهجوم على صانع المحتوى لا يعني بالضرورة تراجع شعبيته، بل قد يضاعف وصوله ويمنحه شهرة تتجاوز الحدود الجغرافية».

ويتابع: «كما أن انتقال القصة من مصر إلى البرازيل يعكس قوة المنصات الاجتماعية في إعادة صياغة الأحداث وفقاً للسياقات الثقافية والإعلامية المختلفة، فما يُقدَّم محلياً باعتباره قضية تتعلق بالآداب العامة واحترام حقوق الآخرين، قد يُناقَش خارجياً من زوايا تتعلق بالحريات الفردية والإجراءات القانونية».

وعدّ فتحي أن «التحدي الحقيقي أمام المنصات الرقمية هو ألّا تتحول الخوارزميات إلى مكافأة للسلوك الاستفزازي على حساب المسؤولية المجتمعية، فحرية صناعة المحتوى لا تعني انتهاك حقوق الآخرين».


500 عام من البريق والقصص... معرض غير مسبوق يوثق تاريخ المجوهرات الملكية البريطانية

التاج الماسي الذي صنعته دار «بريدج آند راندل» عام 1820 (رويال كوليكشن ترست)
التاج الماسي الذي صنعته دار «بريدج آند راندل» عام 1820 (رويال كوليكشن ترست)
TT

500 عام من البريق والقصص... معرض غير مسبوق يوثق تاريخ المجوهرات الملكية البريطانية

التاج الماسي الذي صنعته دار «بريدج آند راندل» عام 1820 (رويال كوليكشن ترست)
التاج الماسي الذي صنعته دار «بريدج آند راندل» عام 1820 (رويال كوليكشن ترست)

تستعد مؤسسة «رويال كوليكشن» لإقامة معرض استثنائي في الغاليري الملحق بقصر باكنغهام العام المقبل، يروي تاريخ المجوهرات الملكية البريطانية عبر نحو 300 قطعة تعود أقدمها إلى القرن السادس عشر، وهي المرة الأولى التي تجتمع فيها أهم القطع المملوكة للعائلة المالكة البريطانية تحت سقف واحد.

ولا تكمن أهمية المجوهرات التي ارتداها ملوك وملكات بريطانيا في القيمة المادية فقط، بل في التاريخ والقصص التي عاصرتها كل قطعة، وهو الخط السردي الذي سيأخذه المعرض حيث سيعرض إلى جانب التيجان والأقراط والبروشات أيضاً اللوحات الفنية والوثائق التي سترسم صورة لما تكتنزه كل قطعة من تاريخ بريطانيا والعائلة.

الخاتم الذي ارتدته فيكتوريا وهي رضيعة (رويال كوليكشن ترست)

يتبع المعرض الذي يحمل عنوان «المجوهرات الملكية من التتويج إلى التذكارات» رحلة هذه القطع منذ تصميمها على أيدي الصاغة المعتمدين لدى القصر، حتى إبداعات دور مجوهرات رائدة، مثل فابرجيه وبوشرون وكارتييه وغيرها.

قصص وتاريخ

بحسب بيان لـ«رويال كوليكشن»، سوف تتاح للزوار رؤية قطع ارتداها الملك هنري الثامن والملكة فيكتوريا والملكة إليزابيث الثانية، وصولاً للملكة كاميليا. ولا يغيب عن الزائر أن قطع المجوهرات المختلفة يتداولها أعضاء الأسرة في المناسبات المختلفة، وبذلك تكتسب كل قطعة معاني جديدة وقصصاً مختلفة.

تمر بنا القطع ببلاغة عبر الأجيال المختلفة، فعلى سبيل المثال هناك التاج الماسي الذي صنعته دار راندل، «بريدج آند راندل» في عام 1820 لمراسم تتويج الملك جورج الرابع، الذي جرى العرف أن ترتديه الملكات في الافتتاح الرسمي للبرلمان، وظهرت به الملكة كاميلا أثناء مراسم افتتاح البرلمان في شهر مايو (أيار) الماضي. التاج مرصع بـ1333 ماسة تزن سوياً 320 قيراطاً، إلى جانب ماسة صفراء وصفين من اللؤلؤ تحيطان بقاعدة التاج، وقد ارتدته الملكة إليزابيث الثانية لاحقاً في الصور التي ظهرت على العملات المعدنية والأوراق النقدية والطوابع البريدية. وتبرز في العرض قلادة من «فابرجيه» مرصعة بحجر الأكوامارين، وهي هدية من الملكة ماري لحفيدتها الملكة إليزابيث الثانية.

قلادة من «فابرجيه» مرصعة بحجر الأكوامارين وهي هدية من الملكة ماري لحفيدتها الملكة إليزابيث الثانية (رويال كوليكشن ترست)

فيكتوريا وألبرت

ويمنح المعرض مساحة خاصة للعلاقة الشهيرة بين الملكة فيكتوريا والأمير ألبرت من خلال مقتنيات شخصية تحمل طابعاً عاطفياً، بينها الخاتم الذي ارتدته فيكتوريا وهي رضيعة، ودبوس الزينة المرصع بالياقوت والألماس الذي أهداها إياه ألبرت في الليلة التي سبقت زفافهما. وهناك أيضاً سوارٌ مرصع بحصى جمعها الزوجان خلال رحلتهما الأولى التي سافرا فيها بمفردهما، ودبوسٌ على شكل زهرة الشوك يحتوي على أول سنٍ لبنية لابنتهما الكبرى، وهي السن التي خلعها ألبرت بنفسه.

دبوسٌ يحتوي على أول سنٍ لبنية للابنة الكبرى للملكة فيكتوريا والأمير ألبرت (رويال كوليكشن ترست)

تكتمل المجموعة بخاتم الحداد الخاص بفيكتوريا، الذي يحمل صورة ألبرت وحرفي اسميهما متشابكين. وقد ارتدت الملكة هذا الخاتم بعد وفاته عام 1861، حين كان في الثانية والأربعين من عمره. كما يضم العرض «التاج الماسي الصغير» الخاص بالملكة فيكتوريا، وهو تاج ارتبط بها ارتباطاً وثيقاً لدرجة أنه وُضع فوق نعشها خلال فترة إلقاء نظرة الوداع عليها.

الملكات والقرينات

الملكة إليزابيث الثانية وهي ترتدي التاج الماسي الذي صنعته دار «بريدج آند راندل» في عام 1820 (رويال كوليكشن ترست)

وسيضم المعرض كذلك مجوهرات ارتبطت بكل ملكة أو قرينة ملك، بدءاً من الملكة شارلوت، وصولاً إلى الملكة إليزابيث الثانية، ما يبرز تطور الأنماط الملكية؛ من فخامة العصر الجورجي ومشاعر العصر الفيكتوري، مروراً بطراز «آرت ديكو» (Art Deco)، وصولاً إلى تصاميم منتصف القرن العشرين. ولأول مرة، سيُعرض طقم من مجوهرات حجر العقيق الأحمر (الجارنت)، التي ربطتها أبحاث حديثة بالملكة شارلوت، زوجة الملك جورج الثالث.

من جانبها، علّقت المنسقة المشاركة للمعرض كارولين دو غيتوت، في بيان: «هذا المعرض غير المسبوق سيجمع أهم وأفخم مجوهرات في التاريخ البريطاني، وعدد كبير منها لم يعرض من قبل ... كل جوهرة تجمل معها قصة إنسانية عن الحب أو الفقد، السلطة والسياسة، العائلة والعقيدة. مجتمعة شهدت القطع المعروضة على لحظات فاصلة في حياة أعضاء الأسرة، وتوفر لنا المشاهدين نظرة قريبة للأشخاص والعلاقات التي شكلت العائلة المالكة عبر الأجيال».

المعرض سيقام في «ذا كنغز غاليري» في شهر يونيو (حزيران) من العام المقبل، وسيستمر لـ9 أشهر.


«التوك توك» يراوغ حظر السير في شوارع القاهرة

مركبات «التوك توك» في الجيزة بشارع المريوطية (الشرق الأوسط)
مركبات «التوك توك» في الجيزة بشارع المريوطية (الشرق الأوسط)
TT

«التوك توك» يراوغ حظر السير في شوارع القاهرة

مركبات «التوك توك» في الجيزة بشارع المريوطية (الشرق الأوسط)
مركبات «التوك توك» في الجيزة بشارع المريوطية (الشرق الأوسط)

بعد مرور نحو أسبوع على قرار محافظتي القاهرة والجيزة بحظر سير مركبات «التوك توك» بمحاور وشوارع رئيسية فيهما، يبدو أن القرار لم يلقَ استجابة كاملة في التطبيق على أرض الواقع، فما زالت المركبات تسير في المناطق المحظورة، في شوارع فيصل والهرم، وترسا، والمريوطية، وخاتم المرسلين، وكورنيش النيل، وفق ما رصدته «الشرق الأوسط».

«القرار الذي سعت الحكومة المصرية من خلاله للحدّ من مظاهر عشوائية تمثل مخاطر على المشاة والسيارات، يلقى صعوبات في تفعيله»، والسبب من وجهة نظر خبير التنمية المحلية، محافظ الإسكندرية والقليوبية الأسبق الدكتور رضا فرحات، أن «عدد مركبات (التوك توك) كبير جداً، وتطبيق قرار حظر سيره يحتاج عدداً كبيراً من رجال شرطة المرور». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «معظم السائقين لا يملكون رخص قيادة، كما أن أغلبية المركبات غير مرخصة».

«التوك توك» على كورنيش النيل بالقرب من منطقة المنيل (الشرق الأوسط)

و«تحتاج مكافحة هذه الظاهرة إمكانات لوجستية كبيرة، و إجراءات عديدة، بينها بالطبع منع استيراد (التكاتك)، وإغلاق ورش تصنيعها، فضلاً عن محاصرة دخول قطع غيارها، وهذا كفيل بغلق منابعه من الأصل»، وفق رأي فرحات.

وشدّد على أنه «من أجل إنجاح خطة المكافحة لا بد أن نضع احتياجات الناس ضمن أولوياتها، بتوفير بدائل يستخدمونها في تنقلاتهم الداخلية، مثل عربات يتم ترخيصها ومنح رخص قيادة لأصحابها، حتى يمكن مراقبتهم ومحاسبتهم حال وجود أي مخالفات، فضلاً عن ضرورة تطبيق إجراءات عقابية شديدة، تلتزم بالدستور، حتى يؤتي القرار ثماره».

ويعزي بعض سائقي مركبات «التوك توك» ممن تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» كثرة تحركاتهم داخل شوارع العاصمة الرئيسية إلى ضرورة تلبية احتياجات أسرهم في ظل ارتفاع الأسعار، بالإضافة إلى عدم معرفة بعضهم بالقرارات الجديدة، والسير بثقة في ساعات الليل لعدم وجود عناصر من رجال المرور.

وجود «التوك توك» في الشوارع - حسب رأي شريف حيدة (محاسب) - مصدر خطر دائم، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى زيادة القيود على (التوك توك) بشكل تدريجي حتى يتم التخلص من هذه الظاهرة العشوائية لما تجره على المجتمع من مشكلات»، وهي، حسب حيدة، «ليست مرورية فقط، لكنها أيضاً أمنية، فبعض سائقي (التوك توك) يستخدمونه في ارتكاب جرائم، كما أن قيادته تمثل في معظم الأحوال عمل من لا عمل له، فبعضهم لا يمتلك رخصة قيادة، وكثير منهم أطفال ومراهقون، تصعب السيطرة عليهم».

«التوك توك» في شارع خاتم المرسلين بالجيزة (الشرق الأوسط)

ولفت حيدة إلى أنه يحتاط طوال قيادته سيارته من سائقي «التوك توك» والدراجات النارية، بسبب طريقتهم في القيادة التي لا تلتزم بأي قواعد مرورية، «بعضهم يسير عكس الاتجاه، وهناك من يقطعون الطريق بالعرض، فضلاً عن السرعات غير المبررة التي يندفعون بها في الشوارع»، وفق قوله.

ويرى محمد مجدي (رجل أعمال) أن «مخاطر سير (التوك توك) في الشوارع الرئيسية والمساوئ التي جَرَّها أكثر من فوائده، فمع انتشار البطالة صارت مهنة كثيرين لا يجيدون القراءة ولا الكتابة، ولا يهتمون بقواعد السير وقيادة السيارات، فضلاً عن حالة اللامبالاة التي تسيطر على معظم سائقيه، فلا اهتمام لديهم بالمشاة، ولا بغيرهم، يتحركون دائماً دون ضوابط، ويتسببون في كثير من الحوادث والإصابات».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن ظهور «التوك توك»، بعيداً عن مخاطره الأمنية أثّر كثيراً على سوق الحرف، ونسبة أصحاب الصنائع، «فلا أحد من الذين يتولون قيادته يريد أن يتعلم صنعة، أو يجتهد في العمل من أجل لقمة العيش، كثيرون يرون أن شراء (توك توك) والعمل عليه لبساطة قيادته أسهل من قضاء سنوات لتعلم حرفة، وهذا له تأثير سلبي بالطبع على المجتمع، ويقلل بشكل بالغ أعداد الحرفيين في سوق العمل».

مركبات «التوك توك» في شارع المريوطية (الشرق الأوسط)

ويذكر أن تشخيص أزمة «التوك توك» وقلة فاعلية قرارات الحكومة المصرية في وضع حلّ لسيره العشوائي تأتي من ضخامة أعداد التكاتك الموجودة، التي تصل إلى 5 ملايين مركبة، المرخص منها 289 ألفاً فقط، وفقاً لـ«التعبئة العامة والإحصاء». ويمثل ملف «التوك توك» - حسب الدكتور حمدي عرفة أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية وخبير استشاري للبلديات الدولية - «اقتصاداً موازياً، بما يشكله من دخول شهرية تصل إلى 18 ملياراً و800 مليون جنيه (الدولار يساوي نحو 55 جنيهاً مصرياً)، بمتوسط دخل صافٍ 300 جنيه يومياً، وتصل الإيرادات الصافية لأصحاب (التوك توك) في المحافظات يومياً إلى 420 مليون جنيه».

ورغم أن «التوك توك» يوفر 250 ألف فرصة عمل سنوياً، فإنه وفق قول عرفة لـ«الشرق الأوسط»: «أدّى إلى انهيار الصناعات الحرفية في مصر لاتجاه نسبة كبيرة من الأيدي العاملة للارتزاق من حيازته، وهم في الوقت نفسه يهدرون على الدولة 12 مليار و150 مليون جنيه بسبب عدم حصولهم على تراخيص، أما مخالفاتهم المرورية غير المحصلة فتساوي نحو 4 مليارات و650 مليون جنيه سنوياً».

ويخدم «التوك توك» - وفق خبير استشارات البلديات الدولية - ما يقرب من 28 مليون مواطن في 27 محافظة، ويصل عدد حائزيه إلى 4 ملايين سائق: «يجب تقنين أوضاعهم بتطبيق منظومة الكود الرقمي الجديد، مع تخصيص لون مميز لمركبات كل مدينة للارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة، والتعرف على السائقين حال وجود مشكلات أو مخالفات»، على حدّ تعبيره.