بقايا الطبقة الوسطى السورية تسقط في هوّة الفقر

سيدتان تعدّان أوراقاً نقدية في المصرف السوري المركزي في 13 يناير 2012 (أ.ب)
سيدتان تعدّان أوراقاً نقدية في المصرف السوري المركزي في 13 يناير 2012 (أ.ب)
TT

بقايا الطبقة الوسطى السورية تسقط في هوّة الفقر

سيدتان تعدّان أوراقاً نقدية في المصرف السوري المركزي في 13 يناير 2012 (أ.ب)
سيدتان تعدّان أوراقاً نقدية في المصرف السوري المركزي في 13 يناير 2012 (أ.ب)

كانت مروة، وهي أم معيلة في الأربعينات من عمرها، مستيقظة في وقت متأخر من الليل، في شقتها التي تستأجرها في جرمانا. وكانت معتادة على متابعة الإخطارات الواردة على هاتفها المحمول من تطبيق «سوريا للتجارة»، وهي مؤسسة مملوكة للحكومة، تبيع سلعاً بأسعار مدعومة، لتعرف موعد تسلمها البضائع الخاصة بها.
كانت مروة قد تمكنت من شراء 4 كلغ من الأرز و3 كلغ من السكر، بأسعار مدعومة من أجل أسرتها، لتوفر بذلك نحو 3 دولارات تقريباً، مقارنةً بأسعار السوق. لكنّ تطبيق الهاتف لم يعد يبعث لها إخطارات كالمعتاد. قالت في نفسها: «في الشهرين الماضيين، لم أتلقَّ الرسالة في الوقت المناسب، أما هذا الشهر فقد حالفني الحظ».
تقضي مروة ساعات عدة كل يوم في طوابير طويلة لشراء الخبز المدعوم، لتعود بعدها إلى منزلها وتجلس في الظلام والبرد بسبب انقطاع الكهرباء والارتفاع الشديد في أسعار وقود التدفئة. واضطرت منذ وقت قريب إلى بيع الهاتف المحمول الخاص بابنتها كي تتمكن من سداد نفقات طبية.
مروة، وهي موظفة سابقة في الحكومة، فقدت شقيقها وابنتها في هجمات «داعش» وهجمات أخرى شنتها قوات النظام. وتبدو قصتها شبيهة بقصص كثير من أبناء الطبقة الوسطى الآخذة في التلاشي داخل سوريا، والتي سقطت اليوم في هوة الفقر.
قبل عام 2011، كانت سوريا بين الدول منخفضة الدخل، وبلغ إجمالي الناتج المحلي بالنسبة للفرد عام 2010 ما يقدر بـ2806 دولارات، تبعاً لتقديرات صندوق النقد الدولي. وكان هذا المستوى معادلاً لنظيره في سريلانكا، ويقل قليلاً فقط عما هو عليه في المغرب ومصر. اليوم، يعيش قرابة 90% من المقيمين داخل سوريا تحت خط الفقر، في وقت تتفشى مشكلة الجوع يوماً بعد آخر.
منذ عشر سنوات، لم تكن غالبية السوريين من الأثرياء، لكن البلاد اتسمت بوجود طبقة وسطى واسعة، تتمتع بمستوى معيشة مريح نسبياً. ومع هذا، تسببت إجراءات تحرير الاقتصاد، التي بدأت في تسعينات القرن الماضي، في اتساع الفجوة بين الأثرياء والفقراء. وتراجعت الخدمات، وكذلك الدعم الذي تقدمه الدولة لأسعار المواد الأساسية، لا سيما أسعار الوقود، كما تقلصت أموال الدعم الموجهة للمزارعين، الذين شكّلوا في وقت مضى فئة موالية للنظام يمكن الوثوق بها، أو على الأقل أكثر فئات المجتمع هدوءاً.
وباشتعال الانتفاضات العربية، أواخر عام 2010، ساد شعور في أوساط قطاعات كبيرة من الطبقة الدنيا، التي كانت تقيم في المناطق الريفية وداخل الأزقة على أطراف المدن الكبرى، بأنه ليس هناك ما يمكن خسارته، وثارت هي الأخرى.
ومع ذلك، ظلت الطبقة الوسطى الحضرية السورية، وكذلك الأقليات الدينية، هادئة في معظمها، أو داعمة للنظام.
اليوم، تشعر هذه القطاعات من المجتمع بأن العقد الاجتماعي المسكوت عنه بينها وبين النظام، والذي بمقتضاه تبقى هذه القطاعات على هدوئها، مقابل الحصول على خدمات ووظائف من الدولة، قد جرى خرقه.
شفيق، المقيم في ريف اللاذقية، والذي تم تسريحه من الجيش منذ عام، قال لـ«الشرق الأوسط»: «خدمت في الجيش لثماني سنوات في ظروف يسودها الإذلال والمهانة والظلم. اليوم، لا عمل لديّ ولا مستقبل. أضعت تلك السنوات مقابل لا شيء، وليس بإمكاني تحقيق أي شيء لنفسي».

مكابدة يومية للنجاة من الجوع والبرد... والظلام
يواجه السوريون أزمات عدة، تتسبب كل واحدة منها في تفاقم الأخرى، ما أدى إلى تحويل الحياة إلى صراع متواصل لتأمين الضرورات الأساسية للعيش، للبقاء بمنأى عن الجوع والبرد. وجاء التأثير الأكبر للعقوبات المفروضة ضد النظام، متمثلاً في انخفاض إمدادات المنتجات النفطية من إيران، في أعقاب تشديد العقوبات الأميركية ضد النظام الإيراني والشبكات التي تتولى على نحو غير قانوني توفير النفط منذ أواخر عام 2018. وأسفر نقص الوقود والغاز الطبيعي عن تداعيات واسعة النطاق على مختلف جوانب الاقتصاد السوري.
ويقضي السوريون، في مختلف أرجاء البلاد، الجزء الأكبر من أيامهم في الظلام، مع انقطاع الكهرباء على نطاق واسع، حتى داخل الأماكن التي يوليها النظام أولوية، مثل مدينة اللاذقية وريفها، أو الضواحي التي تقطنها الطبقات الغنية في دمشق، مثل ضواحي «المهاجرين» و«أبو رمانة» و«مشروع دمَّر».
من جهتها، أقرت الحكومة السورية سياسة تقنين الكهرباء. لكن، حتى خلال الساعات التي يفترض أن الكهرباء ستتوافر فيها، والتي يضع السوريون خططهم اليومية بناءً عليها، لشحن هواتفهم المحمولة وأجهزة تخزين الطاقة، غالباً ما يكون التيار الكهربائي متقطعاً فيها.
وعن هذا الأمر، قال وائل، المقيم في ضاحية جنوب دمشق: «عادةً، تتوافر الكهرباء لدينا لساعتين في اليوم. ومنذ وقت قريب، جاء محافظ ريف دمشق لزيارة المنطقة، لذلك كنسوا الشوارع قبل مجيئه، وأبقوا على الكهرباء لمدة ساعة ونصف الساعة. وبعد رحيله، انقطعت الكهرباء عن المنطقة من جديد».
من ناحية أخرى، فإن لتر المازوت قفزت تكلفته من 20 ليرات قبل عام 2011، إلى قرابة 1400 ليرة، اليوم، في السوق السوداء. ومن المفترض أن يتوافر المازوت الخاص بالتدفئة مقابل سعر مدعوم يبلغ 180 ليرة للتر، لكنه، في الواقع، غير متوافر بهذا السعر، في معظم المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، إلا لأفراد ينتمون لشبكات الفساد وأمراء الحرب.
ويحتاج كل منزل بين 60 و150 لتراً من الوقود، شهرياً، من أجل التدفئة في فصل الشتاء، حسب درجة الحرارة في الخارج، أي ما تبلغ تكلفته 84000 ليرة في أدنى تقدير، ما يعادل قرابة ضعف متوسط الراتب الشهري. ولهذا، يستحيل على غالبية السوريين تدفئة منازلهم، علماً بأن درجات الحرارة تنخفض إلى ما دون الصفر في المناطق المرتفعة من البلاد، مثل اللاذقية والجبال المحيطة بدمشق.
عن هذا الأمر، قالت جميلة، وهي جدة تبلغ 65 عاماً، وتعيش في منطقة جبلية قرب دمشق: «يجلس غالبية الناس تحت الأغطية، لكن من الصعب إبقاء الأطفال تحتها. لذلك، يمرض الأطفال باستمرار، ويتعين عليك حينها توفير الدواء لهم، وتوفير ملابس ثقيلة تجعلهم يشبهون دببة الباندا».
من ناحية أخرى، توقفت منظومة النقل العام داخل سوريا، في الجزء الأكبر منها. ونظراً لارتفاع أسعار المازوت في السوق السوداء، وانخفاض الأجرة التي يتقاضاها سائقو سيارات الأجرة الجماعية (السرفيس) من الركاب، يشعر هؤلاء السائقون أن من حقهم الحصول على المازوت بأسعار مدعومة، لكونهم يقودون سيارات أجرة تنتمي للمواصلات العامة، لكنهم يبيعون الوقود المدعوم الذي يتسلمونه، في السوق السوداء، ويبقون في منازلهم، بدلاً من الخروج بسياراتهم لتوصيل المواطنين إلى وجهاتهم.
ويعني هذا الأمر بدوره، اضطرار السوريين إلى الانتظار ساعات طويلة، في بداية ونهاية كل يوم عمل، من أجل إيجاد مقعد داخل وسيلة مواصلات. وإضافة إلى تأخرهم عن أعمالهم، ارتفعت أسعار المواصلات بدرجة هائلة، إلى حدٍ أجبر بعض الموظفين على التغيب عن أعمالهم لأيام عدة من الأسبوع.
ومن بين هؤلاء منى، المدرِّسة في ريف اللاذقية، والتي وصفت صعوبة هذا الوضع على المدرِّسين. وقالت: «بدلاً من الذهاب إلى العمل في جميع أيام الأسبوع، يذهب المعلمون للمدرسة مرة كل يومين، ويحرص الناظر على إبقاء سير جدول الحصص منتظماً. أما من يملكون واسطة، فقد توقفوا تماماً عن الذهاب إلى العمل، ومع ذلك فهم مستمرون في تلقي رواتبهم. أما من ليس لديهم واسطة، فيضطرون إلى الحضور إلى العمل، ما يجبرهم على إهدار كامل رواتبهم على المواصلات، فقط من أجل الحفاظ على وظيفة حكومية، لما تحمله من مميزات أخرى».
وأضافت منى: «بطبيعة الحال، يؤثر هذا الأمر على مستوى التعليم. وفي الواقع، الجيل القادم يتعرض للتدمير».
في الوقت ذاته، أصبح الآباء والأمهات يعتمدون على نحو متزايد على التعليم في المنزل، وعلى مدرسين خصوصيين، يُقدم كثيرون منهم على هذا العمل لضمان الحصول على راتبٍ ثانٍ.
تدهور تاريخي لسعرالليرة و{ارتفاع صاروخي} في الأسعار
فقدت العملة السورية ما يزيد على 98.5% من قيمتها على مدار السنوات العشر الماضية. وفي مطلع 2011، كان الدولار الأميركي الواحد يساوي 47 ليرة سورية. وبدأت العملة السورية تفقد قيمتها مع بداية الانتفاضة، ومع توقف مصادر العملة الصعبة، مثل السياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة، والصادرات. وبدأ التراجع السريع في قيمة العملة في أعقاب الأزمة المصرفية اللبنانية عام 2019 والتي أدت إلى تجميد حسابات بالدولار في البنوك اللبنانية، مملوكة لسوريين من أبناء الطبقتين المتوسطة والعليا، وكذلك لشركات سورية. ووصل سعر الصرف أمس إلى اكثر من 4500 ليرة ليرة للدولار.
وتراجعت العملتان اللبنانية والسورية على نحو حاد لتصلا إلى أدنى مستوى لهما على الإطلاق. وبالنسبة إلى دولة تعتمد على نحو متزايد على الواردات، يعد هذا الانهيار في العملة كارثة. وكان من شأن سياسة الأرض المحروقة التي انتهجها النظام، وفقدان السيطرة على المناطق الغنية بالموارد، وفرار رجال الصناعة السوريين إلى خارج البلاد، ونهب المصانع من جميع أطراف الصراع، والعقوبات الغربية، أن تؤدي إلى تقليص القدرة الإنتاجية لسوريا.
جدير بالذكر في هذا الصدد، أن سوريا كانت قد حققت الاكتفاء الذاتي، أو كانت على وشك تحقيقه، في مجالات إنتاج الشعير والقمح والبيض والدواء والزيوت. أما اليوم، فإنها أصبحت مضطرة إلى استيراد معظم استهلاكها من هذه السلع الأساسية. وحتى القطاعات الإنتاجية التي تمكنت من البقاء على قيد الحياة خلال سنوات الحرب، مثل القطاع الزراعي والدواجن ومصانع معينة، تضررت هي الأخرى بسبب اضطرارها إلى شراء مواد أساسية، مثل الديزل وعلف الماشية والبذور والأسمدة، بأسعار مرتبطة بسعر صرف الدولار.
ونتيجة انهيار العملة، شهدت أسعار السلع الأساسية ارتفاعاً صاروخياً. وتبعاً لتقديرات الأمم المتحدة، فإنه خلال الفترة بين ديسمبر (كانون الأول) 2019 وديسمبر 2020 ارتفعت أسعار السلة الأساسية من السلع بنسبة 236%. وبحلول نهاية عام 2020، وقبل حدوث ارتفاعات أخرى في الأسعار، قدرت الأمم المتحدة أن 60% من السوريين يعانون من انعدام الأمن الغذائي، ما يعني أنهم لا يعلمون ما إذا كانوا سيتمكنون من تأمين الوجبة التالية.
وتحفل شبكة «فيسبوك» بصفحات أنشأتها مجموعات من المقيمين داخل مناطق يسيطر عليها النظام، تحوي الكثير من المنشورات التي تتضمن نصائح بخصوص أرخص الوجبات التي يمكن طهوها. وغالباً ما تدور النصائح حول البرغل والأرز والبطاطا المطهوة (وليست المقلية، نظراً لارتفاع أسعار الزيت) والمعكرونة. وفي مطلع عام 2020، كان كثيرون لا يزالون يقترحون وجبة «جظ مظ» (الشكشوكة السورية)، لكن البيض آنذاك كان أرخص مصدر للبروتين. أما اليوم، فقد ارتفع سعره على نحو هائل، ما اضطر السوريين إلى تناسيه، كما تناسوا اللحم والفاكهة ومنتجات الألبان، بل حتى الخضراوات، وأصبحوا يعتمدون على نحو متزايد على نظام غذائي غير صحي، قوامه الكربوهيدرات.
وتشير محادثات مع مقيمين عبر المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، إلى أن الجوع أصبح أكثر تفشياً بكثير، مع بدء ظهور نقصٍ في الخبز المدعوم في فبراير (شباط) 2020، وأصبح أشد حدة في أغسطس (آب) 2020، ونتيجة سيطرة قوى أخرى، غير قوات النظام، على المناطق المنتجة للقمح داخل سوريا، إضافة إلى ارتفاع أسعار القمح الذي يبيعه المزارعون للسلطات المحلية في المناطق الواقعة خارج سيطرة النظام، لم يتمكن النظام من شراء سوى أقل من 20% من المحصول السوري لعام 2020.
وبسبب الأزمة المصرفية اللبنانية، وتراجع احتياطات العملات الأجنبية لدى النظام، وارتفاع أسعار القمح عالمياً، واجهت الحكومة السورية صعوبة في إنجاز صفقات لاستيراد القمح.
تجدر الإشارة هنا إلى أن الخبز لطالما شكل عنصراً رئيسياً في النظام الغذائي في منطقة الهلال الخصيب، لكن الفقر المتفاقم الذي عاناه السوريون على مدار سنوات الحرب دفعهم نحو الاعتماد على الخبز بدرجة أكبر. وقبل اشتعال الانتفاضة، بلغ السعر الرسمي للخبز المدعوم 15 ليرة مقابل 8 أرغفة، لكن أزمات نقص القمح والوقود والفساد الحكومي، تسببت في ظهور سوق سوداء، حيث يجري بيع الخبز ذاته، والذي أصبح اليوم يتسم بجودة أقل، مقابل ما يتراوح بين 3 و12 ضعف السعر الرسمي، حسب المنطقة.
ودفعت الزيادة الحادة في أسعار المنتجات الغذائية الأساسية السكان إلى الاعتماد بشكل متزايد على السلع المدعومة، التي يجري بيعها تبعاً لأسعار محددة عبر منافذ تتبع مؤسسة «سوريا للتجارة» الحكومية. ووجد سكان المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، الذين سبق أن وصفوا السكر والأرز اللذين يجري بيعهما في هذه المنافذ بأنهما لا يصلحان للأكل، وانتقدوا أولئك الذين يتكدسون في صفوف أمام هذه المنافذ، بسبب عدم التزامهم بالتدابير الاحترازية ضد فيروس «كوفيد - 19»، وجدوا أنفسهم مضطرين للتزاحم في الصفوف نفسها بعد أشهر قليلة فقط.
أما النظام، فقد قلص من جانبه كميات السلع المدعومة، إلى درجة أنها لم تعد كافية لتغطية ولو نسبة ضئيلة من احتياجات الأسر السورية، مع حصول أسر على ما لا يزيد على 3 كيلوغرامات من الأرز، و4 كيلوغرامات من السكر في الشهر، وذك للأسر الأكثر عدداً. كما زادت الحكومة أيضاً أسعار السلع المدعومة، ولا تزال عاجزة على نحو متزايد عن توزيع حتى هذه الكميات الصغيرة على السكان.
انكماش الرواتب الهزيلة... واتساع الانتقادات للنظام
قبل عام 2011، ورغم تفاقم الفجوة ما بين الأغنياء والفقراء، ضمّت سوريا طبقة وسطى ضخمة، تتألف في معظمها من موظفين حكوميين، وذلك في إطار ميثاق اجتماعي ظهر عبر أرجاء المنطقة، يقضي بأن توفر الأنظمة الوظائف داخل هيكل خدمة مدنية منتفخ، مقابل الحصول على هدوء سياسي. في ذلك الوقت، بلغ متوسط راتب الموظف الحكومي 20000 ليرة سورية، أي نحو 400 دولار تقريباً. ورغم الزيادات المتكررة للرواتب، فإنها عجزت عن مضاهاة التضخم، وأصبحت قيمة متوسط الرواتب حالياً، البالغ 55000 ليرة سورية، لا تزيد على 15 دولاراً في مارس (آذار) 2021.
وبالنظر إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، لا يكفي هذا الراتب لتوفير احتياجات ثلاثة أيام من السلع الأساسية لأسرة متوسطة تتكون من خمسة أفراد. وعليه، ليس من المثير للدهشة أن يحاول موظفو الحكومة السورية زيادة مداخيلهم بالحصول على وظائف إضافية.
ومع ذلك، ورغم الرواتب الهزيلة، لا يزال التوظيف في الدولة نعمة يقاتل من أجلها كثيرون، وذلك بسبب عدم توافر البدائل، إلا فيما ندر، إلى جانب الشعور بالاستقرار الذي توفره هذه الوظائف، وما تحمله من ميزات مادية إضافية، قانونية وغير قانونية، مثل الرشى، وكذلك القروض المصرفية بأسعار فائدة منخفضة.
ونظراً للتنافس الشديد على الوظائف الحكومية، فإنه لا ينالها سوى أصحاب المستوى الأعلى من الواسطة، ومن ينظر إليهم بوصفهم مخلصين للنظام.
رسمياً، تولي الحكومة معاملة تفضيلية لأقارب الدرجة الأولى للجنود القتلى، وكذلك الجنود الذين أنجزوا فترة التجنيد التي عادةً ما تمتد لثماني سنوات. لكن، حتى داخل صفوف من يحظون بمثل هذه المعاملة المميزة، تبقى معدلات البطالة عالية.
تجدر الإشارة، في هذا الصدد، إلى أن 28000 جندي جرى تعيينهم في القطاع العام في الفترة الأخيرة، ممن جرى تسريحهم من الجيش منذ أكثر من عام.
- «مناطق التسويات» المهملة
يعاني سكان المناطق التي كانت خاضعة في السابق للمعارضة، والتي تمكن النظام وحلفاؤه من إعادة السيطرة على الجزء الأكبر منها عام 2018، من ظروف معيشية شديدة القساوة. كانت هذه المناطق، مثل الغوطة الشرقية والغربية قرب دمشق، والقلمون، وريف حمص الشمالي، قد خاضت سنوات من الحصار والتفجيرات والقصف، أنهكت أجساد سكانها، ودمرت كثيراً من البنى التحتية والمنازل فيها.
كذلك عانت درعا، ومدينة حلب الشرقية، ومدينة حمص الغربية، من أضرار واسعة جراء سنوات من القصف.
واليوم، يمتنع النظام الذي يعاني من الإفلاس وتملأه الرغبة في الانتقام، عن إعادة بناء هذه المناطق، وكذلك الحال مع الوكالات التابعة للأمم المتحدة ومنظمات دولية غير حكومية، والتي يبدو أن أولوياتها تتبع إرشادات النظام.
يُذكر أن سكان المناطق التي كانت تسيطر عليها المعارضة من قبل، والذين ظلوا في هذه المناطق، بدلاً من الفرار للعيش تحت سيطرة النظام، غالباً ما كان يجري فصلهم من وظائفهم الحكومية ولا يعودون إليها. وبسبب المظاهرات الضخمة التي اشتعلت في هذه المناطق، والضربات الجوية التي لم تتوقف، تعرض كثير من رجال هذه المناطق للاعتقال أو القتل أو التهجير القسري، مخلّفين وراءهم أسراً دون معيل.
عن ذلك، قال منير، المقيم في مدينة دوما بالقرب من دمشق، والتي تعرضت لخمس سنوات من الحصار الخانق من جانب نظام الأسد، إن الجوع يبدو ظاهراً بين سكان المدينة. وأضاف: «وصلت القدرة الشرائية لسكان دوما إلى مستوى شديد الضآلة. ويتكون كثير من الأسر من يتامى وأرامل فحسب. وتبدو آثار الفقر واضحة على الناس والشوارع. أما المتاجر، فمعظمها خاوية، ولا يستطيع سوى قليل من الأفراد شراء الحلوى أو الأطعمة الجاهزة. في المقابل، تعتمد الغالبية على الاستدانة، وبيع ممتلكات من منازلها، وعلى المساعدات الإنسانية، لكن كل هذا لا يكاد يكفي».
من ناحية أخرى، من الواضح أن نظام المساعدات الذي تقوده الأمم المتحدة، والموجود حالياً في دمشق، غير مجهّز للحيلولة دون حدوث مشكلة جوع على نطاق واسع. وقد وثّق باحثون وصحافيون ونشطاء في مجال حقوق الإنسان، قيام النظام بتحويل المساعدات إلى من يعدهم موالين له، بما في ذلك أعضاء ميليشيات، وحرمان أولئك الذين يعدهم النظام غير موالين.
ولا يزال هذا النمط مستمراً حتى اليوم، ذلك أن المناطق والمدن والأقاليم التي تعد موالية للنظام أو مقرّبة من مسؤولين في النظام، مرشحة أكثر من غيرها للحصول على مساعدات والاستفادة من مشروعات تديرها الأمم المتحدة أو منظمات دولية غير حكومية، تتخذ من دمشق مقراً لها.
واعترف موظفون في منظمات غير حكومية، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، بأنه لا يُسمح لهم باتخاذ قرارات نهائية بخصوص اختيار المستفيدين، وليس بإمكانهم منع مسؤولي الاستخبارات السورية أو مسؤولين محليين أو أعضاء في «حزب البعث» من استبعاد من يرونهم غير موالين للنظام، من قوائم المستفيدين من المساعدات، أو إضافة قوائم بأسماء مقربين منهم. وبالنظر إلى أن الغالبية الكاسحة من الشعب السوري تعيش اليوم تحت خط الفقر، فمن المنطقي ألا تكون الأمم المتحدة قادرة على تلبية احتياجاتهم جميعاً.
وبدلاً من تقديم المساعدة إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها، والذين يعيش كثيرون منهم في مناطق كانت تخضع من قبل لسيطرة المعارضة، غالباً ما تكون المعايير الأساسية لتوزيع المساعدات ذات طابع سياسي. ويتوافد أفراد في سيارات فارهة للحصول على سلال مساعدات تخص الهلال الأحمر السوري، حسبما ذكرت إحدى المقيمات في قرية قرب القرداحة، التي تنتمي إليها عائلة الأسد. وأضافت: «لقد خرج الفساد عن السيطرة».
من جهتها، بررت عضوة في حزب «البعث» في حرستا، تدخل الحزب الحاكم في اختيار المستفيدين من المساعدات، وتوفير سلال مساعدات غذائية لموظفي الحكومة الذين بقوا في وظائفهم، لأنه جرى اعتبارهم موالين للنظام، بقولها: «البعض يعارض اختيار المستفيدين بقوله: لماذا يحصل موظفون حكوميون على مساعدات؟ وإنه يجب توجيه جميع المساعدات لمن ليست لديهم وظيفة. أود أن يعلم من يعارضون هذا الأمر أن موظفي الدولة يكافحون هم أيضاً من أجل سداد الفواتير المستحقة عليهم».
- اتساع الفساد
الواضح أن الفساد هو الآخر يتفاقم. والمعروف أن الفساد شكّل عنصراً أساسياً في الحكم داخل سوريا لعقود، مع سماح النظام لموظفي القطاع العام باستغلال مناصبهم داخل الدولة والمؤسسات التابعة للنظام، لابتزاز المواطنين، والتربح من التهريب والنشاطات غير القانونية الأخرى، مقابل ضمان ولائهم. وكان سوء استغلال السلطة من جانب السلطات السورية واحداً من المحفزات الرئيسية للانتفاضة التي اشتعلت عام 2011 وكان من شأن الغياب المتزايد للقانون عن سوريا خلال سنوات الحرب، وازدهار اقتصاد الحرب، وتراجع قيمة رواتب موظفي الدولة السورية، أن يؤدي إلى تشجيع الفساد وفتح المجال واسعاً لازدهاره.
وشكّلت أزمات نقص السلع المختلفة والمتفاقمة أرضاً خصبة للفساد. ففي سوريا، يمكن شراء جميع السلع المدعومة غير الموجودة في المتاجر والمخابز من السوق السوداء، والتي تأتي إمداداتها من مسؤولين كبار في النظام يسرقون السلع، كما تأتي هذه السلع من مؤسسات حكومية.
على سبيل المثال، لم يحصل المزارعون في شرق حماة على حصة فبراير من المازوت، التي تعد ضرورية لرعاية محاصيل القمح الخاصة بهم. وعن هذا، قال أحد المزارعين: «حرصت على الذهاب إلى محطة الوقود يومياً، لكنها كانت مغلقة. وعدت إلى اتحاد المزارعين فأخبروني بأن مالك المحطة تلقى المازوت ولا يرغب في توزيعه، ولا يمكن لأحد الاعتراض عليه لأنه أحد المقربين من المسؤولين».
يُذكر أن مالك محطة البنزين تلك، الواقعة في قرية «تل جديد»، يعمل في تهريب الوقود، ويتولى تمويل ميليشيات موالية للنظام، إضافةً إلى كونه عضواً في مجلس الشعب السوري. وفي الوقت الذي من المفترض أن يتمكن المزارعون من شراء المازوت مقابل 180 ليرة للتر، يُضطر القادرون منهم إلى شرائه من السوق السوداء مقابل 8 أضعاف هذا السعر.
وفي سياق متصل، فإن الخبز المدعوم منخفض الجودة، والذي من المفترض بيعه مقابل 100 ليرة في المخابز التابعة للدولة، يُباع مقابل 300 ليرة على الأقل في السوق السوداء، وقد يصل سعره أحياناً إلى 1200 ليرة، بعد سرقته من جانب موظفي المخابز ومسؤولي الاستخبارات والجنود، بل ومفتشي وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، الذين يفترض أن مهمتهم الحيلولة دون وقوع هذه التجاوزات.
ومع استمرار معاناة الاقتصاد السوري طوال سنوات الحرب، زاد جنود النظام وعناصر الميليشيات والمخابرات من نهبهم للمواطنين. تجدر الإشارة إلى أن الفرقة الرابعة التي يقودها شقيق بشار الأسد، ماهر، تتولى الإشراف على شبكة منتشرة في مختلف أرجاء البلاد، تُدعى «الترفيق»، بمعنى توفير مرافقة مسلحة توفر الحماية للقوافل التجارية من الحواجز العسكرية التي تنتمي لـ«الفرقة الرابعة» ذاتها، وكذلك نقاط التفتيش التي تجمع إتاوات غير رسمية، لا ينتهي بها الحال في خزائن الدولة.
وتبعاً لما ذكره مزارعون من اللاذقية وحماة، زادت أعداد نقاط التفتيش على مدار العام الماضي، الأمر الذي ربما يعكس الحاجة المتزايدة لدى المسلحين لتعويض مداخيلهم المنكمشة.
أيضاً، تتورط «الفرقة الرابعة»، وميليشيات مدعومة من إيران، في عمليات تهريب عبر الحدود إلى لبنان والأردن والعراق. وتتيح شبكات التهريب تلك للتجار بيع منتجاتهم الزراعية وسلع صناعية في دول مجاورة مقابل أسعار أعلى، ما يقلص بدوره المعروض من السلع داخل سوريا، ويرفع الأسعار في الداخل.
وبسبب الفساد المستشري في المؤسسات السورية، تتعرض أي جهود رامية لمكافحة الفساد للفشل، أو ربما تسهم في الفساد وتفاقمه. على سبيل المثال، يسهم مفتشو وزارة التجارة الداخلية، الذين تقع على عاتقهم مسؤولية منع التلاعب بالأسعار، في ارتفاع الأسعار، من خلال حصولهم على رشى من التجار الراغبين في بيع السلع بأسعار أعلى مما يسمح بها القانون.
كذلك، نجد أن حرس الحدود المكلفين بمهمة منع التهريب، يتولون هم أنفسهم، تيسير عمليات التهريب تلك، بعد حصولهم على رشى. كما أن القضاة الذين جرى تعيينهم لسجن الفاسدين يحصلون هم أيضاً على رشى للسماح بفرار الفاسدين من قبضة العدالة.
ونظراً لاعتماده المستمر على جهازه القمعي، لجأ النظام إلى المخابرات، في محاولة لاحتواء انهيار الليرة السورية، من خلال محاولة فرض إرسال حوالات إلى سوريا من خلال القنوات المعترف بها رسمياً فقط، مع فرض سعر تصريف أقل بكثير مما هو موجود في السوق السوداء. وتعوق هذه السياسة قدرة السوريين على معاونة بعضهم بعضاً. وأدت حملة إجراءات لإلقاء القبض على أصحاب مكاتب الحوالات غير الرسمية إلى ارتفاع رسوم التحويل، بسبب الرشى التي يجري دفعها مقابل إطلاق سراح موظفي مكاتب الحوالات، والتي يجري تحميلها في نهاية الأمر على عاتق الزبائن.
وبسبب الحظر المفروض على استخدام الدولار، وعمليات الاعتقال سالفة الذكر، والمراقبة الشديدة، خصوصاً داخل المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة المعارضة، أصبحت مسألة تلقي أي من المقيمين في هذه المناطق حوالةً من الخارج أمراً ينطوي على مخاطرة هائلة.
من جانبه، شرح منير، المقيم في دوما، أنه رغم الفقر الطاحن، قليلون فقط من يتجرأون على تلقي أموال محوّلة من الخارج. وأضاف: «يلجأ الناس إلى الحوالات في الظروف الاستثنائية فحسب، ويعتمدون على الأقارب الذين يحملون الأموال النقدية إلى داخل سوريا، الأمر الذي يثير شكوكاً أقل».
واليوم، بعد عشر سنوات من خروج ملايين السوريين ثائرين ضد نظام وحشي وفاسد، واحتجاجاً على توزيع غير عادل للثروة، تبدو سوريا أكثر فساداً من أي وقت مضى، بينما تبدو الطبيعة الوحشية لأعمال العنف فيها واضحة للعيان. كانت السنوات العشر الأخيرة قد جرّدت النظام السوري من كثير من المظاهر المدنية السطحية التي كان يختفي خلفها. وسمحت هذه المظاهر لبعض السوريين بالتظاهر، أو ربما بالاعتقاد عن حق بأنهم يعيشون في ظل دولة مؤسسات تشكل الضامن الوحيد للاستقرار المالي والأمني.
اليوم، أصبحت الطبيعة الفاسدة والعنيفة للنظام، التي تشبه ما يسود داخل عصابات المافيا، واضحة للعيان. والآن، أصبحت النقاشات الخاصة الدائرة في أوساط السوريين الذين لم يثوروا ضد النظام منذ عشر سنوات، إما بسبب الخوف وإما لرغبتهم في الحفاظ على الاستقرار، تشبه على نحو متزايد نبرة حديث الثوار الذين خرجوا ضد النظام عام 2011. ومع ذلك، فإنه بخلاف الثوار، لا يزال هؤلاء السوريون أسرى حالة من الخوف الشديد والانهزام، تَحول دون خروجهم في وجه النظام.
* باحثة في جامعة برنستون



الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.


جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)

في المدن والقرى الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، يتشكل وعي جيل كامل على وقع انقلاب ممتد دخل عامه الثاني عشر، حتى باتت تفاصيل الصراع جزءاً من المشهد اليومي الذي نشأ فيه ملايين الأطفال والشباب، فبالنسبة إلى كثيرين منهم، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت الإطار الذي تشكلت داخله طفولتهم ومراهقتهم وبدايات نضجهم.

هذا الجيل الذي وُلد بعض أفراده بعد اندلاع الحرب، أو كان في سنواته الأولى عندما انفجرت الأزمة، لم يعرف من اليمن سوى صور الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما يتحدث الآباء عن سنوات أكثر استقراراً شهدت حياة طبيعية نسبياً، تبدو تلك الحكايات بالنسبة إلى كثير من الشباب أشبه بقصص تنتمي إلى زمن بعيد يصعب تخيله.

ويقول عدد من الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين لـ«الشرق الأوسط» إن أولى ذكرياتهم لا ترتبط بالمناسبات المدرسية أو الرحلات العائلية بقدر ما ترتبط بأصوات الانفجارات وأخبار الجبهات ومشاهد النزوح والقلق الدائم من المجهول.

ويؤكد هؤلاء أن سنوات مراهقتهم مرت بين أزمات معيشية متلاحقة، وانقطاعات متكررة للخدمات، ومخاوف مستمرة من تدهور الأوضاع، في وقت كان أقرانهم في بلدان أخرى يعيشون تجارب أكثر استقراراً وانفتاحاً على المستقبل.

آلاف المراهقين وصغار السن أخضعهم الحوثيون للتعبئة العقائدية والقتالية (إ.ب.أ)

ويصف مروان، وهو اسم مستعار لطالب جامعي من صنعاء يبلغ من العمر 22 عاماً، شعوره تجاه تلك الفجوة الزمنية بين جيله وجيل والده بقوله إن الأحاديث عن اليمن قبل الحرب تجعله يشعر وكأنها تدور حول بلد مختلف تماماً.

ويشير إلى أنه اضطر إلى تعليق مسيرته الدراسية مؤقتاً والعمل لمساعدة أسرته على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة، موضحاً أن سقف أحلام كثير من الشباب لم يعد يدور حول تحقيق إنجازات كبيرة أو مشاريع طموحة، بل حول الحصول على وظيفة مستقرة تضمن دخلاً يكفي للعيش بكرامة.

ويعكس هذا الحديث واقعاً أوسع يعيشه آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة أجبرتهم على إعادة ترتيب أولوياتهم. فبدلاً من التفكير في التطور المهني أو استكمال الدراسات العليا، أصبح التركيز منصباً على تأمين الاحتياجات الأساسية ومساندة الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب الطويلة.

ورغم استمرار العملية التعليمية بدرجات متفاوتة، فإن التحديات التي واجهها قطاع التعليم خلال سنوات الصراع تركت آثاراً عميقة على جودة المخرجات التعليمية ومستوى التأهيل الأكاديمي. ويتحدث طلاب وخريجون عن نقص الإمكانات التعليمية، وضعف فرص التدريب والتأهيل، وغياب البيئة المناسبة لاكتساب المهارات التي تتطلبها سوق العمل الحديثة.

بطالة متصاعدة

مع تزايد أعداد خريجي الجامعات عاماً بعد آخر، تتقلص في المقابل فرص التوظيف في كثير من القطاعات، الأمر الذي يضع آلاف الشباب أمام واقع معقد يتسم بندرة الوظائف وغياب الاستثمارات القادرة على استيعاب الطاقات الجديدة.

ويقول خريج في كلية الهندسة بجامعة إب إنه يشعر بقلق متزايد من أن تتحول سنوات الدراسة الطويلة إلى مجرد شهادة لا تفتح له باباً حقيقياً نحو الاستقرار المهني أو الاجتماعي.

جانب من سوق شعبية في العاصمة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتتراوح الخيارات المتاحة أمام كثير من الشباب بين أعمال مؤقتة منخفضة الأجر، وانتظار فرص غير مضمونة، والتفكير في الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل إذا توفرت الإمكانات. كما يواجه بعضهم مخاوف مرتبطة بمحاولات الاستقطاب والتجنيد في ظل استمرار الصراع.

ولا تقتصر الخسائر التي يتحدث عنها الشباب على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية أكثر عمقاً. فالكثير منهم فقدوا أقارب أو أصدقاء خلال سنوات الحرب، كما تضررت شبكات العلاقات الاجتماعية نتيجة النزوح والهجرة والانقسامات التي أصابت المجتمع اليمني.

ويقول أحد الشباب من محافظة عمران (شمال صنعاء) إنه كان في العاشرة من عمره عندما بدأت الحرب، بينما أصبح اليوم على وشك إنهاء دراسته الجامعية، مشيراً إلى أن كامل مسيرته التعليمية جرت في ظل ظروف استثنائية. ويضيف أن أكثر ما يخشاه هو الوصول إلى لحظة التخرج دون أن يجد فرصة عمل تمنحه القدرة على بناء حياة مستقرة.

السلام... الحلم المشترك

في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، تقول أسماء، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 17 عاماً، إنها لا تتذكر يوماً لم تكن فيه الحرب أو الأزمة الاقتصادية جزءاً من الأحاديث اليومية. وتوضح أن التفكير في المستقبل بات يرتبط أولاً بالسؤال عما إذا كانت البلاد ستتمكن من استعادة الاستقرار الذي يسمح للأجيال الجديدة بالتخطيط لحياتها بصورة طبيعية.

ويرى باحثون اجتماعيون أن سنوات الحرب الطويلة أوجدت لدى قطاع واسع من الشباب قدرة ملحوظة على التكيف مع الظروف المتغيرة والتعامل مع الأزمات المتكررة، إلا أنها في الوقت نفسه تركت آثاراً نفسية عميقة مرتبطة بحالة القلق المستمر وعدم اليقين تجاه المستقبل.

عناصر أمن حوثية تجوب شوارع صنعاء (رويترز)

وعند سؤال الشباب عن أحلامهم المستقبلية، تتباين التفاصيل لكن تتشابه المضامين. فمعظمهم لا يتحدث عن الثراء أو الشهرة أو الطموحات الاستثنائية، بل عن أمور تبدو بديهية في المجتمعات المستقرة، مثل الحصول على وظيفة دائمة، وتوفر الكهرباء والمياه والخدمات العامة، والقدرة على التخطيط للمستقبل دون خوف.

ويقول حميد، وهو شاب عشريني من محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، إن حلمه لا يتجاوز العيش في بلد طبيعي يستطيع فيه الناس العمل والدراسة وبناء حياتهم بعيداً عن الحروب والمخاوف اليومية.

ويؤكد مختصون اجتماعيون أن الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين يمثلون اليوم شريحة واسعة تشكلت هويتها في ظل الحرب والانقسام والأزمات المتراكمة. ورغم اختلاف تجاربهم الفردية، فإنهم يتشاركون شعوراً عاماً بأن سنوات مهمة من أعمارهم مضت في ظروف لم يكن لهم دور في صنعها.

ومع ذلك، لا يزال كثير منهم يتمسكون بفكرة أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. فبالنسبة إلى جيل لم يعرف السلام إلا عبر روايات الآباء، يبدو السلام أكثر من مجرد مطلب سياسي؛ إنه الشرط الأساسي لاستعادة الحياة الطبيعية، والفرصة الأولى لبناء ما حرمته الحرب من فرص وأحلام ومسارات كان يمكن أن ترسم ملامح جيل كامل بصورة مختلفة.


«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)

قالت شركة (إم إس سي)، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم، اليوم الثلاثاء، إن قذيفتين أصابتا سفينتها (ساريسكا 5) أثناء وجودها في ميناء أم قصر بالعراق أمس الاثنين، مضيفة أن جميع أفراد الطاقم بخير ولم يصابوا بأذى.

وذكرت الشركة أن «الحرس الثوري» الإيراني أعلن مسؤوليته عن الواقعة التي وصفتها بأنها هجوم غير مبرر على ناقلة تجارية محايدة لا علاقة لها بالولايات المتحدة أو إسرائيل، وفقا لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت المجموعة في بيان «تشعر (إم إس سي) بقلق بالغ إزاء هذه الهجمات غير المبررة والمخاطر التي تشكلها على بحارتها الأبرياء والتجارة البحرية الحيوية في المنطقة».