«دفاتر العشاق» سراقب على حيطانها

فن غرافيتي يفتح نافذة جديدة على الحالة السياسية السورية

الجدران هي دفاتر المجانين، لكن اختيار اسم «دفاتر العشاق» جاء للتعبير عن الطموحات السورية في «حياة حرة، و أصبحت الجدران دفاتر للعشاق من النشطاء السياسيين»
الجدران هي دفاتر المجانين، لكن اختيار اسم «دفاتر العشاق» جاء للتعبير عن الطموحات السورية في «حياة حرة، و أصبحت الجدران دفاتر للعشاق من النشطاء السياسيين»
TT

«دفاتر العشاق» سراقب على حيطانها

الجدران هي دفاتر المجانين، لكن اختيار اسم «دفاتر العشاق» جاء للتعبير عن الطموحات السورية في «حياة حرة، و أصبحت الجدران دفاتر للعشاق من النشطاء السياسيين»
الجدران هي دفاتر المجانين، لكن اختيار اسم «دفاتر العشاق» جاء للتعبير عن الطموحات السورية في «حياة حرة، و أصبحت الجدران دفاتر للعشاق من النشطاء السياسيين»

«التعامل الإبداعي مع الواقع»، هو التعريف الذي أعطاه الناقد الفني الاسكوتلندي جون غريسون، لما أصبح يطلق عليه بالفيلم الوثائقي، في مراجعته لفيلم «مونا» الذي صور حياة أهالي جزر سموا في جنوبي المحيط الهادئ عام 1926.
فيلم «دفاتر العشاق» الوثائقي (حيطان سراقب)، هو نتاج تعاون فني بين المخرجة السورية عليا خاشوق، التي أشرفت على مراحله بعد انتهاء عملية التصوير، وبين زميلها إياد الجرود، الذي تتبع بكاميرته على مدى 3 سنوات جدران مدينته سراقب بريف إدلب بسوريا. عملهما يعكس هذا الجانب الإبداعي من الأفلام التسجيلية، حسب تعريف الناقد الاسكوتلندي.
لقد سخرا، عليا وإياد، التقنية التصويرية والتوثيقية المتاحة التي توفرها التكنولوجيا الحديثة والخبرات الفنية المتراكمة في هذا الشكل الفني للفيلم الوثائقي، التي تخطت مع الزمن المحاولات الأولى في التسجيل السينمائي القصير، التي أنتج كثيرا منها الأخوان لوميير في نهاية القرن التاسع عشر، وكانت تسمى بالاكتوالتي (أفلام الحقيقة).
تدور كاميرا إياد بحرفية عالية في شوارع المدينة ليلا ونهارا، لتبين الدمار الذي لحق بالمدينة من خلال لقطات بانورامية على امتداد أحد الشوارع الخارجية للمدينة. وتصور لحظات من الحياة الاجتماعية في المقاهي وفي أماكن لقاء الشباب في جلسات خاصة في نقاشات تسيطر عليها أحداث الثورة السورية.
لكن هم إياد في هذا العمل هو توثيق ما يدور على الساحة السياسية من تغييرات من خلال ما كتبه نشطاء القوى السياسية المختلفة التي وجدت في هذه المدينة وحاولت إحكام سيطرتها عليها، وجاءت الكتابات الجدارية لتعكس هذه التحولات.
ويعتقد إياد أن المدن السورية الأخرى لها نصيبها هي الأخرى من هذه الكتابات الجدارية إلا أن سراقب تميزت في هذا الفن التعبيري الاحتجاجي أكثر من غيرها.
3 سنوات من التصوير كانت كافية لنشاهد من خلال الجدران وجود نشطاء النظام السوري والقوى الأخرى. لكن جاءت الكتابات بعد اندلاع الثورة السلمية لتعكس هي الأخرى التوجهات السياسية الجديدة. شعارات تلغي شعارات أخرى. «غدا ستشرق الشمس، وأنا أحب الصباح»، ألغت ما كان يكتبه نشطاء النظام. وبعد أن قام رائد رزوق، الشخصية الرئيسية في الفيلم، بخط الشعارات السلمية على أحد الجدران ليلا، قال: «أديت واجبي، وكأني فجرت 30 دبابة». وهذا ما عكس الطابع إلا عنفي للثورة السورية في بداياتها.
تقول عليا عن اختيارها للتسمية إن المعروف أن الجدران هي دفاتر المجانين، لكنها اختارت مع إياد «دفاتر العشاق» للتعبير عن الطموحات السورية في «حياة حرة كريمة، ولهذا فإن الجدران هي دفاتر هؤلاء العشاق من النشطاء السياسيين».
وتقول عليا: «يسلط الفيلم الضوء على الطابع السلمي للثورة السورية من خلال هذا الفن في المدينة التي اعتاد أهلها الرسم على الجدران والتعبير بهذا الفن عن تطلعاتهم للتغيير في الديمقراطية والحرية، غير أن تطرف (داعش) واستهداف النظام للبلدة المسالمة عرقل استمرارية الجداريات وخفف من وتيرتها».
إياد وعلياء، قدما لنا في 54 دقيقة و32 ثانية (ولهذا يعتبر من الأفلام الوثائقية المتوسطة الطول) مادة فنية وسياسية دسمة، وتمكنا من اختزال 3 سنوات (2011 - 2014) من عمر الثورة السورية، السلمية، البدايات، ومسيرتها بأمانة وجرأة سياسية، ليقدما لنا وثيقة، وموقفا نقديا، اجتماعيا وسياسيا، من تطور الأحداث، التي ربما كانت مخالفة لقناعاتهما وميولهما السياسية. لكن اهتمامهما بالجانب الفني والتقرب من الموضوعية وحرفيتهما تغلبت في نهاية المطاف على الخطاب المنحاز، سياسيا وآيديولوجيا، وقدمت للمشاهد بتوازن رقيق ما يدور على الأرض.
ولهذا لاحقت كاميرا إياد بأمانة وصورت شعارات القوى الإسلامية المتطرفة و«داعش» الطائفية في فترة وجودها في المدينة، مثل: «العودة إلى الإسلام طريقنا الوحيد لإسقاط النظام» و«خلافة إسلامية هي.. هي.. هي»، و«الجيش العلوي جئنا لاجتثاثكم.. لا يوجد اتفاق»، قبل أن تعود قوى الائتلاف الوطني لتسيطر ثانية على المشهد السياسي في المدينة، وترفع شعاراتها مرة أخرى، مثل: «سراقب مدنية.. هي.. هي.. هي»، في ردها على شعارات «داعش» التي كانت منتشرة على البنايات في المدينة.
وتقول عليا عن هذه الأمانة الحرفية والحذر من الانحياز السياسي، إنه «على الرغم من كون القضية السياسية السورية ما زالت في عين العاصفة وتتصدر الأحداث يوميا في الشرق الأوسط، فإن هذا لا يجب أن يطغى على الجوانب الفنية التي تقف كشهادة سينمائية بحد ذاتها».
هذا العمل يعكس الأمانة المهنية التي أثبتتها الأحداث الأخيرة على الأرض بعد تغلغل «داعش» في سوريا والعراق، الذي نرى الآن مضاعفاته الدموية على الأرض. إذ عبر عن ذلك رائد رزوق، الذي كانت بدايات الفيلم معه وكان يقرأ أشعارا لمحمود درويش، وكان يكتب الشعارات على الجدران. لكنه ومع التغييرات السياسية بدأ يعبر بحزن عن التغيرات السياسية، والتوجهات الطائفية التي دخلت إلى النسيج الاجتماعي للمدينة.
«أهداف الثورة انعكست»، قال رائد، ابن مدينة سراقب، مضيفا: «النصر يصنع هنا وليس في تركيا»، في نقد مبطن للقوى السياسية للمعارضة السورية.
لكن من الضروري ونحن نشاهد ما كتب على جدران سراقب ألا نرى فقط الجانب الشعاراتي في الكتابات، الذي مارسه كثير من أبناء المدينة بعفوية، وأحيانا بتعمد في إيصال الرسالة السياسية، من خلال هذا الفن الغرافيتي، الذي لم يعد أداة تعبيرية احتجاجية، وإنما فن تتداوله كبرى صالات مزادات في العالم الغربي، خصوصا أعمال أحد روادها، البريطاني بانكسي، الذي بقي مجهول الهوية لسنوات، وأصبح لسان حال الحركات الاحتجاجية السياسية الاجتماعية في بريطانيا والعالم، وعبر في هذا الفن عن رفضه للرأسمالية والنظام السياسي واحتضن قضية التضامن الأممي، وتمكن من الوصول إلى المدن الأميركية وجنوب أميركا وإلى جدار الفصل العنصري في فلسطين ورسم كثيرا من الأعمال عليه، منها عمل يصور طفلة فلسطينية تشد إلى يدها مجموعة من البالونات الكافية لترفعها عاليا من أجل التغلب على الجدار الفاصل وتصل إلى الجانب الآخر منه.
وقبل أيام شاهد الفيلم النور من خلال عرضه العالمي الأول في المهرجان الدولي للفيلم في روتردام - هولندا، وكان الفيلم السوري الوحيد الذي شارك في دورة هذا العام بين 21 يناير (كانون الثاني) و1 فبراير (شباط)، ضمن قائمة الأفلام الوثائقية متوسطة الطول. وقد تمت برمجة الفيلم للعرض أمام الجمهور للمرة الأولى في 3 عروض بصالات روتردام، سبقها عرض خاص للصحافيين وشركات التوزيع والمنتجين. كما عرض الفيلم قبل أيام في جنيف في مقر الأمم المتحدة وفي لوزان ويوم الخميس الماضي في نادي الفيلم السوري في باريس، ليتوجه بعد ذلك للاشتراك في مهرجان مونتريال للفيلم الكندي.
فيلم «دفاتر العشاق» هو أول عمل وثائقي طويل لإياد الجرود، المصور والناشط الإعلامي الذي حقق عددا من الأفلام القصيرة الوثائقية قبل هذه التجربة. صور الفيلم بعدسته طوال 3 سنوات، منذ بداية 2011، حتى بداية 2014، ووثق اللحظة، والتقط كل ما كتب على جدران بلدته الصغيرة.
الكتابات وطريقة طرحها تتطور بخط موازٍ لتطور أحداث الثورة وحراكها. ويضيفا، عليا وإياد، اللذان التقتهما «الشرق الأوسط» على هامش مهرجان روتردام، «وكما كانت الجدران تحاكي الواقع وتطوره بألمه وأمله وتحاول توثيقه حينا ورسم مستقبل وحلم في حين آخر، كانت الصورة أيضا تواكب وتوثق تطور الجدران، محاولة المزج بينها وبين من كانوا يقفون أمامها، ليكتبوا لأناس عن أناس آخرين يعيشون بين هذه الجدران، الجدران التي كانت متراسا لهم أمام الموت في بعض الأوقات وكانت موتهم في أوقات أخرى».
تقول عليا، التي أخرجت عددا من الأفلام الوثائقية والروائية الطويلة ونال فيلمها «أوتيل كندا» جائزة مهرجان العالم في مونتريال بكندا عام 2012، «إن الناس في الفيلم هم الأبطال، بمعنى البطولة الجمعية التي أعادت الثورة تعريفها وصياغتها في وجه البطولة الفردية التي اضمحلت أمام طوفان الناس وهديرهم»، وإن «الحيطان هي مرايا الناس ومرايا الشارع الذي يفيض بالحكايا والمرارة اليومية، فالحيطان هي شخصية مقابلة ومحاورة أو هكذا يفترضها الفيلم، تأخذ روحها وأنفاسها من الناس فتحيا فيهم وبهم». اختيار فيلم «دفاتر العشاق» ليكون مشاركا في المهرجان الدولي في روتردام في عرضه العالمي الأول، قالت عليا: «إنجاز نستحقه بجدارة، لأننا نعتقد أنه يحترم خطابنا وجهدنا الذي نفترضه خطابا مختلفا وجريئا».
عند مشاهدة الفيلم تسمع أزيز الرصاص والمدافع وسحب الدخان ورصاص القناصة، وأضافت علياء أن هذا الفيلم «أنتج تحت ظروف أمنية وسياسة وفنية قاسية، وعلى الرغم من ذلك فإنه حافظ على توازناته في جميع هذه القضايا، ولم يساوم على معظمها، فقد حاول تقديم خطاب سياسي يعكس التغيرات التي حدثت على الأرض منذ انطلاق الثورة السلمية، وهذا لم يكن على حساب التقنية السينمائية التي ظلت نصب أعيننا بعيدا عن فن الشعارات».
لكن تعترف عليا أن العنصر النسائي غائب في الفيلم، باستثناء، الابنة الصغيرة مها الرائد، إذ يصطحبها معه في مهمته الجدارية. وفي نهاية الفيلم تقريبا تظهر امرأة تتكلم بألم عن اختفاء زوجها وابنها في سجون النظام. لكن المرأة غير موجودة في هذا الفن الاحتجاجي.
هل هذا تقصير من إياد وعليا؟ أم أنه يعكس واقعنا، الذي يعاني من هذا الفصل الاجتماعي بين الجنسين. كان من الصعب على إياد إيجاد فتاة ممارسة لفن الغرافيتي لتصويرها.
الفيلم يرفع صوتا آخر حرا متحررا أمام الخطاب السائد المسيطر وهو الخطاب الذي يكرس صورة السوريين وصورة الثورة بأسوأ أشكالها ويقف في نفس الوقت بوجه أمام صوت الإرهاب بمنتج إبداعي يقدم صورة مغايرة أخرى. وينتصر للناس أولا وأخيرا، تقول عليا: «من هنا تأتي أهمية ترشيح فيلمنا للمشاركة بأحد أهم وأكبر المهرجانات العالمية، وهو الذي نراه تكريما للتجارب السينمائية السورية، وأيضا تكريما للثورة السورية ولكل الأبطال الذين وقفوا يدافعون عن خطابها وسلميتها وأحقيتها». في نهاية الفيلم نشاهد شابا يحاول إرجاع بلاطات سقطت من جدار كان يحمل بعض الكتابات السلمية الاحتجاجية لإكمال الجملة المكتوبة. لكن رسومات بانكسي يتسابق عليها الناس لاقتطاعها من على الجدران وبيعها بمئات الآلاف من الدولارات في صالات المزادات الغربية.
هل يأتي اليوم الذي تنال فيه كتابات سراقب قيمة مادية، بعد أن تتطور وتأخذ شكلا فنيا واضحا، مثل التي تحظى بها رسومات بانكسي ويبدأ أهالي المدينة سرقتها وبيعها، بدلا من استخدامها كأداة تعبيرية احتجاجية؟ بالمناسبة بعضها كتب بالإنجليزية مثل الجملة الشهيرة لمارتن لوثر كينغ، زعيم حركة الاحتجاجات المدنية في الولايات المتحدة في الستينات، التي قال فيها «لدي حلم».



في استحالة «حي بن يقظان»

في استحالة «حي بن يقظان»
TT

في استحالة «حي بن يقظان»

في استحالة «حي بن يقظان»

قصَّة حي بن يقظان أحد أكثر النصوص الفلسفية العربية جرأةً في اختبار حدود العقل الإنساني وإمكاناته. تُنسب في صيغها المختلفة إلى ابن سينا، والسهروردي المقتول، وابن طفيل، وابن النفيس، غير أن الصياغة الأكثر شهرةً وتأثيراً هي التي قدّمها ابن طفيل الأندلسي في القرن السادس الهجري، فأصبحت، لاحقاً، أحد النصوص المؤسِّسة في تاريخ الفلسفة المقارنة، بعد أن تُرجمت إلى اللغة اللاتينية على يد إدوارد بوكوك، ونُشرت في أكسفورد سنة 1671م بعنوان: «الفيلسوف العصامي». ويصف أهمية هذه القصة الفيلسوف عبد الرحمن بدوي بقوله: «ومن الذين أُعجبوا بقصَّة حي بن يقظان ليبنتز الفيلسوف المشهور، فقد أطراها إطراءً بالغاً، ومنذ منتصف القرن التاسع عشر والدراسات حولها في أوروبا تتوالى في غير انقطاع وبمختلف اللغات حتى الآن، حتى ليمكن أن نقرّر في اطمئنان أنَّ قصَّة حي بن يقظان كانت أوفر الكتب العربية حظاً من التقدير والعناية والتأثير في أوروبا في العصر الحديث».

وابن طفيل هو أبو بكر محمد بن عبد الملك القيسي الأندلسي (ت 581هـ/1185م). أصبح طبيباً للخليفة أبي يعقوب يوسف المنصور، ولم يصلنا من كتبه إلا قصَّته الفلسفية المشهورة حي بن يقظان.

يبدأ بناؤها السردي برضيع ينشأ في جزيرة نائية لا بشر فيها، تحت رعاية ظبية ترضعه وتغذيه، ثم يُترك بعد موتها ليواجه العالم بأدواته الإدراكية الأولية في مسار تصاعدي للمعرفة، فينتقل من الملاحظة الحسية إلى التجربة، ومن التجربة إلى التحليل، ثم إلى التجريد العقلي، وصولاً إلى بناء نسق ميتافيزيقي متكامل يفسر به العالم والوجود والعلية والغاية. ويكتشف بالحواس والتجربة قوانين العالم المادي ومراتب الوجود، ثم يهتدي إلى وجود فاعل كامل يقف وراء نظام العالم، فتتجه عنايته من معرفة الموجودات إلى معرفة موجدها. وعند الخامسة والثلاثين ينصرف إلى طلب الواجب الوجود، متخذاً الرياضة والزهد سبيلاً إلى ذلك، فلا يأخذ من الطعام والشراب إلا ما يقيم أَوَدَه، وفي الثلث الأخير من القصة تظهر شخصيتا أبسال وسلامان، وهما رفيقان يعيشان في جزيرة قريبة من الجزيرة التي نشأ فيها حيٌّ. فأما أبسال «فكان أشد غوصاً في الباطن، وأكثر عثوراً على المعاني الروحانية، وأطمع في التأويل، وأما سلامان فكان أميل إلى ظاهر الشريعة، وكلاهما مجدٌّ في الأعمال الظاهرة ومحاسبة النفس ومجاهدة الهوى».

يشكّل لقاء حيٍّ بأبسال نقطة التحوُّل الكبرى؛ فبعد أن نشأ حي معزولاً عن البشر وبلغ بعقله وتأمله معرفة الحقائق العليا، وصل أبسال إلى جزيرته طلباً للعزلة والعبادة. وعندما يلتقي بحي يعلّمه اللغة، فيطلع كل منهما على تجربة الآخر، ويدرك أبسال أنَّ المعارف التي بلغها حي بالعقل والمشاهدة تتوافق في جوهرها مع ما جاءت به الشريعة التي يدين بها، فيزداد يقيناً بصدق الدين. أما حي فيجد في الشريعة تمثيلاً رمزياً للحقائق التي أدركها بنفسه، لذلك يؤمن بالرسالة ويلتزم فرائضها. ثم ينتقلان إلى الجزيرة التي قدم منها أبسال لنقل هذه الحقائق إلى الناس، غير أن محاولتهما تخفق؛ إذ لا يمتلك الناس أدوات التأمل العقلي ولا تقنيات التجريد الفلسفي، فهم يدركون الحقيقة عبر العادة والظاهر لا البرهان، فيستقر في وعي حيٍّ أن التواصل بين المستوى الفلسفي العميق والوعي الجماعي العام محدود للغاية، فيعود مع صاحبه أبسال إلى جزيرته التي نشأ فيها مؤثراً العزلة والعبادة والتأمل الروحي.

يطرح ابن طفيل في هذه القصة تصوراً متكاملاً لتطور الإنسان معرفيّاً وروحيّاً وأخلاقيّاً، ويبني تسلسلاً هرميّاً لمراتب البشر: فأعلاها مرتبة الفيلسوف، أي حيّ بن يقظان، تليها مرتبة الصوفي، أي أبسال، ثم مرتبة الفقيه، أي سلامان، ثم العامة الذين يكتفون بالتقليد والانقياد للعادات دون بحث عقلي أو تأمل فلسفي.

اكتسبت هذه القصة عبر تاريخها الطويل قوةً برهانيةً؛ إذ بدت وكأنَّها تُظهر استقلال العقل الإنساني عن المجتمع والتقليد والوحي معاً. غير أن قوة هذا النموذج الفلسفي لا تخفي إشكاله العميق: هل يمكن أصلاً تصور عقل إنساني يعمل في فراغٍ اجتماعيٍّ كامل؟ وهل يمكن للغة والتجريد والتفكير المفهومي النشوء في عزلة مطلقة؟ هنا يمكن تفكيك الأساس الذي تقوم عليه هذه التجربة الفكرية، لا من حيث نتائجها، بل من حيث شرط إمكانها نفسه.

إن إعادة قراءة حي بن يقظان في ضوء اللسانيات البيولوجية، والأنثروبولوجيا المعرفية، والأنثروبولوجيا التأويلية تكشف عن مشكلة أعمق في نموذج (العقل ما قبل الاجتماعي) الذي تقدمه هذه القصة. فقد دلَّلت بحوث اكتساب اللغة أنَّ اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل إنها شرط أساسي لتطور القدرات الرمزية والمفاهيمية التي يقوم عليها التفكير المجرد. وفي هذا السياق قدّم إريك لينبرغ (Eric Lenneberg) في كتابه (Biological Foundations of Language) ما عُرف بـ(فرضية الفترة الحرجة) (Critical Period Hypothesis) لاكتساب اللغة، والتي تفيد بأنَّ القدرة على اكتساب اللغة الطبيعية ترتبط بمرحلة نمو عصبي مبكرة، وأنَّ الحرمان اللغوي في تلك المرحلة يؤدي إلى عجز دائم أو شبه دائم في اكتسابها لاحقاً. وقد استند إلى حالات الأطفال الذين نشأوا في عزلة شديدة عن التفاعل اللغوي الإنساني، فأدى الحرمان من البيئة الاجتماعية إلى ضعف في التواصل وإلى اختلالات أعمق في القدرة على بناء تراكيب نحوية ومعرفية معقَّدة. ومن ثم فإنَّ اللغة لا تبدو مهارة فردية تُكتسب تلقائيّاً، بل بنية اجتماعية - بيولوجية لا تتكوّن إلا داخل مجتمع لغوي.

وإذا انتقلنا من مستوى اللغة إلى مستوى بنية الإدراك الإنساني ذاته، فإنّ الصورة تتضح أكثر في دراسات الأنثروبولوجيا الثقافية، ففي أعمال مايكل توماسيلو، ولا سيما «الأصول الثقافية للإدراك البشري» (The Cultural Origins of Human Cognition) و«أصول التواصل البشري» (Origins of Human Communication)، يتبيّن لنا أنَّ ما يميز العقل الإنساني ليس قدرات فردية معزولة، بل القدرة على (المقصدية المشتركة) (shared intentionality)؛ أي القدرة على بناء معانٍ ومقاصد مشتركة داخل إطار اجتماعي. ووفق هذا التصور، فإنَّ العمليات الذهنية العليا، مثل الاستدلال السببي، وبناء المفاهيم المجردة، وتكوين المعايير الأخلاقية، بل حتى الوعي بالذات، لا تنشأ في عزلة فردية، بل تتشكَّل تدريجيّاً عبر التفاعل الاجتماعي، والتعلم الثقافي، والتواصل اللغوي. وبذلك يصبح العقل الإنساني نتاجاً تاريخيّاً - اجتماعيّاً، لا بنية طبيعية مكتفية بذاتها.

وتدفع الأنثروبولوجيا التأويلية هذا الاعتراض إلى مداه الأقصى، حين تقرّر في تحليلها عند كليفورد غيرتز (Clifford Geertz) في مقاله «أثر مفهوم الثقافة على مفهوم الإنسان» (The Impact of the Concept of Culture on the Concept of Man)، أن البشر حيوانات غير مكتملة، وأنَّ الثقافة هي التي تكمّلها داخل شبكات المعنى التي تنتجها الثقافة، فغياب الثقافة لا يعني وجود إنسان (ناقص الثقافة)، بل غياب شروط تشكّل الإنسان نفسه بالمعنى الذي نعرفه؛ لأن الإنسان لا يعيش إلا في عالم مشبع بالرموز والمعاني: اللغة، الدين، العادات، والتصورات الجماعية. وهذه البنى شروط أساسية لتكوُّن الخبرة الإنسانية نفسها. ومن هنا فإنَّ فصل الإنسان عن هذا الوسط الرمزي لا يعني تحرير العقل، بل يعني تفكيك شروط إمكانه.

وفي ضوء ذلك، يمكن إعادة النظر في إحدى أكثر قضايا علم الكلام الإسلامي مركزية، وهي مسألة (التحسين والتقبيح): أهي أحكام تُؤسَّس على دلالة الشرع كما ذهب الأشاعرة، أم على معطيات عقلية مستقلة كما قرّر المعتزلة؟

غياب الثقافة لا يعني وجود إنسان (ناقص الثقافة)، بل غياب شروط تشكّل الإنسان نفسه بالمعنى الذي نعرفه

ومن خلال إعادة قراءة نموذج «حي بن يقظان»، يمكن توسيع هذا الفهم ليشمل تكوّن (العقل الأخلاقي) نفسه بوصفه حصيلة سيرورة اجتماعية تنتظم داخل شبكة من العلاقات التي تؤطرها الخبرة الإنسانية في خضم المجال الثقافي واللغوي، وفي هذا السياق يغدو الحديث عن (التحسين والتقبيح) العقليين تعبيراً عن نمط من الوعي المعياري المشروط ثقافياً ولغوياً، لا عن حكم صادر عن عقل مستقل عن شروط إنتاجه.

أما الخطاب الشرعي، فعلى الرغم من طابعه المتعالي وكونه يتخذ صورة أحكام منزَّلة من خارج السيرورة التاريخية، فإنّه يبدو من حيث البنية والنتيجة مندمجاً في هذه السيرورة نفسها؛ إذ يُفهم بوصفه امتداداً لسلسلة من الرسالات والشرائع التي تراكمت عبر زمن ممتد من التفاعل والتداول، بما يتيح تشكّل المعايير الأخلاقية داخل شبكة من العلاقات والخبرات الإنسانية، ويمنحها دلالاتها عبر هذا الامتداد التاريخي المتصل، وبذلك يكتسب الخطاب الشرعي قدرة على تنظيم المجال المعياري للعقل الأخلاقي وإضفاء صيغته المستقرة داخل النسق الإنساني، بما يضبط تداول القيم الأخلاقية في إطار متماسك.

لقد نجح ابن طفيل في تصوير صعود العقل إلى أعلى مراتب التجريد، لكنّه فعل ذلك عبر افتراض واقع يستحيل تحققه: فكر بلا لغة، وعقل بلا مجتمع، وتجريد بلا شبكة ثقافية سابقة عليه! وبذلك تحوَّلت القصة، من حيث لم يرد، من برهان على استقلال العقل إلى شاهد على استحالة هذا الاستقلال.

إنَّ «حي بن يقظان» ممكن سرديّاً وتخيليّاً، لكنَّه مستحيل أنطولوجيّاً وتكوينيّاً.

* باحث سوري


كتاب في اللسانيات بالكردية

كتاب في اللسانيات بالكردية
TT

كتاب في اللسانيات بالكردية

كتاب في اللسانيات بالكردية

صدر حديثاً، عن «دار الزمان» في دمشق كتاب جديد بعنوان «علم اللغة: مستويات التحليل الألسني»، باللغة الكردية الكرمانجية من تأليف الباحث في اللسانيات الدكتور برزو محمود. ويتناول بإيجاز ستة مستويات رئيسية في تحليل اللغة: علم الأصوات، وعلم الفونولوجيا، وعلم الصرف، وعلم النحو، وعلم الدلالة والتداولية. ويعرض المؤلف مفاهيم ونظريات وأمثلة تطبيقية محددة من اللغة الكردية ومن اللغة الإنجليزية، ويشرح مكوناتها من الصوت إلى المعنى، ويعتمد على مراجع إنجليزية أساسية. ويهدف الكتاب إلى تعريف الطلاب والباحثين بأسس علم اللغة، وأن يكون مرجعاً علمياً لدراسة اللغة الكردية.

ورغم صعوبة الخوض في مجال اللغويات بسبب وجود كمية كبيرة من المصطلحات اللسانية التي تغطي المستويات الست، والتي تتطلب تقديم مصطلح كردي بصفته مقابلاً وبديلاً وصادقاً مع المفهوم والتعريف اللساني، إلا أن إلمام الكاتب باللهجتين الكرمانجية والسورانية وخبرته الطويلة في الكتابة بالكردية ساعداه في التغلب على الصعوبات الاصطلاحية. ومن الطبيعي القول إنه قد بذل جهوداً حثيثة ومضنية في سد الفجوة المصطلحية.

ويعتمد الكتاب التحليل اللغوي إطاراً هرمياً، فيُقسمه إلى وحدات أصغر مترابطة. بدءاً من أصغر الأصوات الفيزيائية وصولاً إلى المحادثات الاجتماعية الأوسع، تشمل مستويات التحليل الرئيسية:

المستوى الأول: علم الصوتيات أو الفونوتيك والفونولوجيا، وهما فرعان رئيسيان من فروع علم اللغة، يُعنى كل منهما بدراسة أصوات الكلام البشري. ورغم ترابطهما الوثيق، فإنهما يحللان الأصوات من منظورين مختلفين: المنظور الفيزيائي والمنظور الإدراكي. فالفونتيك يتناول الخصائص الفيزيائية الفعلية لأصوات الكلام، ويهتم بكيفية إنتاج الأصوات ونقلها وإدراكها، بغض النظر عما إذا كانت تُشكّل لغةً مُحددة أم لا. وينقسم إلى ثلاثة فروع رئيسية: علم الصوتيات النطقي: دراسة كيفية إنتاج الجهاز الصوتي (الشفتان واللسان والحلق والأحبال الصوتية) لأصوات الكلام، وعلم الصوتيات السمعي: دراسة الخصائص الفيزيائية للموجات الصوتية أثناء انتقالها عبر الهواء، وعلم الصوتيات السمعي: دراسة كيفية استقبال الأذن البشرية والدماغ لهذه الموجات الصوتية ومعالجتها.

أما المستوى الثاني، فيركز على التنظيم الذهني المجرَّد للأصوات داخل لغة مُحددة أو عبر لغات مُختلفة. ويدرس كيفية عمل الأصوات كنظام لنقل المعنى، وتكوين الكلمات، والتحكم في قواعد النطق.

ويتناول المستوى الثالث الصرف (المورفولوجيا) وهو دراسة كيفية تشكيل الكلمات معجمياً، وكيفية ارتباطها ببعضها بعضاً داخل اللغة نحوياً. تبحث معظم مناهج علم الصرف في بنية الكلمات من حيث المورفيمات، وهي أصغر الوحدات في اللغة ذات معنى مستقل أو وظيفة نحوية. تتضمن المورفيمات جذوراً يمكن أن توجد ككلمات بحد ذاتها، ولكنها تتضمن أيضاً فئات، مثل اللواحق التي يمكن أن تظهر فقط كجزء من كلمة أكبر. يحلل علم الصرف أيضاً كيفية تصرف الكلمات كأجزاء من الكلام، وكيف يمكن تصريفها للتعبير عن الفئات النحوية، مثل العدد والزمن والجانب. يتعلق علم الصرف أيضاً بالإنتاجية، أو كيفية إنشاء المتحدثين للكلمات في سياقات محددة.

أما المستوى الرابع، فهو «السينتاكس»، أو النحو، وهو مجموعة القواعد التي تحكم كيفية ترتيب الكلمات والعبارات لتكوين جمل سليمة وذات معنى في اللغة. وهو يحدد ترتيب الكلمات، وبنية الجملة، والعلاقات بين أجزاء الكلام المختلفة. وغير ذلك من فصول الكتاب.


كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة
TT

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

تبدو كرة القدم، في ظاهرها، لعبةً بسيطةً إلى حد الخداع: كرة، ملعب، فريقان، مرميان، وتسعون دقيقةً يتعلّق بها ملايين البشر كما لو أن مصائرهم الشخصية تُحسم مع كل هجمة ضائعة أو هدف في وقت قاتل. هذه البساطة الظاهرية هي تحديداً ما يمنح الساحرة المستديرة قوتها، فكلما حاولنا النظر إليها باعتبارها ترفيهاً عابراً، عادت لتكشف شيئاً أعمق عن المجتمعات التي تصنعها وتشاهدها وتعيشها. في المدرجات، والشاشات، وطوابير التذاكر، والهتافات، والعنف أحياناً، والدموع التي تسبق صافرة النهاية، تظهر كرة القدم كمرآة كثيفة لتناقضات العالم الحديث: الدافعية للانتماء، والخوف من الآخر المختلف، وقوة السوق، وهشاشة الجماعات، وصعود القوميات، وتوق الإنسان إلى لحظة يشعر فيها أنه جزء من شيء أكبر من عزلته اليومية.

لذلك؛ يصعب فهم كرة القدم بوصفها رياضة محض. لقد أصبحت ظاهرةً اجتماعيةً كاملة، يقرأ من خلالها علماء الاجتماع ومؤرخو الثقافة والفلاسفة أسئلة الهوية والطبقة، والسلطة، والعنف، والذاكرة. فالملعب ليس مساحةً محايدةً تماماً، ولا المدرج تجمعاً بريئاً كلية من السياسة. هناك، داخل المستطيل الأخضر وحوله، تتقاطع مصالح الشركات الكبرى، ورغبات الدول في القوة الناعمة، وأحلام الجماهير العادية، ومخاوفها، وحنينها إلى شكل من أشكال التضامن الإنساني الذي صار عملة نادرة في زمن الرأسمالية المتأخرة.

تشتغل الملاعب الحديثة، في جانب من جوانبها، كمعابد علمانية. يدخلها الناس بقمصان بألوان محددة، ويرددون أناشيد محفوظة، ويرفعون شعارات ورموزاً، ويعيشون لحظات من الانفعال الجماعي يصعب القبض عليها ضمن مناحي الحياة اليومية ليذوب الفرد، ولو لحظياً، داخل جسد أكبر: جمهور يهتف بصوت واحد، ويغضب بصوت واحد، وينفجر فرحاً في اللحظة نفسها كتجربة نادرة للانتماء الحسّي المباشر.

لكن الطاقة نفسها التي تصنع هذا التلاحم يمكن أن تنقلب شيئاً أكثر ظلمةً. فالمدرج الذي يمنح الإنسان شعوراً بالانتماء قد يتحول أيضاً مساحةً للإقصاء عندما يغدو الهتاف الذي يوحّد الجماعة أداةً للعنصرية أو الكراهية أو العداء القومي. هذه المفارقة تجعل كرة القدم شديدة الالتباس: إذ هي تصنع تضامناً حقيقياً، وتستطيع أيضاً صُنع قبيلة مغلقة على ذاتها. وفي بعض السياقات، قد تتحول الروابط المتطرفة من جماعات تشجيع إلى تشكيلات ثقافية خشنة، تستبعد النساء، والمهاجرين، والأقليات، وكل من لا يطابق صورتها الضيقة عن «المشجع الحقيقي». هكذا يظهر تناقض جدلي آخر للعبة: قدرة الجماعة على احتضان الفرد، وقدرتها في الوقت نفسه على سحق الاختلاف.

حاول عدد من المفكرين فهم هذه الطاقة العميقة في اللعب. رأى المؤرخ الثقافي يوهان هويزنجا، في كتابه «الإنسان اللاعب»، أن اللعب ليس إضافةً ثانويةً إلى الثقافة، بل واحد من جذورها الأولى. فالإنسان، قبل أن ينظّم السياسة والقانون والفن، كان يلعب، ويضع قواعد، ويقبل بالدخول إلى زمن خاص ومكان خاص، حيث يصبح الفعل رمزياً ومحدوداً ومشحوناً بالمعنى. بهذا المنظور، لا تبدو كرة القدم مجرد تسلية، بقدر ما هي تمظهر حديث لغريزة قديمة: رغبة الإنسان في تحويل الصراع طقساً، والعنف شكلاً منظماً مقبولاً اجتماعياً.

في الاتجاه نفسه، ذهب عالم الاجتماع نوربرت إلياس، ومعه إريك دونينغ، إلى أن الرياضات الحديثة جزء من «سيرورة التمدن»، أي العملية الطويلة التي تعلّم فيها البشر ضبط العنف وتأطيره. فالمباريات الشعبية القديمة كانت، في كثير من صيغها، أقرب إلى معارك مفتوحة، تختلط فيها المنافسة بالفوضى والإصابات الجسدية. ومع تطور القوانين، والحكام، وحدود الملعب، تحوّل العنف صراعاً رمزياً مضبوطاً بوقت محدد وقواعد معلنة. غير أن ضبط العنف لا يعني اختفاءه. إنه يعود في هيئة توتر، وحماسة، وهتافات، ورغبة متدفقة لتحقيق الانتصار، وإثارة مكثفة يفتقدها روتين الحياة الرتيبة. لذلك؛ يصبح الملعب مكاناً يسمح للإنسان الحديث بأن يلامس شيئاً من طاقته الغريزية، من دون أن يخرج تماماً على نظام المجتمع.

تدرك الأنظمة السياسية هذه الطاقة جيداً. ولهذا لم تكن كرة القدم بعيدةً عن مشاريع الهيمنة وصناعة الشرعية. فاستضافة البطولات الكبرى صارت وسيلةً لتجميل صورة الدول، واستعراض قدرتها التنظيمية وقوتها الناعمة، وإخفاء أزماتها الحقوقية أو الاجتماعية خلف مشهد عالمي منظم ومبهر. يقدم التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك: من استغلال موسوليني لكأس العالم عام 1934 في إيطاليا لتقديم الفاشية كقوةٍ حديثة ومنضبطة، إلى توظيف المجلس العسكري في الأرجنتين لبطولة كأس العالم 1978 لتلميع سلطةٍ ديدنها القمع والاختفاءات، وصولاً إلى زمننا الراهن، حيث تستخدم دول وشركات وكيانات كبرى الرياضة وسيلةً لغسل السمعة وشراء القبول الدولي.

لا تعمل المؤسسات الرياضية الدولية خارج هذا المنطق. فـ«فيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم)، مثل غيره من الهيئات الكبرى، يتحدث بلغة الوحدة والسلام واللعبة الجميلة، لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال، والسياسة، والرعاية، والمصالح.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كرة القدم كأداة سلطوية. ففي بيئات مضطربة، يمكن للملعب أن يتحول أيضاً مساحةً بديلة للتعبير والمقاومة. تجربة نادي أتلتيك بيلباو الإسباني، خلال الحقبة الفرانكوية، تقدم مثالاً فصيحاً. إذ حاولت السلطة المركزية فرض هويةٍ إسبانية موحدة وتجريف الخصوصيات اللغوية والثقافية، ليغدو ملعب «سان ماميس» ببيلباو مكاناً يحافظ فيه الباسكيون على شعورهم المتفرد بلغتهم وذاكرتهم وتاريخهم. ولم تكن سياسة النادي الاعتماد على اللاعبين ذوي الأصول الباسكية مجرد اختيار رياضي، بل كانت إعلاناً رمزياً عن خصوصية ثقافية ترفض الذوبان الكامل في المركز.

تكشف دراسات سوسيولوجية بإيران عن شكلٍ آخر من هذه المقاومة اليومية. فحرمان النساء لسنوات طويلة من دخول الملاعب لم يلغِ حضورهن في الثقافة الكروية. لقد دفعهن إلى اختراع مساحات بديلة: مجتمعات افتراضية، تجمعات خاصة، نقاشات عامة، وطرق ملتوية للمشاركة في لعبة تحاول السلطة احتكار فضائها ذكورياً، لتصبح كرة القدم اختباراً لحق الظهور، وحق الجسد في المكان، وحق الجماعة المقموعة بأن تقول: نحن أيضاً جزء من هذه الحكاية.

ترتبط كرة القدم الحديثة، في أصلها الاجتماعي، بالطبقة العاملة البريطانية خلال القرن التاسع عشر. فقد نشأت في ظل المدن الصناعية القاسية، حيث كانت المصانع تلتهم الوقت والجسد، وكان العمال يبحثون عن مساحةٍ ينفلتون فيها من رتابة الآلة وضغط العمل. الأندية المحلية لم تكن في بداياتها علامات تجارية، بل كانت امتداداً للحي، وللعائلة، وللمصنع، وللشارع، وارتبطت بالكرامة الشعبية، وبالذاكرة المشتركة، وبشعور الناس بأن هناك شيئاً يخصهم مقابل عالم لا يملكون فيه الكثير.

لكن العولمة الرأسمالية أعادت تشكيل هذه العلاقة جذرياً. فمنذ تسعينات القرن الماضي، وخصوصاً مع تضخم حقوق البث التلفزيوني ودخول المستثمرين والشركات الكبرى، تحولت كرة القدم صناعةً عالمية باهظة: ارتفعت أسعار التذاكر، وتغير شكل الجمهور، وصارت الملاعب أكثر أناقة وأقل شعبية في كثير من الأحيان، وجلس الأثرياء في المقصورات، وابتعدت عائلات كثيرة عن مدرجاتها القديمة، في حين صار المشجع التقليدي يراقب فريقه عبر اشتراكات مدفوعة. وهكذا تكرّس شرخٌ واضح بين من يرى النادي ذاكرةً وانتماءً، ومن يراه أصلاً مالياً قابلاً للبيع والشراء.

انقسم الخطاب الفلسفي المعاصر في مقاربة المنظومة الكروية بين تيارين شديدي التطرف والتباين. يتبنى التيار الأول قراءة شاعرية وجدانية، يمثلها المخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني، الذي رأى كرة القدم لغة جسدية متكاملة تمتلك نحواً وصرفاً خاصين بها، واعتبر لحظة إحراز الهدف خرقاً شعرياً صاعقاً لشيفرة الواقع البليد، وانعتاقاً إنسانياً مفعماً بالخلود البدائي والجمال الخالص، مؤكداً أن الشغف الكروي يمنح الفرد فرصة لاختبار قيم الوفاء والتضحية الجماعية والثقافة الحرة بعيداً عن جفاف التنظير العقلاني الصارم.

 

اتحاد «فيفا» يتحدث بلغة الوحدة والسلام واللعبة الجميلة... لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال والسياسة

في القطب المقابل، يقف تيار نقد بنيوي ينظّر للعبة بوصفها أداة تدجين وتجهيل ممنهج للجماهير. يتبدى هذا الموقف الراديكالي في أطروحات السوسيولوجي الفرنسي مارك بيرلمان الذي وصف كرة القدم بـ«الطاعون العاطفي»، معتبراً إياها منظومة بربرية حديثة تُنمّط العقول، وتنشر البلادة الفكرية، وتُلهي الطبقات الشعبية عن قضاياها المصيرية وصراعها الطبقي الحقيقي. يتلاقى هذا التحليل البنيوي مع الموقف التهكمي الشهير للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس الذي ربط بوضوح بين اتساع شعبية اللعبة وصعود الغباء الجمعي، واصفاً إياها بلعبة المغفلين التي تطرد الفكر النقدي المستنير لتستبدل به إثارة غريزية جوفاء تحاكي معارك الرومان القدامى في الكولوسيوم.

لكن بين تقديس بازوليني وازدراء بيرلمان وسخرية بورخيس، تضيع الحقيقة الأكثر تركيباً. كرة القدم ليست شعراً خالصاً، ولا وباءً خالصاً. إنها المجال الذي يتجاور فيه الشعر والوباء، الجمال والتدجين، الحرية والامتثال، الجماعة والغوغاء. من يراها خلاصاً شعبياً كاملاً يتجاهل ما فيها من عنف وشوفينية وتجارة. ومن يراها خداعاً كاملاً يتجاهل ما تمنحه لملايين الناس من ذاكرة وانتماء وفرح حقيقي. لذلك؛ يحتاج تحليل كرة القدم إلى عينين مفتوحتين معاً: عين ترى السوق والسلطة، وعين ترى الإنسان العادي الذي لا يجد في أسبوعه القاسي سوى تسعين دقيقةً يشعر فيها بأن قلبه يتحرك مع قلوب الآخرين.

من هنا يتوقف الأفق الأخلاقي للعبة مستقبلاً على قدرة الجماهير الواعية، وروابط المشجعين، والحركات الاجتماعية، على مقاومة تحويل كرة القدم سوقاً مغلقة أو أداة آيديولوجية. فالمعركة ليست بين حب اللعبة ورفضها، بل بين أشكال مختلفة من امتلاك معناها.

وستبقى كرة القدم واحدةً من أوضح التمثلات لتناقضات الحداثة. فيراقب الجمهور اللاعبين، وتراقب الشاشات الجمهور، وتراقب الشركات الجميع. وفي هذه الدائرة العاكسة، تكشف اللعبة الساحرة عن الصيغ التي تصنع بها المجتمعات هوياتها، وتدير غضبها، وتخوض معاركها الرمزية في فضاء يتأرجح بين صخب المدرجات وعزلة الشاشات.