«دفاتر العشاق» سراقب على حيطانها

فن غرافيتي يفتح نافذة جديدة على الحالة السياسية السورية

الجدران هي دفاتر المجانين، لكن اختيار اسم «دفاتر العشاق» جاء للتعبير عن الطموحات السورية في «حياة حرة، و أصبحت الجدران دفاتر للعشاق من النشطاء السياسيين»
الجدران هي دفاتر المجانين، لكن اختيار اسم «دفاتر العشاق» جاء للتعبير عن الطموحات السورية في «حياة حرة، و أصبحت الجدران دفاتر للعشاق من النشطاء السياسيين»
TT

«دفاتر العشاق» سراقب على حيطانها

الجدران هي دفاتر المجانين، لكن اختيار اسم «دفاتر العشاق» جاء للتعبير عن الطموحات السورية في «حياة حرة، و أصبحت الجدران دفاتر للعشاق من النشطاء السياسيين»
الجدران هي دفاتر المجانين، لكن اختيار اسم «دفاتر العشاق» جاء للتعبير عن الطموحات السورية في «حياة حرة، و أصبحت الجدران دفاتر للعشاق من النشطاء السياسيين»

«التعامل الإبداعي مع الواقع»، هو التعريف الذي أعطاه الناقد الفني الاسكوتلندي جون غريسون، لما أصبح يطلق عليه بالفيلم الوثائقي، في مراجعته لفيلم «مونا» الذي صور حياة أهالي جزر سموا في جنوبي المحيط الهادئ عام 1926.
فيلم «دفاتر العشاق» الوثائقي (حيطان سراقب)، هو نتاج تعاون فني بين المخرجة السورية عليا خاشوق، التي أشرفت على مراحله بعد انتهاء عملية التصوير، وبين زميلها إياد الجرود، الذي تتبع بكاميرته على مدى 3 سنوات جدران مدينته سراقب بريف إدلب بسوريا. عملهما يعكس هذا الجانب الإبداعي من الأفلام التسجيلية، حسب تعريف الناقد الاسكوتلندي.
لقد سخرا، عليا وإياد، التقنية التصويرية والتوثيقية المتاحة التي توفرها التكنولوجيا الحديثة والخبرات الفنية المتراكمة في هذا الشكل الفني للفيلم الوثائقي، التي تخطت مع الزمن المحاولات الأولى في التسجيل السينمائي القصير، التي أنتج كثيرا منها الأخوان لوميير في نهاية القرن التاسع عشر، وكانت تسمى بالاكتوالتي (أفلام الحقيقة).
تدور كاميرا إياد بحرفية عالية في شوارع المدينة ليلا ونهارا، لتبين الدمار الذي لحق بالمدينة من خلال لقطات بانورامية على امتداد أحد الشوارع الخارجية للمدينة. وتصور لحظات من الحياة الاجتماعية في المقاهي وفي أماكن لقاء الشباب في جلسات خاصة في نقاشات تسيطر عليها أحداث الثورة السورية.
لكن هم إياد في هذا العمل هو توثيق ما يدور على الساحة السياسية من تغييرات من خلال ما كتبه نشطاء القوى السياسية المختلفة التي وجدت في هذه المدينة وحاولت إحكام سيطرتها عليها، وجاءت الكتابات الجدارية لتعكس هذه التحولات.
ويعتقد إياد أن المدن السورية الأخرى لها نصيبها هي الأخرى من هذه الكتابات الجدارية إلا أن سراقب تميزت في هذا الفن التعبيري الاحتجاجي أكثر من غيرها.
3 سنوات من التصوير كانت كافية لنشاهد من خلال الجدران وجود نشطاء النظام السوري والقوى الأخرى. لكن جاءت الكتابات بعد اندلاع الثورة السلمية لتعكس هي الأخرى التوجهات السياسية الجديدة. شعارات تلغي شعارات أخرى. «غدا ستشرق الشمس، وأنا أحب الصباح»، ألغت ما كان يكتبه نشطاء النظام. وبعد أن قام رائد رزوق، الشخصية الرئيسية في الفيلم، بخط الشعارات السلمية على أحد الجدران ليلا، قال: «أديت واجبي، وكأني فجرت 30 دبابة». وهذا ما عكس الطابع إلا عنفي للثورة السورية في بداياتها.
تقول عليا عن اختيارها للتسمية إن المعروف أن الجدران هي دفاتر المجانين، لكنها اختارت مع إياد «دفاتر العشاق» للتعبير عن الطموحات السورية في «حياة حرة كريمة، ولهذا فإن الجدران هي دفاتر هؤلاء العشاق من النشطاء السياسيين».
وتقول عليا: «يسلط الفيلم الضوء على الطابع السلمي للثورة السورية من خلال هذا الفن في المدينة التي اعتاد أهلها الرسم على الجدران والتعبير بهذا الفن عن تطلعاتهم للتغيير في الديمقراطية والحرية، غير أن تطرف (داعش) واستهداف النظام للبلدة المسالمة عرقل استمرارية الجداريات وخفف من وتيرتها».
إياد وعلياء، قدما لنا في 54 دقيقة و32 ثانية (ولهذا يعتبر من الأفلام الوثائقية المتوسطة الطول) مادة فنية وسياسية دسمة، وتمكنا من اختزال 3 سنوات (2011 - 2014) من عمر الثورة السورية، السلمية، البدايات، ومسيرتها بأمانة وجرأة سياسية، ليقدما لنا وثيقة، وموقفا نقديا، اجتماعيا وسياسيا، من تطور الأحداث، التي ربما كانت مخالفة لقناعاتهما وميولهما السياسية. لكن اهتمامهما بالجانب الفني والتقرب من الموضوعية وحرفيتهما تغلبت في نهاية المطاف على الخطاب المنحاز، سياسيا وآيديولوجيا، وقدمت للمشاهد بتوازن رقيق ما يدور على الأرض.
ولهذا لاحقت كاميرا إياد بأمانة وصورت شعارات القوى الإسلامية المتطرفة و«داعش» الطائفية في فترة وجودها في المدينة، مثل: «العودة إلى الإسلام طريقنا الوحيد لإسقاط النظام» و«خلافة إسلامية هي.. هي.. هي»، و«الجيش العلوي جئنا لاجتثاثكم.. لا يوجد اتفاق»، قبل أن تعود قوى الائتلاف الوطني لتسيطر ثانية على المشهد السياسي في المدينة، وترفع شعاراتها مرة أخرى، مثل: «سراقب مدنية.. هي.. هي.. هي»، في ردها على شعارات «داعش» التي كانت منتشرة على البنايات في المدينة.
وتقول عليا عن هذه الأمانة الحرفية والحذر من الانحياز السياسي، إنه «على الرغم من كون القضية السياسية السورية ما زالت في عين العاصفة وتتصدر الأحداث يوميا في الشرق الأوسط، فإن هذا لا يجب أن يطغى على الجوانب الفنية التي تقف كشهادة سينمائية بحد ذاتها».
هذا العمل يعكس الأمانة المهنية التي أثبتتها الأحداث الأخيرة على الأرض بعد تغلغل «داعش» في سوريا والعراق، الذي نرى الآن مضاعفاته الدموية على الأرض. إذ عبر عن ذلك رائد رزوق، الذي كانت بدايات الفيلم معه وكان يقرأ أشعارا لمحمود درويش، وكان يكتب الشعارات على الجدران. لكنه ومع التغييرات السياسية بدأ يعبر بحزن عن التغيرات السياسية، والتوجهات الطائفية التي دخلت إلى النسيج الاجتماعي للمدينة.
«أهداف الثورة انعكست»، قال رائد، ابن مدينة سراقب، مضيفا: «النصر يصنع هنا وليس في تركيا»، في نقد مبطن للقوى السياسية للمعارضة السورية.
لكن من الضروري ونحن نشاهد ما كتب على جدران سراقب ألا نرى فقط الجانب الشعاراتي في الكتابات، الذي مارسه كثير من أبناء المدينة بعفوية، وأحيانا بتعمد في إيصال الرسالة السياسية، من خلال هذا الفن الغرافيتي، الذي لم يعد أداة تعبيرية احتجاجية، وإنما فن تتداوله كبرى صالات مزادات في العالم الغربي، خصوصا أعمال أحد روادها، البريطاني بانكسي، الذي بقي مجهول الهوية لسنوات، وأصبح لسان حال الحركات الاحتجاجية السياسية الاجتماعية في بريطانيا والعالم، وعبر في هذا الفن عن رفضه للرأسمالية والنظام السياسي واحتضن قضية التضامن الأممي، وتمكن من الوصول إلى المدن الأميركية وجنوب أميركا وإلى جدار الفصل العنصري في فلسطين ورسم كثيرا من الأعمال عليه، منها عمل يصور طفلة فلسطينية تشد إلى يدها مجموعة من البالونات الكافية لترفعها عاليا من أجل التغلب على الجدار الفاصل وتصل إلى الجانب الآخر منه.
وقبل أيام شاهد الفيلم النور من خلال عرضه العالمي الأول في المهرجان الدولي للفيلم في روتردام - هولندا، وكان الفيلم السوري الوحيد الذي شارك في دورة هذا العام بين 21 يناير (كانون الثاني) و1 فبراير (شباط)، ضمن قائمة الأفلام الوثائقية متوسطة الطول. وقد تمت برمجة الفيلم للعرض أمام الجمهور للمرة الأولى في 3 عروض بصالات روتردام، سبقها عرض خاص للصحافيين وشركات التوزيع والمنتجين. كما عرض الفيلم قبل أيام في جنيف في مقر الأمم المتحدة وفي لوزان ويوم الخميس الماضي في نادي الفيلم السوري في باريس، ليتوجه بعد ذلك للاشتراك في مهرجان مونتريال للفيلم الكندي.
فيلم «دفاتر العشاق» هو أول عمل وثائقي طويل لإياد الجرود، المصور والناشط الإعلامي الذي حقق عددا من الأفلام القصيرة الوثائقية قبل هذه التجربة. صور الفيلم بعدسته طوال 3 سنوات، منذ بداية 2011، حتى بداية 2014، ووثق اللحظة، والتقط كل ما كتب على جدران بلدته الصغيرة.
الكتابات وطريقة طرحها تتطور بخط موازٍ لتطور أحداث الثورة وحراكها. ويضيفا، عليا وإياد، اللذان التقتهما «الشرق الأوسط» على هامش مهرجان روتردام، «وكما كانت الجدران تحاكي الواقع وتطوره بألمه وأمله وتحاول توثيقه حينا ورسم مستقبل وحلم في حين آخر، كانت الصورة أيضا تواكب وتوثق تطور الجدران، محاولة المزج بينها وبين من كانوا يقفون أمامها، ليكتبوا لأناس عن أناس آخرين يعيشون بين هذه الجدران، الجدران التي كانت متراسا لهم أمام الموت في بعض الأوقات وكانت موتهم في أوقات أخرى».
تقول عليا، التي أخرجت عددا من الأفلام الوثائقية والروائية الطويلة ونال فيلمها «أوتيل كندا» جائزة مهرجان العالم في مونتريال بكندا عام 2012، «إن الناس في الفيلم هم الأبطال، بمعنى البطولة الجمعية التي أعادت الثورة تعريفها وصياغتها في وجه البطولة الفردية التي اضمحلت أمام طوفان الناس وهديرهم»، وإن «الحيطان هي مرايا الناس ومرايا الشارع الذي يفيض بالحكايا والمرارة اليومية، فالحيطان هي شخصية مقابلة ومحاورة أو هكذا يفترضها الفيلم، تأخذ روحها وأنفاسها من الناس فتحيا فيهم وبهم». اختيار فيلم «دفاتر العشاق» ليكون مشاركا في المهرجان الدولي في روتردام في عرضه العالمي الأول، قالت عليا: «إنجاز نستحقه بجدارة، لأننا نعتقد أنه يحترم خطابنا وجهدنا الذي نفترضه خطابا مختلفا وجريئا».
عند مشاهدة الفيلم تسمع أزيز الرصاص والمدافع وسحب الدخان ورصاص القناصة، وأضافت علياء أن هذا الفيلم «أنتج تحت ظروف أمنية وسياسة وفنية قاسية، وعلى الرغم من ذلك فإنه حافظ على توازناته في جميع هذه القضايا، ولم يساوم على معظمها، فقد حاول تقديم خطاب سياسي يعكس التغيرات التي حدثت على الأرض منذ انطلاق الثورة السلمية، وهذا لم يكن على حساب التقنية السينمائية التي ظلت نصب أعيننا بعيدا عن فن الشعارات».
لكن تعترف عليا أن العنصر النسائي غائب في الفيلم، باستثناء، الابنة الصغيرة مها الرائد، إذ يصطحبها معه في مهمته الجدارية. وفي نهاية الفيلم تقريبا تظهر امرأة تتكلم بألم عن اختفاء زوجها وابنها في سجون النظام. لكن المرأة غير موجودة في هذا الفن الاحتجاجي.
هل هذا تقصير من إياد وعليا؟ أم أنه يعكس واقعنا، الذي يعاني من هذا الفصل الاجتماعي بين الجنسين. كان من الصعب على إياد إيجاد فتاة ممارسة لفن الغرافيتي لتصويرها.
الفيلم يرفع صوتا آخر حرا متحررا أمام الخطاب السائد المسيطر وهو الخطاب الذي يكرس صورة السوريين وصورة الثورة بأسوأ أشكالها ويقف في نفس الوقت بوجه أمام صوت الإرهاب بمنتج إبداعي يقدم صورة مغايرة أخرى. وينتصر للناس أولا وأخيرا، تقول عليا: «من هنا تأتي أهمية ترشيح فيلمنا للمشاركة بأحد أهم وأكبر المهرجانات العالمية، وهو الذي نراه تكريما للتجارب السينمائية السورية، وأيضا تكريما للثورة السورية ولكل الأبطال الذين وقفوا يدافعون عن خطابها وسلميتها وأحقيتها». في نهاية الفيلم نشاهد شابا يحاول إرجاع بلاطات سقطت من جدار كان يحمل بعض الكتابات السلمية الاحتجاجية لإكمال الجملة المكتوبة. لكن رسومات بانكسي يتسابق عليها الناس لاقتطاعها من على الجدران وبيعها بمئات الآلاف من الدولارات في صالات المزادات الغربية.
هل يأتي اليوم الذي تنال فيه كتابات سراقب قيمة مادية، بعد أن تتطور وتأخذ شكلا فنيا واضحا، مثل التي تحظى بها رسومات بانكسي ويبدأ أهالي المدينة سرقتها وبيعها، بدلا من استخدامها كأداة تعبيرية احتجاجية؟ بالمناسبة بعضها كتب بالإنجليزية مثل الجملة الشهيرة لمارتن لوثر كينغ، زعيم حركة الاحتجاجات المدنية في الولايات المتحدة في الستينات، التي قال فيها «لدي حلم».



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.