شعرية ملامسة الحواف في «ما لم يذكره الرسام»

الشاعرة عزة حسين تناوش فضاءاتها في ديوانها الجديد

غلاف الديوان
غلاف الديوان
TT

شعرية ملامسة الحواف في «ما لم يذكره الرسام»

غلاف الديوان
غلاف الديوان

تتنوع صور الذات وأسئلتها في ديوان الشاعرة عزة حسين «ما لم يذكره الرسام»، بين فضاءات الطفولة والأسطورة والواقع المعيش. وفي كل فضاء تبحث الذات عن تشكيل خاص لوعيها بالنص الشعري والعالم والعناصر والأشياء، وإيجاد ملامح إدراك جديدة لها، تجعلها أكثر امتلاء بالنص وبالذات معا.
وعلى عكس ديوانها الأول «على كرسي هزاز» الذي اختبرت فيه الأشياء في عجينتها الرخوة، وبعين مسكونة بمجاز المفارقة وفجوات اللغة والرموز والدلالات، تضع الشاعرة في ديوانها الصادر حديثا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، خطوطا تحت هذه الفجوات، تتسم بقدر من الحدة، وتدفع نصوصه إلى منطقة شائكة يتبادل فيها الحلم والذاكرة الأدوار، ويراوحان تداعيات الزمان والمكان، بحثا عن لغة خاصة للنص وطرائق أخرى للمعرفة والإدراك.
في ظل هذه المراوحة تخشى الذات الشاعرة من فكرة الإقامة الطويلة داخل الأشياء، وما تخلفه من رتابة العادة والتكرار، وهروبا من كل هذا تلجأ إلى نوع من السفر الخاص العابر، داخل النص، وداخل العناصر والأشياء، يوفر لها حيوية الدخول والخروج، من الداخل إلى الخارج والعكس أيضا، وكأن النص، بل كأن فعل الكتابة نفسه، هو بمثابة محطات متقطعة على جسد الكون والشعر واللغة والحياة.
ومن ثم، تتشكل نقطة الانطلاق الأساسية لفضاء الرؤية في الديوان، وتبرز فيما أسميه، «شعرية ملامسة الحواف والأطراف»، فليس ثمة قبول منطقي لدى الذات الشاعرة بفكرة الهدم الناقص، أو إشاعة نوع من العبثية الفارغة في التعامل مع العناصر والأشياء. هناك دائما هاجس المناوشة، مناوشة الأسطورة في حافتها وأطرافها الخرافية والمجازية، لتظل محض علامة وإشارة في النص، مفتوحة بخفة على تخوم البدايات والنهايات معا.
فالنص لا يقيم في الأسطورة، لا يتماهى معها، وإنما يتقاطع مها بشكل خاطف، يصل أحيانا إلى حد السخرية منها، وإبرازها كسؤال ناقص، لا يزال يبحث عن حكمة ضالة، عن سر مشوه، وصراع مبتور، لا يزال قابعا في ظلالها كنافذة إدراك خاصة للوجود والأشياء.
ومنذ النصوص الأولى للديوان تطالعنا هذه المناوشة لمجاز الأسطورة، ففي نص بعنوان «جحيم» تسبقه عبارة استهلالية لآرثر رامبو، تتناثر خيوط الأسطورة، ما بين الميثولوجيا الإغريقية ممثلة في الإلهة «هيرر» زوجة زيوس، كبير آلهة الإغريق، ثم جان بول سارتر، فيلسوف الوجود والعدم، ثم سانشو صديق دون كيخوته، وحامل درعه في الملحمة السردية الشهيرة «طواحين الهواء» لسيرفانتس، حتى إبليس رمز الشر والغواية، في الميثولوجيا الإسلامية، ولو تساءلنا: ما الذي يوحد بين كل هذه العناصر الأسطورية أو التي يكتسي بعضها بزي الأسطورة: هل هو الوجود والعدم، مدار فلسفة سارتر الشهيرة، أو الشر المطلق كما في رمز إبليس، أو الشر المعلَّق كما في رمز هيرا الحمقاء التي عاقبها زوجها زيوس بتقييد أرجلها بخلخال من الذهب لتظل معلقة بين الأرض والسماء، لا إجابة محددة يمكن الركون إليها في النص، بل أيضا تتناثر الإجابة، وتومض بشكل خاطف في جماع كل هذه الدلالات والرموز. وهو ما يشير ضمنيا إلى أن نص الشاعرة لا يسعى لأن يكون كتلة واحدة مصمتة وفي اتجاه معين، وإنما يشكل كتلته من خلال تنوع مدارات الرؤية، والعلامات والإشارات والأسئلة والرموز، ليحتفظ النص بزوايا متعددة لفعل الرؤية، لعملية الدخول والخروج، فلا يسجن هذا الفعل في ثبات الرأس أو فوضى الأطراف، ولا يتعامل مع العناصر والأشياء باعتبارها حقائق مجردة مكتفية بذاتها، وإنما هي أشياء تبحث عن تكاملها داخل النص وفي الوقت نفسه، يبحث النص عن تكامله فيها، وسيلته الوحيدة في ذلك، هي أن تظل الأشياء نفسها صالحة لإثارة الدهشة والأسئلة.
تقول الشاعرة في قصيدة «جحيم»:
«أيهما أكثر وخزا يا «سانشو»
الحقيقةُ أم زبدُ السخرية
أنا أعرف أن الطواحين أطيبُ من القتل
وأنك أطوعُ من المصارحة
لكنه الدُّوار..
الدُّوار يا «سانشو»
والرأس الـ«إبليس»
يتستر على أنين القنبلة»
هذا الدّوار الذي يكتنز في ثناياه صرخةً مكتومة أو مقموعة في جراب الذاكرة الإنسانية، يتردد صداه كحلم، يناوش معظم نصوص الديوان. فيما تخفف فكرة ملامسة الحواف، من أحادية وجع الذات، وتدفع النص لأن يصبح نقطة التوازن المركزية، بين تعارضات الجسد والروح، الحلم والواقع، الذات والموضوع، وهنا يحيل النص إلى مفارقته الخاصة النابعة من نسيجه الداخلي، بعيدا عما هو مقحم عليه من الخارج.. متشبثا بمراوحة الحواف، وإمكانية العيش في ظلالها، حيث تبدو الظلال هي منطقة الحياد الساكنة المحببة لمغامرة الكتابة لدى الشاعرة، بحثا عن بقعة ضوء خافتة، ربما لأن في الخفوت تستطيع الذات أن تنصت إلى نفسها، وهو ما تشير إليه الشاعرة في مقطع لافت من قصيدة بعنوان «ثالوث» في الديوان، تقول فيه:
«سأسمي القصيدة روحا مشتعلة بخفوت
وأسمي روحي قصيدة
وسأقضي ليلة كاملة
في محاولة إقناعكم
بأنه كان لدي شيءٌ خافت»
وترشح فكرة ملامسة الحواف دائما بأن هناك تسميات أولية للأشياء، هي المجال الأوفر حظا للعب مع الشعر والحياة، مع الذات والموضوع، حيث تصبح اللغة ثمرة من ثمرات الطفولة، وأحيانا يصبح التكيف مع إمكانية فعل قطف الثمرة بديلا أقوى دراميا من مغامرة ارتكابه. وهو ما تتجسد مظاهره شعريا بشكل لافت في نص بعنوان «نورا»، تشف فيه اللغة، وتتخلص من ربكة المواضعات البلاغية التقليدية، وتصبح مفردة حياة تمشي بحيوية وسلاسة على أرض الواقع، تاركا للقارئ مساحة متوترة، ليؤول في ربكتها ما هو مهمش ومنزاح ومسكوت عنه.. تقول الشاعرة في هذا النص:
«بلا ثرثرة
بلا كراهية
بلا محبة
سأتركك..
سأترك الكرسي الهزاز
والستار
وزجاجة العطر الجديدة
وساعة الحائط
ساترك الوداع أيضا
وسلة الخبز والخوخ المسلوق
سأترك التلفاز مشعلا
وحاوية الأحذية ينقصها زوج لي..
سأترك خاتم زواجنا
ومشطي الخشبي
والدولاب مفتوحا على غيابي
والملاءة الزرقاء لفراغ جسدي عليها».
وتغلف الذات الشاعرة صراعها أو حيرتها بين الفعل ورد الفعل، بغلالة تناص شفيفة، مع ديوانها الأول «على كرسي هزاز»، ثم مع «نورا» بطلة مسرحية هنريك إبسن، الشهيرة «بيت الدمية»، كرمز للتحرر والانعتاق من قسوة الزمن والبشر، فتأتي لطشة النص الأخيرة على هذا النحو:
«سآخذ جسدي نظيفا من وخزك
وأصفع الباب
بنشوة (نورا) بطلة هنريك إبسن
في وجهي»..
وتبرز الذاكرة، كوعي النص المستتر في عنوان الديوان، فلم تقل الشاعرة مثلا «ما لم يقله أو يشكله أو يرسمه الرسام»، لتستدعي وبشكل ضمني الطرف الغائب في واحدة من أعقد ثنائيات الوجود، وأعني بها ثنائية «الذاكرة والنسيان»، ثم تتجاوز هذه الثنائية، مقدمة لها حلا جماليا ناصعا، حيث تصبح طفولة الذات الشاعرة والعناصر والأشياء، هي الآخر، أو بمعنى أدق، هي الأنا التي تحولت إلى آخر، وهو أمر يصعب أن تلتقط حيواته ريشة الرسام.. تقول في النص نفسه الذي وسم عنوان الديوان:
«على صدري الآن كرةُ رماد
وهمٌ لم يعد – بعد - ذكرى
كان دخانٌ طعمه حلو
والنسوة يرتدين العرقَ خلف أواني الطهي
أنا جائعة لألوانك يا أمي
ورائحتي أقلام رصاص
المدرسة أعلى اللوحة
وظهري للماء والجسر
بقرة مبهجة لا تخيفني
في الحواديت..
عجوز تقرص خدي
وتشد رباط الحذاء».
ومن ثم ينفتح النص، على مناخات الطفولة، كمرآة، مفتوحة على فضاء الحلم والذاكرة معا، لا ينعكس عليها النص كحقيقة مجردة، وإنما كفعل حياة مبثوث بحيوية في مفردات الطبيعة، وتراث ومقومات البيئة الخاصة، ليس فقط باعتبارها حاضنة للذات، بل محطة طفولة لن ينتهي السفر منها وإليها.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».