«اللجنة الثورية» تعين قياديا حوثيا مديرا لمكتب الرئاسة.. وتستعد لإخضاع مأرب والبيضاء

خلافات في صعدة حول اختيار رئيس ونواب للبرلمان * حالة «إحباط» في الشارع اليمني إزاء المواقف الإقليمية والدولية من «الانقلاب»

مسلح تابع لجماعة الحوثي أمام عربة عسكرية مدرعة خارج القصر الرئاسي اليمني في صنعاء أمس (رويترز)
مسلح تابع لجماعة الحوثي أمام عربة عسكرية مدرعة خارج القصر الرئاسي اليمني في صنعاء أمس (رويترز)
TT

«اللجنة الثورية» تعين قياديا حوثيا مديرا لمكتب الرئاسة.. وتستعد لإخضاع مأرب والبيضاء

مسلح تابع لجماعة الحوثي أمام عربة عسكرية مدرعة خارج القصر الرئاسي اليمني في صنعاء أمس (رويترز)
مسلح تابع لجماعة الحوثي أمام عربة عسكرية مدرعة خارج القصر الرئاسي اليمني في صنعاء أمس (رويترز)

فرض عشرات المسلحين، أمس، أحد القيادات الحوثية مديرا لمكتب الرئاسة، هو محمود الجنيد، بدلا عن الدكتور أحمد عوض بن مبارك الذي اختطفه الحوثيون لأسابيع، قبل إطلاق سراحه بضغوط دولية، شرط مغادرة اليمن إلى المنفى. في حين تستعد الجماعة لشن طلعات جوية على محافظتي مأرب والبيضاء، اللتين تقعان خارج سيطرتها، بحجة قتال العناصر «التكفيرية».
وجاء تعيين مدير جديد لمكتب الرئاسة الكائن جوار القصر الجمهوري بين شارع الزبيري وميدان التحرير في العاصمة صنعاء، في ظل فراغ رئاسي وحكومي منذ استقالة الرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومة الكفاءات، إثر استخدام الحوثيين للقوة المسلحة للسيطرة على دار الرئاسة والقصر الجمهوري ومعسكرات الحماية العسكرية، التي باتت تحت يد «اللجنة الثورية»، كما تسمى، برئاسة محمد علي الحوثي، أحد أقرباء زعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي. وينتظر أن تقوم اللجنة خلال الأيام المقبلة بتشكيل «المجلس الوطني» (البرلمان)، الذي سيختار بدوره مجلسا رئاسيا مؤقتا، تصادق عليه «اللجنة الثورية» نفسها. ومثل مدير مكتب الرئاسة الجديد محمود الجنيد، الحوثيين ضمن فريقهم في مؤتمر الحوار الوطني الذي جرى العام قبل الماضي، في اليمن.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر سياسية يمنية أن الحوثيين يستعدون لشن طلعات جوية على محافظتي مأرب والبيضاء، بحجة قتال العناصر «التكفيرية»، في حين تشير المصادر إلى أن «المسألة لا تعدو عن كونها محاولة لإخضاع المحافظتين لسيطرة الجماعة الانقلابية»، وقالت مصادر في صنعاء إن الحوثيين المسيطرين على القوات الجوية طلبوا معلومات من الأرصاد الجوية بشأن الأحوال الجوية، وتوقعت هذه المصادر الاستعداد لشن غارات جوية على مأرب والبيضاء تحت ستار القوات المسلحة، وهو الأمر الذي كان الرئيس المستقيل، عبد ربه منصور هادي رفض القيام به بناء على طلب الحوثيين، قبل استقالته.
وأفاد قبلي في مأرب لـ«الشرق الأوسط» أنهم «مستعدون لصد أي هجوم يستهدف المحافظة وبنيتها التحتية». وأقام أكثر من 15 ألف مقاتل من أبناء القبائل في مأرب، معسكرات مؤقتة، أو مطارح، كما تسمى قبليا، لحماية المحافظة والمنشآت النفطية من أي «عدوان» قد يستهدفها من قبل الحوثيين. ودعا المصدر «أبناء القوات المسلحة والأمن إلى عدم الانصياع إلى أوامر الانقلابيين وشن حروب ضد أبناء وطنهم».
وأصدرت اللجنة الأمنية بمأرب بيانا، حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، أكد أن ما أقدم عليه الحوثيون يعد انقلابا على الشرعية والجمهورية، وأكدت اللجنة اتخاذ التدابير الكفيلة بحماية المحافظة والمنشآت النفطية وغيرها.
كما علمت «الشرق الأوسط» من مصادر عليمة أن خلافات حادة تدور داخل «اللجنة الثورية» وبقية القيادات الحوثية المقربة من عبد الملك الحوثي، في إطار الاستعداد لإعلان أسماء أعضاء «المجلس الوطني» الذي يفترض أن يكون بديلا للبرلمان، حسب الإعلان الدستوري الذي أصدره الحوثيون. وتنصب الخلافات حول أسماء أعضاء المجلس، حيث لدى «اللجنة الثورية» شحة كبيرة في أسماء من سيتم اختيارهم لتمثيل المحافظات الجنوبية ومحافظات تعز ومأرب والبيضاء والحديدة، وهي المحافظات التي رفضت، حتى اللحظة، الانصياع لأوامر وهيمنة الحوثيين وسيطرتهم على السلطة، وهو ما يبرر تكرار الحوثيين، أمس، الدعوة لأعضاء مجلس النواب الذي حلوه بالمشاركة في «المجلس الوطني»، في الوقت الذي تشير المصادر إلى بدء ترتيبات حوثية لتحويل مقر مجلس النواب (البرلمان) إلى مقر لما سمي «المجلس الوطني»، والذي يفترض به انتخاب مجلس رئاسي من خمسة أشخاص، بعد مصادقة «اللجنة الثورية» التي تتحكم بدفة الأمور في اليمن، حاليا.
وقالت مصادر خاصة إن الحوثيين «عرضوا منصب الرئاسة على أكثر من شخصية يمنية بارزة، إلا أنهم فوجئوا برفض الكثير من تلك الشخصيات واشتراط البعض اشتراطات كثيرة، لم يوافق عليها الحوثيون»، ومن أبزر الشخصيات المرشحة للرئاسة، الرئيس الجنوبي الأسبق، علي ناصر محمد، الذي اشترط أن يقبل المنصب في ضوء نتائج مؤتمر القاهرة، الذي عقد قبل سنوات، والذي يقوم على أساس دولة من إقليمين، شمالي وجنوبي، فيما هناك اشتراطات كثيرة وضعت عليهم، تتعلق بسحب ميليشياتهم من العاصمة وعواصم المحافظات ورفع أيديهم عن المعسكرات والقوات المسلحة والأمن بصورة شاملة، وذكرت المصادر أن «معظم الشخصيات لم تقبل بأن تنقاد تحت إشراف ما تسمى (اللجنة الثورية) وأن تكون عضويتها في مجلس الرئاسة أو رئاسة البلاد صورية»، غير أن ذات المصادر لم تستبعد أن «يجد الحوثيون شخصيات ضعيفة وهزيلة لتملأ بها المواقع الشاغرة في السلطة»، وتشير ذات المصادر إلى أن «الانقلابيين الحوثيين لا يبالون بالمواقف الإقليمية أو الدولية إزاء تطورات الأوضاع في اليمن، فلديهم وعود من إيران بالدعم، رغم أنهم لم يدفعوا رواتب الموظفين في كل المؤسسات للشهر الماضي»، وأنهم يراهنون على عدم فرض عقوبات اقتصادية على اليمن «بسبب حرص المجتمع الإقليمي والدولي على عدم تعريض الشعب اليمني لمزيد من المعاناة الاقتصادية فوق التي يعيشها، حاليا».
ويواصل الحوثيون وضع الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي تحت الإقامة الجبرية في منزله وتمنع عنه حتى الاتصالات، وقد حاولت «الشرق الأوسط» الاتصال به، إلا أنها لم تتمكن من الحديث إليه لأسباب وذرائع كثيرة ساقها عامل الهاتف، وتؤكد مصادر في أحزاب (اللقاء المشترك) أن الحوثيين يرفضون السماح لهادي بمغادرة اليمن إلى الولايات المتحدة لتلقي العلاج. وأتاحت التطورات التي ساق الحوثيون اليمن للوصول إليها، الفرصة لخصوم هادي لانتقاد فترة حكمه الانتقالية، وبالأخص من قبل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح وقيادات حزبه، وشمل الانتقاد كافة الإجراءات التي تلت الثورة الشعبية التي قامت ضد صالح عام 2011. وأطاحت بنظامه وجاءت بالمبادرة الخليجية والرئيس هادي وحكومة محمد سالم باسندوة.
وبالقدر الذي أدى «انقلاب» الحوثيين على السلطة في اليمن إلى انشقاقات في معظم الأوساط السياسية والاجتماعية والقبلية، إلا أنه، بحسب المراقبين، أدى إلى توحد الكثير من المناطق والأقاليم والقبائل لمواجهة الحوثيين ورغبتهم في التمدد بطريقة مذهبية، حيث تجري مشاورات قبلية واسعة النطاق بين قبائل شمالية – شمالية وجنوبية – جنوبية وجنوبية – شمالية، من أجل «وقف زحف الحوثيين على مناطقهم»، ويعتقد المحللون السياسيون أن «نظرة رجال القبائل إلى ما يجري تختلف كثيرا عن نظرة الأحزاب والسياسيين، حيث لا يرى رجل القبيلة في خصمه الذي يرغب في السيطرة عليه، سوى غاز ومحتل، وهنا تنتفض أعراف القبيلة وسالفها الرافض لذلك».
ينظر المواطنون اليمنيون إلى أن المواقف التي اتخذت عقب «انقلاب» وسيطرة الحوثيين على مقاليد السلطة في اليمن، غير كافية وليست بالقوة المتوقعة لردع الانقلابيين وإيقاف تماديهم في السيطرة على السلطة بنهم غزير، حسب تعبير عدد من المواطنين الذين تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» في العاصمة صنعاء، حيث يرى اليمنيون أن «قناع الحوثيين سقط، فبعد ادعاءاتهم بأن تحركاتهم هي لإسقاط الجرعة السعرية التي أقدمت عليها الحكومة وغيرها من المزاعم التي تمس المواطنين ومشاعرهم، ها هم اليوم يكشفون زيف ادعاءاتهم وينقضون على السلطة ومفاصل الدولة، ولم يعد هناك ما يهمهم من شيء سوى السيطرة»، وحمل المواطنون الحوثيين «مسؤولية انهيار الوضع الأمني في البلاد وتردي الأوضاع الاقتصادية والسيطرة على مقدرات الدولة وممتلكاتها ووثائقها التاريخية»، واعتبر بعض المواطنين أن الحوثيين «يريدون إعادة اليمن إلى فترة الحروب المذهبية التي جرت في اليمن القرن الماضي، أيام الإمامة التي يأتون من نسلها ويريدون إعادتها إلى اليمن بلبوس جمهوري».
وقال مصدر قيادي في حزب المؤتمر الشعبي العام لـ«الشرق الأوسط»، رفض الكشف عن هويته، إن التطورات الأخيرة و«الخطوات المتهورة التي أقدم عليها الحوثيون، أعادت الزخم إلى شعبية حزبه وإلى الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح وحكمه الذي امتد لأكثر من ثلاثة عقود»، وأضاف المصدر أن «الناس الآن يترحمون على فترة حكم صالح التي لم يتعرض فيها الناس لما يتعرضون له الآن من صنوف التنكيل على يد الميليشيات»، حسب تعبير المصدر، الذي أكد أن حزبه «سيعيد حساباته والنظر في عضوية الكثير من أعضائه الذين لم يلتزموا بالقرارات التنظيمية والتحقوا بالحوثيين لتحقيق انقلابهم على الشرعية الدستورية»، وتؤكد الكثير من الأوساط اليمنية أن الحوثيين «انقلبوا» على صالح بعد سيطرتهم على السلطة في اليمن، رغم التنسيق والتحالف الذي كان قائما بين الطرفين في الآونة الأخيرة، للإطاحة بنظام الرئيس عبد ربه منصور هادي.
ورغم الظروف الصعبة التي يمر بها اليمنيون، فإنهم يجدون الوقت الكافي للتندر على الأوضاع القائمة، فبعد نشر صورة محمد علي الحوثي، رئيس «اللجنة الثورية» لأول مرة، امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بالنكات والتعليقات على الرجل الذي يحكم اليمن، فبعض التعليقات اعتبرته «بائع قات»، وأخرى بشرت الشعب اليمني بتوزيع مسحوق «الشمة» التي يتناولها بعض اليمنيين وهي مادة مطحونة من التبغ وتوضع تحت اللسان كمادة مكيفة.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.