فرنسا تمنح أرفع ألقابها الأدبية للروائية الآيرلندية إدنا أوبراين

عينتها برتبة قائد في «فرسان الآداب والفنون» تزامناً مع ميلادها التسعين

الروائية الآيرلندية إدنا أوبراين
الروائية الآيرلندية إدنا أوبراين
TT

فرنسا تمنح أرفع ألقابها الأدبية للروائية الآيرلندية إدنا أوبراين

الروائية الآيرلندية إدنا أوبراين
الروائية الآيرلندية إدنا أوبراين

تزامناً مع احتفال إدنا أوبراين، التي تعد على نطاق واسع أهم روائية آيرلندية على قيد الحياة اليوم، بعيد ميلادها التسعين، والذكرى الستين لصدور أولى رواياتها، قررت السلطات الفرنسية منحها أرفع الألقاب الثقافية في البلاد، وعينتها يوم الأحد الماضي (7 مارس/ آذار) برتبة قائد في «فرسان الآداب والفنون»، وهو تكريم يمنح حصراً لنخبة النخبة من الشخصيات التي أثرت في ثقافة العالم الفرنكوفوني منذ 1957. ومن غير الفرنسيين، حصل على اللقب ذاته كتابٌ من الدرجة الأولى كالبريطاني تي إس إليوت، والأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، والآيرلندي شيموس هيني، والأميركي راي برادبري، كما عدد من الشخصيات الثقافية الأخرى مثل شون كونري وبروس ويليس وميريل ستريب.
وقد تولت وزيرة الثقافة الفرنسية، روزلين باشلوت - ناركوين، منح أوبراين التكريم في حفل افتراضي حضرته وزيرة الثقافة الآيرلندية، كاترين مارتن، والمؤلف الآيرلندي كولوم ماكان، والممثل الآيرلندي غابرييل بيرن، وكثير من المهتمين بالثقافة في البلدين، فيما ألقت الروائية المكرّمة كلمة لها سجلت من مكان إقامتها الحالي في حي تشيلسي بالعاصمة البريطانية. وأشادت الوزيرة باشلوت - ناركوين بالروائية على «التزامها الثابت بالحريات، سواء في كتاباتك أو في حياتك» و«لإلهام عدد لا يحصى من النساء بقوة كلماتك».
وقد وصف بيان للسفارة الفرنسية في دبلن، أوبراين، بأنها «مناضلة نسوية منحت صوتاً للنساء في جميع أنحاء العالم»، و«واحدة من أعظم الكتاب في القرن العشرين»، وبأن «ثمة رابطة خاصة نشأت لها مع فرنسا وجمهورها من خلال نوعية كتابتها، وكذلك من أجل نضالاتها العالمية التي طالما لقيت صدى هناك». وكانت أوبراين قد افتتحت مهرجان أفينيون المسرحي الفرنسي الأهم العام الماضي بقراءة من روايتها الأخيرة «فتاة» (2019) التي قال عنها بيان السفارة إنها «حكاية مؤثرة عن العنف ضد المرأة، وهو أحد شواغلها مدى الحياة».
وكانت أوبراين أول كاتبة غير فرنسية تحظى بجائزة «Prix Femina» المرموقة أيضاً عام 2019 على مجمل أعمالها الأدبية، وحصلت بطبيعة الحال على كل الجوائز الأدبية الرئيسية في بلادها.
وبعكس المألوف للسيدات في عمرها وهنّ يدلفن إلى العقد العاشر، فإن أوبراين ما زالت تنبض بالحياة فتكتب وتجري مقابلات مطوّلة مع الصحافيين. وهي كانت قد ألقت قبل أسبوعين محاضرة تي سي إليوت التكريمية لهذا العام التي سجلت في السفارة الآيرلندية بلندن وسيتم بثها تلفزيونياً في عيد ميلادها. وقد وصفت تجربة تقديم تلك المحاضرة بـ«المضيئة»، قائلة في لقاء صحافي: «لقد أردت أن أعطي في 15 دقيقة شعوراً بالرّجل الذي كانه إليوت: الإنسان والشعر والسّحر الغامض المختلط بالقسوة أحياناً دون أن أقع في فخ الثرثرة، لكنّي انتهيت بعد أن تحدّثت لـ150 دقيقة».
ولدت أوبراين في آيرلندا عام 1930 لعائلة كاثوليكية متزمتة تعمل بالزراعة. وقد أدمنت في مراهقتها على الكحول وكانت تهرب من واقعها إلى الكتابة التي طالما اعتبرتها والدتها - ومعها قطاع عريض من المجتمع الآيرلندي المحافظ - إثماً صنو الخطيئة، ولا تليق بالفتيات المُحترمات، وكانت تخجل من مواجهة سكان القرية كلّما صدرت لابنتها رواية جديدة. باكورتها «بنات الريف» - كتبتها خلال ثلاثة أسابيع عام 1958 ونشرت 1960 بعد انتقالها إلى لندن مع زوجها - حكت فيها عذابات امرأة شابة تغرق داخل مجتمع آيرلندي محافظ قمعي في أجواء ما بعد الحرب العالمية الثانية، لكن الرقيب الآيرلندي منع تداولها، وتداعى كهنة الأبرشيات لحرق المطبوع منها، وأُحرقت بالفعل نسخ من قبل رعية إحدى الأبرشيات، وكسرت شيئاً بعلاقتها بأمّها للأبد. لكنّ ذلك لم يردعها، واحترفت من يومها مقاربة المسائل المثيرة للجدل كالأعمال الإرهابية وقصص ضحايا الاغتصاب وسعيهن للإجهاض - المحرّم بشدة في آيرلندا تلك الأزمنة - ومختلف أشكال أزمات النساء الاجتماعية ومعاناتهن من البطركيات والكبت والسجن في العلاقات الزوجية الفاشلة، ولذا تكرر حظر رواياتها، وهاجمتها الصحافة المحلية في بلادها بلا رحمة. في روايتها الأخيرة رسمت صورة مؤثرة مثيرة للعواطف نقلت فيها أجواء صدمة التلميذات النيجيريات اللاتي اختطفهن مقاتلو الجماعة الدينية المتطرفة «بوكو حرام».
تمتاز أوبراين بدقة صياغتها فكأنها تنسج أعمالها قطبة قطبة، وهي دقة لا بد متأتية من البحث الذي تلزم نفسها القيام به تحضيراً لكتابة أعمالها. فمن أجل «فتاة» سافرت بنفسها مرتين إلى نيجيريا وهي في أواخر الثمانينات من العمر، والتقت هناك عشرات الأشخاص المعنيين بحادثة الاختطاف المروعة لـ276 من تلميذات المدارس: الفتيات الناجيات الهاربات من الاحتجاز، وأمهاتهن وشقيقاتهن، واختصاصي الصدمات النفسية والأطباء وممثلي اليونيسيف قبل أن تشرع في كتابة حرف واحد. لكنها عندما كتبت الحادثة بدت كأنّها خطّت مأساة إغريقية معاصرة.
تقول أوبراين إن فكرة «الرواية» كانت من تقرير صحافي اطلعت عليه صدفة عن فتاة وُجدت تتجول في غابة سامبيسا بنيجيريا. كانت تلك إحدى التلميذات المخطوفات وقد فرّت من قبضة محتجزيها، لكنها فقدت عقلها وكانت حاملاً بطفل. «لقد أصابتني كمية العنف والظلم التي تعرضت لها في صميم روحي». وقد اعترفت لاحقاً بأنها هرّبت 15 ألف جنيه إسترليني إلى لاجوس في أكمامها وملابسها الداخلية كي تقدر على مدّ العون للناس. لكنّها تشعر اليوم بشيء من الصدمة، إذ منحها الفرنسيون جائزة على «فتاة»، واحتفى بها القرّاء في ألمانيا، فيما بدا العالم الأنغلوفوني، لا سيما في الولايات المتحدة غير معني كثيراً بمأساة التلميذات - إذا قسنا ذلك على الأقلّ بعدد النسخ المباعة من الرواية مقارنة بأرقام بيع الترجمات إلى اللغات الأوروبية الحية.
عاشت أوبراين شبابها في صخب تام، وكان منزلها دائماً زوبعة اجتماعية لا تهدأ، وقضت أوقاتاً كثيرة مع بعض من الرجال الأكثر بريقاً في العالم، من مارلون براندو إلى ريتشارد بيرتون وروبرت ميتشوم، لدرجة أن وصفتها مجلات النميمة بالفتاة اللعوب. لكنها تقول الآن إنها قد تكون ارتكبت أخطاء في شبابها لكن كثيراً مما قيل عنها كان أساطير متخيلة، مشيرة إلى أنها في معظم المناسبات الاجتماعية «كانت تقوم بالطبخ وخدمة الضيوف، وهي أيضاً ربت طفلين، ونشرت 18 رواية و10 مسرحيات وغيرها من الأشياء».
طبعاً تغيرات الأجواء الاجتماعية بشكل كبير في موطنها خلال السبعين عاماً الماضية، ولذا فإن آيرلندا الرمادية القاتمة التي حاصرت أوبراين أصبحت اليوم من أكثر المجتمعات الأوروبية حداثة وأقل خجلاً بما لا يقاس، وهي اليوم تحتضنها بحنوّ كرائدة للتحرر النسائي وأفضل كاتباتها الأحياء.
تقول الروائية التسعينية: «الكتابة حياتي، إنني أتنفس كتابة»، ولا تزال تطمح اليوم إلى رواية أخيرة، لكنها ليست متأكدة من قدرتها على تحمّل النّزق الذي تحتاجه والذي ما زال نابضاً في روحها، لكنّ جسدها النحيل والمتعب قد لا يطاوعها لمزيد من الاشتعال والتحليق. على الرغم من أنها لا تخطط للعودة إلى آيرلندا، فإنّها جهّزت «قبراً جميلاً جداً» هناك يقع على جزيرة مقدسة على نهر شانون إلى جوار مقابر عائلة أمها، رغم أن الأخيرة ليست مدفونة هناك، لأنها أوصت بأن يكون قبرها في القرية بين الناس، حيث العابرين يصلون صلاة عاجلة من أجل روحها. أما أنا، تقول أوبراين، «فأريد أن أضّجع حيث الطيور وبقايا الأديرة القديمة، وصوت البحيرة وأغاني الطبيعة».



الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».