جمال بيغال.. المنظّر والمعلم الساحر لمتطرفي هجمات باريس

يعتبر أبرز مسؤولي تجنيد أعضاء جدد في «القاعدة» من داخل السجون في أوروبا

جمال بيغال في شريط فيديو نادر مع طفله في إفراج مشروط من السجن الفرنسي عام 2001 قبل أن يعاد إليه مرة أخرى (واشنطن بوست)
جمال بيغال في شريط فيديو نادر مع طفله في إفراج مشروط من السجن الفرنسي عام 2001 قبل أن يعاد إليه مرة أخرى (واشنطن بوست)
TT

جمال بيغال.. المنظّر والمعلم الساحر لمتطرفي هجمات باريس

جمال بيغال في شريط فيديو نادر مع طفله في إفراج مشروط من السجن الفرنسي عام 2001 قبل أن يعاد إليه مرة أخرى (واشنطن بوست)
جمال بيغال في شريط فيديو نادر مع طفله في إفراج مشروط من السجن الفرنسي عام 2001 قبل أن يعاد إليه مرة أخرى (واشنطن بوست)

وصفه الأشخاص الذين التقوا به بأنه ساحر ومخيف. فهو شخص توثقت عرى الصداقة بينه وبين الشخصين المنفذين للهجوم الذي وقع في باريس الشهر الماضي - وهو الشخص الذي قبع في السجون الفرنسية لسنوات.
قام جمال بيغال الذي يقال عنه إنه أحد أبرز مسؤلي تجنيد أعضاء جدد في تنظيم القاعدة في أوروبا، بإرشاد المسلحين قبل قيامهما بالهجوم إلى النقاط الهامة في شعائر المتطرفين. فجذبهم إليه بدعوته لهم للتبرع للأيتام الفلسطينيين الذين قال لهم إنهم سيبلغون سن الرشد ليكونوا «مقاتلي المستقبل». وأدين بتهمة قيادتهم في محاولة فاشلة لإخراج إرهابي جزائري مدان من السجن.
والآن، بعد مرور شهر على الهجوم الدموي الذي أودى بحياة 17 شخصا في باريس وبث الرعب في قلب أوروبا، يخضع بيغال لمراقبة لصيقة من السلطات التي تسعى لإثبات دوره المحتمل في هذه الهجمات.
يقول مسؤولو مكافحة الإرهاب إن ما تكتشفه جهات التحقيق قد يكون حاسما على نحو خاص، نظرا لظهور مؤشرات تشير إلى احتمال وجود تعاون بين عناصر من تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، المتنافسين بشكل شرس في هذه الهجمات.
وقد يكون هذا تطورا مثيرا للقلق في الحرب ضد الإرهاب العالمي، نظرا لأن التنظيمين يوجد لهما، حتى الآن، قواعد دعم في مناطق مختلفة وبأهداف مختلفة. فكان تنظيم داعش يركز في الغالب على حربه من أجل الاستحواذ على أراضي داخل سوريا والعراق. واشتبك تنظيم القاعدة معه.
ظل بيغال قابعا وراء القضبان أغلب الأعوام الـ14 الماضية على خلفية اتهامات متعلقة بالإرهاب. وكانت آخر قضاياه في عام 2010، أي قبل فترة كبيرة من ظهور تنظيم داعش، الذي ظهر كتنظيم قتالي في خضم الفوضى التي صاحبت الحرب الأهلية في سوريا ولم يتحول إلى قوة مرعبة إلا في أواخر عام 2013.
ولذلك يرى مسؤولو الاستخبارات أن وجود صلات بين بيغال والمخططين لهجمات باريس وتنظيم داعش قد تكون ذات أهمية بالغة في فهم التهديد المتزايد الذي يواجه الدول الغربية. فكان أحميدي كوليبالي، الرجل الذي قتل 4 أشخاص في متجر أطعمة يهودية في باريس، قد أعلن مبايعته لتنظيم داعش في تصريحات مصورة على مقطع فيديو قبل ساعات من مصرعه.
ويقول محققون إنه على الرغم من أن ولاء كوليبالي النهائي كان لتنظيم داعش، ولكن صلة بيغال بتنظيم القاعدة أثارت مسألة تحوله إلى المنهج المتطرف.
كان كوليبالي قد أخبر محققين من الشرطة في عام 2010، وفقا لنسخة من الاستجواب: «لقد أثر في نفسي بطريقة إنسانية».
ونفى بيغال من خلال محاميه وجود أي صلة له بهجمات باريس.
من جهته، قال جان لوي بروغيير، وهو محقق سابق في مكافحة الإرهاب قاد تحقيقا أدى إلى إلقاء بيغال في السجن في عام 2001: «إنه رجل خطير للغاية». وأضاف بأن بيغال قام بوضوح بتحويل فكر الشخصين اللذين التقى بهما في السجن إلى الفكر المتطرف، ولكنه أضاف بأنه كان من الصعب على أجهزة الاستخبارات تتبع الأنماط المتغيرة للتحالفات التي تتوحد لشن هجمات.
وأضاف: «إنها ظاهرة تأخذ في التحور والتطور ونحن نواصل مكافحتها».
ولد بيغال الذي يبلغ من العمر 49 عاما في بلدة صغيرة في الجزائر وانتقل إلى فرنسا عندما كان عمره 21 عاما، وحصل في النهاية على الجنسية وكوّن أسرة مع زوجة فرنسية. كان يبيع الملابس وكان يعمل في مصنع للأغذية. وفي عام 1997، انتقل لفترة وجيزة مع أسرته إلى بريطانيا، حيث كان يتردد على مسجد يديره الداعية المتطرف المعروف باسم أبو قتادة.
واتهمت السلطات أبو قتادة، الذي كان اسمه الحقيقي عمر محمود محمد عثمان، بأنه قيادي بارز في تنظيم القاعدة، وتربطه علاقات وثيقة بأسامة بن لادن. ويبدو أن بيغال، بحسب السلطات، قد تحول إلى الفكر المتطرف في المسجد البريطاني وانتقل إلى أفغانستان في عام 2000. وجرى اعتقاله في العام التالي بتهمة وجود صلة له بمؤامرة ضد السفارة الأميركية في باريس وألقي في السجن لمدة 10 أعوام. وظل يردد لمدة طويلة أنه بريء وأنه تعرض للتعذيب أثناء التحقيق.
وفي عام 2005، التقى كوليبالي وأحد المنفذين الآخرين لهجمات باريس، وهو شريف كواشي، في سجن فلوري ميروجيس الذي يقع في جنوب باريس، والمشهور بحالته السيئة. كانت الشرطة قد سألت كوليبالي في وقت لاحق إذا كان يعرف أي من «القادة المخضرمين في عالم التطرف».
فأجاب كوليبالي: «نعم، أعرف أحدهم، اسمه جمال بيغال».
بعد أن تم الإفراج عن هؤلاء الأشخاص، ظلوا على اتصال وثيق. ويقول مسؤولون إن كوليبالي كان كثيرا ما يطلب النصح والإرشاد وكذلك كانت تفعل زوجته، حياة بومدين، الموجودة حاليا في سوريا.
تشير تفريغات لمكالمات هاتفية تم اعتراضها إلى العلاقات الودية بين الأشخاص الثلاثة، حيث كان بيغال يتحدث مع كواشي مازحا عن مهاراته في طهي المعكرونة وكان يقول مازحا بأن كوليبالي ينبغي أن يكون «مازوخي إذا كان يرغب في التسكع مع شريف كواشي ليلة الجمعة».
سأل كوليبالي بيغال إذا كانت هناك ظروف يكون من الجائز شرعا الموت مع وجود ديون، في تلميح دون أن يقول ذلك صراحة، إلا أنه يشير إلى الاستشهاد.
فأجاب بيغال: «إن الله سيقضي عنك دَينك».
كما أنه دفع كوليبالي للتبرع بالمال لمؤسسة للأيتام الفلسطينيين.
وقال بيغال: «أطفال فلسطين هم مجاهدو الغد، يا صديقي. فهم الذين يقفون في وجه إسرائيل» .
في الغرف الفندقية المكتظة في جنوب فرنسا حيث كان بيغال يعيش في عام 2010 وكان خاضعا لإفراج مشروط من السجن، قبل اعتقاله مرة أخرى، عثرت الشرطة على قمطة قذائف صاروخية وخرائط لأفغانستان وباكستان، ومنشورات حول الهجمات الانتحارية، وشريط أغاني لها عناوين منها «أنا إرهابي» و«انسفوهم» و«لا حل إلا السلاح» و«آه يا شهيد».
وعندما سألته الشرطة عنها، قال بيغال: «إنها أغاني».
وفي وثائق صودرت من جهاز الكومبيوتر الخاص به، قال إنه ليس لديه صلة بالإرهاب. ولكنه اشتكى بمرارة من سجون غوانتانامو وأبو غريب وباغرام، وقال إنها مؤشرات على «إبادة شعوب على يد شعوب متحضرة».
كما اشتكى من معاناة الفلسطينيين على أيدي الإسرائيليين والمجازر التي تعرض لها مسلمو البوسنة في حروب البلقان خلال تسعينات القرن الماضي.
وكتب: «هذه الحرب الشاملة ضد الإرهاب، لم تؤدي إلا إلى ظلام المشهد العالمي». كانت القناعات الشرسة الواضحة في كتاباته توضح سطوته المحتملة على الأشخاص الذين يستقطبهم.
من جهته، قال جان شارل بريسارد، وهو خبير في الإرهاب مقيم في باريس: «كان يتمتع بالقدرة على الوصول بشكل حقيقي لإرهابيين محتملين في جميع أنحاء أوروبا، وخصوصا في فرنسا. تعتمد هذه الشبكات إلى حد كبير على التوجيه».
ويواصل مسؤولو مكافحة الإرهاب مساعيهم لمحاولة فهم الصلة بين تنظيمي «القاعدة» و«داعش» خلال الهجمات. وما زال مدى ضلوع التنظيمين الإرهابيين في التخطيط للهجمات غير واضح. ويقول بعض الخبراء إن الصداقة بين كوليبالي وكواشي أكثر أهمية لتنسيق الهجمات عن أي قوة بعيدة.
ولكن أثيرت شكوك بشأن وجود تلاقح واضح وغير عادي بين التنظيمين. قال مسؤولون في الاستخبارات إن زوجة كوليبالي دخلت، قبل يوم من هجومه على متجر الأطعمة اليهودية، أراضي سوريا يسيطر عليها تنظيم داعش برفقة مهدي بلحسين، الشقيق الأصغر للرجل الذي سجل الأفلام الدعائية التي أصدرها الجناح الإعلامي لتنظيم القاعدة. ويعتقد مسؤولون أن بلحسين جزء من شبكة الخدمات اللوجيستية المرتبطة بتنظيم القاعدة. ويقول مسؤولو مكافحة الإرهاب إن كوليبالي حصل كذلك على أسلحة من أجل الهجوم من موردين متصلين بتنظيم القاعدة.
ويعتقد مسؤولون أن واحدا على الأقل من الأخوين كواشي اللذان قتلا 12 شخصا في مقر المجلة الساخرة حصل على تدريبات في اليمن، التي يوجد بها تنظيم القاعدة في الجزيرة.
من جانبه، قال مسؤول أوروبي لمكافحة الإرهاب، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لمناقشته لتفاصيل تحقيق حساس: «تثير الهجمات التي وقعت في باريس وكذلك العمليات الأخيرة في بلجيكا تساؤلات بشأن وجود تغيير محتمل في استراتيجيات تنظيمي (القاعدة) و(داعش) فيما يخص العمليات العالمية».
وأضاف المسؤول: «ربما كانت باريس بداية لتعاون جديد بين تنظيمي داعش والقاعدة».
ما زال خبراء مكافحة الإرهاب يحاولون فهم ما سيقوم به تنظيم داعش بعد ذلك خلال توسيعه لطموحاتها خارج الأراضي التي يسيطر عليها في سوريا والعراق.
من ناحيته، قال محمد محمود ولد محمدو، نائب مدير مركز سياسة الأمن في جنيف: «ينظر تنظيم داعش إلى بن لادن باعتباره شخصية تاريخية ونموذجا يحتذى به. ولذلك، من المحتمل أن نشهد في الواقع استراتيجية مشتركة جديدة بشأن القيام بعمليات أكبر حجما، رغم الاشتباكات التي وقت بين التنظيمين من قبل. فالأمر الأساسي حاليا هو الغموض الكبير بشأن كيفية الانتقال للعمل في المرحلة المقبلة وتوسيع العمليات والعمل بشكل أكبر عبر الحدود الوطنية».
*خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ {الشرق الأوسط}



زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
TT

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة منذ قرابة 4 سنوات.

وأضاف أنه إذا لم يتم الوفاء بالموعد النهائي وهو يونيو (حزيران) المقبل، فمن المرجح أن تمارس إدارة ترمب ضغوطاً على كلا الجانبين.

وقال زيلينسكي إن واشنطن «عرضت لأول مرة أن يلتقي فريقا التفاوض في الولايات المتحدة، على الأرجح في ميامي، خلال أسبوع».

وتبادلت روسيا وأوكرانيا الاتهامات بقصف البنى التحتية في البلدين. وقالت كييف، أمس، إن قواتها قصفت مستودع نفط يُعرَف باسم «بالاشوفو» في منطقة ساراتوف الروسية. وبدورها شنَّت قوات موسكو هجوماً كبيراً على شبكة الطاقة الأوكرانية تسبب بانقطاع الكهرباء عن جزء كبير من البلاد، وأكدت أن صواريخها استهدفت مرافق البنية التحتية للطاقة والنقل في أوكرانيا.


تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

أعلن السفير الروسي لدى أرمينيا، سيرغي كوبيركين، أن روسيا تراقب من كثب مشروع «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين» الأرميني الأميركي، وأنها مستعدة لمناقشة إمكانية المشاركة في هذه المبادرة.

وحمل التصريح تطوراً في الموقف الروسي حيال النشاط الأميركي المتزايد في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت لقرون منطقة نفوذ حيوي لموسكو، والخاصرة الرخوة لروسيا التي شهدت مراراً تقلبات وتهديدات للنفوذ الروسي.

مصافحة ثلاثية بين دونالد ترمب وإلهام علييف ونيكول باشينيان في البيت الأبيض يوم 8 أغسطس 2025 بعد توقيع الاتفاق بين أرمينيا وأذربيجان (رويترز)

وفي إشارة إلى مشروع «ممر زنغزور» البري المثير للجدل الذي يربط أذربيجان بمنطقة نخجوان (ناخيتشيفان وفق التسمية الأرمينية) عبر جنوب أرمينيا، قال الدبلوماسي إن بلاده «تتابع التطورات المتعلقة بالمشروع، ونحن على استعداد للانخراط في مفاوضات ومناقشة إمكانية الانضمام إلى هذه المبادرة، مع الأخذ في الاعتبار -من بين أمور أخرى- التعاون الوثيق بين روسيا وأرمينيا في صيانة وتطوير قطاع سكك الحديد في جمهورية أرمينيا».

وكان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قد أشار إلى هذا الموضوع بشكل مبهم في وقت سابق، عندما قال إن «التفاصيل العملية المحددة لهذا المشروع بدأت تتبلور للتو، وإن إطلاقه سيستغرق بعض الوقت».

من اليسار إلى اليمين: قادة أذربيجان وكازاخستان وروسيا وبيلاروسيا وأوزبكستان وطاجيكستان وأرمينيا يصلون إلى مقر قمة رابطة الدول المستقلة في دوشانباي يوم 10 أكتوبر (إ.ب.أ)

كما أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن روسيا مستعدة لاستكشاف الخيارات المتاحة لمشاركتها في المشروع، بما في ذلك الاستفادة من الخبرة الفريدة لشركة سكك الحديد الروسية.

وكانت موسكو قد أعربت عن تحفظ في وقت سابق على بعض تفاصيل الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن بين أرمينيا وأذربيجان في أغسطس (آب) من العام الماضي. وعلى الرغم من أنها رحبت بجهود السلام المبذولة بين باكو ويريفان فإن مسؤولين روساً أبدوا استياء واضحاً من التفاصيل المتعلقة بمنح الولايات المتحدة وجوداً مباشراً في المنطقة.

وكان الطرفان الأذري والأرميني قد وقَّعا اتفاقاً أولياً للسلام وإنهاء عقود من النزاع، خلال اجتماع عُقد برعاية أميركية، ولم تُدعَ إليه موسكو التي كانت وسيطاً مباشراً بينهما لعقود. وتضمن الاتفاق بشأن إرساء السلام وتعزيز العلاقات بين البلدين بنداً يتعلق بإنشاء ممر يربط أذربيجان بمنطقة ناخيتشيفان ذات الحكم الذاتي عبر أرمينيا، وكان يشكل نقطة خلافية جوهرية بينهما.

نقطة تفتيش أذربيجانية في ناغورنو كاراباخ خلال أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

ووافقت يريفان على التعاون مع الولايات المتحدة وأطراف ثالثة، لإنشاء الممر الذي بات يحمل تسمية «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين». وشكل التطور تهديداً مباشراً لمصالح روسيا وإيران في المنطقة؛ خصوصاً مع ازدياد الحديث عن دعوة شركات أميركية لتنفيذ المشروع، ما يعني تثبيت حضور أميركي اقتصادي وتجاري وأمني لفترة طويلة. وفي مقابل تجنب موسكو توجيه انتقاد مباشر لواشنطن، واكتفاء بعض المسؤولين بالإعراب عن استياء ضمني، عارضت إيران بقوة إنشاء الممر، خشية أن يؤدي إلى عزلها عن القوقاز، وجلب وجود أجنبي إلى حدودها.

وقبل أيام، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال لقاء مع وزير الخارجية الأرميني أرارات ميرزويان، أن يريفان ستمنح واشنطن حصة في الممر على أراضيها. وقالت وزارة الخارجية إنه سيتم إنشاء شركة تكون ملكيتها تابعة للولايات المتحدة بنسبة 74 في المائة، وستتكلَّف بناء البنية التحتية للسكك الحديد والطرق على هذه القطعة من الأرض.

ويفترض أن يسمح المشروع باستثمارات أميركية، ووصول «المعادن الحيوية والنادرة» إلى السوق الأميركية، كما يحدد النص الإطاري لوزارة الخارجية.

وقال روبيو خلال هذا الاجتماع، إن «الاتفاق سيصبح نموذجاً للعالم؛ إذ سيُظهر كيف يمكننا الانفتاح على النشاط الاقتصادي والازدهار، دون المساس بالسيادة وسلامة الأراضي».

وأضاف: «سيكون هذا أمراً جيداً لأرمينيا، وجيداً للولايات المتحدة، وجيداً لجميع المعنيين»، مؤكداً أن إدارة ترمب ستعمل الآن «على تنفيذ الاتفاق».

رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان (يمين) يتبادل الاتفاقيات الموقعة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال اجتماعهما في يريفان (إ.ب.أ)

من جهته، أكد رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان أن أمن الممر الذي يربط أذربيجان بناخيتشيفان سوف تضمنه «أرمينيا وليس دولة ثالثة».

وترافق التطور في موقف روسيا حيال المشروع والبدء في الحديث عن استعدادها للانضمام إليه، مع توجيه موسكو إشارات إلى أرمينيا التي كانت حليفاً وثيقاً لروسيا قبل أن تتجه لتعاون أوسع مع أوروبا. وقبل أيام، قال الوزير لافروف، خلال لقائه برئيس الجمعية الوطنية الأرمينية، ألين سيمونيان: «آمل بصدق أن تُدرك أرمينيا تماماً ما يكمن وراء هذا الوضع؛ حيث أعلن الاتحاد الأوروبي وأعضاء حلف شمال الأطلسي الأوروبي الحرب صراحة على روسيا، بهدف إلحاق هزيمة استراتيجية بها. أتمنى بشدة ألا تهيمن رواية زرعت الشكوك -بل والأكاذيب- على الرأي العام في بلدينا». وأكد الوزير أن روسيا «لا تعترض أبداً على أي شريك يُطوِّر علاقات خارجية في أي اتجاه. فإن نظراءهم من الاتحاد الأوروبي يُخيِّرون الدولة المعنية باستمرار بين خيارين: إما معنا وإما معهم».


زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز)
جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز)
TT

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز)
جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز)

كشف الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة منذ قرابة 4 سنوات، مضيفاً أنه إذا لم يتم الوفاء بالموعد النهائي وهو يونيو (حزيران) المقبل، فمن المرجح أن تمارس إدارة ترمب ضغوطاً على كلا الجانبين للوفاء به.

وقال زيلينسكي في حديثه إلى الصحافيين: «يقترح الأميركيون أن ينهي الطرفان الحرب بحلول بداية هذا الصيف، ومن المحتمل أن يمارسوا ضغوطاً على الطرفين وفقاً لهذا الجدول الزمني تحديداً». وأضاف زيلينسكي أن واشنطن «عرضت لأول مرة أن يلتقي فريقا التفاوض في الولايات المتحدة، على الأرجح في ميامي، خلال أسبوع».

وتم حظر نشر تصريحات زيلينسكي حتى صباح السبت. وأضاف: «ويقولون إنهم يريدون القيام بكل شيء بحلول يونيو. وسيبذلون قصارى جهدهم لإنهاء الحرب. ويريدون جدولاً زمنياً واضحاً لجميع الأحداث».

الفريق الأميركي: المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاريد كوشنر (رويترز)

وتابع أن «الولايات المتحدة اقترحت عقد الجولة التالية من المحادثات الثلاثية، الأسبوع المقبل، بها للمرة الأولى. على الأرجح في ميامي. لقد أكدنا مشاركتنا».

يأتي الموعد النهائي في أعقاب محادثات ثلاثية بوساطة أميركية عقدت في أبوظبي ولم تسفر عن أي تقدم، حيث يتمسك الجانبان المتصارعان بمطالب حصرية. وتضغط روسيا على أوكرانيا للانسحاب من دونباس، حيث لا يزال القتال محتدماً، وهو شرط تقول كييف إنها لن تقبله على الإطلاق. وأقرَّ الطرفان بأن المحادثات كانت صعبة.

وأعرب زيلينسكي مراراً عن استيائه لمطالبة بلاده بتقديم تنازلات غير متناسبة بالمقارنة مع ما يُطلب من روسيا. واقترحت أوكرانيا تجميد النزاع على خطوط الجبهة الحالية، لكن روسيا رفضت ذلك.

قال زيلينسكي السبت، كما نقلت عنه وكالات دولية عدة، إن ممثلي الولايات المتحدة في أبوظبي اقترحوا مجدداً هدنة في مجال الطاقة، وافقت أوكرانيا عليها، لكن روسيا لم تقدم موافقتها بعد، حسبما أفادت وكالة الأنباء الوطنية الأوكرانية (يوكرينفورم). وأضاف زيلينسكي: «اقترحت الولايات المتحدة أن يدعم الجانبان مجدداً مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لخفض التصعيد فيما يتعلق بمجال الطاقة، حيث أكدت أوكرانيا دعمها للاقتراح، ولكن روسيا لم ترد بعد». وأشار زيلينسكي إلى أن الروس عادة ما يردون على مثل هذه المبادرات بعد العودة إلى روسيا. وأضاف عارضاً نتائج المحادثات التي جرت الأربعاء والخميس في أبوظبي أن «أوكرانيا أعطت موافقتها على هذا اللقاء الجديد».

كثَّفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في الأسابيع الأخيرة، مساعيها لوضع حد للحرب المستمرة منذ نحو 4 سنوات، غير أن هذه المساعي لا تزال تتعثر عند مسألة المناطق التي تطالب بها موسكو.

الوفد الأوكراني برئاسة رستم عمروف (رويترز)

وتطالب روسيا التي تحتل نحو 20 في المائة من الأراضي الأوكرانية بالسيطرة على كامل منطقة دونيتسك الشرقية ضمن أي اتفاق لإنهاء الحرب، ما يعني انسحاب القوات الأوكرانية من المساحات التي لا تزال تسيطر عليها في المنطقة. وتهدد موسكو باحتلالها بالقوة في حال فشل المفاوضات.

في المقابل، ترفض أوكرانيا هذا المطلب، وتطالب من أجل توقيع أي اتفاق أن ينصَّ على ضمانات أمنية بعدم التعرُّض لغزو روسي جديد في المستقبل.

مفاوضات أبوظبي الثلاثية أفضت إلى عملية تبادل أسرى وجثامين جنود قتلى من دون إحراز تقدم بشأن مسألة الأراضي الشائكة.

الوفد الروسي برئاسة مدير الاستخبارات العسكرية إيغور كوستيوكوف (رويترز)

وتضغط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على موسكو وكييف لوضع حد للحرب المستمرة بينهما منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، والذي سيدخل عامه الخامس مع نهاية الشهر الحالي. وأكد زيلينسكي مرة جديدة أن بلاده لن تقبل باتفاقات تبرمها الولايات المتحدة مع روسيا ولا تشارك كييف في المحادثات بشأنها. وقال زيلينسكي: «إن أي اتفاق بشأن أوكرانيا لا يمكن أن يتعارض مع الدستور والقوانين الأوكرانية».

شنَّت روسيا هجوماً كبيراً على شبكة الطاقة الأوكرانية تسبب بانقطاع الكهرباء عن جزء كبير من البلاد، بحسب ما أفادت شركة تشغيل الكهرباء، السبت. وبدورها أكدت وزارة الدفاع الروسية استهداف صواريخها مرافق البنية التحتية للطاقة والنقل في أوكرانيا.

وحدة أوكرانية تطلق قذيفة مدفعية باتجاه مواقع روسية في منطقة خاركيف 2 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

وتبادلت روسيا وأوكرانيا الاتهامات وقصف البنية التحتية، خصوصاً مرافق الطاقة. وقالت هيئة الأركان العامة للجيش الأوكراني، السبت، إن القوات الأوكرانية قصفت مستودع نفط يُعرَف باسم «بالاشوفو» في منطقة ساراتوف الروسية. وأضافت، في بيان على تطبيق «تلغرام»، أن القوات قصفت أيضاً مراكز عدة للتحكم في الطائرات المسيّرة موجودة في الأراضي التي تحتلها روسيا.

وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في منشور على «إكس»، السبت، إن محطات الطاقة النووية الأوكرانية خفَّضت إنتاجها؛ بسبب تأثير تجدد الأنشطة العسكرية على محطات الكهرباء الفرعية، وفصل بعض خطوط الكهرباء.

وقال الرئيس الأوكراني إن روسيا استهدفت أوكرانيا ليلاً بأكثر من 400 طائرة مسيّرة، ونحو 40 صاروخاً من أنواع مختلفة. وأكد زيلينسكي، في منشور عبر منصة «إكس»، أن الغارات الليلية الروسية استهدفت بشكل رئيسي شبكة الطاقة ومحطات التوليد والتوزيع، وتم الإبلاغ عن وقوع أضرار في مناطق كثيرة من البلاد.

وانتقد الرئيس الأوكراني روسيا قائلاً إنها تختار شن مزيد من الهجمات كل يوم عن الدبلوماسية الحقيقية. وطالب دول العالم التي تدعم المفاوضات الثلاثية بين بلاده والولايات المتحدة وروسيا بالرد على تلك الهجمات. وأردف: «يجب حرمان موسكو من قدرتها على استخدام الطقس البارد سلاحاً ضد أوكرانيا».

وقال وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها إن الهجمات الروسية أدت إلى انقطاع التيار الكهربائي والتدفئة عن المدن والمجتمعات، خصوصاً في غرب أوكرانيا، وطالب بمحاسبة المسؤولين عنها. وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الجمعة، فرض حظر كامل على الخدمات البحرية المتعلقة بالنفط الخام الروسي ضمن الحزمة العشرين من العقوبات على روسيا.

موظف بشركة طاقة يتفقد محولاً كهربائياً بعد أن ألحقت غارات جوية روسية بطائرات مسيّرة وصواريخ أضراراً بالغة بالبنية التحتية المدنية الحيوية في كييف (رويترز)

من جانب آخر أعادت السلطات البولندية فتح مطارَي لوبلين وجيشوف، اليوم (السبت)، بعد إعلانها انتهاء عمليات ​جوية عسكرية شملت تحليق طائرات لحلف شمال الأطلسي في المجال الجوي للبلاد، وذلك بسبب القصف الروسي في أوكرانيا. وذكرت قيادة العمليات بالقوات المسلحة البولندية أنه لم تقع أي انتهاكات للمجال الجوي للبلاد. وفي منشور على منصة ‌«إكس»، شكرت القيادة ‌حلف شمال الأطلسي ‌والقوات ⁠الجوية ​الألمانية «التي ‌ساعدت طائراتُها في ضمان السلامة في الأجواء البولندية اليوم». وقالت: «انتهت عمليات الطيران العسكري في مجالنا الجوي، المتعلقة بالضربات التي شنتها روسيا الاتحادية على أوكرانيا».