اليمنيون يكافحون يوميًا لتأمين قوتهم وتعودوا العيش من دون خدمات حكومية

مدير في مكتب العلاقات الخارجية للرئيس: نعيش في شبه دولة > وزير سابق: الجيش والشرطة أشبه بميليشيات تدين بالولاء لصالح

يمنيون يتبضعون في أحد أسواق صنعاء القديمة حيث أحكم الحوثيون قبضتهم على العاصمة وأطلقوا بيانهم الدستوري (أ.ف.ب)
يمنيون يتبضعون في أحد أسواق صنعاء القديمة حيث أحكم الحوثيون قبضتهم على العاصمة وأطلقوا بيانهم الدستوري (أ.ف.ب)
TT

اليمنيون يكافحون يوميًا لتأمين قوتهم وتعودوا العيش من دون خدمات حكومية

يمنيون يتبضعون في أحد أسواق صنعاء القديمة حيث أحكم الحوثيون قبضتهم على العاصمة وأطلقوا بيانهم الدستوري (أ.ف.ب)
يمنيون يتبضعون في أحد أسواق صنعاء القديمة حيث أحكم الحوثيون قبضتهم على العاصمة وأطلقوا بيانهم الدستوري (أ.ف.ب)

وضعت نفيسة ناصر التي يبلغ عمرها 12 ربيعا 4 صفائح مياه بلاستيكية قرب صنبور لمياه الشرب يقع في جانب أحد الشوارع المزدحم، وظلت تنتظر بهدوء دورها لملء هذه الصفائح بالمياه. ولكي تنتهي من عمليها اليومي المعتاد، أغلقت هذه الصفائح بأغطيتها المخصصة لها، قبل أن تضعها على عربة تقوم بدفعها للعودة بها للمنزل، وسط صخب وجلبة حركة المرور صباح كل يوم.
«في بعض الأحيان تعود باكية»، قال ذلك والد نفيسة، محمد ناصر، بينما كانت نفيسة تجلس قريبا منه على مفرش مطوي. وأضاف: «وهذا يؤلمني بالطبع. ولكن ظروفنا صعبة».
قد تكون كلمة «صعبة» هي الوصف الدقيق للأوضاع الحياتية الموجودة في اليمن أمس واليوم وكل يوم؛ فلا يهم أن يستقيل الرئيس وحكومته، أو أن لا تقوم الحكومة بعملها منذ أسابيع، أو أن يعلن المسلحون الذين يسيطرون على الشوارع أنهم يخططون لإنشاء نظام جديد تبعا لأهوائهم.
تضطر العائلات للكفاح لتعيش حياتها اليومية في دولة أصبحت الحكومة فيها عاجزة منذ فترة طويلة عن توفير الخدمات الأساسية. فتكاد تكون مياه الشرب منعدمة حاليا، وكانت شبه منعدمة قبل اندلاع الأزمة السياسية.
«اعتاد الناس في هذه الدولة أن يديروا شؤون حياتهم دون الحاجة للدولة» قال ذلك عبد الله الرحبي، الذي حفر منذ سنوات بئر مياه في أملاكه من أجل تعويض النقص الخطير الذي تعاني منه الشبكة الرسمية. كما أنه يزود المدارس والمساجد المجاورة بالمياه، ويوفر صنبور مياه مجانيا تستخدمه نفيسة صباح كل يوم. وأضاف الرحبي: «لدرجة أننا لا نعتمد على الدولة في الحصول على خدمات أساسية».
قضى ناصر، مثلا، صبيحة أحد الأيام أخيرا، مثلما فعل في كثير من المرات، في التفاوض على تخفيض الغرامة المفروضة عن مخالفات مرورية صدرت ضد السيارة «الميني باص» التي يملكها ويقوم بتأجيرها. ثم اضطر لاقتراض 250 دولارا من أجل أن تعود السيارة للعمل في الشارع.
وفي المنزل، أعدت زوجته غداء لأطفالهما الخمسة وعدد قليل من الأقارب الزائرين دون وجود كهرباء أو مياه شرب، مثلما تفعل دائما، إذ ربطت مصباحا يدويا على جبهتها، واستخدمت المياه التي أحضرتها ابنتها من أجل طهي وجبة مكونة من العجين والمرق.
من المؤكد أن اليمنيين يواجهون حاليا مستوى جديدا تماما من عدم اليقين السياسي، إذ استولت الميليشيات الحوثية التي كانت تقيم في شمال البلاد على العاصمة، وأعلنت عن نواياها لتعيين مجلس رئاسي جديد وتعيين رئيس جديد في النهاية. بينما يقاتل الانفصاليون الجنوبيون من أجل إعادة تقسيم الدولة مرة أخرى إلى دولتين منفصلتين. ويبدو أن الرئيس السابق علي عبد الله صالح، الذي ظل في سدة الحكم لفترة طويلة من الزمن، واضطر للتخلي عن السلطة بسبب اندلاع احتجاجات شعبية في عام 2012، قد استعان بولاءات قديمة من أجل العودة لسدة الحكم.
ولكن الناس يقولون هنا إن حياتهم اليومية لم تتغير.
قال الرحبي، وهو يعمل مديرا في مكتب الرئيس للعلاقات الخارجية، إنه يواصل ذهابه للعمل، مثلما يفعل خلال الأعوام العشرين الماضية، علما بأنه يقوم بدور روتيني في نظام تعاني مؤسساته من حالة من الشلل. وأضاف الرحبي بوضوح: «دعونا نقل فقط إننا نعيش في شبه دولة».
يتردد هذا الشعور من بيت إلى بيت في العاصمة، مما يعكس حالة من الفوضى الاجتماعية في صميم الأزمة السياسية الحالية. لقد واجه اليمنيون الفراغ القيادي، ليس عن طريق الاعتماد على مؤسسات الدولة، ولكن باللجوء إلى شبكات أمان جغرافية ودينية وقبلية لم تتوحد أبدا تحت هوية وطنية مشتركة قوية.
ويرى خبراء ومسؤولون هنا أن الشروخ الموجودة حاليا في اليمن تُعد إلى حد كبير من موروثات على عبد الله صالح، الذي حكم البلاد لمدة عقود من الزمن، وجعل المؤسسة الرسمية للدولة واهية وضعيفة، بينما كان يشدد قبضته على السلطة».
قال حسن زيد، وهو وزير دولة وعضو بمجلس الوزراء في عهد الرئيس عبده ربه منصور هادي، الذي استقال منذ أسبوعين: «إنه يقوم بدور الشيطان. يمكنك ببساطة أن تكتشف مدى الهزال الذي تعاني منه مؤسسات الدولة، فحجم قوات الجيش والشرطة كبير، ولكنها أقرب إلى ميليشيات تنتمي للرئيس السابق وعائلته أكثر منها قوات وطنية»، وذلك في إشارة إلى الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح.
كان صالح قد قام، خوفا من تنامي قوة وكالات الاستخبارات العسكرية وحكومته، بإنشاء أجهزة أمنية موازية، ووضعها تحت سيطرة ابنه وابن أخيه. وبعد الإطاحة به خلال ثورات الربيع العربي، تعرضت القوى الأمنية المختلفة في اليمن لحالة من الاستقطاب، لتخدم مصالح مراكز القوى المتنافسة بدلا من أن تخدم مصالح الدولة، ولم تفعل شيئا يُذكر من أجل توفير الأمن للمواطنين اليمنيين العاديين. ولم تزد حالة توفير الخدمات الأساسية، في بلد يواجه تصاعدا مستمرا في أحداث العنف وتفشيا مستمرا في الفقر، إلا سوءا.
«علينا أن نخفي كيف نعيش»، قال ذلك منيف المقطري، الذي يبلغ من العمر 20 عاما، وهو يسير متجها لمنزله الذي يقع في حي البليلي الشعبي في صنعاء، حيث لا يبتعد منزله كثيرا عن المكان الذي تحصل منه نفيسة ناصر على المياه لأسرتها. خفض المقتري رأسه تحت حبال غسيل مشدودة خارج باب منزله، تم تعليق حفاضات مغسولة عليها.
«إنه ليس منزلا، إنه كوخ»، قال ذلك المقتري وهو يسير متجها نحو المطبخ، حيث كانت شقيقته تخبز بعض الأرغفة على موقد يعمل بالغاز. وقال إنه يتقاضى راتبا شهريا يبلغ 200 دولار من عمله صرافا لأحد المتاجر، بينما يعمل والده وشقيقان له عمال بناء برواتب يومية، ونادرا ما يجدون عملا في هذه الأيام. يضعون إيراداتهم مع بعضها لشراء الطعام. وقال: «هذه هي الحياة الوحيدة التي لم أشهد غيرها. وتزداد الأزمة سوءا مع قدوم كل رئيس، وتتزايد معاناتنا جراء ذلك». لم يتضح مدى النفوذ الكبير الذي يتمتع به علي عبد الله صالح، ولكن إرث السنوات التي قضاها في الحكم، وعلى رأس الدولة الممزقة، واضح في مواقف اليمنيين الموجودين في الشارع.
من جانبها، قالت تغريد عبد الوهاب (21 عاما)، وهي طالبة في جامعة صنعاء، وقفت هي ومجموعة من زملاء الدراسة يستعدون لأداء امتحان في مادة الجغرافيا: «لم نشعر أبدا بوجود الحكومة، على أي حال».
تم تأجيل امتحاناتهم بعد اندلاع موجة من أحداث العنف، ولكنهم اشتكوا من مزيد من المشاكل المستمرة في الحرم الجامعي، مثل وجود المحسوبية وتفشي الفساد، التي قالوا إنها لن تعالج أبدا. قالت تغريد: «الطلاب الحاصلون على درجات قليلة قد يلتحقون بكليات الطب على حساب الطلاب الآخرين، لأنهم من عائلة نافذة أو أنهم على معرفة بأشخاص نافذين».
وصل الحديث إلى أسماع بلال حسين (25 عاما) وهو خريج جامعة حاصل على شهادة في إدارة الأعمال، وأشرف على امتحان في وقت سابق من اليوم. قدم بلال حسين نفسه على أنه يعمل موظفا حكوميا ولكنه لم يحصل على راتبه منذ 7 أشهر. وأضاف: «يرددون دائما أنه لا توجد لديهم إيرادات».
وظيفة حسين متابعة حضور وغياب الموظفين في لجنة أراضي الدولة، وهي الهيئة التي تدير أملاك الدولة. واعترف بأنه تلقى رشوة لإثبات حضور زملاء له غابوا عن العمل لأنهم يعملون في وظيفة أخرى. وبرر ذلك قائلا: «وإلا فكيف يمكنني أن أعيش؟».
يشير اليمنيون بشكل عابر إلى الثورة التي انطلقت في عام 2011، عندما بدأ الربيع العربي، وتوابعها على أنها «أزمة». فحالة عدم الاستقرار الذي تسببت فيه هذه الثورة سمحت للحوثيين باجتياح العاصمة، وطرد القيادة القديمة، والوعد بإدخال إصلاحات. ولكن الكثير من اليمنيين لديهم ما يدفعهم للشك. في حي البليلي مرة أخرى، كان ناصر في انتظار وضع طعام الغداء.
وقال بينما يتجمع أولاده من أجل تناول الطعام «حتى الآن، لم يفعل الحوثيون الكثير لنا». كان ينظر إلى الطعام المفروش على الأرض المكون من مواد أساسية. وأضاف: «ولكنهم يفعلون القليل أيام الجمعة».
* خدمة «نيويورك تايمز»



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».