«اللجنة الثورية» الحوثية تبدأ إصدار القرارات وإدارة الدولة

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: يفرضون الأمر الواقع.. وإيران أصبحت موجودة بقوة في اليمن

مناصرو جماعة {الحوثي} يستمعون إلى خطاب عبد الملك الحوثي من خلال شاشة تلفزيونية  في استاد شمال صنعاء أمس (أ.ف.ب)
مناصرو جماعة {الحوثي} يستمعون إلى خطاب عبد الملك الحوثي من خلال شاشة تلفزيونية في استاد شمال صنعاء أمس (أ.ف.ب)
TT

«اللجنة الثورية» الحوثية تبدأ إصدار القرارات وإدارة الدولة

مناصرو جماعة {الحوثي} يستمعون إلى خطاب عبد الملك الحوثي من خلال شاشة تلفزيونية  في استاد شمال صنعاء أمس (أ.ف.ب)
مناصرو جماعة {الحوثي} يستمعون إلى خطاب عبد الملك الحوثي من خلال شاشة تلفزيونية في استاد شمال صنعاء أمس (أ.ف.ب)

باشرت «اللجنة الثورية» في اليمن اتخاذ قرارات رسمية، بعدما سيطرت على نظام الحكم وأصبح رئيسها محمد علي الحوثي، هو الحاكم الفعلي للبلاد، فقد أصدرت قرارات تكليف وتعيين، في الوقت الذي تستمر فيه حالة الرفض السياسي والشعبي لما أقدم عليه الحوثيون.
وأعلنت بعض القوى والمكونات السياسية رفضها لخطوة الحوثيين، وقال حزب التجمع اليمني للإصلاح الإسلامي، في بيان له: «بينما كانت عملية الحوار تمضي برعاية المبعوث الأممي جمال بنعمر، وكان المتحاورون على وشك الوصول إلى توافق وطني لحل الأزمة الراهنة؛ إذ بالحوثيين ينقلبون على تلك الحوارات، ويتخذون موقفا أحاديا عبر ما سموه (إعلانا دستوريا)، وأكد الحزب رفضه لـ(تلك الخطوة الأحادية وما يترتب عليها، وأنه لا حل إلا بإلغاء كافة الخطوات الانفرادية والعودة للحوار، باعتبار التوافق الوطني هو الطريق الوحيد لحل الأزمة الحالية، وكل المشكلات والاختلافات الحاصلة أو التي قد تحصل)».
وكان التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري أعلن رفضه لخطوة الحوثيين، وقال بلاغ صحافي صادر عن أمانته العامة بأن الحوثيين «ألغوا مبدأ الحوار بين القوى السياسية كوسيلة حضارية لإخراج الوطن من الأزمات واللجوء إلى الإعلان الدستوري الذي يعتبر وبلا شك انقلابا مكتمل الأركان على الشرعية الدستورية والتوافقية الناتجة عن ثورة 11 فبراير (شباط) 2011م بهدف الاستيلاء على السلطة، وهو ما يعد عملا مدانا، ويتحملون كامل المسؤولية عن التداعيات الخطيرة المترتبة على ذلك في كل الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية والاجتماعية ومصير ومستقبل الوطن».
وفي أول قرار لها، كلفت ما تسمى في اليمن «اللجنة الثورية»، اللواء الركن محمود سالم الصبيحي، القيام بمهام وزير الدفاع، واللواء الركن جلال الرويشان، وهما المنصبان اللذان كانا يشغلانهما في الحكومة المستقيلة، وقد حضر الوزيران، أول من أمس، الاجتماع الذي جرى فيه إصدار الإعلان الدستوري الصادر عن اللجنة الثورية، رغم أن مصادر يمنية معارضة أكدت أنه جرى إحضار الرجلين قسرا إلى القصر الجمهوري الذي أعلن فيه الحوثيون حل البرلمان وتشكيل مجلس وطني خلفا له ومجلس لرئاسة البلاد لفترة انتقالية لمدة عامين.
ونص القرار الذي حمل رقم 2 والصادر عن «اللجنة الثورية»، على تشكيل اللجنة الأمنية العليا، وقد استند إلى الدستور اليمني والإعلان الدستوري الصادر عن اللجنة، وتضمن القرار تعيين 17 شخصا في اللجنة الأمنية الخاصة بإدارة شؤون البلاد، وهي برئاسة اللواء الركن محمود سالم الصبيحي، وزير الدفاع المستقيل سابقا والمكلف حاليا، وهم: «اللواء الركن جلال الرويشان، حمود خالد الصوفي، د. علي حسن الأحمدي، اللواء الركن حسين خيران، اللواء الركن زكريا الشامي، العميد الركن أحمد محسن اليافعي، اللواء الركن عبد الرزاق المروني، اللواء الركن عوض بن فريد، اللواء الركن عبد الرقيب ثابت الصبيحي، اللواء الركن علي بن علي الجائفي، اللواء الركن عبد الله محنف، يوسف حسن إسماعيل المداني، عبد الله يحيى عبد الله الحاكم، عبد الرب صالح أحمد جرفان، طه حسن المداني، محمد ضيف الله صالح صبحان، محمد عبد الكريم الغماري»، ونصت المادة الثانية من القرار على أن «تعمل اللجنة على اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحفظ الأمن والاستقرار وحماية حقوق المواطنين وحرياتهم».
وبحسب أسماء أعضاء اللجنة الأمنية العليا المعنية، فإن معظمهم من الحوثيين، سواء منهم في السلك العسكري أو من تم تعيينهم دون ذكر رتبهم العسكرية، في إشارة واضحة إلى أنهم من الميليشيا المسلحة للحوثيين، وقد تحدثت مصادر إعلامية يمنية عن أن الدكتور علي حسن الأحمدي، رئيس جهاز الأمن القومي (المخابرات)، اعتذر عن القيام بمهامه واستقال من منصبه.
وفي أول اجتماع لها، ناقشت اللجنة الأمنية العليا «الموقف العسكري والأمني على مستوى أمانة العاصمة ومحافظات الجمهورية في إطار الوظيفة الدستورية للقوات المسلحة والأمن»، ونقل عن رئيس اللجنة اللواء الصبيحي قوله إن «القوات المسلحة تضع على عاتق منتسبيها مسؤولية وطنية وتاريخية في الاضطلاع بتنفيذ جميع المهام والواجبات المسندة إليها بكل كفاءة وأمانة وإخلاص، وإنها تقف إلى جانب الشعب وستظل على الدوام قوة بيد الشعب تؤدي واجباتها بمهنية وحيادية تامة وبولاء مطلق لله ثم الوطن والشعب»، وأكد أن «الأيام المقبلة ستشهد انتشارا أمنيا واسعا في أمانة العاصمة وبعض المحافظات بالتنسيق بين وحدات القوات المسلحة والأمن واللجان الشعبية عبر تشكيل غرفة عمليات مشتركة في وزارة الدفاع للإشراف والمتابعة لأي مهام أمنية وعسكرية».
وقالت مصادر سياسية يمنية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط إن الحوثيين «يسعون، بكل الطرق، إلى إشراك مسؤولين سابقين وجعلهم في واجهة الأحداث من أجل الحصول على صبغة شرعية لمعنى الشراكة التي سعوا إليها بالقوة المسلحة، ولكن مسؤولين مجردين من أي صلاحيات أو إرادة حقيقية في اتخاذ القرارات وتطبيقها ولا ينصاع إلى أوامرهم أحد»، واتهمت هذه المصادر جماعة الحوثي بـ«تدمير البنية التحتية والمالية والوثائقية للدولة اليمنية وبالقيام بتمزيق النسيج الاجتماعي وتقسيمه على أساس مذهبي وطائفي ومناطقي واضح».
وذكرت هذه المصادر، التي رفضت الإشارة إليها، أنها «تريد نقل النموذج الإيراني إلى اليمن، وقد باتت إيران اليوم حاضرة بأجهزتها المخابراتية والأمنية والعسكرية وخبرائها الاستراتيجيين في مفاصل الدولة اليمنية، وهو ما يشكل خطورة على دول الجوار»، واستشهدت المصادر بالدور الإيراني «المحدود في السابق والدعم الذي كان يأتي خفية للحوثيين بالسلاح والمال، وكيف تحول إلى صورة علنية بعد سيطرة الحوثيين»، وعبرت المصادر عن سخريتها من تصريحات الخارجية الإيرانية التي اعتبرت ما قام به الحوثيون في اليمن «لا يتعارض مع المبادرة الخليجية، بل مكمل لها».
من جانبه، سرد صالح الصماد، رئيس المجلس السياسي لحركة «أنصار الله» الحوثية الخيارات التي كانت مطروحة قبل إقدامهم على مسألة الإعلان الدستوري، ونقلت وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ) عن الصماد قوله إن إعلان اللجنة الثورية للإعلان الدستوري «جاء ليحسم خيارات كثيرة كانت تستغل لتضييع الوقت رغم عدم جدواها إلى مسار عام الجميع متوافق عليه لولا المكايدات السياسية»، واستعرض الصماد الخيارات التي كانت مطروحة وتناقش وهي: «خيار عودة الرئيس المستقيل وهذا الخيار قدمته بعض الأحزاب نكاية بأنصار الله وتضييعا للوقت رغم تأكيد الرئيس المستقيل على عدم عودته نهائيا»، و«خيار تقديم الاستقالة للبرلمان وانتقال السلطة لهيئة رئاسة البرلمان الذي يتحكم المؤتمر الشعبي العام بأغلبيته وهيئة رئاسته، وهذا الخيار يعني عدم الخروج إلى أي أفق كون قرارات المجلس بالتوافق منذ المبادرة الخليجية، ورفض بعض أحزاب اللقاء المشترك لهذا الخيار وتهديدهم بتعطيله، وكذلك عدم إمكانية إجراء انتخابات برلمانية خلال ستين يوما كون ذلك استحال في مراحل أفضل من المرحلة الحالية»، وأيضا «خيار مجلس رئاسي وهذا الخيار كان الأوفر حظا بين الخيارات كلها، وكل المكونات مجمعة عليه، إلا أنها تحاول التمسك بخيارات غير مجدية للابتزاز وتضييع الوقت، الأمر الذي يعني مزيدا من الانهيار للوطن ووحدته وتلاشي مؤسساته».
ونفى رئيس المجلس السياسي لـ«أنصار الله» أن يكون الحوثيون يسعون إلى إقصاء الآخرين، وقال: «حدد الإعلان مسارا واحدا ليس فيه إقصاء لأي طرف وما زالت فيه مساحة واسعة للشراكة والنهوض بالمسؤولية بعيدا عن المكايدات التي لشعبنا معها تاريخ مرير ومؤلم أوصلت اليمن إلى ما وصل إليه»، وأكد أن «يد الشراكة ممدودة لكل من يريد أن يساهم في بناء الوطن، وعلى جميع القوى في الداخل والخارج أن تطمئن إلى أن الثورة لم ولن تستهدف أي طرف وستعمل على تعزيز الوحدة الوطنية بين كل أبناء الشعب اليمني بكل أطيافه وبناء علاقات متينة مع كل دول العالم على أساس الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدول ومصالحها»، وفي الوقت الذي طمأن فيه الجميع إلى عدم القلق، قال إن «المواقف السلبية ستضر كل من تبناها، ولن تجدي في ثني شعبنا عن مواصلة مشواره في تصحيح واقعه المؤلم»، وإنه «وفي حال أقدمت بعض القوى في الداخل على اتخاذ مواقف سلبية تضر بمصلحة الوطن، فإنها لن تكون بمنأى عن أي تداعيات قد تحصل جراء مواقفها مع أنها لن تجني غير الخسارة والهوان، وكذلك القوى في الخارج من مصلحتها أن تقف مع الشعب الذي سيثمن أي مواقف إيجابية ولن تثنيه أي مواقف مضادة قد تتبناها أي قوى خارجية؛ ولذلك ليس هناك أي قلق إطلاقا، وتبديد القلق يأتي بالوقوف مع الشعب وإرادته»، على حد تعبيره.
وشهدت صنعاء وبقية المحافظات اليمنية، لليوم الثاني على التوالي، مظاهرات احتجاجا على الإعلان الدستوري الذي وصفوه بأنه استكمال لما يسميه المتظاهرون بالانقلاب على الشرعية الدستورية، حسب تعبيرهم، فيما احتفل أنصار الحوثيين ابتهاجا بما سموه انتصار ثورة 21 سبتمبر، في هذه الأثناء، عبر الكثير من المواطنين اليمنيين عن رفضهم لسيطرة الحوثيين على مقاليد السلطة في البلاد، وتوجد، في المجتمع اليمني، فئات تحبذ الصمت ومراقبة الأوضاع، وهناك من ينتظر من يقدم الإنجازات ويحسن الوضع الاقتصادي والمعيشي، بغض النظر عن توجهاته السياسية أو المذهبية، وفي جولة في ميدان التحرير بصنعاء، استمعت «الشرق الأوسط» إلى آراء عدد من المواطنين بشأن التطورات الجارية في البلاد، وهناك شبه إجماع في تلك الآراء على أن إقدام الحوثيين على إصدار إعلان دستوري، هو بمثابة انقلاب «كامل المواصفات والأركان». وعبَّر نور عزيزي، رئيس إحدى المنظمات الحقوقية، عن اعتقاده أن ما جرى يعد انتكاسة لعمل منظمات المجتمع المدني وللحقوق والحريات بصورة كاملة، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ما جرى من قبل الحوثيين انقلاب مكتمل المواصفات والأركان».



من السماء إلى الأرض... جبهات تعز تكسر زحف الحوثيين

معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)
معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)
TT

من السماء إلى الأرض... جبهات تعز تكسر زحف الحوثيين

معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)
معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)

دخلت معارك محافظة تعز اليمنية مرحلة محورية خلال الساعات الماضية، بعدما تحولت المواجهات المتزامنة على عدد واسع من الجبهات إلى عملية عسكرية مكثفة استهدفت فيها القوات الحكومية تحركات وتعزيزات الجماعة الحوثية، بالتزامن مع غطاء جوي كثيف واستعادة مواقع كانت الجماعة قد تمكنت من التسلل إليها.

وكشفت البيانات العسكرية المتعاقبة للجيش اليمني عن تنفيذ 75 غارة جوية على مواقع وتحركات حوثية في محافظة تعز خلال 24 ساعة، في موجات متتابعة من الضربات، استهدفت تجمعات وعربات وآليات وتعزيزات ومخازن أسلحة ومراكز قيادة وسيطرة ونقاط إمداد، وفق بيانات المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية العقيد الركن ماجد النزيلي.

واللافت في مسار العمليات أن الغارات لم تتركز في محور واحد، وإنما امتدت على رقعة واسعة من جبهات تعز، كما شملت صنعاء وصعدة وحجة، في مؤشر على اتساع نطاق المواجهة ومحاولة القوات الحكومية ضرب خطوط الحركة والإمداد التي تستخدمها الجماعة في عملياتها.

وشملت الضربات مناطق حمير وبني بكاري وسامع والأقروض وشارع الستين والأعمور والوازعية في تعز، وميدي وبني حسن في حجة، ثم استهدفت موجة ثانية مواقع في تعز، هي الرضعة والأقروض وبني بكاري والكدحة وجبل نعمان والعجرم والمرزام.

أما الموجة الكبرى، التي بلغت 27 غارة، فقد استهدفت مخزناً للصواريخ ومراكز قيادة وسيطرة ونقاط إمداد وتسليح متقدمة وتجمعات وعربات وآليات عسكرية، وطالت مواقع في شارع الستين، شمال مدينة تعز، وبني عمر، وحمير في مقبنة، وشرق الوازعية، والأحكوم والأثاور في حيفان، والكدحة وجبل نعمان والكريفات وعقبة منيف والتشريفات والأقروض وسامع والشقب في صبر الموادم.

وفي موجة أخرى، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 15 غارة في تعز، شملت مواقع رأس ضريز والأعمور وجاشع أثاور ورأس حمي بالخزان بجبهة الكعاوش وقرية الجنيد في حيفان، وقالت إن الضربات أدت إلى تحييد عشرات العناصر والتعزيزات وتدمير معدات وآليات.

وبذلك، لا تبدو الغارات مجرد إسناد جوي محدود للخطوط الأمامية، وفق البيانات العسكرية، بل جزءاً من عمليات تستهدف منظومة الحركة والإمداد والقيادة الحوثية على امتداد جبهات متعددة.

هجوم وانكسار

تزامن ذلك مع مواجهات عنيفة خاضتها القوات الحكومية والمقاومة الشعبية في عدد من محاور تعز، أبرزها بني بكاري في جبل حبشي، وحمير في مقبنة، والأقروض جنوب شرقي المحافظة، إضافة إلى الكدحة وجبل هان والجبهتين الشمالية والشرقية لمدينة تعز.

وقالت المصادر العسكرية إن القوات الحكومية تمكنت من كسر الهجمات الحوثية وإجبار المهاجمين على التراجع، فيما شهدت جبهة سامع، جنوب شرقي المحافظة، هجوماً حوثياً تصدت له القوات الحكومية والمقاومة الشعبية، قبل أن تعزز مواقعها وتتراجع الجماعة باتجاه دمنة خدير.

وفي هذه الجبهة تحديداً، تحدثت المصادر عن إلقاء القبض على نحو 20 عنصراً حوثياً، والاستيلاء على آليات حوثية. وفي الأقروض، أفادت المصادر بمقتل نحو 30 عنصراً حوثياً وإصابة نحو 50 آخرين بنيران القوات الحكومية.

سعي الحوثيين إلى السيطرة على تعز كبّدهم مئات القتلى والجرحى خلال أسبوع (إعلام عسكري)

كما تحدثت حصيلة عسكرية عن مقتل نحو 100 عنصر حوثي وإصابة العشرات وأسر آخرين، إلى جانب إعطاب عربات عسكرية وتدمير مخازن أسلحة، عقب الهجمات التي شنتها الجماعة في عدد من جبهات المحافظة.

وتقول تقديرات ميدانية، إن الخطة الحوثية كانت تستهدف السيطرة على مناطق من ريف تعز وفرض حصار على المدينة، وإن الجماعة حشدت لتنفيذها عشرات الكتائب، إلا أن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية تمكنت من تثبيت مواقعها، قبل أن تبدأ بعض الوحدات باستعادة مواقع تسلل إليها الحوثيون في الشمايتين وجبل حبشي وسامع.

ولم تقتصر التطورات على التصدي للهجمات، إذ أعلنت القوات الحكومية، مسنودة بالمقاومة الشعبية وأبناء المناطق المحلية، استعادة مناطق مهمة في عزلة بني عمر بمديرية الشمايتين، جنوب تعز.

جبال تعز شكّلت عائق صد طبيعياً أمام زحف الحوثيين (إعلام عسكري)

وقالت المصادر إن القوات استعادت منطقة دار الراحة وتقدمت باتجاه شعب الدراهم، بينما تكبد الحوثيون خسائر في الأرواح والعتاد وأُسر عدد من عناصرهم، مع استمرار المواجهات في مواقع أخرى.

وفي حين تؤكد القوات الحكومية أنها أحبطت حتى الآن مخطط السيطرة على مناطق ريف تعز وفرض حصار على المدينة، تظل الجبهات مفتوحة على احتمالات تجدد الهجمات، خصوصاً مع استمرار التحركات العسكرية الحوثية على الطرق الرابطة بين مناطق مختلفة من المحافظة.

حظر خطوط الحركة الحوثية

تزامنت هذه التطورات مع استمرار الغارات على خطوط الحركة الحوثية، الأمر الذي أعطى المعارك بعداً يتجاوز الاشتباك المباشر حول المواقع، ليشمل استهداف التعزيزات والآليات ومصادر الإمداد.

وفي موازاة ذلك، أعلنت القوات المسلحة اليمنية اتخاذ إجراءات احترازية واسعة لحماية المدنيين، إذ دعت المواطنين وسائقي المركبات ووسائل النقل المدنية إلى تجنب طرق تستخدمها الجماعة في نقل عناصرها وإمداداتها العسكرية، حتى إشعار آخر.

وشملت قائمة الطرق طريق صنعاء - ذمار - إب - القاعدة - الحوبان - جولة القصر، وطريق الحوبان - الدمنة - الراهدة - حيفان - القبيطة - المفاليس، إلى جانب طرق أخرى تربط شرعب والربيعي والبرح والكدحة والوازعية وموزع والمخا، وكذلك طرق الأقروض وسامع والعيار وجبل حبشي.

ضربات جوية للجيش اليمني تضاعف خسائر الحوثيين في تعز (رويترز)

وتكشف هذه التحذيرات عن اتساع نطاق التحركات العسكرية، فيما شددت القوات المسلحة على أن الإجراءات احترازية ومؤقتة، وأن حماية المدنيين وممتلكاتهم تمثل أولوية.

وفي تطور موازٍ، أعلنت الدفاعات الجوية اعتراض وإسقاط طائرات مسيّرة انتحارية حوثية في سماء العاصمة المؤقتة عدن، وقال المتحدث العسكري باسم الجيش اليمني إن الطائرات أُسقطت قبل وصولها إلى أهدافها في المناطق والأحياء المدنية.

كما أُعلن عن استهداف أهداف عالية القيمة في صنعاء، إلى جانب 11 هدفاً عسكرياً عالي القيمة في صعدة، في رسائل عسكرية تعكس اتساع نطاق العمليات خارج جبهات تعز، حيث عمق السيطرة الحوثية.

متابعة رئاسية

في موازاة هذه التطورات الميدانية، أجرى رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد محمد العليمي مشاورات موسعة بشأن الوضع الميداني في تعز، واطلع من عضوي مجلس القيادة عبد الرحمن المحرمي ومحمود الصبيحي ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان وقائد المنطقة العسكرية الرابعة والقيادات العسكرية والأمنية في المحافظة على سير العمليات.

وشملت الإحاطات مستوى جاهزية القوات، وتأمين الطرق وخطوط الإمداد، والتصدي لمحاولات التسلل والاختراقات، إلى جانب الخسائر التي تكبدتها الجماعة جراء المواجهات والضربات الجوية.

عناصر من قوات الأمن اليمنية في مدينة تعز حيث تواجه المدينة وأريافها أشد الهجمات الحوثية (أ.ف.ب)

وقال العليمي إن القوات الحكومية ستواصل عملياتها وفق الخطط المقررة، مؤكداً أن الحوثيين هم من بدأوا الحرب، وأن القوات المسلحة ستنهيها، بحسب ما نقله الإعلام الرسمي، وصولاً إلى استعادة مؤسسات الدولة والعاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب.

كما دعا سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى عدم الانجرار وراء حملات التعبئة، وعدم السماح بزجّ أبنائهم في هجمات وصفها بالخاسرة، مجدداً التزام الدولة بما سماه «مبادرة العودة الآمنة» وفتح أبوابها أمام من يختار الانحياز إلى الدولة ومؤسساتها.


الصواريخ... غطاء الحوثيين الناري للتقدم الميداني

مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)
مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)
TT

الصواريخ... غطاء الحوثيين الناري للتقدم الميداني

مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)
مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)

لم يكن قصف الجماعة الحوثية لمدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين جنوب محافظة تعز (جنوب غرب)، مساء الثلاثاء الماضي، مجرد جولة جديدة من القصف الباليستي الذي تصاعد على مختلف جبهات اليمن منذ نحو 3 أشهر؛ فالهجوم تزامن مع التحركات الحوثية غرب تعز، مع تصعيد ميداني واسع تشهده جبهات الوازعية والكدحة وحيفان ومناطق أخرى من المحافظة.

ورصدت مصادر ميدانية تعزيزات حوثية عبر خط المخا باتجاه الكدحة، ثم الرحبة والقوز، بالتزامن مع القصف الذي طال أحياء مدينة التربة بـ4 صواريخ باليستية، وفق مصادر حكومية ومحلية.

وليست المرة الأولى التي تستخدم فيها الجماعة الحوثية الصواريخ الباليستية بالتوازي مع تحركاتها الميدانية؛ فمنذ مطلع أغسطس (آب)، اتسعت دائرة الضربات من معسكرات بعيدة عن خطوط التماس في مأرب وحضرموت، إلى مدينة مأرب ومخيمات النازحين، ثم إلى المخا والخوخة على الساحل الغربي، قبل أن تصل في سبتمبر (أيلول) الماضي، إلى مدينة تعز، وأخيراً إلى التربة؛ ففي 6 سبتمبر، استهدفت 3 صواريخ باليستية مدينة تعز، وسقطت قرب مبنى الرعاية الاجتماعية ومحيط كلية الطب والسجن المركزي غرب المدينة.

لقطة متداولة يقول مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي إنها للحظة سقوط أحد الصواريخ في التربة (إكس)

ويكشف هذا التسلسل تغيراً في وظيفة الصاروخ ضمن التصعيد الحوثي؛ ففي 6 أغسطس، شنت الجماعة هجمات باليستية ومسيّرات على معسكرات حكومية في منطقة الرويك شرق مأرب، بينها معسكر الثنية الذي يضم قوات الطوارئ وألوية عسكرية، قبل أن تتوسع الضربات في الأيام التالية إلى مدينة مأرب.

وفي الساحل الغربي، تكرر النمط بصورة أكثر كثافة، وتعرضت المخا لهجمات صاروخية متتابعة خلال أغسطس، ثمّ هجوم في 9 سبتمبر، أسفر، وفق الجيش اليمني، عن مقتل 7 أشخاص وإصابة 30 آخرين، بينما أعلنت الجماعة أنها استهدفت تجمعات عسكرية ومستودعات أسلحة.

وبعد أيام، أعلن مدير ميناء المخا تعليق العمليات، إثر تعرضه لأكثر من 25 صاروخاً خلال عدة أيام، فيما تحدثت السلطات عن خسائر بشرية ومادية واسعة.

«التربة»... هدف مختلف

تختلف الأهداف المعلنة والنتائج الميدانية من حادثة إلى أخرى، لكن القاسم المشترك هو اتساع المسافة بين أهداف الصواريخ وخط الاشتباك المباشر؛ فالجماعة التي استخدمت الصواريخ أيضاً في المواجهات المباشرة، وربما كانت أول من يفعل ذلك في تاريخ استخدام هذا النوع من الأسلحة، إلا أنها لا تكتفي بضرب المواقع العسكرية المتقدمة، وإنما ترسلها إلى معسكرات وطرق وموانئ ومدن في العمق، حيث يمكن للضربة أن تؤثر في حركة القوات والإمداد، وأن تفرض على الجيش اليمني توزيع موارده الدفاعية على مساحة أوسع.

منظر عام لمدينة التربة من إحدى ضواحيها (فيسبوك)

ويأتي القصف الأخير على مدينة التربة، بوصف ذلك أداة لإدارة المعركة في العمق، لا مجرد رد فعل على خسارة ميدانية أو عجز عن التقدم، فإذا كانت التعزيزات الحوثية تتحرك في الوقت نفسه باتجاه الكدحة والرحبة والقوز، فإن ضرب مدينة تقع على أحد المحاور المهمة جنوب تعز، يمكن أن يؤدي وظيفة تتجاوز إيقاع الخسائر المباشرة؛ مثل إرباك الحركة ورفع منسوب القلق في المناطق الخلفية، وتشتيت الانتباه بين حماية خطوط التماس وتأمين المدن والطرق الواقعة خلفها.

وتكتسب التربة خصوصيتها من موقعها؛ فهي لا تمثل ميناءً استراتيجياً مثل المخا، ولا معسكراً عسكرياً مثل الرويك، وإنما مدينة داخلية تقع على محور مهم يربط تعز بالمحافظات الجنوبية، وتشكّل مركزاً لحركة السكان وأنشطتهم، بينما يعدّ محيطها مسرحاً لتحرك القوات الحكومية والإمدادات في جنوب المحافظة.

وتقع المدينة في قلب المنطقة الجغرافية الواسعة المعروفة بـ«الحُجَرِيّة»، وتضم عدة مديريات من جنوب محافظة تعز وشمال محافظة لحج، وتضمّ تجمعاً سكانياً من بين الأكثر كثافة في البلاد، يناهض النفوذ الحوثي، ويشكل رافداً لدعم الجيش بالمقاتلين.

ولا يمكن عزل هذا التطور العملياتي الحوثي عن إعلان حالة التعبئة العامة التي أطلقها، منذ أيام، رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ فالتربة تعدّ مركز هذه المنطقة الواسعة كثيفة السكان، وتضم مقرات للمؤسسات والمنشآت الحكومية ومراكز أمنية.

أضواء انفجارات سببتها الصواريخ الحوثية على مدينة المخا منتصف أغسطس (آب) الماضي (رويترز)

ولا يعني تهديد التربة بالصواريخ أن الهدف المباشر هو السيطرة عليها بالضرورة، كما حدث في المخا؛ فالقيمة العسكرية للضربة قد تتمثل في تهديد البيئة التي تتحرك من خلالها القوات، وإرهاب السكان الذين يناهضون نفوذ الجماعة، وإيصال رسالة بأن العمق الجغرافي الذي اعتاد السكان والقوات اعتباره أكثر أمناً، لم يعد بمنأى عن النيران بعيدة المدى.

وهذه النقطة تفسّر أيضاً انتقال الجماعة من استهداف مدينة تعز في 6 سبتمبر، إلى استهداف التربة في 29 منه؛ فبينما ضربت الصواريخ في الحالة الأولى قلب المحافظة ومركزها الحضري، وصلت في الحالة الثانية إلى مدينة تقع أبعد جنوباً، وفي توقيت تشهد فيه الجبهات الغربية والجنوبية تحركات عسكرية متزامنة.

تمهيد مسرح المعركة

لا يمكن الجزم من الضربة وحدها بأن الجماعة الحوثية تمهد لهجوم بري على التربة، أو محيطها، كما لا يمكن اختزال القصف في محاولة إرباك القوات الحكومية، لكن تزامن الضربات بعيدة المدى مع التحركات البرية المتكررة يسمح بتوقع أن يكون الصاروخ جزءاً من عملية التمهيد للتقدم، وليس بديلاً عنه.

القصف الصاروخي الحوثي استهدف حتى المدنيين والنازحين في عدة محافظات يمنية (أ.ف.ب)

فالضربات الباليستية تستطيع، حتى من دون إصابة هدف عسكري نوعي، أن تفرض على الطرف المقابل حسابات إضافية؛ مثل حماية المراكز الخلفية، ومراقبة طرق الإمداد، وإعادة ترتيب القوات بعيداً عن خطوط القتال، وكلما اتسعت دائرة التهديد، زادت التكلفة المطلوبة للحفاظ على الجبهة الأمامية.

ويأتي كل هذا في ظلّ إصرار الجماعة على إطباق الحصار على المنطقة، والمحافظة بالتالي، من خلال التقدم من الجهة الشرقية، حيث جبهة حيفان والأحكوم والأكبوش، وغرباً في جبلي راسن وجرداد الاستراتيجيين اللذين تسعى، منذ أكثر من أسبوعين، للسيطرة عليهما.

واستهدفت الجماعة أكثر من مرة خلال سبتمبر، طريق هيجة العبد في مديرية المقاطرة القريبة لمدينة التربة، وهو الطريق الذي يربط محافظة تعز بالعاصمة المؤقتة، ويعدّ الوحيد الذي تتنفس منه، خصوصاً عقب سقوط مدينة المخا أخيراً.

كل هذا يجعل من قصف التربة مختلفاً عن مجرد رد صاروخي؛ فالجماعة التي تحرك قواتها في محاور غرب تعز، تحتاج، في أي محاولة لتغيير موازين الأرض، إلى إبقاء القوات المقابلة تحت ضغط متعدد الاتجاهات، وفي هذا التكتيك، تسبق الصواريخ أي تحرك ميداني قد يربك العمق، ويختبر قدرة الجيش على حماية مسرح عملياته، قبل أن تتضح نتيجة التحرك البري.


الرعاية الصحية... معركة جديدة للفارّين من الهجمات الحوثية

الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)
الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)
TT

الرعاية الصحية... معركة جديدة للفارّين من الهجمات الحوثية

الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)
الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)

لم يكن أمام أنور عبد الله سوى مغادرة منزله في محافظة الحديدة (غرب اليمن) برفقة زوجته وأطفاله الستة، بعدما اقتربت الهجمات الحوثية من محيطهم ليلة 10 سبتمبر (أيلول). لم يكن يعرف في البداية ما الذي يحدث، لكنه سرعان ما أدرك أن البقاء لم يعد خياراً.

يقول أنور، البالغ من العمر 29 عاماً: «لم نكن نعرف ما الذي كان يحدث، ثم أدركنا أن هناك قتالاً. أخذت أطفالي وزوجتي وجئنا إلى عدن. تركنا كل شيء وراءنا».

بدأت الأسرة رحلتها باتجاه المخا، قبل أن تواصل طريقها إلى عدن، تاركة منزلها وممتلكاتها وحياتها السابقة خلفها.

واليوم، تعيش الأسرة في مأوى مؤقت شمالي عدن، ولا تملك سوى القليل من الاحتياجات الأساسية. وحتى إعداد وجبة بسيطة أصبح مهمة يومية؛ إذ تضطر إلى استخدام الحطب للطهي بجوار المأوى بسبب افتقارها إلى أدوات الطهي الأساسية. لكن الوصول إلى مكان أكثر أمناً لم يضع حداً لمعاناة الأسرة. فبالنسبة لأنور وعائلته وآلاف النازحين الآخرين، بدأت بعد الفرار معركة جديدة تتعلق بكيفية الحصول على الرعاية الطبية عندما يمرض أحد أفراد الأسرة.

وتُعد أسرة أنور واحدة من آلاف الأسر التي وصلت إلى عدن خلال موجة النزوح الأخيرة، في أعقاب تجدد القتال على طول الساحل الغربي لليمن.

آلاف النازحين في اليمن بسبب الهجمات الحوثية يفتقدون الرعاية الصحية (إعلام محلي)

وبحلول نهاية سبتمبر الماضي سجلت الحكومة اليمنية نزوح قرابة 200 ألف شخص، وفي ظل تدفق النازحين تستضيف أربعة مواقع في عدن ولحج نحو 6.500 شخص كانوا قد نزحوا إليها قبل وصول الموجة الأخيرة، في حين تضاعف عدد السكان في بعض هذه المواقع منذ ذلك الحين.

ولا تقتصر احتياجات هؤلاء على المأوى والغذاء. فالكثير منهم يحتاجون إلى العلاج، في وقت تقع فيه المرافق الصحية على مسافات تجعل الوصول إليها أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة إلى أسر أنهكها النزوح والفقر.

وتوجد مواقع النازحين التي تزورها فرق منظمة «أطباء بلا حدود» على مسافة تتراوح بين أربعة وعشرة كيلومترات من المرافق الصحية. وبينما قد تبدو هذه المسافة محدودة في الظروف العادية، فإنها تتحول إلى عقبة حقيقية أمام الأسر التي تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية.

ومع نقص الوقود وارتفاع أسعاره، تصبح تكلفة الانتقال إلى المرافق الصحية، إضافة إلى أسعار الأدوية، فوق قدرة كثير من الأسر.

وتقول سارة غانم، مديرة أنشطة الصحة المتنقلة في «أطباء بلا حدود» في عدن: «نرى أطفالاً مرضى، ونساءً حوامل لا يستطعن الوصول إلى الرعاية الصحية، وأشخاصاً يعانون من جروح، وكباراً في السن يحتاجون إلى خدمات طبية، لكنهم يواجهون صعوبة في الوصول إليها».

مرضى بلا رعاية

في المواقع التي تزورها الفرق الطبية تظهر آثار الأزمة الصحية بين النازحين بصورة واضحة. فقد تعاملت الفرق مع حالات جروح وإصابات، وسوء تغذية، وحمى، وإسهال، إلى جانب أمراض معدية وغير معدية لم تتلقَّ العلاج. كما رصدت نساءً حوامل لم يحصلن على رعاية صحية خلال فترة الحمل، وأطفالاً يعانون من سوء تغذية حاد، وآخرين لم يستكملوا تطعيماتهم.

وأمام هذه الصعوبات، تحاول فرق «أطباء بلا حدود» نقل جزء من الرعاية الصحية إلى أماكن وجود النازحين، بدلاً من انتظار قدرتهم على الوصول إلى المراكز الطبية.

الكثير من الأسر اليمنية المشردة تعيش في مأوى مؤقت بانتظار وصول المساعدات (إعلام محلي)

وخلال الأسبوع الأول من الاستجابة الصحية المتنقلة، عاينت الفرق 427 مريضاً في أربعة مواقع بمديريتَي دار سعد والشيخ عثمان في عدن، ومديرية تبن في لحج.

وكان معظم المرضى من النساء والأطفال، في حين كان نحو 40 في المائة منهم قد نزحوا حديثاً بسبب التصعيد الأخير في تعز وعلى طول الساحل الغربي.

وتقدم الفرق استشارات طبية وفحوصات سريعة تشمل قياس مستوى الهيموغلوبين وسكر الدم، والكشف عن الملاريا وحمى الضنك، وفحوصات البول، إلى جانب التطعيمات الروتينية، والكشف عن سوء التغذية، واختبارات الحمل وتنظيم الأسرة.

وعندما يحتاج المرضى إلى رعاية إضافية، تعمل الفرق على إحالتهم إلى مرافق صحية قادرة على توفير العلاج اللازم.

نظام تحت الضغط

تأتي هذه الاستجابة في وقت يواجه فيه النظام الصحي اليمني ضغوطاً متراكمة، وفق «أطباء بلا حدود». وتقول غانم: «نرى ضغطاً هائلاً على نظام صحي ينهار بالفعل، ويواجه تحديات عديدة منذ سنوات».

ومع استمرار وصول النازحين، تواصل المنظمة تقييم المواقع التي تستضيفهم، وتقول إنها مستعدة لتوسيع نطاق استجابتها إذا ازدادت الاحتياجات الصحية.

الفرق الطبية المتنقلة تقدم خدمات متواضعة للمئات من الفارّين من تصعيد الحوثيين (إعلام محلي)

ولا تقتصر جهود «أطباء بلا حدود» على الفرق المتنقلة؛ إذ تدعم المنظمة منذ أبريل (نيسان) خدمات الرعاية الصحية الأولية في الفَرشة بريف لحج والبساتين في عدن.

وتشمل المناطق التي تخدمها المنشأتان أماكن يقيم فيها نازحون، سواء داخل مواقع النزوح أو وسط المجتمعات المحلية المضيفة.

وبالنسبة إلى عائلات مثل أسرة أنور، فإن الوصول إلى مكان آمن لا يعني بالضرورة انتهاء رحلة النزوح. فبعد ترك المنازل والممتلكات، يصبح الحصول على العلاج والطعام ومقومات الحياة الأساسية جزءاً آخر من معاناة طويلة، لا تعرف الأسرة متى تنتهي.