بغداد تضع اللمسات الأخيرة لاستقبال بابا الفاتيكان اليوم

نشر آلاف العسكريين والأمنيين في الشوارع... وخطة تأمين في المدن وحظر تجول

تزيين الشوارع بالأعلام وصورة البابا (د.ب.أ)
تزيين الشوارع بالأعلام وصورة البابا (د.ب.أ)
TT

بغداد تضع اللمسات الأخيرة لاستقبال بابا الفاتيكان اليوم

تزيين الشوارع بالأعلام وصورة البابا (د.ب.أ)
تزيين الشوارع بالأعلام وصورة البابا (د.ب.أ)

بجدول مزدحم باللقاءات والزيارات باستثناء الولائم الغذائية، نظراً للنظام الغذائي الخاص بالحبر الأعظم، وضعت بغداد، أمس (الخميس)، اللمسات الأخيرة لزيارة البابا فرنسيس التاريخية إلى العراق، اليوم (الجمعة).
ونشرت السلطات آلافاً من قوات الجيش والشرطة بجميع صنوفها في الشوارع وعلى طول الطريق الرابط بين مطار بغداد وتفرعاته التي سيسلكها موكب البابا، خلال زيارته التاريخية المرتقبة، وهم يحملون السلاح، إضافة إلى نشر سيارات للأجهزة الأمنية على طول الطرق.
وبحسب مصادر أمنية عراقية، فإن السلطات العراقية أقامت أطواقاً أمنية متعددة لتأمين الحماية لزيارة البابا في المدن التي سيزورها في بغداد والنجف والناصرية ونينوى وأربيل. وأوضحت المصادر أن السلطات العراقية قررت فرض حظر التجوال في أرجاء العراق استعداداً للزيارة، وأيضاً تأتي متزامنة مع إجراءات العراق للحد من تفشي فيروس «كورونا» المستجد، الذي يسجل هذه الأيام أرقاماً متصاعدة.
وزينت اللجنة العليا المشكّلة لاستقبال البابا فرنسيس الشوارع بأعلام دولة الفاتيكان وأعلام العراق وجداريات كبيرة وأخرى متوسطة الحجم تحمل صوراً للحبر الأعظم، بشكل منفرد، وأخرى مع المرجع الأعلى علي السيستاني، كُتب عليها عبارات: «أنتم جميعاً جزء منا، ونحن جزء منكم»، و«أنتم جميعاً إخوة»، فضلاً عن جداريات كُتب عليها: «أرض الرافدين تحييكم»، و«مرحباً بكم في العراق».
وعلى مقربة من ساحة الاحتفالات الكبرى وسط المنطقة الخضراء اصطفت عشرات السيارات الحديثة ذات اللون الأسود، للمشاركة في مواكب نقل الشخصيات والوفود الرسمية التي سترافق بابا الفاتيكان في زيارته. وقامت الأجهزة البلدية بتزيين الساحات والشوارع بأنواع مميزة من الزهور بألوان زاهية تنسجم مع اقتراب موعد فصل الربيع في العراق، فيما زُيّنت الكنائس والأديرة بمعالم الزينة والرسومات التي تحيي زيارة الحبر الأعظم.
وبينما نشطت أمانة العاصمة العراقية بغداد وبلديات المدن التي تشملها الزيارة بالقيام بالعديد من الفعاليات، مثل إكساء الشوارع وتنظيم الساحات، فإن قصر بغداد الذي سيشهد عصر اليوم الاحتفال المركزي، تزين أيضاً في انتظار الضيف الكبير.
وطبقاً لمصدر مطلع في رئاسة الجمهورية أبلغ «الشرق الأوسط»، فإن «الاحتفال المركزي سيحضره رئيس الجمهورية، برهم صالح، ورئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، إلى جانب كبار المسؤولين والزعامات العراقية، بمن فيهم رؤساء الجمهورية والوزراء السابقون، إضافة إلى شرائح مختلفة من المجتمع العراقي من حيث التنوع الديني والثقافي، بالإضافة إلى عدد من الناجيات الإيزيديات وجرحى القوات الأمنية العراقية بمختلف صنوفها».
وسيزور البابا محافظات النجف للقاء المرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني، وذي قار لزيارة مدينة أور التي انطلق منها النبي إبراهيم، وأربيل ونينوى لزيارة عدد من الكنائس والأماكن الدينية.
ومن المنتظَر أن تحطّ الطائرة التي تقل بابا الفاتيكان في مطار بغداد الدولي ظهر اليوم، وسيكون في مقدمة مستقبليه رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، وكبار المسؤولين والوزراء.
وكان البابا فرنسيس وجه قبيل زيارته إلى العراق رسالة إلى العراقيين عبّر فيها عن سعادته بأن يكون بينهم. وقال في الرسالة: «إني أتوق لمقابلتكم ورؤية وجوهكم وزيارة أرضكم، مهد الحضارة العريق والمذهل». وأضاف بكلمات مؤثرة: «إني أوافيكم حاجّاً تائباً لكي ألتمس من الرب المغفرة والمصالحة بعد سنين الحرب والإرهاب، ولأسأل الله عزاء القلوب وشفاء الجراح». كما خص المسيحيين في العراق الذين عانوا كثيراً، لا سيما بعد عام 2003، قائلاً: «أيها الأخوة والأخوات المسيحيون الأعزاء الذين شهدتم لإيمانكم بيسوع في خضم المحن القاسية للغاية، أتوق لرؤيتكم بفارغ الصبر».
وتُعدّ هذه الزيارة هي الأولى لحبر أعظم إلى العراق، بعد أن حاول البابا يوحنا بولس الثاني زيارة العراق عام 1999. ورغم مما كانت تمثله وقتذاك من دعم معنوي للعراق في ظل الحصار، فإن النظام السابق اعتذر عن تلبية الدعوة، عازياً ذلك عدم القدرة على تأمين الحماية الكافية لتلك الزيارة.
وبالقياس إلى الأوضاع الراهنة التي يمر بها العراق، فإن زيارة البابا تُعدّ مجازفة بكل المعاني والدلالات، خصوصاً في ظل تصاعد الهجمات بالصواريخ على ما تعده أطراف مجهولة استهدافاً للأميركيين، آخرها الصواريخ التي سقطت على قاعد «عين الأسد» غرب العراق.
ورغم التفاعل الجماهيري الكبير مع هذه الزيارة، فإنه في الوقت الذي تبدي فيه الحكومة العراقية والمؤيدون لها اهتماماً كبيراً بهذه الزيارة، فإن هناك أطرافاً عبّرت عن عدم رغبتها في إتمام الزيارة لكي لا يُحسب نجاحها لطرف سياسي معين.
يُذكر أن زيارة الحبر الأعظم جاءت تلبية لدعوة سبق أن وجهها إليه الرئيس العراقي الدكتور برهم صالح عام 2019، وقد حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة من الدعوة التي كان وجهها صالح وهذا نصها: «قداسة البابا فرانسيس... أتذكر باعتزاز حديثنا خلال زيارتي الأخيرة قبل سنة، عندما شجعني سماع قلقك العميق على شعب العراق. أنا أتشرف بتوجيه دعوة رسمية لقداستكم لزيارة العراق - مهد الحضارات ومسقط رأس إبراهيم أبي المؤمنين والأنبياء ورسول الديانات المقدسة». وأضاف صالح في رسالة الدعوة: «على مدى أربعة عقود، كان العراق مكاناً للحرب والمعاناة الجسيمة. وكان الهجوم الأخير للجماعات الإرهابية قد أحدث دماراً لا يُمكن تصوره للمسيحيين وباقي الجماعات العراقية».
وتابع: «مع تحرير أرضنا، تأتي العملية الطويلة للمعافاة والمصالحة وإعادة البناء. كما أظهرت قداستكم اهتماماً بالغاً للمعاناة والضعف. أعلم أن كلماتك المشجعة والرحيمة ستكون عوناً كبيراً للعديد من العراقيين الذين ما زالوا يتعافون من مصاعب الصراع. زيارة قداستكم ستكون لتذكير وتنوير العراق والعالم بأن هذه الأرض أعطت للإنسانية أولى القوانين، وطرائق الزراعة بالري، وإرث التعاون بين الناس من مختلف المعتقدات الدينية. ليس المسيحيون هم وحدهم من سيرحبون بقداستكم فحسب، بل المسلمون والإيزيديون وغيرهم من المؤمنين الذين هم مصممون على مستقبل أفضل يقوم على السلام والكرامة».
وأوضح صالح أن «العراق كان موطناً لمجتمع مسيحي نابض بالحياة ومتنوع لما يقرب من ألفي عام، في حين أن الحروب الأخيرة قد استنزفت أعدادهم، ولكننا ملتزمون بضمان أن يتمتع مسيحيو العراق مرة أخرى بالأمن والرفاهية».
واختتم صالح رسالة الدعوة قائلاً: «أتمنى بإخلاص أن تكون رحلة قداستكم هنا علامة فارقة في عملية الشفاء، حيث يمكن للعراق أن يصبح أرضاً للسلام مرة أخرى، ويمكن لفسيسفاء الأديان والعقائد أن تعيش في انسجام جديد، كما فعلوا لآلاف السنين. إنني أتطلع للترحيب بكل فخر وتقدير بقداستكم في أراضي بلاد ما بين النهرين، بإخلاص. برهم صالح رئيس جمهورية العراق يوليو (تموز) 2019».



اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».