هل إدارة بايدن وراء التوافق المفاجئ في العلاقات الهندية ـ الباكستانية؟

طموحات الصين والتوتر مع روسيا والانسحاب من أفغانستان اعتبرت عوامل ضغط على الطرفين

احتجاجات نسائية في عاصمة كشمير بعد سماح الهند لعودة أزواجهن المتمردين من مناطق كشمير الخاضعة لباكستان إلى كشمير الهندية (أ.ب)
احتجاجات نسائية في عاصمة كشمير بعد سماح الهند لعودة أزواجهن المتمردين من مناطق كشمير الخاضعة لباكستان إلى كشمير الهندية (أ.ب)
TT

هل إدارة بايدن وراء التوافق المفاجئ في العلاقات الهندية ـ الباكستانية؟

احتجاجات نسائية في عاصمة كشمير بعد سماح الهند لعودة أزواجهن المتمردين من مناطق كشمير الخاضعة لباكستان إلى كشمير الهندية (أ.ب)
احتجاجات نسائية في عاصمة كشمير بعد سماح الهند لعودة أزواجهن المتمردين من مناطق كشمير الخاضعة لباكستان إلى كشمير الهندية (أ.ب)

بعد واحدة من أكثر السنوات نشاطاً على الحدود المشتركة، ومع تسجيل أكثر من 4600 حالة لانتهاك وقف إطلاق النار في عام 2020 وحده، قررت الهند وباكستان، الخصمتان النوويتان، قبل أيام الالتزام الصارم باتفاقيات وقف إطلاق النار كافة على طول «خط السيطرة» الحدودي ما بين الجانبين في إقليم جامو وكشمير المتنازع عليه. الإعلان هو الأول من نوعه يصدر عن الحكومتين الهندية والباكستانية منذ أكثر من ثمانية أعوام. وصرح أحد المحللين قائلاً «يأتي ذلك الاتفاق في وقت كانت باكستان تنظر في مستقبل المنطقة بعد انسحاب القوات الأميركية من أراضي أفغانستان المجاورة. كما أنه يأتي في أعقاب تصاعد حدة التوترات على الجبهة الشرقية مع الصين». وكشفت مصادر مطلعة عن مباحثات القنوات الخلفية التي جرت بين الهند وباكستان منذ أِشهر عدة، حيث قاد أجيت دوفال، مستشار الأمن القومي الهندي، المبادرة الدبلوماسية الهندية مع القيادة المدنية الباكستانية من خلال دولة وسيطة ثالثة. وليس هناك تأكيد رسمي على وجود مثل هذه المباحثات، غير أنه من الإيجابي التوقع من الجهات المعنية لدى الجانبين التحدث بصورة رسمية. وقال الصحافي الهندي شوباجيت روي، إنه بإمعان النظر في ثقل الرأي العام الذي يستلزم قدراً من الإدارة، فمن غير المتوقع أن يُفصح الجانبان عن أي تفاصيل تتعلق بما أسفر عن ذوبان جليد العلاقات المشتركة بينهما راهناً.
وفي حين التقى دوفال مع نظيره الباكستاني مؤيد يوسف، وهو المساعد الخاص لرئيس الوزراء الباكستاني عمران خان للشؤون الأمنية، فلقد ظلت قنوات الاتصال لأخرى مفتوحة مع الجنرال قمر جاويد قائد الجيش الباكستاني.
والسؤال الحاسم في هذا السياق يتعلق بأسباب التوافق المفاجئ في العلاقات بين البلدين، وهل هناك أثر للرئيس الأميركي الجديد جوزيف بايدن؟
خرجت إلى النور تفاصيل قليلة للغاية بشأن هذه المفاوضات، ولكن ليس خافياً على أحد أن الولايات المتحدة كانت تحث الحكومة الهندية على الجلوس على مائدة المفاوضات. ولكن إثر بلوغ العلاقات بين الجانبين إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق، يثور التساؤل: لماذا جاءت محاولة التوفيق وتحسين العلاقات في الآونة الراهنة؟
يقول جي بارثاساراثي، وهو المفوض الهندي السامي الأسبق لدى باكستان والدبلوماسي المخضرم «إنه سؤال جيد للغاية. ومن المتوقع أن الحكومة الهندية تتلقى ضغوطاً من قبل الإدارة الأميركية الجديدة. ولا أدري إن كان ذلك من الأمور الجيدة أم السيئة. لكنني لن أثق في الأميركيين بشأن كشمير على الإطلاق».
وبالمقابل يقول بارثاساراثي، إن إسلام آباد هي الأخرى لا تملك خياراً آخر، فإن الجنرال قمر جاويد هو المسؤول العسكري الأول عن الجيش في باكستان وهو يذعن من حين لآخر إلى الضغوط الأميركية، وأضاف قائلاً «منذ إدراج اسم باكستان على القائمة الرمادية من قبل فريق العمل المعني بالإجراءات المالية في عام 2018، لم تتمكن الحكومة الباكستانية من محو اسمها. وكان الجنرال جاويد على دراية تامة ودائمة بالدور الهندي الكبير في إنقاذ باكستان من تلك الورطة». ويقول أفيناش موهاناني، ضابط الاستخبارات الهندي الأسبق الذي عمل سابقاً في باكستان «يمكن العثور على الإجابة في أول بيان أميركي بشأن السياسة الخارجية الصادر عن الرئيس جوزيف بايدن في تاريخ 4 فبراير (شباط) من العام الحالي. إذ تحدث عن ضرورة مواجهة الطموحات المتزايدة للصين في منافسة الولايات المتحدة الأميركية، وتصميم روسيا على إلحاق المزيد من الأضرار بالديمقراطية الأميركية وتقويض أركانها، معتبراً ذلك من أبرز التحديات الرئيسية التي سوف يتعين على الدبلوماسيين الأميركيين التعامل معهما في الفترة المقبلة».
وفي المخطط السياسي الأميركي تعد الهند وباكستان جزءاً لا يتجزأ من ركيزة التحالفات الديمقراطية. ومن شأن الجانب الباكستاني التقدم ببعض التأكيدات للإدارة الأميركية بشأن أفغانستان وحركة «طالبان». وهذه من الحيل السياسية القديمة التي لطالما جربتها المؤسسة السياسية الباكستانية منذ الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، أولاً مع إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن، ثم مع الرئيس أوباما، وحالياً مع الرئيس بايدن. ويقول مستشارو الرئيس بايدن، إنه من المفيد بالنسبة إلى الهند كذلك حرمان التنظيمات الإرهابية المؤثرة، من شاكلة تنظيم «القاعدة»، وتنظيم «عسكر طيبة»، و«جيش محمد»، من الملاذ الآمن في الأراضي الباكستانية. ومما يُضاف إلى ذلك، فإن «عرض السلام والحوار» الباكستاني إلى الهند يعد موجهاً بالمقام الأول لكسب ود الإدارة الأميركية الجديدة. وكان عمران خان والجنرال جاويد يحاولان عرض أنفسهما على أنهما من الشخصيات العقلانية البراغماتية ذات الاستعداد المباشر للدخول في مباحثات السلام مع الجانب الهندي، ثم هما يستخدمان هذا التصور في وصم الجانب الهندي بالتصلب والعناد.
جاءت أولى الإشارات إلى ذلك عبر قنوات الاتصال والمباحثات الخلفية التي سارت على طريقها الصحيحة في وقت سابق من الشهر الحالي، وذلك عندما تحدث قائد الجيش الباكستاني في ذكرى يوم التضامن مع إقليم كشمير عن التزام إسلام آباد الواضح بما أطلق عليه مسمى «المثل العليا للاحترام المتبادل والتعايش السلمي»، وأضاف أنه قد حان الوقت لمد اليد بالسلام في الاتجاهات كافة، وذلك في تناقض شديد لسياقات خطاباته السابقة بشأن الهند في سابقة هي الأولى من نوعها. وصرح مسؤول حكومي هندي رفيع المستوى، بأن اقتراح السلام المتبادل الذي عبّر عنه الجنرال جاويد، والذي حظي بتغطية إعلامية هائلة، كان من أبرز الملاحظات ذات النبرة التصالحية الواردة من الجانب الباكستاني منذ إلغاء الحكومة الهندية للمادة 370 من الدستور الوطني. ويرتبط الخطاب الباكستاني المهادن لطيف النبرة بالمشاورات الهادئة التي كانت تُجرى مع الجانب الهندي خلال الفترة السابقة. وكانت الإشارة الأخرى إلى الذوبان المحتمل لجليد العلاقات المتصلبة بين الجانبين تدور حول الابتعاد عن تناول قضية إقليم كشمير في اجتماع «سارك» الذي عقده ناريندرا مودي رئيس الوزراء الهندي خلال الأسبوع الماضي بشأن مواجهة جائحة فيروس كورونا المستجد، وذلك في سابقة تناقض بالغة مع المحاولات الباكستانية السابقة لتعمد إثارة قضية الإقليم المتنازع عليه في اجتماع «سارك» الذي انعقد في شهر مارس (آذار) من العام الماضي. وجاءت اللفتة الإيجابية الواردة من الهند تتمثل في السماح لطائرة رئيس الوزراء الباكستاني الخاصة بالمرور عبر المجال الجوي الهندي في طريقه إلى زيارة سريلانكا في الآونة الأخيرة في تناقض ملحوظ مع الإجراءات الباكستانية المتخذة في عام 2019، وذلك عندما رفضت السلطات الباكستانية السماح لطائرة الرئيس الهندي رام راث كوفيند بالمرور عبر المجال الجوي الباكستاني في طريقه إلى أوروبا، ومنع طائرة رئيس الوزراء الهندي أيضاً من المرور في طريقه إلى زيارة الولايات المتحدة الأميركية.
يتفق أغلب الخبراء المعنيون بالأمر على أنه قرار هش للغاية. ويرى المحلل السياسي الهندي سوشانت سارين، وهو المختص في الشؤون الباكستانية، أنه يعد من الخطوات الاستباقية لدى كلا الجانبين، وأضاف قائلاً «قبل أن يدلي الأميركيون بدلوهم في الأمر، لا بد أن يحاول الطرفان الهندي والباكستاني العمل على تهدئة الأوضاع أولاً». وتابع سارين قائلاً «إن استمر وقف إطلاق النار حتى فصل الصيف المقبل، فسوف نعد ذلك إنجازاً مستحقاً للاعتبار، ووسيلة من وسائل الوقوف على نوايا باكستان»، وأضاف أنه لا يوجد على أرض الواقع راهناً ما يشير إلى أن الأوضاع تستلزم وقفاً لإطلاق النار بين الجانبين.
كتب المحلل الأمني الهندي برافين سوامي في مجلة «أوتلوك» قائلاً «من المرجح عندي أن تسعى القيادة الباكستانية إلى كسب المزيد من الوقت للعناية ببعض المشاكل الأكثر إلحاحاً، من شاكلة التمرد في إقليم بلوشستان، والأزمة الراهنة في أفغانستان. ومن شأن القيادة الباكستانية استغلال ذلك الوقت في إعادة بناء شبكات الوكلاء المنهارة داخل إقليم كشمير، إثر علمها أن التدخلات القسرية الهندية سوف تكون مقيدة بسبب المشاركة في الحوار الذي تشرف عليه الولايات المتحدة الأميركية. كما أن الحكومة الهندية ليست ساذجة. فلا يملك رئيس الوزراء الهندي ثقة كبيرة في جنرالات الجيش الباكستاني.
وحقيقة ابتعادهم المفاجئ عن أهدافهم الاستراتيجية المعروفة. وحتى في ظل القليل من السلام، مهما قصرت مدته، فإنه يخدم أغراضه وأهدافه السياسية بصورة هي أفضل كثيراً من حالة انعدام السلام الراهنة، الأمر الذي يتيح للحكومة الهندية ترسيخ النظام الجديد الموالي لها داخل إقليم كشمير».



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟