دعوى قضائية في باريس ضد النظام السوري لاستخدامه «الكيماوي»

ضغوط للدفع باتجاه تشكيل محكمة دولية خاصة

TT

دعوى قضائية في باريس ضد النظام السوري لاستخدامه «الكيماوي»

فيما يعول النظام السوري وداعموه الدوليون، خصوصاً روسيا، على الانتخابات الرئاسية التي ستُجرى في سوريا الشهر القادم من أجل «إعادة تعويم» الرئيس الأسد الذي سيفوز حكماً بولاية إضافية من سبع سنوات، داخلياً وإقليمياً ودولياً، يضيق الخناق القضائي على النظام في الخارج الذي أخذت تحاصره الدعاوى أمام المحاكم الغربية. وآخر ما استجد، الدعوى التي قُدمت (الاثنين) أمام المحكمة الجنائية في باريس ضد النظام بتهمة ارتكابه «جرائم حرب» وجرائم ضد الإنسانية لاستخدامه السلاح الكيماوي وتحديداً غاز السارين صيف العام 2013 في هجمات ضد مدينة دوما والغوطة الشرقية المجاورة لدمشق العاصمة. ومقدمو الشكوى ثلاث منظمات غير حكومية هي «المركز السوري للإعلام وحرية التعبير» و«أوبن سوسايتي جاستيس إنيشيتيف» و«الأرشيف السوري». وغرض الدعوى التي تستند إلى ملف متكامل من الشهادات والصور، تحديد الجهات والأشخاص المسؤولين عن استخدام السلاح الكيماوي الممنوع دولياً وسوقهم أمام المحاكم. وهذه المرة الأولى في فرنسا التي تقدَّم فيها شكوى ضد النظام بسبب «الكيماوي»، والثانية في أوروبا بعد ألمانيا، حيث قُدمت دعوى مماثلة «مضافة إليها هجمات خان شيخون في عام 2017» إلى النيابة الفيدرالية من المنظمات غير الحكومية نفسها في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استناداً إلى القانون الألماني الذي يتيح هذا النوع من الشكاوى.
ترى محامية الادعاء جان سولزير وزميلتها كليمانس ويت، أن القانون الفرنسي الجنائي يجيز تقديم الشكوى وأن العناصر المادية المتوافرة والسياق الذي حصلت في إطاره الهجمات الكيماوية والشهادات والقرائن تمكّن من تأكيد أن ما جرى هي «جرائم حرب» و«جرائم ضد الإنسانية». وحسب سولزير، فإن الهجمات التي حصلت على دفعتين في أغسطس (آب) من عام 2013 تَبين أنها «جزء من مخطط منظم غرضه ترهيب المدنيين الذين يعارضون النظام» السوري. ووفق مازن درويش، مدير «المركز السوري للإعلام» والناشط في حقل حقوق الإنسان، فإن ما شهدته دوما والغوطة الشرقية «ليس عملاً معزولاً أو حصل خطأً بل ممارسة ممنهجة» درج عليها النظام. وقال ستيف كوستاس، محامي «أوبن سوسايتي»، إن الجهة المدّعية «تطلب من قاضي التحقيق الفرنسي القيام بالتحقيقات بالتعاون مع المدعي الفيدرالي الألماني». ويريد المدعون، أبعد من ذلك، الطلب من العواصم المهتمة أن تعمل من أجل إقامة «محكمة دولية خاصة» لمحاكمة المسؤولين عن استخدام السلاح الكيماوي في سوريا ليس فقط في دوما والغوطة بل في كل أنحاء سوريا وفي سنوات الحرب كافة.
للمرة الأولى إذن، تم اختيار فرنسا لملاحقة النظام السوري من الباب «الكيماوي» بالنظر إلى ما يتيحه قضاؤها المتمتع بما تسمى «الأهلية عابرة للحدود». وطلبت الهيئات الثلاث المدعية تعيين قاضٍ للتحقيق في هجمات عام 2013. وتستند الشكوى، وفق مقدميها، إلى شهادات «من أشخاص من داخل الجهاز الأمني للنظام سابقاً» ومن ناجين من المذبحة «الكيماوية» التي ضربت الغوطة، وهي بالتالي تتضمن وصفاً دقيقاً لما حصل، منددةً بنهجٍ تحوَّل إلى استراتيجية هدفها انتزاع المناطق والأراضي التي كانت تسيطر عليها المعارضة المسلحة. ويريد المدّعون من التحقيق كذلك، تحديد تسلسل المسؤوليات عن هذه الهجمات التي تضاف إلى سجل كثيف من انتهاكات حقوق الإنسان والتعذيب والخطف والإخفاء القسري والقتل والممارسات الأخرى كافة. ونقلت صحفة «لوموند» المستقلة، في طبعتها ليوم أمس، عن المحامية سولزير إشارتها إلى أن فرنسا منذ عام 2013 تصدرت مجموعة الدول التي تسعى لمنع اللجوء إلى السلاح الكيماوي ولذا «سيكون مستغرباً محاولة عرقلة الشكوى المقدمة» ضد النظام السوري في هذا السياق، مضيفةً أن باريس فرضت عقوبات على النظام السوري وسعت من خلال اقتراح تعديلات لعمل منظمة حظر استخدام الأسلحة الكيماوية إلى تمكينها من تحديد الجهات التي تلجأ إليها وليس فقط التحقق من استخدامها. يضاف إلى ذلك أن باريس أطلقت مبادرة «الشراكة الدولية لمحاربة الإفلات من العقاب» لمن يلجأ إلى «الكيماوي»، فيما شدد الرئيس ماكرون، أمام الجمعية العالمة للأمم المتحدة، «عزم بلاده الذي لا يلين» في محاربة وملاحقة مَن يستخدم هذا السلاح الممنوع دولياً. وتدفع باريس بمشروع قرار يحظى بدعم ما لا يقل عن أربعين دولة أمام المنظمة الدولية التي مقرها مدينة لاهاي الهولندية، يهدف إلى حرمان سوريا من حقوقها داخل المنظمة بسبب لجوئها المتكرر إلى السلاح الكيماوي. وكان الاتفاق الروسي - الأميركي لعام 2013 قد نصّ على انضمام سوريا إلى المنظمة. وستتم مناقشة المشروع الفرنسي في أول اجتماع للمنظمة.
ويرى كثير من المعنيين بالشأن السوري أنها كانت «فاصلة» في الحرب السورية. وللتذكير، فإن الرئيس الأميركي بارك أوباما، بعد أن كان قد عدّ اللجوء إلى السلاح الكيماوي «خطاً أحمر»، تراجع عن قرار ضربة عسكرية ضد النظام، وكذلك فعلت بريطانيا، وبقيت فرنسا وحيدة في الميدان، الأمر الذي دفع الرئيس فرنسوا هولاند بدوره إلى التخلي عن خطط مهاجمة مطارات ومواقع عسكرية أخرى للنظام. وطُوي الملف بعد الاقتراح الروسي بنزع كامل سلاح الأسد الكيماوي بإشراف منظمة حظر استخدام السلاح الكيماوي.
الهجمات موضع الدعوى في فرنسا وألمانيا حصلت على دفعتين: الأولى، في 4 و5 أغسطس، استهدفت عدار ودوما وأوقعت 450 جريحاً. والأخرى ليل 20 - 21 من الشهر نفسه وحصدت ما لا يقل عن ألف قتيل وعدة آلاف من الجرحى وتعد الأكثر دموية في تاريخ الحرب السورية. بيد أنها لم تكن الأخيرة، إذ حصل مثلها لاحقاً ومنها الهجوم الكيماوي المزدوج الذي ضرب اللطامنة الواقعة في ريف حماة، في الشمال السوري في ثلاث هجمات حصلت في 24 و25 و30 مارس (آذار) عام 2017، حيث أُسقطت قنابل تحتوي غاز السارين والكلور. وبطبيعة الحال، نفت الحكومة السورية هذا الأمر بحجة أن مخزونها الكيماوي دُمّر تماماً. وحسب التحقيق الذي أجراه فريق تابع للمنظمة الدولية ونُشر في 8 أبريل (نيسان) من العام الماضي، فإن سلاح الجو السوري «طائرتان حربيتان وطوافة» هو المسؤول عن الاعتداء الكيماوي على اللطامنة والذي قصف عدة أهداف منها مستشفى المدينة.
ولا يستبعد المتقدمون بالشكوى في ألمانيا وفرنسا أن يفعلوا الشيء نفسه في بلدان أخرى تتيح قوانينها القيام بذلك. لكنّ الغرض الأسمى الذي يتمنون حصوله هو قيام محكمة خاصة مهمتها فقط النظر في الملف الكيماوي السوري. لكنّ شيئاً كهذا دونه عقبات ليس أسهلها كيفية تمريره في مجلس الأمن الدولي، حيث يرجح بقوة أن يجهضه الفيتو الروسي المكسوب للنظام. لكن يبقى أن تحريك هذا الملف سيفاقم الضغوط على النظام وأن الطرف الأميركي يسهم في ذلك أيضاً.



لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.