لقاءات رسمية بين خصوم ليبيين لأول مرة بحثًا عن تحالف واسع ضد المتطرفين

تعقد في القاهرة ويشارك فيها زعماء قبائل وقادة من الجيش.. بالتزامن مع «حوار جنيف»

عناصر من ميليشيات {فجر ليبيا} لدى اشتباكهم مع القوات الموالية للحكومة بالقرب من قاعدة {الوطية} جنوب شرق البلاد (أ.ف.ب)
عناصر من ميليشيات {فجر ليبيا} لدى اشتباكهم مع القوات الموالية للحكومة بالقرب من قاعدة {الوطية} جنوب شرق البلاد (أ.ف.ب)
TT

لقاءات رسمية بين خصوم ليبيين لأول مرة بحثًا عن تحالف واسع ضد المتطرفين

عناصر من ميليشيات {فجر ليبيا} لدى اشتباكهم مع القوات الموالية للحكومة بالقرب من قاعدة {الوطية} جنوب شرق البلاد (أ.ف.ب)
عناصر من ميليشيات {فجر ليبيا} لدى اشتباكهم مع القوات الموالية للحكومة بالقرب من قاعدة {الوطية} جنوب شرق البلاد (أ.ف.ب)

يبدو أن الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة في جنيف بين الليبيين يسير في طريق، والإجراءات العملية لبناء الدولة ومحاربة الإرهاب تسير في طريق آخر مختلف.
وبعيدا عن الجهود التي يقوم بها المبعوث الخاص للأمين العام للمنظمة الدولية، برناردينو ليون، تشهد خارطة الصراع الليبي تحولات جوهرية، تتركز في انعقاد حلقات اتصال رسمية، ولأول مرة، برعاية القاهرة، بين عناصر من الدولة الجديدة التي يقودها برلمان طبرق المنتخب من الشعب، وأطراف من نظام العقيد الراحل معمر القذافي، بعد أن فشل قادة الميليشيات المتطرفة في أن يستقطبوا لصفهم أي عناصر من النظام السابق الذي حكم ليبيا لمدة 42 عاما.
وبعد أشهر من الرسائل المباشرة وغير المباشرة بين زعماء سياسيين من المحسوبين على «ثورة فبراير»، التي أسقطت حكم القذافي، ووزراء سابقين عملوا مع العقيد الراحل، يمكن القول إن الكفة رجحت لصالح فريق فبراير «المدني» الذي حاز الأغلبية في انتخابات البرلمان الأخيرة، لتزيد بذلك عزلة المتطرفين والمتحالفين معهم من قادة «الإخوان» وقوات «فجر ليبيا» الذين ينتمي معظمهم لمدينة مصراتة الواقعة على بعد نحو 200 كيلومتر إلى الشرق من العاصمة طرابلس.
ومن المعروف أن ليبيا أصبح فيها ثلاثة فرق.. منها فريقان مما يسمى «فبراير»، وهما فريق المتطرفين بقيادة جماعة الإخوان المسلمين من جانب، والفريق المدني ممثلا في البرلمان المدعوم من الجيش الوطني من جانب آخر. ويتقاتل هذان الفريقان منذ أكثر من سنة على السلطة دون أمل في حسم الصراع سريعا.
ويقول أحد القادة العسكريين المخضرمين، والذي كان يعمل لسنوات في الجيش أيام حكم القذافي، إن الطرف الذي يكسب ود رجال القبائل والعسكريين من النظام السابق يمكنه الفوز في هذه المنافسة الدموية.
ويضيف أحد المسؤولين المصريين ممن كانوا مكلفين بمراقبة الأوضاع في هذا البلد المجاور، إن قوات ما يسمى «فجر ليبيا» التي يقودها «الإخوان»، والمحسوبة على مصراتة، بعثوا برسائل لرجالات من نظام القذافي ممن يقيمون في كل من القاهرة وتونس والجزائر، من أجل عقد تحالفات معهم، إلا أن هذه المحاولات التي استمرت لعدة أشهر وصلت إلى طريق مسدود وباءت أخيرا بالفشل، ليحل محلها تحالف آخر بدأ يؤتي أكله، تحت رعاية مصرية، لجمع قيادات من البرلمان والحكومة المنبثقة عنه والتي تعمل من مدينة البيضاء، والجيش الذي يقوده خليفة حفتر، مع زعماء سابقين من نظام القذافي.
وتضم اللقاءات، التي جرى جانب كبير منها في مصر خلال الأيام القليلة الماضية، فاعلين من البرلمان الذي يرأسه المستشار عقيلة صالح، وكذا ضباطا من رئاسة أركان الجيش، وعددا من الوزراء والقادة العسكريين السابقين المحسوبين على عهد القذافي، من بينهم، على الأقل، ثلاثة وزراء وثلاثة برتبة لواء.
وتقول مصادر مصرية على علاقة بهذه اللقاءات إنها تأتي في إطار محاولات القاهرة للم شمل الإخوة في ليبيا في حربهم ضد المتطرفين، وإن هذا لا يتعارض مع مساعي الأمم المتحدة لإجراء حوار بين الخصوم الليبيين.
ومع هذا شارك في اللقاءات التي جرت بمصر قيادات لديها العديد من التحفظات على إجراء حوار جنيف، بل لديها تحفظات على رعاية الأمم المتحدة للحوار بين الليبيين أصلا، حتى لو عُقد في الداخل الليبي. ويقول أحد القادة القبليين من المحسوبين على القذافي، بعد أن شارك بمصر قبل يومين في لقاءات مع قادة من برلمان طبرق المعترف به كممثل للشرعية في ليبيا، إن «حوار جنيف هش ولا يعول عليه.. وفيه انحياز للمتطرفين الذين يقتلون الليبيين كل يوم».
ورفضت قبيلة «ورفلة»، إحدى أكبر القبائل الليبية، المشاركة في الحوار الذي يرعاه «ليون». بينما أفاد زعماء قبائل آخرون، من بينهم مولاي قديدي آما جنيدي يخلاص، رئيس المجلس الأعلى للطوارق في ليبيا، بأنهم لم يتلقوا دعوة من الأمم المتحدة للمشاركة في الحوار. وقال أحد زعماء قبيلة التبو، وهي واحدة من القبائل التي تتميز بوجود قوي في البلاد، إن الأمم المتحدة تجاهلت، من الأساس، توجيه دعوة لأي من ممثلي القبيلة للمشاركة في الحوار لـ«سبب غير مفهوم»، رغم قول الأمم المتحدة إنها حريصة على إشراك كل الأطراف.
ومن جانبه، يقول قديدي، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» حين زار القاهرة أخيرا: «نحن مع الحوار، لكن لم يدعنا إليه أحد حتى الآن». ويضيف أحد قادة التبو، والذي يعمل كمستشار رفيع المستوى في برلمان طبرق: «لقد تجاهلتنا الأمم المتحدة، ولم تتصل بنا للمشاركة». ويؤكد محمد الورفلي، رئيس اللجنة القانونية بالمجلس الأعلى للقبائل الليبية، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «غاب عن الجولة الأولى من حوار جنيف قادة وزعماء يملكون القدرة على تغيير الواقع على الأرض، وحضره مجموعة من الشخصيات التي لا تمثل أي قوة تذكر في ليبيا».
وتشترط قوات المتطرفين عقد جلسات الحوار في الداخل الليبي. ولا يتفق مع هذا عدد من زعماء القبائل المحسوبة على نظام القذافي، لأنه يتم تحت تهديد السلاح، مع ملاحظة أن قوات المتطرفين أصبحت تنظر بقلق لما تقوم به القاهرة من محاولات للتوفيق بين زعماء البرلمان والجيش الوطني من جانب، وزعماء من القبائل والجيش متهمين بأنهم محسوبون على نظام القذافي من جانب آخر. ولهذا يبدو أن ضغوط المتطرفين بدأت تتجه إلى القائمين على حوار جنيف للحصول على مكاسب «وهو أمر مقلق للكثير من الليبيين»، كما يذكر مصدر في الجيش الليبي.
لكن بعثة الأمم المتحدة في ليبيا تؤكد، من جانبها، أنها وجهت دعوات للمشاركة في الحوار للقبائل وللبلديات، بلا تفرقة. ويسعى «ليون» إلى وقف لإطلاق النار بين الفرقاء أولا، قبل نقل الحوار إلى الداخل الليبي. ويرى «ليون» أن مهمته صعبة، وأن الليبيين عليهم أن يبذلوا جهدا مضاعفا لإنجاح الحوار لأنه الفرصة الأخيرة لإنقاذ الدولة من الفشل.
إلا أن أحد قادة الجيش يقول إن وقف القتال في حد ذاته يعد حلما بعيد المنال، لأن المتطرفين يسعون بشكل محموم لتعزيز قدراتهم سواء باحتلال مناطق جديدة أو من خلال السيطرة على المناطق النفطية، كما يجري من حرب مستعرة حاليا في «الهلال النفطي الغني، ولذلك نشعر بأن المطالبة بوقف الجيش لعملياته تهدف إلى تخفيف الضغط على هؤلاء الإرهابيين».
وينظر هذا القائد العسكري إلى ما تقوم به الأمم المتحدة، ويعلق قائلا إن المنظمة الدولية لا تستطيع فرض وقف لإطلاق النار على قوات المتطرفين التي «هي في الحقيقة بلا ضابط ولا رابط.. تعمل، بتنسيق من أعلى، بقيادة جماعة الإخوان، وتعمل على الأرض كمجموعات متفرقة وكأنها بلا قيادة، وتحاول استغلال حوار جنيف لالتقاط الأنفاس وإعادة الضرب من جديد بمساعدة ممولي الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط».
ومن جانبه، يقول أحمد قذاف الدم، ابن عم العقيد معمر القذافي، والمنسق السابق للعلاقات المصرية الليبية، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحوار الذي يجري الآن (في جنيف) يُدعى إليه، للأسف، من يحملون السلاح.. «وأنا أتساءل: هل يريدوننا أن نحمل السلاح ليستمعوا لصوتنا؟».
وحصلت «الشرق الأوسط» على معلومات تفيد بأن قادة من المتطرفين مما يسمى بـ«قوات فجر ليبيا» أجروا لقاءات سرية مع عدد من زعماء الدولة الليبية المنتمين لعهد القذافي والمعتقلين في سجون الميليشيات في كل من مصراتة وطرابلس، في محاولة لعقد صفقة معهم بشأن المستقبل، بشرط أن يعلنوا الولاء لحكومة المتطرفين التي تديرها جماعة الإخوان في طرابلس بقوة السلاح، إلا أن رجال القذافي في السجون رفضوا الصفقة.
وفي المقابل، بدا من خلال المقابلات التي جرت في القاهرة خلال الأيام الماضية أن رجال القذافي يجنحون إلى التحالف مع الجناح المدني لتيار «الفبرايريين» (أي الموالين لثورة 17 فبراير) ممثلين في برلمان طبرق، وفي رئاسة أركان الجيش بقيادة كل من اللواء عبد الرزاق الناظوري واللواء خليفة حفتر، لكن بشروط معينة بعضها قابل للتحقق مثل إلغاء قانون العزل السياسي الذي ألغي بالفعل قبل يومين، وكذلك العفو العام، والبعض الآخر صعب المنال في الوقت الحالي، مثل التخلي عن القسم بالولاء لـ«فبراير» لكل من يريد الانخراط في العمل في الدولة، وغيرها من التفاصيل الخاصة بالرتب العسكرية وتقاسم السلطة مستقبلا.
وشارك في آخر اللقاءات التي عقدت في مصر بين «تيار فبراير المدني»، ورجال منتمين لعهد القذافي، اثنان من القادة الكبار في البرلمان، وثلاثة من القادة في رئاسة أركان الجيش. أما الطرف الآخر، أي زعماء العهد السابق، فكان من بينهم المهندس «ع.ك» وكان وزيرا أيام القذافي، واللواء «م.س» القائد العسكري السابق بالمنطقة الليبية الغربية، و«م.ج.ع»، وكان مسؤولا كبيرا في المؤتمر الشعبي العام (البرلمان أيام القذافي) و«ع.ش»، وكان يشغل موقعا مهما في هيئة الاستثمارات الليبية في النظام السابق.
ويحظى معظم رجال القذافي بتأييد من القبائل التي لم تشارك في «ثورة فبراير»، كما أن لهم علاقات لافتة بزعماء النازحين الليبيين الفارين من الاقتتال بين جناحي فبراير، وغالبيتهم موجود في مصر وتونس والجزائر. ويعيب هذا الفريق على الأمم المتحدة الانحياز للفبرايريين، خاصة بعد أن قال بيان البعثة الأممية في ليبيا إن مباحثات الحوار بين الخصوم «ستسترشد بمبادئ ثورة 17 فبراير». ويقول أحد كبار القادة الليبيين السابقين: «لقد أسقطت البعثة الأممية من حساباتها مليوني مهجر على الأقل من أنصار القذافي في الخارج».
وفي المقابل، ووفقا للمصادر الليبية، يمكن للقاءات القاهرة أن تعضد حوار جنيف، حتى لو جرى نقله إلى ليبيا، لكن في الشق الخاص بعزل المتطرفين.. «وهو أمر يبدو أن بعض الأطراف الدولية لا تحبذه، مثل بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية».
ومن بين من تلقوا دعوة للمشاركة في حوار جنيف ورفضوا تلبيتها محمد الورفلي، ابن قبيلة الورفلة، وهو من مدينة بني وليد التي تعرضت للغزو على يد الميليشيات المتطرفة مرتين، في 2011 و2012. ويقول الورفلي: «تلقيت دعوة لحوار جنيف.. لم تكن بصفتي رئيس اللجنة القانونية في المجلس الأعلى للقبائل الليبية، بل على أساس أنني أنتمي إلى مدينة بني وليد وأنني من قبائل ورفلة».
ويضيف: «على المستوى الشخصي أنا غير مقتنع بالحضور للقاء جنيف.. لعدة أسباب.. الأول أن هذا اللقاء تحضره أطراف أيديها ملوثة بالدم الليبي دون أن تقدم أي اعتذار، أو أي خطوة تفيد بأن هذه المجموعات نادمة على ما فعلته بالليبيين (منذ أحداث 2011 وما بعدها). والسبب الثاني أنه لم يكن هناك جدول أعمال مطروح واضح المعالم في حوار جنيف.. حوار يغلب عليه الطابع البروتوكولي أكثر من أي شيء آخر. النقطة الثالثة أن الجانب الأساسي في لقاء جنيف هو تشكيل حكومة موسعة، أي جمع حكومة طرابلس مع حكومة البيضاء. وهذه النقاط الثلاث لم تكن ولن تكون همي أنا كمواطن ليبي مهجَّر».
وتشعر غالبية القبائل التي يصنفها رجال فبراير على أنها كانت منحازة للنظام السابق بالغبن والعزلة، ويقول ممثلون عنها إن الأمم المتحدة شاركت في اللقاء حين وضعت الالتزام بمبادئ فبراير شرطا للتباحث في مسألة الحوار بين الليبيين في جنيف، رغم أن تلك القبائل تشكل قوة عددية لا يستهان بها في ليبيا.
ومن بين هذه القبائل، في المنطقة الغربية من البلاد، قبائل النوايل، والمحاميد، ووريمة، والصيعان، والأصابعة، والعجيلات، وورشفانة، وورفلة، وترهونة، وغيرها. وفي الجنوب هناك قبائل المقارحة، والتبو، والطوارق، وسوكنة، وهون، وزلة. وفي الوسط توجد قبائل سرت، وفي الشرق هناك أكثر من نصف القبائل لم تكن مع «ثورة فبراير».
ويضيف الورفلي: «انظر للمهجرين الليبيين.. عددهم مليونان وكسور. ولو افترضنا أن كل مهجر له أخ أو قريب واحد فقط داخل ليبيا مؤيد مثله للنظام السابق، فأنت هنا أمام أكثر من أربعة ملايين ليبي، بينما عدد السكان يبلغ نحو ستة ملايين نسمة. إذن ثلاثة أرباع الليبيين كانوا مؤيدين للقذافي. أنا شخص واحد مؤيد ومقيم في المهجر وعندي في الداخل ثلاثون من أقاربي مؤيدون مثلي».
ويرى أحد زعماء القبائل الليبية غير المشاركة في حوار الأمم المتحدة أن السبب في عدم التعويل على الحوار يرجع إلى أن الطريقة التي يتبعها «تريد أن تضع العربة أمام الحصان.. طرح مسألة تشكيل حكومة موسعة كان ينبغي أن يأتي بعد التوافق على خارطة طريق للخروج من الأزمة أولا، مثل الحكومة اللبنانية التي انبثقت عن مؤتمر الطائف بين الأطراف اللبنانية. وقتها اتفقت الأطراف اللبنانية على خارطة طريق أولا، ثم شكلت بعد ذلك حكومة موسعة تمثل كل أطراف الصراع».
ومنذ سقوط طرابلس والعديد من المدن الليبية الأخرى في أيدي المتطرفين تحاول الكثير من القبائل المحسوبة على القذافي النأي بنفسها عن الاقتتال الجاري بين طرفي «ثورة فبراير»، لكن طول أمد الأزمة والحروب أصبح يؤثر على الحياة اليومية للجميع، وفي كل المناطق. ويقول محمود الجبري، وهو ناشط ليبي: «نحن اليوم لسنا أمام قضية سياسية، بل قضية حياة. المواطن البسيط غير آمن.. عمليات التهجير للخصوم تجري على قدم وساق حتى اليوم، والناس لا يجدون غاز الطهي، والكهرباء تقطع عدة ساعات يوميا. الحياة أصبحت قاسية على الجميع، وحين بدأت الأمم المتحدة الدعوة للحوار يبدو أنها لم تضع هذا في الحسبان، لأنها ركزت على عقد لقاءات بين شخصيات لا علاقة بها بالواقع اليومي ولا قدرة لها على وقف الاقتتال والتشريد».
وعلى سبيل المثال قامت معظم القبائل منذ سقوط طرابلس بتشكيل مجلس أعلى للقبائل. ويقول رئيس اللجنة القانونية بالمجلس، وهو من قبيلة ورفلة: «بمجرد وصول الدعوة لي لحضور حوار جنيف اتصلت بالمجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة، وعرضت عليه الدعوة التي وصلتني، فرفضها، وقرر عدم المشاركة في جنيف، لعدة أسباب منها أن ورفلة صدر بحقها قرار رقم 7 الصادر من المؤتمر الوطني الليبي (البرلمان السابق الذي كانت تهيمن عليه جماعة الإخوان وحلفاؤها من المتطرفين) في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2012 باقتحام مدينة بني وليد من طرف الميليشيات وجرى تشريد أهاليها وقتل العديد من الناس، وهناك المئات ما زالوا يقبعون في سجون الميليشيات جراء هذا القرار».
ويضيف الورفلي أنه «من بين أسباب عدم المشاركة أيضا أن الأطراف التي تشارك في لقاء جنيف هي أطراف منتقاة، وهي أطراف لا تملك القوة الفاعلة على الأرض. كما أن قبائل ورفلة ما زالت ترفض أن تشرف الأمم المتحدة على أي عمل يتعلق بليبيا على أساس أن الأمم المتحدة كانت سببا في الأحداث التي مرت بها البلاد من خلال القرارين رقمي 1970 و1973 (بالتدخل الدولي عن طريق حلف الناتو في ليبيا) والتي أدت إلى ما نحن فيه اليوم».
وقال «المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة» إن أي شخص منها يذهب لحوار جنيف سوف يعلن المجلس براءته منه ويرفع الغطاء الاجتماعي عنه. ويشعر العديد من أبناء القبائل بالمرارة من التداعيات التي أعقبت سقوط نظام القذافي وانتشار الفوضى في البلاد، وتحول عدة مدن إلى معاقل للمتطرفين. ويطالب البعض الأمم المتحدة، قبل أن تدعو للحوار، بأن تعتذر للشعب عما حل ببلاده من خراب.
وعلى سبيل المثال يقول الورفلي: «على الأمم المتحدة أن تعرب عن أسفها للشعب الليبي، وما ألحقته بالبلاد من دمار للبنية التحتية وحل لمؤسسات الدولة وتدمير الجيش. هنا يمكن الحديث مع الأمم المتحدة. لكن أن يجري حرق الأخضر واليابس تحت مظلة الأمم المتحدة، ثم تتحول بعدها إلى سائق سيارة إسعاف ومطافئ لمعالجة الجرحى وإطفاء حريق شب هنا أو شب هناك، فقبائل ورفلة ترفض هذا».
ومن جانبه، يؤكد قذاف الدم، في رده على أسئلة «الشرق الأوسط»، أن الصراع في بلاده «لم يعد على سلطة، وإنما على بقاء وطن، وعلينا جميعا أن ننحني أمامه ونقدم تنازلات، فالوطن للجميع، وأنا أدعو لحراك جديد يؤدي إلى حوار موسع على غرار مؤتمر الطائف بعد الحرب الأهلية اللبنانية.. بحيث لا يتم إقصاء أحد، ويتم تحت رعاية الأمم المتحدة، وفي مكان محايد.. نقرر فيه جميعا شكل الدولة وعلمها ونشيدها ودستورها.. ونختار مجلس وزراء محايدا بالاتفاق، ليشرف على انتخابات حرة.. وتُسلَّم كل الأسلحة للقوات المسلحة والشرطة، ونُسقط جميعا الحق العام، وليطالب من يريد بالحقوق الخاصة وفقا للقانون في الدولة الجديدة».
ويضيف: «أما الحوار الذي يجري الآن فهو، للأسف، يُدعى إليه من يحملون السلاح.. وأنا أتساءل: هل يريدوننا أن نحمل السلاح ليستمعوا لصوتنا ونحن الأغلبية والرقم الصعب في المعادلة؟ إننا، وحتى هذه اللحظة، نتصرف بمسؤولية وطنية في لحظة فارقة في تاريخ الوطن، ويشاركني في ذلك أغلبية الوطنيين الأحرار. وستخرج ليبيا قريبا بيد أبنائها.. فدولة الباطل ساعة».
ومن المعروف أن هناك قبائل أصبحت مشردة بالكامل.. وجرى تهجير سكان من بلداتهم في «العزيزية» و«السواني» و«المعمورة» و«الناصرية» و«الحاتة». وكل هؤلاء من المنطقة الغربية من البلاد، ولا يوجد ممثلون لهم في الحوار، ومنها قبائل النوايل والعجيلات والأصابعة والزنتان.
ويقول عبد الله الترهوني، أحد مشايخ ترهونة، لـ«الشرق الأوسط» إن «المشاركين في الحوار شخصيات سياسية لا تملك رصيدا مجتمعيا ولا ميليشيات مسلحة، ولا أي قوة على الأرض، وبالتالي الحوار يشبه الظاهرة الصوتية لا أكثر ولا أقل». ويضيف: «ليست القبائل الرئيسة فقط التي لم تنخرط في حوار جنيف، بل إن أطرافا فاعلة على الأرض وتملك قوة مسلحة ما زالت بعيدة عن طاولة الحوار».
وأهم هذه الأطراف «الجيش الوطني» الذي يخوض «معركة الكرامة» في المنطقة الشرقية وما يجاورها وفي المنطقة الغربية، خاصة في مناطق الوطية والعجيلات ورقدالين والزنتان وكيكلة وغيرها. وهناك أيضا «الجماعات المتطرفة والجهوية» الموجودة في صبراتة ومصراتة وبنغازي ودرنة، وتسمى في بعض الأحيان بـ«الدروع» وفي بعض الأحيان بـ«فجر ليبيا» وفي أحيان أخرى بـ«الشروق» وما إلى ذلك من مسميات.
وبينما تجري الأمم المتحدة محاولاتها لرأب الصدع بين الليبيين، وبغض النظر عن الملاحظات والانتقادات لطريقة السير في هذا المسعى، تبدو اللقاءات بين التيار المدني من «قادة فبراير» وزعماء من نظام القذافي والقبائل الكبيرة، والتي عقدت في القاهرة، لافتة للنظر كونها تمس بشكل مباشر القوى الرئيسة التي يمكنها لعب دور في تحقيق الاستقرار في ليبيا.
لكن سيكون هناك العديد من الملفات التي تحتاج إلى الحسم قبل أن تظهر نتائج «التفاهم بين خصوم الأمس». ويشير أحد المصادر إلى أن بعض الخطوات التي جرى اتخاذها بالفعل تسببت في غضب نحو 25 نائبا في برلمان طبرق من المحسوبين على قوى المتطرفين. ويضيف: «مثل هؤلاء كانوا في السابق يسعون للتحالف مع أنصار القذافي، وحين فشلوا وخسروا الأغلبية في البرلمان الجديد أصبحوا يرفضون أي مصالحة يتبناها نواب التيار المدني مع قيادات من النظام السابق».
وحاول أحد قيادات قبيلة ورشفانة، وهي من القبائل الكبرى في ليبيا أيضا، والمحسوبة على القذافي، اتخاذ خطوات عملية للوقوف إلى جانب برلمان طبرق علانية، لكن جرى التنبيه عليه من عدة قبائل أخرى بضرورة التأني قبل «الارتماء في أحضان هذا البرلمان مجانا».
وسبق لزعماء من قبيلة القذاذفة الاعتراف بالبرلمان، لكن ما زالت توجد تحفظات على مسلك الحكام الجدد خاصة أولئك الذين يجهرون بالعداء للنظام السابق، ويخشون تقديم تنازلات عن بعض شعارات وممارسات «فبراير». ووفقا للمصادر المصرية، تحاول القاهرة جسر الهوة بين الأطراف الرئيسية، من أجل تشكيل «جبهة ليبية خالصة» تكون قادرة على فرض الاستقرار والتخلص من «دولة الميليشيات والمتطرفين».
ويشكو البرلمان والحكومة والجيش المعترف بهم من قبل المجتمع الدولي من ضعف الإمكانات أمام سطوة المتطرفين المدعومين من بعض الدول في المنطقة والعالم، رغم تغير المزاج العربي العام لصالح الاعتدال بعد ما رآه من تصرفات «الإخوان» والمتطرفين حين وصلوا للحكم في تونس ومصر وليبيا وغيرها.
ويقول الورفلي إنه بعد خروج «الإخوان المسلمين» من حكم مصر وتونس، بدأ الموقف يتغير كثيرا تجاه ليبيا وتجاه معاناة الشعب. كما أن المؤسسة العسكرية القائمة حاليا في ليبيا أدركت أنها لا يمكنها تحقيق النصر على المجاميع المتطرفة والميليشيات الخارجة عن القانون إلا بالاستعانة بأبناء القوات المسلحة الليبية وضباطها، ممن أقصتهم المجاميع المتطرفة حين هيمنت على مفاصل الدولة في السنوات الثلاث الماضية.
ولوحظ في اللقاءات التي عقدت بمصر أن برلمان ليبيا وحكومته وجيشه يحاولون ضم المخزون البشري والعسكري للقبائل من أجل حسم المعارك التي طالت مع ميليشيات المتطرفين. ويبدو أن رئاسة المجلس الأعلى للقبائل الليبية التي تشكلت في شهر مايو (أيار) الماضي في بلدة العزيزية جنوب غربي طرابلس، التقطت الخيط، وقررت أن تعقد مؤتمرا لها بجوار مبنى البرلمان في طبرق، لكي تبعث برسالة مفادها أنها قررت بشكل رسمي الوقوف مع الدولة الجديدة ضد دولة الميليشيات.
ووفقا للمصادر، يبدو رئيس المجلس الأعلى لمؤتمر القبائل، الدكتور العجيلي بريني، وهو وزير سابق في عهد القذافي، وينتمي لقبيلة ورشفانة، أكثر ميلا لعقد مؤتمر القبائل، الذي يتكون من 30 شخصية، في طبرق، لكن بعض ممثلي القبائل اعترضوا على أساس أن هذه الخطوة تقديم للتنازلات المجانية لصالح الفبرايريين، و«تمنح صكا على بياض للبرلمان الذي لم يقدم أي تنازل ولم يقدم أي بوادر حسن نوايا تجاه القبائل وتجاه المهجرين وتجاه السجناء وتجاه المعتقلين والمدن المدمرة. فبأي حق تذهب القبائل للبرلمان الذي ما زال متشبثا بمبادئ فبراير؟».
ويعول العديد من الليبيين على الدور المصري لإصلاح ذات البين بين الأطراف الرئيسية. ويقول الورفلي إنه على هذا الأساس اتصلت مصر بأطراف ليبية مختلفة، ومن بينهم مسؤولون سابقون؛ من ضباط الجيش والقيادات الفاعلة. ويضيف أن مصر، مشكورة، تلعب الآن دورا كبيرا جدا ومحوريا لمساعدة ليبيا، مشيرا إلى أن «الليبيين لا يريدون عودة النظام السابق، ولكن يريدون عودة الأمن والأمان.. والشخصيات التي تلتقي بمصر همها استعادة الوجه الحقيقي لليبيا».



العليمي يرسم خريطة عمل حكومة الزنداني ويحذر من الفشل

العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)
العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)
TT

العليمي يرسم خريطة عمل حكومة الزنداني ويحذر من الفشل

العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)
العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)

في أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني عقب أدائها اليمين الدستورية، لم تُستقبل بخطاب تهنئة بروتوكولي من رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، بقدر ما وجدت نفسها أمام برنامج عمل صارم، يمكن عدّه وثيقة توجيه سياسي واقتصادي وأمني، ترسم ملامح المرحلة المقبلة، وتحدد بوضوح معايير النجاح والفشل.

العليمي الذي ترأس الجلسة الأولى لمجلس الوزراء تحدث بلغة مباشرة، محمّلاً الحكومة مسؤولية مضاعفة في ظرف استثنائي؛ إذ أكد أن البلاد لم تعد تحتمل إدارة تقليدية أو حلولاً مؤقتة، قائلاً: «ندرك جميعاً أن المهمة ليست سهلة، لكن ليس أمامكم سوى خيار واحد: العمل، ثم العمل، ثم العمل».

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على مفهوم «صناعة النموذج» بوصفه جوهر المهمة الحكومية، عادّاً أن الحكومة الجديدة «ليست مجرد تغيير أسماء أو تدوير مواقع؛ بل رسالة سياسية تهدف إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع».

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وقال إن «صناعة النموذج، مع استعادة ثقة المواطنين والأشقاء والأصدقاء، جزء لا يتجزأ من المعركة الوطنية، وليس مساراً منفصلاً عنها»، في إشارة إلى أن الأداء الحكومي بات ساحة مواجهة موازية للصراع مع الميليشيات الحوثية.

وأوضح أن الحكومة تحمل بعداً أوسع للشراكة، ونقلاً تدريجياً لصناعة القرار إلى جيل جديد، مضيفاً أن الرهان الحقيقي على الشباب والنساء؛ «ليس فقط لإنجاح التجربة، بل لفتح الطريق أمام أجيال متعاقبة، وبناء مسار أوسع للشراكة القابلة للاستمرار».

محددات اقتصادية وأمنية

واحتل الملف الاقتصادي صدارة توجيهات العليمي، الذي ربط بين الاستقرار الاقتصادي وبقاء الدولة، مؤكداً أن تنمية الموارد أولوية لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية؛ «بل هي شرط أساسي لإحداث تغيير حقيقي في ميزان القوى».

وأشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني إلى أن المعركة «لم تعد مقتصرة على ميليشيا الحوثيين الانقلابية؛ بل تشمل اختلالات متراكمة، وفقراً متصاعداً، وتضخماً أنهك المواطنين، وفقداناً للثقة بقدرة المؤسسات على إدارة الموارد بعدالة وكفاءة».

وقال: «هدفنا العام في هذه المرحلة هو تحقيق الاستقرار الاقتصادي، والتخفيف من معاناة المواطنين»، من خلال دعم استقلالية «البنك المركزي»، وحماية العملة الوطنية، وضمان حد أدنى من اليقين الاقتصادي.

وزراء حكومة الزنداني مع العليمي عقب تأدية اليمين الدستورية (سبأ)

وشدد على أن كبح التضخم، واحتواء تآكل القوة الشرائية، هما «المعيار اليومي الذي يقيس به المواطن صدقية الدولة»، مؤكداً أن ذلك يتطلب «انضباطاً مالياً صارماً، وموازنة واقعية، وتوريداً كاملاً للإيرادات إلى حساب الدولة»، مضيفاً: «لا يمكن الحديث عن دولة بينما يتم استنزاف مواردها خارج خزينتها العامة».

وفي المحور الأمني، أعاد العليمي التأكيد على أنه «لا دولة بلا أمن، ولا أمن دون مؤسسات عادلة»، رافضاً السرديات التي تتحدث عن فراغ أمني، وعدّها «محاولة لإرباك الثقة، واستهدافاً للجهود الإقليمية، خصوصاً الدور السعودي في توحيد القرار الأمني والعسكري».

وأكد على مسؤولية وزارة الداخلية في تعزيز حضورها الأمني، ليس شكلياً؛ «بل عبر انتشار مدروس يستهدف مناطق الضعف ومصادر العنف»، داعياً إلى الانتقال من رد الفعل إلى العمل الاستباقي.

وقال: «الأمن الذي نريده ليس استعراض قوة، بل هو سيادة قانون، وانضباط مؤسسي، ورسالة طمأنينة يومية يشعر بها الناس في حياتهم»، مع التشديد على «حماية الحريات العامة، وموظفي الإغاثة، وتجريم الخطاب الطائفي والمناطقي».

الاختبار العملي

وشدد العليمي على أن جعل عدن عاصمة حقيقية للدولة يمثل اختبار الجدية الأول للحكومة، مشيراً إلى أن إحداث الفارق لن يتحقق إلا عبر 3 محاور متلازمة؛ هي «الإصلاحات الاقتصادية والإدارية، والأمن وسيادة القانون، والخدمات».

ودعا إلى عودة الحكومة فوراً إلى الداخل، والانتظام في اجتماعاتها، وعدم تسييس الخدمات تحت أي ظرف، «باستثناء ما يتعلق بمنع استفادة الميليشيات الحوثية، وهو أمر محسوم بقرارات دولية».

وأكد أن المواطن لا يعنيه من ينتصر سياسياً؛ «بل من يدفع الرواتب، ومن يوفر الكهرباء والماء، ويضبط الأسعار، ويحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار»، محذراً بأن أي انقسام داخل الحكومة سينعكس مباشرة على حياة الناس.

الزنداني يؤدي اليمين الدستورية رئيساً للحكومة اليمنية (سبأ)

وأولى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني اهتماماً خاصاً بالشراكة مع السعودية، واصفاً إياها بأنها ليست علاقة عاطفية؛ بل «طريقنا الآمن للمستقبل»، وبأنها تقوم على المصالح والمصير والأمن المشترك.

وأكد أن الدعم السعودي أسهم في تحسن الخدمات خلال الأسابيع الماضية، داعياً إلى «البناء عليه، والاستفادة المثلى من المنح والمساعدات عبر القنوات الرسمية، بما يعزز الثقة بالعهد الجديد».

من جهته، عدّ رئيس مجلس الوزراء، شائع الزنداني، أن توجيهات العليمي تمثل محددات واضحة لعمل الحكومة، مؤكداً التزامها «العمل المؤسسي، وتعزيز الرقابة، وعدم التهاون مع أي تجاوز للقانون، واستغلال الفرصة التاريخية لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب».


مسؤول أوكراني يكشف عن خطط لإعادة استئناف التعاون الدفاعي واستدامة توسيعه مع السعودية

 سيرهي باشينسكي رئيس الجمعية الوطنية لصناعات الدفاع في أوكرانيا (NAUDI) (الشرق الأوسط)
سيرهي باشينسكي رئيس الجمعية الوطنية لصناعات الدفاع في أوكرانيا (NAUDI) (الشرق الأوسط)
TT

مسؤول أوكراني يكشف عن خطط لإعادة استئناف التعاون الدفاعي واستدامة توسيعه مع السعودية

 سيرهي باشينسكي رئيس الجمعية الوطنية لصناعات الدفاع في أوكرانيا (NAUDI) (الشرق الأوسط)
سيرهي باشينسكي رئيس الجمعية الوطنية لصناعات الدفاع في أوكرانيا (NAUDI) (الشرق الأوسط)

أفصح مسؤول أوكراني أن بلاده تعول كثيراً على السعودية في صنع السلام والاستقرار في بلاده، كونها «قائداً إقليمياً بارزاً وموثوقاً»، كاشفاً عن بلورة خطط عملية لإعادة استئناف التعاون الدفاعي الأوكراني السعودي وتوسيعه على نحوٍ مستدام.

وقال سيرهي باشينسكي، رئيس الجمعية الوطنية لصناعات الدفاع في أوكرانيا (NAUDI): «منفتحون على بحث فرص إنشاء مشاريع مشتركة، وتطوير تقنيات محددة، وتوطين الإنتاج داخل السعودية، وعلى استعداد لتعميق التعاون الذي يشهد تطوراً مستمراً منذ عام 2014، ونواصل بشكل منهجي تطوير التعاون الدولي، وبناء الشراكات مع الدول الصديقة، ضمن إطار القانون الدولي».

وتابع: «هدف مشاركتنا في معرض الدفاع العالمي 2026 إبراز القدرات التكنولوجية لقطاع الدفاع الأوكراني الذي خضع لاختبار حقيقي في ظروف الحرب. ومن خلال الجناح المشترك لـ(NAUDI) نعرض أحدث التطويرات، ونتقاسم خبرات توظيفها العملي وتكتيكات استخدامها».

وزاد: «تمتلك شركات الجمعية بالفعل عشرات العقود الدولية في إطار التعاون الإنتاجي، وتتوسع باستمرار رقعة تعاوننا جغرافياً. وهذا بالضبط ما نحرص على إيصاله إلى شركائنا الدوليين والإقليميين»، مبيناً أن معرض الدفاع العالمي 2026 شكّل حجر الأساس الأول لتعاون طويل الأمد، منهجي ومتبادل المنفعة بين الرياض وكييف.

التعاون العسكري السعودي الأوكراني

وقال باشينسكي: «قبل الحرب الحالية، كان هناك تعاون نشط ومثمر بين المجمع الصناعي الدفاعي الأوكراني والهيئات والمؤسسات الدفاعية في السعودية».

وأضاف: «مهتمون بإعادة إحياء هذه الاتصالات. وانطلاقاً من دعمنا لموقف رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي بشأن التصدير المنضبط، نسعى في المستقبل القريب إلى بلورة خطط عملية لإعادة استئناف التعاون الدفاعي الأوكراني السعودي وتوسيعه على نحوٍ مستدام».

وقال: «توجد قاعدة قانونية قائمة لذلك، حيث وقعت اتفاقية بين مجلس وزراء أوكرانيا والحكومة السعودية بشأن التعاون في مجال الدفاع في 5 فبراير (شباط) 2020 في كييف، وتمت المصادقة عليها من قبل الحكومة».

ووفق باشينسكي، فإن هذه الاتفاقية، توفّر إطاراً قانونياً متكاملاً للتعاون الدفاعي الثنائي، إذ تشمل التعاون بين الصناعات الدفاعية في البلدين، والتعليم والتدريب العسكريين، وتبادل المعلومات في مجال تقنيات الدفاع، ونقل التقنيات والمعدات العسكرية، بما في ذلك الأنظمة الإلكترونية والرادارية والاتصالات، فضلاً عن الإسناد الطبي بالمجال الدفاعي.

وزاد: «تثمّن أوكرانيا عالياً الموقف المبدئي والمتسق للسعودية، القائم على الاحترام الراسخ لأحكام ميثاق الأمم المتحدة والمبادئ الأساسية للقانون الدولي، ولا سيما ما يتعلق بصون السلامة الإقليمية وحماية سيادة الدول».

ويشكّل التضامن «الصادق للمملكة» مع الشعب الأوكراني وفق باشينسكي بُعداً معنوياً وإنسانياً مهماً في العلاقات الثنائية، ويتجسّد عملياً في أحجام المساعدات الإنسانية المقدّمة، ولا سيما لتلبية احتياجات النازحين داخلياً.

منتجات أوكرانية في معرض الدفاع بالرياض

ولفت باشينسكي، إلى أن المنتجات الأوكرانية، المعروضة في معرض الدفاع العالمي 2026، تعكس نقاط القوة والنضج التكنولوجي للقطاع الدفاعي الخاص في أوكرانيا، حيث تنتج شركات «NAUDI» طيفاً كاملاً من المنتجات الدفاعية.

لافتاً إلى أن المنتجات العسكرية الأوكرانية في معرض الرياض للدفاع، تشمل طائرات «FPV» من دون طيار 7 بوصات وصولاً إلى منظومة المدفعية ذاتية الحركة «بوهدانا»، المعروضة فعلياً في المعرض.

وأوضح أن بلاده، أصبحت رائدة عالمياً في الاستخدام القتالي واسع النطاق لطائرات «FPV» من دون طيار، وكذلك في تطوير واستخدام المنصات البحرية غير المأهولة، فيما نمتلك خبرة فريدة وقيمة في تشغيل هذه الأنظمة ضمن ظروف قتال حقيقية.

وأوضح باشينسكي، أن القطاع الخاص الأوكراني، يؤمّن أكثر من 70 في المائة من إجمالي الإنتاج الصناعي الدفاعي في أوكرانيا.

ومن بين أبرز المعروضات، منظومة المدفعية ذاتية الحركة «بوهدانا» SPH، التي تنتجها شركة «أوكراينسكا برونيتيهنيكا» بكميات كبيرة، وتُستخدم على نطاق واسع في مناطق العمليات القتالية.

وتشمل المعروضات المركبة المدرعة «فارتا»، والمجمع الروبوتي الأرضي «بروتكتور»، والزوارق البحرية المسيرة «MAC»، وطائرات الاستطلاع من دون طيار «شارك» و«PD-2» و«ميني شارك» و«فوريا»، ونظام إدارة الدفاع الجوي «كريتشيت»، والطائرات الثقيلة «كازهان» و«شمافيك» من دون طيار، وذخائر الطائرات من دون طيار من شركة «UBM»، وطائرات «FPV» من شركة «الجنرال تشيريشْنيا»، ووسائل الحرب الإلكترونية من شركة «بيرانيا تيك».

أوكرانيا تصنع 50 % من احتياجاتها للحرب

وأوضح باشينسكي، أن أكثر من 50 في المائة، من احتياجات قوات الدفاع الأوكرانية تُلبّى من قبل المجمع الصناعي الدفاعي الوطني - بدءاً من طائرات «FPV» من دون طيار وصولاً إلى الصواريخ المجنحة، ومدفعية عيار 155 ملم، والذخائر، وأنظمة الحرب الإلكترونية والاستطلاع الإلكتروني.

وتابع: «ووفقاً لنتائج العام الماضي، زوّدت شركات (NAUDI) قوات الدفاع بمنتجات تُقدّر قيمتها بنحو 4 مليارات يورو. ومنذ عام 2022 خضع القطاع لعملية انتقال واسعة وإطلاق مواقع إنتاج جديدة. إن أوكرانيا تُعدّ من بين القادة العالميين من حيث وتيرة إنتاج الأسلحة والذخائر».

وقال: «أولويتنا الأساسية هي الحفاظ على أرواح العسكريين. ومن هنا جاء التركيز الخاص على الأنظمة غير المأهولة التي تعزز فاعلية الجندي دون أن تحلّ محله، وتكمن الميزة الرئيسية في التواصل المباشر مع الوحدات العاملة في ميدان القتال، ما يتيح للمصنّعين الحصول على تغذية راجعة آنية وتحديث حلولهم بسرعة فائقة. إن المسار من الفكرة إلى الإنتاج التسلسلي لدى الشركات الأوكرانية غالباً ما يستغرق 3 إلى 6 أشهر فقط».

ولفت باشينسكي، إلى أن بعض الشركات الأوكرانية، تمكنت من رفع إنتاج طائرات «FPV» من دون طيار من بضعة آلاف وحدة في عام 2023 إلى أكثر من 500 ألف وحدة في عام 2025، وهذه ليست حالات فردية.


وزير الدفاع السوداني: الهزيمة الوشيكة لـ«الدعم السريع» ستفتح الباب أمام انتقال سياسي

وزير الدفاع السوداني الفريق حسن كبرون (مجلس السيادة)
وزير الدفاع السوداني الفريق حسن كبرون (مجلس السيادة)
TT

وزير الدفاع السوداني: الهزيمة الوشيكة لـ«الدعم السريع» ستفتح الباب أمام انتقال سياسي

وزير الدفاع السوداني الفريق حسن كبرون (مجلس السيادة)
وزير الدفاع السوداني الفريق حسن كبرون (مجلس السيادة)

قال وزير الدفاع السوداني، الفريق حسن كبرون، إن القوات المسلحة السودانية استعادت زمام المبادرة في مواجهة «قوات الدعم السريع»، مؤكداً أن «الميليشيا المدعومة من قوى أجنبية تتجه نحو الفشل»، وأن «هزيمتها الوشيكة» ستفتح الباب أمام انتقال سياسي في البلاد.

وأوضح كبرون، في تصريحات للشقيقة «عرب نيوز»، أن الجيش انتقل إلى مرحلة الهجوم وحقق تقدماً ميدانياً متسارعاً، مشيراً إلى أن «قوات الدعم السريع» باتت محصورة في عدد محدود من المناطق.

وأضاف كبرون أن الهزيمة الوشيكة لـ«قوات الدعم السريع» ستفتح الباب أمام مرحلة انتقال سياسي، تنتهي بإجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة.

ورفض وزير الدفاع توصيف النزاع في السودان بأنه صراع بين جنرالين متنافسين، مؤكداً أنه تمرد مسلح على الدولة والقوات المسلحة، وقال إن للجيش قائداً واحداً، ومن يتمرد عليه يُعد متمرداً بحكم التعريف.

سيارات تسير في أحد شوارع الخرطوم (د.ب.أ)

وأشار إلى أن القوات المسلحة حققت خلال الأشهر الماضية مكاسب استراتيجية، من بينها فك الحصار عن مدن رئيسية في جنوب كردفان، وإعادة فتح طرق الإمداد، مما سمح بعودة جزئية للنازحين. وفي المقابل، اتهم «قوات الدعم السريع» بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، خصوصاً في إقليم دارفور، بما في ذلك القتل الجماعي والعنف الجنسي والتهجير القسري.

«إبادة جماعية ممنهجة»

وقال كبرون إن ما جرى في مدن مثل الفاشر والجنينة يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، مؤكداً أن الانتهاكات طالت النساء والأطفال وكبار السن. واتهم الميليشيا بالسعي إلى تغيير التركيبة السكانية في دارفور عبر توطين عناصر أجنبية محل السكان الذين قُتلوا أو هُجّروا.

وتقول منظمات حقوقية إن مقاتلي «قوات الدعم السريع» والميليشيات المتحالفة معها استهدفوا مجتمعات غير عربية في دارفور. وفي مخيم زمزم للنازحين في شمال دارفور، أحد أكبر المخيمات في البلاد، أدت هجمات «قوات الدعم السريع» في عام 2025 إلى نزوح مئات الآلاف من المدنيين.

وأضاف: «كانت هناك إبادة جماعية ممنهجة ومتعمَّدة بحق سكان إقليم دارفور»، مضيفاً: «يبدو الآن أن أفراداً أجانب يتم توطينهم بدلاً من المواطنين، لتمكينهم من الاستيلاء على أراضي مَن قُتلوا ودُمّرت ممتلكاتهم وهُجّروا».

وأكد وزير الدفاع أن «قوات الدعم السريع» باتت تعتمد بشكل متزايد على مرتزقة أجانب من عدة دول، معتبراً ذلك دليلاً على انهيار قاعدتها الاجتماعية والقبلية بعد الخسائر البشرية الكبيرة التي تكبدتها خلال الحرب. وقال: «استبدال المرتزقة بالشباب يعني أنهم إما قُتلوا وإما أُصيبوا بعاهات دائمة».

وشدد على أن الدعوات المتكررة لوقف إطلاق النار تُستخدم من جانب «قوات الدعم السريع» لأغراض تكتيكية، لإعادة الإمداد وترتيب الصفوف، مؤكداً أن الجيش ماضٍ في عملياته حتى استعادة السيطرة الكاملة على الأراضي السودانية، مع التأكيد أن هدفه النهائي يظل تحقيق السلام تحت مظلة الدولة.

دور سعودي محوري

وأكد كبرون أن وساطة السعودية ودورها في أمن البحر الأحمر ودعمها مؤسسات الدولة السودانية كانت محورية في الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب، مضيفاً أن السعودية شكّلت محور المشهد الدبلوماسي والأمني والإنساني للسودان منذ اندلاع القتال في أبريل (نيسان) 2023.

وتابع: «بالتأكيد، لعبت المملكة العربية السعودية دوراً فعالاً. فمنذ اندلاع الحرب، بدأت الجهود بمحادثات جدة للسلام واستمرت حتى اليوم».
أطفال مع عائلتهم النازحة من كادوقلي بمخيم إمبال في مقاطعة إنجبونج (رويترز)

وأضاف: «كانت المملكة العربية السعودية داعماً قوياً وصريحاً لاستقرار السودان وإيجاد حلول مقبولة للشعب السوداني».

وأوضح كبرون أن الانخراط السعودي بلغ أعلى مستوياته عندما ناقش ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الوضع في السودان مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في البيت الأبيض، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

تفاؤل بإعادة الإعمار

ورغم حجم الدمار الذي لحق بالسودان، عبّر كبرون عن تفاؤله، متحدثاً عن مرحلة إعادة الإعمار. وقال: «نؤكد للعالم، بإذن الله، أن ما نعيشه اليوم في السودان يتجه نحو الأفضل، وقريباً جداً بإذن الله».

وأضاف: «ما دمرته الحرب سيُعاد بناؤه، بإذن الله، بسواعد السودانيين، وبدعم من المساندين والأصدقاء».