الرواية... من عزلة القراءة إلى الفرجة المسرحية

بداية المسرح الجزائري تعود لسان أوغسطين وليس لجورج أبيض

عبد الحميد بن هدوقة - رشيد بو جدرة - كاتب ياسين - محمد ديب
عبد الحميد بن هدوقة - رشيد بو جدرة - كاتب ياسين - محمد ديب
TT

الرواية... من عزلة القراءة إلى الفرجة المسرحية

عبد الحميد بن هدوقة - رشيد بو جدرة - كاتب ياسين - محمد ديب
عبد الحميد بن هدوقة - رشيد بو جدرة - كاتب ياسين - محمد ديب

لا يزال الدرس التاريخي للمسرح في الجزائر يعج بالأسئلة الكثيرة، أسئلة تواجه الباحثين في هذا الحقل الذي ينتظر المزيد من الأسئلة عن البدايات والخواتم، فالبداية عريقة مثل عراقة المدن الشاهدة بقاياها بمسارحها الأثرية المدهشة «تيمقاد» و«جميلة» و«مداوروش» و«تيبازا» المتربعة على جغرافيا حضرية متعددة، من مدينة تيبازا إلى شرشال وسكيكدة وباتنة وسطيف وسوق أهراس وقالمة وغيرها، إنها مسارح لا تقل إدهاشاً وأسراراً عما تمنحه المسارح الإغريقية والرومانية الأثرية، من هنا تبدو ساذجة تلك الفكرة المتداولة والقائلة إن المسرح في الجزائر قد بدأ مع قدوم اللبناني المصري جورج أبيض (1880 - 1959) في زيارة للجزائر سنة 1921... ربما يكون قد انتعش بتأثير الزيارة تلك على بعض رموز مسرح تلك المرحلة من أمثال محيي الدين بشتارزي وعلالو ورشيد قسنطيني. إن المسرح في الجزائر أعرق من ذلك التاريخ ومن تلك الزيارة، لقد كان القديس والفيلسوف سان أوغسطين المولود في طاغاست (سوق أهراس حالياً شرق الجزائر) عام 354 والمتوفى في عنابة سنة 430 من ممارسي المسرح، ويسجل ذلك بوضوح في كتابه الشهير (الاعترافات) الذي يعتبر واحداً من الكتب الأولى في كتابة السيرة الذاتية في العالم.
إن علاقة المسرح بالأدب ظاهرة قديمة وليست وليدة العصر، قادمة من تاريخ عريق يعود إلى المسرح الإغريقي الذي كان يقتبس مسرحياته من الأساطير الملحمية ومن الحكايات الشعبية وغيرها. تظل الحكاية هي السحر الذي يشد به أهل المسرح من مخرجين وممثلين انتباه جمهور الخشبة على المسارح العالمية وجماهيرها باختلاف اللغات والثقافات، لقد دأبت أسرة المسرح في العالم على اقتباس مسرحيات من الأدب الروائي العالمي، مثل أوليفير تويست لشارل ديكنز وتعيد إنتاجها وعرضها جيلاً بعد جيل دون أن تسقط في التكرار أو الملل الجمالي، ورواية البؤساء لفيكتور هوغو التي ما زالت تصنف من أكثر الروايات في العالم اقتباساً وتمثيلاً مسرحياً وسينمائياً، وغيرهما...
لا يُستثنى المسرح الجزائري الحديث والمعاصر من هذه الظاهرة، إلا أنه قبل أن يشتغل على النص الروائي سواء المكتوب منه بالفرنسية أو بالعربية، فقد ارتبط في فترة معينة بفن الحكاية الشفوية، كشكل من أشكال المقاومة الثقافية والحضارية والسياسية، واستثماراً في كنوز الذاكرة الشعبية بجمالها اللغوي، ومتعتها السردية المدهشة، القادمة من التراث الأمازيغي والأفريقي والمتوسطي والعربي، وإن تجربة المسرحي «عبد الرحمن ولد كاكي» (1934 – 1995) من أكثر التجارب الناجحة والعميقة التي التصقت بالتراث الشعبي بأشكاله الجمالية المختلفة كـ«الحلقة والديوان والمداح والسوق...»، وقد اشتغل على ذلك أيضاً كل من الرواد: رشيد قسنطيني (1887 - 1944)، وبشطارزي (1897 - 1986)، وعلالو (1902 - 1992) في مسرحيته «جحا» على سبيل المثال.
في الجزائر مخرجون مسرحيون متميزون جمعوا بشكل مبدع وخلاق ما بين جماليات المسرح الأوروبي والمسرح الأفريقي والعربي، وفنانات وفنانون ذوو طاقات إبداعية مسرحية مدهشة، لا يقلون قيمة فنية عن غيرهم من أهل المسرح في العالم، وإن كنت أشعر بأن اختيار النصوص التي يلبسونها على الخشبة ضيقة على لغة أجسادهم، وغير قادرة على أن تساعدهم على صنع اللهفة والفضول وجذب الجمهور، ولا تساعد على اكتشاف قدرات الممثل والمخرج أيضاً.
نظراً لمستجدات المحيط الثقافي العالمي، وما يساقط يومياً من خيرات ثقافية مرئية عبر وسائل التواصل الاجتماعي على المهتم بالمسرح، فقد تغير جمهور المسرح الجزائري إلى حد ما، كما هو الجمهور في كل مكان، إذ نلمس ارتفاع الوعي الاجتماعي والسياسي والثقافي والجمالي الفني لديه، وهو بذلك يبدو أكثر طلباً ومطالبة بمشاهد نصوص مسرحية مدهشة، نصوص تمثل هذه المرحلة بكل أحلامها وانكساراتها، وتُسائل واقعه، وواقع عصره، مستقاة من فلسفة الوجود وأسئلتها التي تؤرقه، عمل على ذلك كاتب ياسين في تجربته المسرحية الطويلة، وهو الروائي الذي خلخل بروايته العظيمة (نجمة 1956) كل المفاصل العتيقة للفن الروائي في شكله القديم، إلا أنه اختار - لشرط تاريخي - أن يخاطب العامة بلغتهم ومرجعيتهم، فنجح فيما يسمى «المسرح الشعبي السياسي»!
إلا أن هذه المرحلة الجمالية، تم تجاوزها من خلال تجارب جديدة قدمتها مجموعة من المخرجين والمخرجات من الجيلين الثاني والثالث من أمثال عبد القادر علولة وامحمد بن قطاف، وعمر فطموش، وعز الدين مجوبي، وزياني شريف عياد، وسليمان بن عيسى، ومحمد أدار، ومخلوف بوكروح، وعلي جبارة، ومراد السنوسي، وملياني مولاي، وحميدة آيت الحاج، وفوزية آيت الحاج، وشوقي بوزيد، ومحمد شرشال، وأحمد رزاق وغيرهم. ومع هذا الجيل بدأ البحث عن نصوص داخل الرواية. وهي مرحلة جديدة في مقاربة النصوص الروائية والقصصية، فاشتغل بعضهم على نصوص للطاهر وطار، وعبد الحميد بن هدوقة، ورشيد بوجدرة، ومحمد ديب، والطاهر جاووت، ورشيد ميموني، وأمين الزاوي وغيرهم، وتحويلها إلى الخشبة. وجميع هذه الأعمال تركت أثراً طيباً لدى عشاق المسرح، وأخرجتهم من مسار تجربة إلى أخرى؛ ولكنها تجارب قليلة، ولا تعطي فن الرواية حقه.
حضرتُ منذ فترة عرضاً أنتجه المسرح الجهوي لـ«سوق أهراس» مدينة سان أوغسطين على ركح المسرح الوطني بالعاصمة، تجربة حديثة للمخرجين علي جبارة والمسرحي مولاي ملياني في اقتباس لرواية «الملكة» للروائي أمين الزاوي بعنوان (سكورا)، وشاهدت تفاعل وتجاوب الجمهور الكبير مع العرض من رفع الستار حتى إسداله، أمام هذا تأكد لي أن المسرح الجزائري فتح باباً جديداً نحو تاريخ جديد أتمنى ألا يغلق أبداً. فليهتم صناع المسرح ومهندسو مشاهده وعروضه بالنص السردي الجزائري كما يفعل الآخرون، فالمسارح في أوروبا، وفرنسا خاصة، تهتم كثيراً بالنصوص الروائية الجزائرية المكتوبة بالفرنسية وتحولها إلى المسرح، أكثر من اهتمام المسرح الجزائري بها. كم من العروض شاهدنا مقتبسة من روايات كل من محمد ديب، وآسيا جبار، ورشيد بوجدرة، ومايسة باي، وكمال داود، وعبد القادر جمعي، وعزيز شواقي، وياسمينة خضرا، وأمين الزاوي وغيرهم...
فإذا كان المسرح يستفيد من جهته من النص الروائي الناجح في الانتشار فإن الرواية تستعيد كثيراً من ديناميكيتها بين القراء من جمهور المسرح من جهة ثانية. ثم إن ريبرتوار الرواية الجزائرية أصبح غنياً بالنصوص السردية الجميلة والمتنوعة والقوية، سواء بالعربية أو الفرنسية أو الأمازيغية، فقد تحقق تراكم كمي ونوعي مهم، بقي أن يتجاوز المثقفون والمبدعون الجزائريون من روائيين ومسرحيين وسينمائيين وتشكيليين وموسيقيين حالة الشتات التي عاشوها لسنوات، وذلك لغياب فضاءات مشتركة متاحة يلتقون على اختلاف حساسياتهم الجمالية والفكرية والسياسية. فضاءات للقاء حقيقي أو افتراضي تكون بمثابة منطقة (سوق إبداعية مشتركة)، يتم فيها تبادل الرأي والنقاش حول الإبداع من الأدب إلى المسرح إلى السينما إلى الفن التشكيلي إلى الموسيقى، حول الإخراج والسينوغرافيا والاقتباس وحول الإصدارات الروائية. سيجد المسرحيون، لا محالة، ما يبحثون عنه لخلق الفرجة المسرحية العالية في الجزائر مهد أول رواية في العالم (الحمار الذهبي) للجزائري أبوليوس، مروراً بروايات كاتب ياسين ومولود معمري وعبد الحميد بن هدوقة ونبيل فارس ونور الدين عبة والقائمة تطول، إلى أحدث نصوص بأقلام جديدة من الأدباء الجزائريين الذين تتعدد تجاربهم السردية بشكل لافت وإيجابي.
إنه أمر - لعمري - يدعو إلى التفاؤل رغم كل شيء. فارفعوا الستار باسم الرواية!



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.