الإسكندر وبونابرت.. جوانب ثقافية غير معروفة

اثنان من أكبر قادة التاريخ الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس

الإسكندر المقدوني  و نابليون
الإسكندر المقدوني و نابليون
TT

الإسكندر وبونابرت.. جوانب ثقافية غير معروفة

الإسكندر المقدوني  و نابليون
الإسكندر المقدوني و نابليون

الإسكندر المقدوني في القرن الرابع قبل الميلاد، ونابليون بونابرت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر والربع الأول من القرن التاسع عشر: اثنان من أكبر قادة التاريخ الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس. وفي هذه السطور نتوقف عند عملين جديدين عنهما يؤكدان أن حضورهما في الوعي التاريخي ما زال قويا لم ينتقص منه مر السنين.
العمل الأول مقالة طويلة عنوانها «عندما التقى الإسكندر بثالستريس» When Alexander Met Thalestris بقلم إدرين مايور Adrienne Mayor الباحثة في الكلاسيات والتاريخ وفلسفة العلم والتكنولوجيا بجامعة ستانفورد الأميركية. والمقالة منشورة في عدد يناير (كانون الثاني) 2015 من مجلة «التاريخ اليوم» History Today وهي مجلة شهرية تصدر في لندن.
تقول المأثورات إن الإسكندر بعد أن هزم داريوس الثالث إمبراطور الفرس قرر أن يمد حدود سلطانه وصولا إلى الهند. وفي عام 330 ق.م. شرع جيشه المكون من أكثر من 30 ألف رجل يتقدم من أكتابنا (همدان بإيران) عابرا الصحراء نحو راجا (طهران). وصل الجيش إلى هاريكانيا الواقعة على الشاطئ الجنوبي لبحر الخزر. وهنا نصب الإسكندر خيامه قرب صخرة كبيرة، بجوار ينبوع ماء، على مبعدة 10 أميال تقريبا من مدينة قديمة تدعى هيكا تومبسليوس. ومن قاعدته هذه انطلق الإسكندر يخضع عدة بلدات ويدخل في مناوشات مع قبائل متجولة تمكنت من أسر جواد الإسكندر (ويدعى بوسيفالوس) طالبة فدية في مقابل إطلاقه. وفي معسكره كان الإسكندر يلتقي بوفود جاءت من قريب ومن بعيد تريد أن تزجي آيات الولاء لفاتح العالم الجديد، بعد أن وضح أنه الجواد الرابح.
وفي هذا المعسكر استقبل الإسكندر زائرة غير عادية: إنها ثالستريس ملكة الأمازونات، مصحوبة بثلاثمائة من تابعاتها المحاربات على ظهور الجياد. والأمازونات أمة من النساء المحاربات يقول هيرودوت إنهن من إسقوذية (روسيا الآن) يتميزن بالقوة والمرونة، ويقال إنهن كن يستأصلن الثدي الأيمن كيلا يعوق استخدامهن للقوس والسهم. كان الغرض من زيارتها هو أن تحمل من الإسكندر ولدا! ولم لا، إن النسل الذي يعقبه محارب عظيم وملكة شجاعة خليق أن يأتي نسلا ممتازا يليق بوالديه. ويبدو أن الإسكندر قد استجاب لمطلبها، وأنها قضت في خيامه 13 يوما وليلة (بينما تزاوجت نساؤها مع رجاله) ثم رحلت إلى بلادها، وهي تحمل في بطنها جنينه.
أكانت هذه قصة حقيقية أم هي من نسج الخيال؟ هذا ما تبحثه إدرين مايور في بحثها التاريخي الشائق. إنها تسلط الضوء على كل تفاصيل القصة، طارحة أسئلة من نوع: هل ثمة أدلة - غير ما يقوله المؤرخون القدامى ورواة القصص - على أنها قصة حقيقية؟ لقد وردت القصة في كتابات بلوتارك واسترابون وديودور الصقلي وكورتيوس وجوستين، مع اختلاف في بعض التفاصيل. من كانت ثالستريس؟ بأي لغة تفاهمت مع الإسكندر وهما من جنسين مختلفين؟ ما الطريق الذي سلكته في رحلتها الطويلة إليه؟ أكان من المحتمل أن يرحب الإسكندر بالصلة مع امرأة غير إغريقية (كان الإغريق ينظرون إلى الأجناس الأجنبية على أنها أدنى منهم ويدعونها «البرابرة») أم كان سيرفض عرضها؟ ما الذي حدث بعد رحيلها عن معسكره؟
وتقول القصة إن ثالستريس طرحت على الإسكندر الاقتراح التالي: إذا أثمر لقاؤهما أنثى فستأخذها هي لتربيها على طريقة الأمازونات. أما إذا جاء ولدا فستهبه للإسكندر كي يكون وريثا له. وقد وافق الإسكندر على هذا، وإن لم تذكر لنا المأثورات نوع الوليد. تنتهي الباحثة إلى أن القصة، على الأرجح، ذات أساس تاريخي صادق. فمن المعروف أن الإسكندر كان يحلم بإقامة إمبراطورية عالمية، وبوتقة انصهار، تتلاقى فيها الأجناس (اقترن هو ذاته بابنة الملك الفارسي المهزوم داريوس، كما اقترن بروكسان وهي أميرة من إقليم باكتريا). كان يريد إدماج الثقافات من خلال علاقات التزاوج والمصاهرة وإنتاج أجيال جديدة متنوعة السلالة. وفي خطبة ألقاها على جنوده أعلن أنه تزوج أميرتين أجنبيتين راميا إلى «إلغاء كل تفرقة بين المنتصر والمهزوم». ونعلم أيضا أنه كان يشجع عشرات الآلاف من جنوده على الاقتران بنساء برابرة (أي غير أغارقة) خلال حملاته العسكرية الطويلة وفي مختلف الأقطار التي فتحها. بل إن هؤلاء الزوجات ونسلهن كن يسافرن مع جيشه أثناء انتقالاته. ومن المنطقي أن يكون قد نظر إلى ثالستريس - وهي امرأة جميلة ومحاربة أثبتت شجاعتها في القتال - على أنها أم مثالية لمن سوف يخلفه على العرش.
ومن الإسكندر ننتقل إلى شخصية أوروبية أخرى دوخت العالم وأثارت جدلا لم ينقطع حتى اليوم. إنها شخصية إمبراطور فرنسا نابليون بونابرت (1769 - 1821) الذي صدر عنه في عام 2014 مجلد ضخم في 936 صفحة، بعناية الناشر آلن لين، وعنوان المجلد «نابليون الأكبر» وهو من تأليف المؤرخ البريطاني أندرو روبرتس.
وللوهلة الأولى يثور السؤال: ما حاجتنا إلى كتاب جديد عن نابليون وقد ازدحمت المكتبات بآلاف الكتب وملايين الفصول والمقالات عنه؟ والإجابة هي أنه قد توافرت مواد جديدة للباحثين تمكنهم من النظر إلى الموضوع بأعين جديدة ومن منظور جديد. فقد نشرت حديثا المراسلات الكاملة لنابليون (نحو 33 ألف رسالة) في طبعة كاملة أمينة لا تحذف شيئا، وتخلو من أي تحريف. فمنذ كان في الرابعة عشرة حتى موته عن 51 عاما كان نابليون كاتب رسائل لا يكل، يكتب في المتوسط أكثر من خطابين في اليوم الواحد. ويؤمن روبرتس - مؤلف هذا الكتاب الجديد - بأن هذه المراسلات تقدم صورة جديدة لنابليون: أكثر إنسانية، وأدفأ قلبا، وأجدر بالتعاطف. لقد كانت فيه عناصر قوية من الرومانتيكية والشاعرية، وكان موهوبا في التعبير، فطنا. وفي غمرة، حملاته العسكرية وشواغله السياسية لم يكن يفوته أن يستفسر عن أحوال أسرته وأصدقائه وكان مهتما بروابطه العائلية. ويقول روبرتس إن هذه الخطابات «تميط اللثام عن الأفكار الحميمة لمفكر عميق، وصانع كلمات موهوب، لفت ذهنه انتباه جوته. إنها تكشف أسرار الزعامة لأكثر الشخصيات تشويقا بين من جلسوا على عرش أوربي منذ عصر الملكة إليزابيث الأولى» ملكة إنجلترا في القرن السادس عشر.
وإلي جانب ما سبق يورد روبرتس سببين آخرين لتأليف هذا الكتاب. السبب الأول هو أنه يريد أن يذكر عالمنا المعاصر بما يدين به لنابليون. إنه يعده رائدا لفكرة المجموعة الأوروبية أو أوروبا المتحدة حيث مبادئ العدل والمساواة تتجاوز الحدود الجغرافية. وقد حقق نابليون ذلك حين أنقذ الثورة الفرنسية من أعدائها ومن الجيوش الأوروبية التي كانت تتربص بها. وقد دعم مبادئ تقلد الوظائف على أساس الجدارة والكفاءة، والمساواة أمام القانون، وحقوق الملكية، والتسامح الديني، والإدارة السليمة للميزانية. ويؤكد روبرتس أن نابليون لم يكن سفاحا من طراز هتلر أو ستالين، وأنه ظل يحظى بتقدير كثير من المفكرين والسياسيين حتى في منفاه بجزيرة سانت هيلانه أو في جزيرة إلبا.
والسبب الآخر هو أن نابليون - في نظر روبرتس - قد تسبب، وهو ما لا يمكن إنكاره، في موت الآلاف أو تشويههم أو معاناتهم. ولكنه في كثير من حروبه لم يكن البادئ بالهجوم وإنما كان يدافع عن وطنه ضد هجوم أجنبي. لقد كانت الحروب تعلن عليه أكثر مما يعلن هو الحرب على أحد. ولم تكن غزواته تخلو من منافع. فالحملة الفرنسية على مصر - مع الإقرار بكل ما ارتكبته من جرائم - قد حملت معها المطبعة والجريدة وفريقا من العلماء وحلت رموز حجر رشيد وبذلك أسست - من الناحية الفعلية - علم المصريات.
ويضيف روبرتس «أننا لا يجب أن نحكم على نابليون أو غيره من القادة العسكريين بمقاييس حقوق الإنسان في عصرنا، وإنما بمقاييس عصره وظروفه. ولا يجب أن ننسى أن عوامل خارجة عن إرادته كانت السبب فيما حاق به وببلاده من هزائم. فقد راحت أوبئة الطاعون والتيفود، مثلا، تغزو، جيوشه وقد عجز - إزاء المساحات الجغرافية الشاسعة في غزوته لروسيا - عن توفير الطعام والماء النظيف لمئات الآلاف من جنوده، مما تسبب في موت الكثيرين منهم أو مرضهم.
ويقول فيكتور ديفيد هانسون - الزميل بجامعة ستانفورد الأميركية - في عرض له لكتابنا هذا: «إن روبرتس - على انحيازه لنابليون - مؤرخ أمين لا يزيف الحقائق. فهو يثبت، بما لا يدع مجالا للشك، أنه مات، مثلا، بسرطان المعدة وليس - كما ادعى بعض أنصاره - لأن حراسه الإنجليز دسوا له سما بطيئا في منفاه بجزيرة سانت هيلانه. ولم تكن حملته على روسيا حماقة من جانبه، وإنما تدخلت فيها عوامل لم يكن من الممكن التنبؤ بها مثل حلول شتاء قارس البرودة - يفوق في برودته ما عهدته روسيا ذاتها - وتفشي التيفود بين جنوده. ولولا ذلك لانتصر على الروس كما سبق له أن انتصر عليهم في معارك سابقة.
على أن ناقدا آخر كتب عن الكتاب، على صفحات مجلة «ذا نيو يوركر» الأميركية 15 ديسمبر (كانون الأول) 2014 يرى أن روبرتس - في غمرة إعجابه بنابليون - قد غفر له كثيرا من الخطايا والأخطاء ما كان يجب أن تغتفر. فخلال المائة يوم التي تخللت فرار نابليون من جزيرة إلبا وهزيمته في موقعة وترلو لقي مائة ألف جندي حتفهم، وهو ثمن باهظ تدفعه البشرية لقاء طموح رجل واحد وسعيه إلى المجد العسكري وخلود الذكر في التاريخ.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».