إيران تقيّد أعمال المفتشين الدوليين للضغط على الغرب

الرئيس الإيراني حسن روحاني خلال استقباله المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني حسن روحاني خلال استقباله المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي (د.ب.أ)
TT

إيران تقيّد أعمال المفتشين الدوليين للضغط على الغرب

الرئيس الإيراني حسن روحاني خلال استقباله المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني حسن روحاني خلال استقباله المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي (د.ب.أ)

تبدأ الحكومة الإيرانية تقييد أعمال المفتشين النوويين التابعين لمنظمة الأمم المتحدة في مراقبة البرنامج النووي الإيراني، في ما يعدّ جزءاً من الجهود التي تبذلها الحكومة الإيرانية لممارسة الضغوط على الدول الأوروبية وعلى الولايات المتحدة الأميركية بهدف التخفيف من العقوبات الاقتصادية إلى المستوى الذي وصلت إليه طهران حال إبرام الاتفاق النووي عام 2015 مع القوى الدولية المعنية.
ولا تزال الشروط الكاملة لتقييد أعمال المفتشين الدوليين يكتنفها الغموض. ولكن أي قيود تُفرض على قدرة المفتشين الدوليين في متابعة البرنامج النووي الإيراني تثير مخاوف بشأن ما تحولت إلى إحدى كبرى القضايا الحساسة في منطقة الشرق الأوسط منذ الانسحاب الأحادي الجانب للرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب عام 2018 من الاتفاق النووي الإيراني، حسبما نقلته وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية.
وفي الوقت نفسه، من شأن الاتفاق الموقت المبرم بين الحكومة الإيرانية والوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي يتيح للمفتشين الدوليين مواصلة أعمالهم لمدة تصل إلى 3 أشهر في إيران، أن ينتهي تماماً في خضم الحملة الانتخابية المقبلة لاختيار الرئيس الإيراني الجديد؛ الأمر الذي يضيف مقداراً من انعدام اليقين لدى الدول الغربية بشأن شخصية الرئيس الإيراني الجديد الذي سوف تُجرى معه المفاوضات المحتملة، وما يمكن للقوى الغربية توقعه وقتذاك.

كيف تقيد الحكومة الإيرانية من أعمال المفتشين الدوليين على أراضيها؟
كان البرلمان الإيراني قد مرر مشروع قانون جديد في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي يطالب فيه الحكومة بالحد من التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ثم الدفع بالبرنامج النووي الوطني إلى ما وراء حدود الاتفاق النووي المبرم عام 2015. وإثر تعديل مشروع القانون المذكور من قبل «مجلس صيانة الدستور» التابع للمرشد علي خامنئي، تحول المشروع قانوناً ساري المفعول. ومن ثم، شرعت الحكومة الإيرانية في معاودة تخصيب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 20 في المائة، تلك الخطوة الفنية التي تعدّ بعيدة عن مستويات صناعة الأسلحة النووية، مع إعادة تشغيل أجهزة الطرد المركزية المتقدمة لديها؛ وكلاهما من الأمور المحظورة بموجب بنود الاتفاق النووي.
ثم بدأت الحكومة الإيرانية التهديد بالانسحاب، استناداً إلى مشروع القانون المذكور، من «البروتوكول الإضافي» مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو اتفاق غير مُعلن يخول المفتشين الدوليين صلاحيات معززة في زيارة المنشآت ذات الصلة، ومراقبة البرنامج النووي الإيراني. وقد سافر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافاييل غروسي، إلى طهران في نهاية الأسبوع للتفاوض بشأن الأمر.
طرح غروسي قليلاً من التفاصيل بشأن كيفية تقييد أعمال المفتشين الدوليين حال عودته إلى فيينا، رغم أن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، قد صرح بمنع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من الوصول إلى شبكات كاميرات المراقبة الخاصة بالمواقع النووية في إيران. وكانت هيئة الطاقة الذرية الإيرانية، وهي الوكالة النووية المدنية في إيران، قد نشرت بياناً باللغة الفارسية في وقت مبكر من يوم الاثنين الماضي، أوضحت فيه اعتزامها الاحتفاظ بملفات كاميرات المراقبة لمدة 3 أشهر قبل تسليمها إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وذلك في حالة حصول الحكومة الإيرانية على تخفيف العقوبات المفروضة عليها.
وقالت هيئة الطاقة الذرية الإيرانية في بيانها: «بخلاف ذلك، سوف نقوم بحذف الملفات إلى الأبد».
وصرح غروسي بأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تعتزم إبقاء وجود العدد نفسه من المفتشين الدوليين على الأراضي الإيرانية. ومع ذلك، فإن منع الوصول إلى كاميرات المراقبة التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية يعني أن الوكالة لا تستطيع مراقبة الأعمال الإيرانية في الأوقات التي لا يكون فيها هؤلاء المفتشون موجودين في أحد المواقع.
وأردف غروسي أن الاتفاق الجديد بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية والحكومة الإيرانية يؤثر كذلك على مقدرة المفتشين الدوليين في إجراء ما تُسمى عمليات التفتيش «المفاجئة» للمواقع النووية الإيرانية. واقترح غروسي أيضاً الاستمرار في السماح بإجراء بعض أنماط عمليات التفتيش المعروفة، رغم أنها ليست على النحو السابق. ولم يتطرق المدير العام للوكالة إلى مزيد من التفاصيل، كما أنه لم يفسر التغير الواضح في الموقف الإيراني.

لماذا تفعل الحكومة الإيرانية ذلك؟
بعد تحمل سنوات مما كانت إدارة الرئيس الأميركي السابق ترمب تصفها بـ«حملة الضغوط القصوى»، ترغب الحكومة الإيرانية راهناً في ممارسة حملتها من الضغوط على البلدان الأوروبية وعلى الرئيس الأميركي الجديد، الذي صرح بأنه على استعداد للعودة إلى الاتفاق النووي الإيراني. ومن المعروف أن العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران تحرمها تماماً من الوصول إلى الأسواق المالية الدولية، كما تحظر عليها محاولات بيع النفط الإيراني الخام في الخارج. وفي تلك الأثناء، رزح الاقتصاد الإيراني تحت ضغوط مُنهكة مع استمرار استفحال التضخم من دون رادع يوقفه، سيما مع انهيار قيمة العملة الإيرانية في خضم ذلك. وقد أسفرت جائحة «كورونا» الراهنة عن تفاقم المشكلات الاقتصادية الإيرانية.
وحتى الآن، شهدت الأسابيع الأولى من إدارة الرئيس بايدن الجديدة انشغاله الواضح والكبير بمعالجة القضايا الداخلية في الولايات المتحدة، في حين كان يشير إلى استعداده لإعادة نشر القوات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، وفي مواضع أخرى، من أجل مواجهة كل من الصين وروسيا. ويُعد تقييد أعمال المفتشين الدوليين في إيران، الذي يعدّ الركن الأساسي في ضمان سلمية البرنامج النووي الإيراني، بمثابة المقاربة التي تنتهجها إيران لجذب انتباه القوى الغربية.

ما الذي تعنيه التصرفات الإيرانية بالنسبة إلى المفاوضات؟
تشدد الحكومة الإيرانية على رغبتها في العودة إلى الاتفاق النووي لعام 2015 على صورته الأولى. ومع ذلك، بدأت بعض أحكام وبنود الاتفاق النووي في الانتهاء بالفعل؛ مثل تقييد قدرة الحكومة الإيرانية على شراء الأسلحة من الخارج. الأمر الذي يثير القلق لدى بلدان الخليج العربي المجاورة لإيران، والذين طالما شككوا في النوايا الإقليمية لدى الحكومة الإيرانية.
وكان الرئيس جوزيف بايدن، الذي أعلن عن استعداده للعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران شريطة امتثالها لأحكامه، قد تعهد كذلك بمواجهة صارمة لما وصفها بالأنشطة المزعزعة لاستقرار الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط.
ولم يشتمل الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 على ملفَي «برنامج الصواريخ الباليستية» ولا «الدعم الإيراني المباشر للميليشيات الإقليمية»، فضلاً عن شواغل إقليمية أخرى ذات صلة. وأعلنت إدارة الرئيس الأسبق أوباما، في ذلك الوقت، عن أملها أن يسفر الاتفاق النووي عن مزيد من الاتفاقيات مع الحكومة الإيرانية. وكان الرئيس دونالد ترمب قد استشهد بعدم إبرام مثل تلك الاتفاقيات الإضافية في معرض اتخاذه قرار الانسحاب أحادي الجانب من الاتفاق النووي. ومن شأن محاولة إدخال تلك الاتفاقيات الإضافية على ملف المفاوضات؛ أو محاولة إشراك بلدان الخليج العربي أو حتى إسرائيل (العدو اللدود لإيران) في تلك المحادثات، أن يُفضي إلى انهيارها قبل البدء فيها.

ما الأخطار المحتملة؟
كلما طال أمد المفاوضات، ارتفعت احتمالات تغير الوجوه الرسمية الإيرانية على الطرف الآخر من طاولة التفاوض؛ إذ تستشرف الحكومة الإيرانية موسم الانتخابات الرئاسية في يونيو (حزيران) المقبل، مع شعب بلغ به الاستياء العميق ما بلغ من سياسات الرئيس الحالي حسن روحاني وحلفائه الذين أبرموا الاتفاق. واستنفد الرئيس روحاني، رجل الدين ذو الصفات المعتدلة نسبياً داخل الحكومة الثيوقراطية الإيرانية، فرص ترشحه مجدداً لرئاسة البلاد، في حين أن المرشد علي خامنئي يملك الكلمة الأخيرة في كل شؤون الدولة. ومن ثم، فإن الشخصيات المنتخبة في الحكومة الإيرانية لا تملك التأثير الفعلي في مختلف سياسات البلاد.
ومن دون النجاح الحقيقي حول طاولة المفاوضات، فمن شأن الحكومة الإيرانية أن تحظر كل أعمال مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أو ربما الانسحاب النهائي من «معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية». وتعدّ كوريا الشمالية، التي تمتلك الأسلحة النووية حالياً، الدولة الوحيدة التي انسحبت فعلياً من المعاهدة المذكورة. وقد شددت الحكومة الإيرانية مراراً وتكراراً على الأغراض السلمية المقصودة من وراء البرنامج النووي الوطني لديها. غير أن وزير الاستخبارات الإيراني قد حذر في فبراير (شباط) الحالي من أن القوى الغربية تدفع بإيران دفعاً إلى مسار صناعة الأسلحة النووية.
وإذا ما تحركت الحكومة الإيرانية على مسار الحصول على السلاح النووي، فمن شأن تلك التحركات أن تثير اللجوء إلى الأعمال العسكرية من جانب إسرائيل، والتي قامت بالقصف الجوي مرتين متتاليتين ضد المنشآت النووية في الشرق الأوسط في الماضي للحيلولة دون حصول العراق وسوريا على القنبلة النووية. وبالفعل، تعرضت منشأة نووية إيرانية لهجمة تخريبية مع اغتيال أحد علماء الذرة البارزين في العام الماضي؛ تلك الأحداث التي ألقت فيها طهران باللائمة على عاتق تل أبيب كالمعتاد.



طهران تتمسّك بالتخصيب «حتى لو اندلعت الحرب»

عراقجي يشارك في منتدى السياسة الخارجية وعلى يساره رئيس اللجنة العليا للسياسة الخارجية كمال خرازي ووزير الخارجية الأسبق علي أكبر صالحي ويدير الندوة سعيد خطيب زاده رئيس مركز بحوث الجهاز الدبلوماسي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي يشارك في منتدى السياسة الخارجية وعلى يساره رئيس اللجنة العليا للسياسة الخارجية كمال خرازي ووزير الخارجية الأسبق علي أكبر صالحي ويدير الندوة سعيد خطيب زاده رئيس مركز بحوث الجهاز الدبلوماسي (الخارجية الإيرانية)
TT

طهران تتمسّك بالتخصيب «حتى لو اندلعت الحرب»

عراقجي يشارك في منتدى السياسة الخارجية وعلى يساره رئيس اللجنة العليا للسياسة الخارجية كمال خرازي ووزير الخارجية الأسبق علي أكبر صالحي ويدير الندوة سعيد خطيب زاده رئيس مركز بحوث الجهاز الدبلوماسي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي يشارك في منتدى السياسة الخارجية وعلى يساره رئيس اللجنة العليا للسياسة الخارجية كمال خرازي ووزير الخارجية الأسبق علي أكبر صالحي ويدير الندوة سعيد خطيب زاده رئيس مركز بحوث الجهاز الدبلوماسي (الخارجية الإيرانية)

أكدت إيران تمسكها بتخصيب اليورانيوم «حتى لو اندلعت الحرب»، وذلك بعد يومين من أحدث جولة محادثات بين طهران وواشنطن في العاصمة العُمانية مسقط.

وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده لن تقبل «التخصيب الصفري» تحت أي ظرف، مشدداً على أن أي تفاوض مشروط بالاعتراف بحق إيران في التخصيب داخل أراضيها، مع استعدادها لبحث إجراءات لبناء الثقة مقابل رفع العقوبات.

ووصف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان محادثات مسقط بأنها «خطوة إلى الأمام»، في حين عبّر رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي عن تشكيكه في نيات واشنطن، محذراً من استخدام المفاوضات «للمكر وكسب الوقت».

كما كشف عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، محمود نبويان، عن رسالة أميركية سبقت المفاوضات طلبت «السماح بضرب نقطتين داخل إيران»، وقال إن الرد كان بأن أي هجوم سيُقابَل بخسائر كبيرة.

في غضون ذلك، لوّحت إسرائيل بالتحرك عسكرياً ضد القدرات الصاروخية الإيرانية إذا تجاوزت طهران «الخطوط الحمراء». وقال وزير الطاقة الإسرائيلي، إيلي كوهين، إن أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران «لا قيمة له»، عادّاً أن احتمال المواجهة العسكرية مع طهران لا يزال قائماً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات.


تقرير: إدارة ترمب تتوقع من إيران تقديم تنازلات في الملف النووي

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)
TT

تقرير: إدارة ترمب تتوقع من إيران تقديم تنازلات في الملف النووي

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)

أفادت وسائل إعلام إسرائيلية، يوم الأحد، بأن المجلس الوزاري الأمني يقول: «سنواجه أي محاولة إيرانية للمساس بإسرائيل بقوة حاسمة».

ونقلت صحيفة «جيروزاليم بوست» عن مصادر مطلعة قولها، يوم الأحد، إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أبلغت إيران بأنها تتوقع من الوفد الإيراني تقديم «مقترحات جوهرية» خلال الاجتماع المقبل بين الجانبين.

ونقلت الصحيفة الإسرائيلية عن مصدرين قولهما إن الأميركيين يتوقعون من إيران تقديم «تنازلات» في الملف النووي وقضايا أخرى.

وقالت الصحيفة إن المجلس الوزاري الأمني في إسرائيل يرى أن النظام الإيراني لا يمكن الوثوق بوعوده.

ونقلت «جيروزاليم بوست» عن مصدر عسكري قوله: «النظام الإيراني أثبت مراراً وتكراراً أنه لا يمكن الوثوق بوعوده... إذا حاولت إيران المساس بسيادتنا أو مواطنينا فستكون العواقب وخيمة عليها... وسنواجهها بقوة حاسمة».

وقال المصدر إن إسرائيل متمسكة بأن تفضي المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران إلى منعها من امتلاك أسلحة نووية وفرض قيود على صواريخها الباليستية.

وفي وقت سابق من اليوم، ذكرت صحيفة «جيروزاليم بوست»، نقلاً عن مصادر أمنية، أن مسؤولين عسكريين إسرائيليين أبلغوا الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة بأن برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني يمثل تهديداً وجودياً، وأن إسرائيل مستعدة للتحرك ضد طهران بشكل منفرد إذا لزم الأمر.

وقال مصدر أمني: «أبلغنا الأميركيين بأننا سنضرب منفردين إذا تجاوزت إيران الخط الأحمر الذي حددناه بشأن الصواريخ الباليستية»، مضيفاً أن إسرائيل لم تصل بعد إلى تلك النقطة، لكنها تتابع التطورات داخل إيران عن كثب.

واستضافت مسقط، صباح الجمعة، جولة مفاوضات غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على استئناف المحادثات على أن يتم تحديد الموعد والمكان في وقت لاحق.


حملة اعتقالات تطول التيار الإصلاحي في إيران

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
TT

حملة اعتقالات تطول التيار الإصلاحي في إيران

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)

أفادت وسائل إعلام إصلاحية إيرانية، مساء الأحد، باعتقال آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات» والأمينة العامة لحزب «اتحاد ملت إيران»، في إطار حملة اعتقالات طالت شخصيات بارزة في التيار الإصلاحي، بعد أسابيع من الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد.

وذكر موقع «امتداد»، القريب من «جبهة الإصلاحات»، أن منصوري اعتُقلت بموجب أوامر قضائية على يد عناصر من جهاز استخبارات «الحرس الثوري»، خلال مداهمة منزلها في بلدة قرتشك ورامين، الواقعة على بعد نحو 20 كيلومتراً جنوب شرقي طهران.

وفي وقت لاحق، أكدت وكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، نقلاً عن مصادر أمنية وقضائية، اعتقال منصوري إلى جانب إبراهيم أصغرزاده، النائب الأسبق، والشخصية الإصلاحية البارزة وعضو اللجنة المركزية لـ«جبهة الإصلاحات»، ومحسن أمين‌زاده، نائب وزير الخارجية في حكومة الرئيس الأسبق محمد خاتمي.

بزشكيان عقد ثالث اجتماع مع أعضاء «جبهة الإصلاحات» منذ توليه الرئاسة بعد أيام من انتهاء الحرب مع إسرائيل أغسطس 2025 (الرئاسة الإيرانية)

وحسب المصادر نفسها، شملت الاتهامات الموجّهة إلى المعتقلين «استهداف التماسك الوطني، واتخاذ مواقف مناوئة للدستور، والتنسيق مع دعاية العدو، والترويج لنهج الاستسلام، وتحريف المسارات السياسية للجماعات، وإنشاء آليات سرية ذات طابع تقويضي».

وقال مسؤول مطّلع إن السلطات «تعاملت مع هذه المجموعة وفقاً للقانون»، رغم «تحمّل مواقفهم النقدية السابقة»، بسبب ما وُصف بـ«استمرار أنشطتهم المناهضة للأمن».

وتُعد «جبهة الإصلاحات» الإطار التنسيقي الأوسع للأحزاب الإصلاحية في إيران، وكانت من أبرز الجهات التي دعمت الرئيس مسعود بزشكيان خلال الانتخابات الأخيرة.

وتوازياً، أفادت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، في بيان مقتضب وغامض، بأن الادعاء العام في طهران وجّه اتهامات رسمية إلى عدد من العناصر السياسية البارزة، على خلفية ما وصفه بـ«دعم النظام الصهيوني والولايات المتحدة»، في إطار التحقيقات المرتبطة بأحداث يناير، من دون الكشف عن أسماء المعنيين أو انتماءاتهم الحزبية أو ملابسات توقيفهم.

وبحسب الوكالة، فإن هذه الأحداث «الإرهابية»، أظهرت ارتباطاً عملياً وعملياتياً بـ«إسرائيل» وأجهزة «الاستكبار»، عبر شبكة تنظيمية وإعلامية عملت خلف الكواليس وفي الفضاء الافتراضي لتبرير أعمال العنف والتأثير على الأمن الداخلي.

وأضافت أن رصد سلوك السياسية البارزة في عدد من التيارات خلال ذروة التهديدات الأميركية والإسرائيلية دفع الادعاء العام إلى فتح ملفاتهم، بعد اتهامهم بتنظيم وقيادة أنشطة لإرباك الأوضاع السياسية والاجتماعية، وتبرير ما وصفته بـ«الإرهاب الميداني».

وذكرت «تسنيم» أنه بعد استكمال الإجراءات، وجهت اتهامات إلى أربعة أشخاص مرتبطين بحزب سياسي، جرى توقيف عدد منهم بتهمة العمل لصالح «إسرائيل» والولايات المتحدة، فيما استدعي آخرون للتحقيق، في إطار قضية تتهم عناصرها بالتحريض وتقويض التماسك الوطني، حسب الوكالة.

الناشطة آذري منصوري وأمين زاده على اليسار وفي يمين الصورة اصغرزاده (جماران)

وأكدت وكالة «ميزان»، التابعة للسلطة القضائية، توقيف وتوجيه الاتهام إلى «عدد من الشخصيات السياسية»، من دون الكشف عن هوياتهم.

وكانت منصوري (60 عاماً) شغلت سابقاً منصب مستشارة للرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي. وبعد اندلاع الاحتجاجات في إيران أواخر ديسمبر (كانون الأول)، كتبت عبر حسابها على «إنستغرام»: «عندما تُغلق جميع السبل لإسماع الصوت، يخرج الاحتجاج إلى الشارع»، معتبرة أن «القمع هو أسوأ طريقة للتعامل مع المحتجين»، حسبما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية.

وفي إشارة إلى سقوط آلاف القتلى خلال الاحتجاجات، قالت لاحقاً: «لا يمكننا الوصول إلى الإعلام، لكننا نقول للعائلات المفجوعة: أنتم لستم وحدكم»، مضيفة أن «لا قوة ولا مبرر ولا وقت يمكن أن يطهّر هذه الكارثة الكبرى».

وسبق أن أوقفت منصوري بعد الاحتجاجات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية عام 2009، وحكم عليها بالسجن ثلاث سنوات بتهم من بينها الإخلال بالنظام العام والدعاية ضد الدولة. وفي عام 2022، وُجهت إليها تهمة «نشر الأكاذيب بقصد إيذاء الآخرين وإثارة الرأي العام عبر الإنترنت»، وصدر بحقها حكم بالسجن لمدة عام وشهرين.

ومنذ يونيو (حزيران) 2023، تتولى منصوري رئاسة جبهة الإصلاحات، وهي التحالف الرئيسي للأحزاب والمجموعات الإصلاحية التي تطالب بتوسيع الحريات الاجتماعية وتعزيز دور المجتمع المدني.

تحذيرات القضاء

وتأتي هذه الاعتقالات على خلفية الاحتجاجات التي اندلعت في أنحاء إيران في 28 ديسمبر (كانون الأول) نتيجة الأوضاع المعيشية، قبل أن تتسع سريعاً إلى حركة احتجاجية واسعة مناهضة للحكومة، بلغت ذروتها في 8 و9 يناير (كانون الثاني).

وقالت السلطات الإيرانية إن الاحتجاجات بدأت بشكل سلمي قبل أن تتحول إلى «أعمال شغب» شملت القتل والتخريب، متهمةً الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف خلف ما وصفته بـ«عملية إرهابية». وأسفرت حملة القمع اللاحقة عن إنهاء الاحتجاجات التي اعتبرت التحدي السياسي الأكبر للنظام منذ عام 1979.

وقبيل حملة الاعتقالات، وجّه رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إجئي، انتقادات حادة لشخصيات داخلية أصدرت بيانات خلال الاحتجاجات وطالبت بإصلاحات وتشكيل لجان تقصي حقائق، محذّراً من أن عدم الوقوف إلى جانب «ولي الفقيه» يؤدي إلى المصير نفسه الذي انتهى إليه «أولئك الذين لجأوا إلى صدام حسين أثناء الحرب، ويلجأون اليوم إلى الصهاينة المجرمين».

وقال إجئي: «هؤلاء الذين كانوا يوماً مع الثورة واليوم يصدرون بيانات، هم أناس مساكين وبائسون».

وحسب منظمة «هرانا» الحقوقية، ومقرها الولايات المتحدة، فقد جرى توثيق مقتل 6971 شخصاً خلال الاحتجاجات، معظمهم من المتظاهرين، إضافة إلى أكثر من 51 ألف معتقل.

تهديد برلماني للإصلاحيين

وتزامنت حملة الاعتقالات مع تصاعد الجدل الذي أثارته تصريحات علي شكوري‌راد، الرئيس السابق لـ«جبهة الإصلاحات» والبرلماني الأسبق، التي اتهم فيها القوات الأمنية بـ«افتعال القتل من صفوف عناصرها» و«إحراق المساجد» خلال الاحتجاجات.

وأثار ذلك رد فعل غاضباً من النائب أمير حسين ثابتـي، عضو كتلة «الصمود» المتشددة في البرلمان، الذي طالب شكوري‌راد بتقديم أدلة تثبت أن القوات الأمنية هي من أحرقت المساجد، محذّراً من أن عدم تقديم مستندات «يفرض على السلطة القضائية محاكمته حتماً».

وفي رسالة رسمية، اتهم ثابتـي شكوري‌راد بطرح «ادعاءات غريبة وغير موثقة»، وكتب: «إذا كانت لديكم مستندات، فسلّموها لي لمتابعتها عبر البرلمان والجهات المعنية، وإعلان النتيجة النهائية للشعب».

وأضاف محذّراً: «عدم تقديم الأدلة يُعد ظلماً كبيراً بحق النظام والقوات الأمنية، لا يجبر حتى بالاعتذار العلني».

ماذا قال شكوري‌راد؟

وكان تسجيل صوتي مسرب من شكوري‌راد قد نُشر الأسبوع الماضي، ويقدّم فيه رواية مفصلة لأحداث 8 و9 يناير، قال فيها إن «افتعال القتل من عناصرهم هو مشروع لقمع الاضطرابات»، مضيفاً أن «حرق المساجد والأضرحة والمصاحف وقتل عناصر من الباسيج والأمن يُستخدم ذريعةً للقمع»، معرباً عن رفضه الرواية الرسمية التي تتهم الموساد وفرق عمليات خارجية بالوقوف خلف تلك الأحداث.

وفي تصريحات أخرى، انتقد شكوري‌راد وصف الرئيس مسعود بزشكيان للمحتجين بـ«المشاغبين»، معتبراً أن ذلك «أحرق دوره كقوة وسطية»، وقال إن القوة الوسطية «تمثّل رأسمالاً اجتماعياً أساسياً في الأزمات».

دخان يتصاعد مع تجمع متظاهرين مناهضين للحكومة في مشهد بإيران 10 يناير 2026 في هذه اللقطة المأخوذة من فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وفي السياق نفسه، أشار شكوري‌راد إلى المؤتمر الأخير لحزب «الاتحاد»، حيث طُرح خلال إحدى جلساته اقتراح يقضي بأن يقوم المرشد الإيراني علي خامنئي، في إطار معالجة الأوضاع الراهنة، بتفويض جزء من صلاحياته إلى الرئيس بزشكيان، في خطوة قال إنها نوقشت داخل الأطر الحزبية ولم تُطرح بصيغة علنية.

«مجلس انتقالي»

وكانت قناة «إيران إنترنشنال» قد أفادت، في تقرير نشرته في 20 يناير، بأن المجلس المركزي لـ«جبهة الإصلاحات» عقد اجتماعاً طارئاً وسرياً ناقش مسودة بيان تطالب بتنحي خامنئي وتشكيل «مجلس انتقالي»، غير أن الأجهزة الأمنية تدخلت وهددت قادة الجبهة، ما أدى إلى وقف نشر البيان والتراجع عن أي دعوة علنية.

وحسب التقرير، شملت المناقشات أيضاً اقتراحات بـ«استقالات جماعية» و«دعوات لتظاهرات واسعة»، إلا أن الضغوط الأمنية، التي تضمنت تحذيرات من اعتقالات واسعة، حالت دون المضي بهذه الخطوات.

وحسب مصادر قريبة من التيار الإصلاحي، نقلت عنها القناة، فإن رد الفعل الأمني يعكس حساسية السلطة تجاه أي مؤشرات على انقسام سياسي في المستويات العليا، وسعيها لمنع تشكّل أي إجماع أو تحرّك علني داخل المشهد السياسي الإيراني.