كافكا... التشظي بوصفه حالة مركزية

مجموعة جديدة تزيل الألفة عن كاتب ظننا أننا نعرفه

فرانز كافكا
فرانز كافكا
TT

كافكا... التشظي بوصفه حالة مركزية

فرانز كافكا
فرانز كافكا

رواية «القلعة»، الرواية الثالثة والأخيرة، لفرانتز كافكا تنتهي عند منتصف جملة. لكن حين دخل النص إلى العالم لأول مرة كان قد حرر ليكون مكتملاً. ماكس برود، صديق كافكا ومنفذ وصيته الأدبية، الذي هيأ الطبعة الأصلية عام 1926، ذكر لاحقاً أن «هدفه كان أن يقدم في شكل قابل للقراءة عملاً غير تقليدي ومقلقاً، عملأً لم ينتهِ تماماً: لذا بذلت كل المحاولات لتفادي كل ما يمكن أن يبرز كونه عملاً متشظياً». لكي ينجز هذه التعمية لشكل رواية لم تكتمل، قام برود باجتزاء خمس النص. في النهاية وجد أن ما اختاره كان أفضل، فقام في الطبعة الثانية باستعادة معظم ما اجتزأه - لكن في تلك الفترة كان نجاحه في اجتذاب الاهتمام بعمل كافكا قد أدى إلى وضعه على القائمة النازية «للأعمال المضرة وغير المرغوب بها». أدى ذلك إلى منع الطبعة الأكثر وفاء من الوصول إلى القراء الألمان إلى أن سقط الرايخ الثالث. في تلك الأثناء كان قراء كافكا قد ازدادوا في الخارج نتيجة لتراجمه إلى الإنجليزية عام 1930 التي قام بها ويلا وإدوين ميور، اللذان أسسا ترجمتهما للقلعة على طبعة برود الأصلية - مقدمين الرواية على أنها عمل مكتمل بدلاً من أن يكون متشظياً.
الحالة التي ترك كافكا رواية «القلعة» عليها تمثل الوضع السائد في أعماله كلها. لقد نشر أثناء حياته قليلاً من القصص في مجلات ودفع بمجموعة سردية واحدة، مهيئاً أخرى لم تظهر إلا بعد وفاته. لكنه ترك النسبة الكبرى من أعماله ناقصة - بملاحظة، كما هو مشهور للأسف، يطلب فيها من برود إحراق كل كلمة. نظر برود إلى الروايات الأخرى التي رفض إتلافها بالطريقة نفسها التي نظر بها إلى «القلعة»، حاذفاً فصولاً غير مكتملة من «المحاكمة» ومعدلاً نهاية رواية كافكا الأولى «الرجل الذي اختفى» (التي عدل اسمها) إلى «أميركا». أما بالنسبة للكم الكبير من القصص والعبارات والأقوال المأثورة، فقد وضع برود عناوين لما يفتقر إلى ذلك منها وأصلح النهايات الملغاة.
على مدى العقود التالية، اعترضت أجيال من الباحثين والمترجمين على النسخة المصقولة من كافكا كما بناها برود. اتضحت حالة التشظي بوصفها مركزية في أعمال كافكا منذ عام 1949، حين لاحظ المنظّر موريس بلانشو في كتابه «عمل النار»، الذي ترجمته شارلوت مانديل، أن «قصص كافكا الرئيسية شظايا، وأن العمل بكليته متشظٍ». لكن في العالم الأدبي الأنغلوفوني، طورت هذه المراجعة في أقصى دلالاتها على مدى العشرين عاماً الأخيرة تقريباً: كما في ترجمة مارك هارمان لـ«القلعة» (1998) وترجمة بريون متشل لـ«المحاكمة» (1999). الشاعر والمترجم مايكل هوفمان انضم إلى الداعين إلى كافكا غير مصقول، في النسخة التي قدمها من رواية كافكا الأولى، إذا أخذنا في الاعتبار عنوانها المعدل «أميركا: الرجل الذي اختفى» (2017)؛ والآن «الكتابات المفقودة».
هذا المجلد الجديد يجمع 74 نصاً قصيراً - بعضها أطول من صفحتين، وكثير منها لم يكتمل - اعتنى بها راينر ستاش، مؤلف السيرة ثلاثية الأجزاء لكافكا. في مقدمته يجادل ستاش أنه على الرغم من أن «السمة الهشة والمتشظية» لأعمال كافكا تركت أثراً بالغاً، بل «جعلتنا ننظر إلى الشظية الأدبية بجدية»، فإن أكثر نصوص الكاتب تشظياً ظلت مختفية عن الأنظار: يندر أن تُترجم، غالباً غير مطبوعة، بالكاد تقرأ، وهكذا، حتى لو لم تغب تماماً، فإنها «مفقودة» أساساً. قول ستاش إننا ندين لكافكا باهتمامنا بالشظية الأدبية كما هي يتضمن بعض المبالغة التي لا تخلو من التنميق؛ قبل ولادة كافكا بمائة عام، لاحظ الفيلسوف فريدرك شليغل ساخراً أن «كثيراً من أعمال القدماء صارت شظايا. كثير من أعمال المحدثين تصير شظايا بمجرد كتابتها». لكن من المؤكد أن كافكا كان أساسياً لاكتشاف الحداثيين وما بعد الحداثيين لقيمة العمل غير المكتمل. بالنظر إلى الغموض المؤسف لكثير من نصوصه الأكثر تشظياً، تكتسب مهمة ستاش وهوفمان أهميتها: دفع مزيج من هذه النصوص، التي تؤلف ما يسميه ستاش «القاعدة العملاقة» لـ«جبل الجليد» المتمثل بأعمال كافكا، إلى السطح.
مع أن ستاش يعترف بتنازلات معينة لبرود - فإنه يكتب قائلاً: «تسعى المختارات قبل أي شيء إلى أن تكون سهلة المتناول»، إذ تقدم «نصوصاً سهلة المقاربة والقراءة إلى حد بعيد» - كتاب «الكتابات المفقودة» يتجنب منتشياً أي بنية تنظيمية يمكن أن توجهنا، من العناوين إلى التقسيمات إلى صفحة المحتويات. إلى جانب المختارات والخاتمة، هناك فقط كشاف للأسطر الأولى. هذه المقاربة االتي تقف عند الحد الأدنى تغرق القراء مباشرة في عالم كافكا. الصفحة الأولى نفسها تثبتنا في أحد فخاخ كافكا الشهيرة: «أستلقي على الأرض أسفل جدار، أتلوى من الألم، أحاول أن أختبئ في جحر من الأرض الرطبة».
يمكننا تقسيم النصوص المجموعة في «الكتابات المفقودة» إلى مجوهرات وكِسَر - الأولى تبدو مكتملة بصورة مفهومة، الأخيرة واضحة الانكسار - في كل واحدة نوع خاص من الغموض. ضمن ذلك التقسيم، يأتي النص الأول جوهرة؛ الجمل التي تؤلف بقية الحكاية تقدم صورة مختصرة للمشهد، فارشة الألم الذي تتضمنه البداية. ها هو الراوي بوصفه ضحية، عربة مجهزة بسائق وكلاب تشعر بالملل مما تم اصطياده، وصياد «ينخز بجشع عجول (الراوي)». ومما يثير الاستغراب أكثر تعبير وحشي عن رغبة كبتت: «عطِشٌ، بفم مفتوح، تنفست في سحب من الغبار».
هذه الأمثولة الافتتاحية حول العجز المحكوم عليه تسير بتمتمة إلى الأمثولة التالية - جوهرة أخرى تتغير فيها الظروف والأسلوب تماماً، لكن الدينامية الأساسية للمفترس والضحية لا تتغير. هنا يضع الراوي نفسه في موضع استقواء قاسٍ تحتله حاشية الصياد في القطعة الأولى. يخاطب الواقعين في المصيدة:
«إذن تريدون أن تتركوني؟ حسناً، إن القرارات لا تختلف. أين ستذهبون؟ أين هو البعيد عني؟ القمر؟ حتى ذاك ليس بعيداً بما يكفي، ولن تصلوا إلى هناك. لِمَ الضجيج إذن؟ أليس من الأجدى أن تجلسوا في زاوية ما بهدوء؟ ألن يكون ذلك أفضل؟ زاوية دافئة ومظلمة؟ هل تسمعون؟ تتحسسون الباب. حسناً، أين هو؟ ما أتذكره هو أن هذه الغرفة بلا باب».
يتكرر غياب المخارج عبر نصوص المجموعة، مثلما تتكرر الممرات التي يستحيل المرور عبرها، ولا يزيد حضور الباب الذي لا جدوى منه سوى زيادة التوتر في أجواء المصيدة. في بقايا نص تالٍ يعود قطيع مشتت من الوحوش إلى موطنه بعد سرقة شربة من الماء من بركة ليتعقبهم من يعاقبهم بسياط فيدخلون «قاعة الأسلاف حيث الباب مغلق وبقينا وحدنا». في آخَر، وهو جوهرة أيضاً، يذرع الراوي، دون سبب واضح، «قاعة حجمها كبير كالمعتاد ومضاءة بالضوء الكهربائي». يقول: «كان للغرفة أبواب، لكن إذا فتحتَ أحدها وجدت نفسك في مواجهة جدار مظلم من الصخر الأصم لا يبعد عن الحافة بأكثر من عرض اليد، ويمتد إلى الأعلى على الجانبين على امتداد النظر. لم يكن ثمة مخرج هناك».
الجملة الخانقة نفسها «لا مخرج» - وهي جملة متشظية كافكاوية بحد ذاتها - تظهر في نص آخر، حوار بين محاور وشمبانزي اسمه «رد بيتر» سبق أن تم اصطياده من غابته على يد بشر وتعلم في النهاية كيف يتصرف كالبشر. الشمبانزي هو أيضاً الراوي لقصة «تقرير لأكاديمية»، إحدى القصص القليلة التي أنهاها كافكا ونشرها أثناء حياته. في القصة بصورتها المكتملة يعبّر «رد بيتر» عن رغبته في «مخرج» ويكرس بعض الوقت للبحث عن معنى لجملة: «أخشى أنك لا تفهم تماماً ما أعنيه حين أقول (مخرج)»، يقول هذا لمستمعيه في ترجمة ويلا وإدوين ميور.
ويضيف: «إنني أستخدم العبارة في معناها الأكمل والأكثر شيوعاً. إنني أتعمد عدم استخدام كلمة (حرية). لا أقصد الشعور الفضائي بالحرية من كل الجوانب» - تركنا نستنتج أي لون من الحرية المقيدة نسبياً يبحث عنه ليكون البديل. في النسخة المتضمنة في «الكتابات مفقودة»، يروي «رد بيتر» وهو في حالة حزن قصة اصطياده، وكيف أنه قبل ذلك «لم يعرف ما يعنيه ذلك: ألا يكون هناك مخرج». ويمضي شارحاً أنه كان محتجزاً ليس في «قفص ذي أربعة جوانب بقضبان»؛ بدلاً من ذلك «كانت هناك ثلاثة جدران، وكانت مربوطة بصندوق، وفي الصندوق الجدار الرابع». كل شيء يعتمد، كما يبدو، على هذا الجدار الرابع. في الرؤية الكونية لكافكا، ثمة افتراض مسبق للثلاثة جدران. المأساة المرعبة هي الطريقة التي يشكل بها وجودُ الإنسان الحاجزَ الرابع.
شبح هذا الجدار الرابع الغائب يطارد «الكتابات المفقودة». يعود مرة أخرى في نص ناقص آخر يصف فيه الراوي الفضاء حيث ألقي عليه القبض. يخبرنا في السطر الأول أنه «لم يكن زنزانة، لأن الجدار الرابع كان مفتوحاً تماماً». هنا يعبر عن العائق الذاتي ليس من خلال المأزق الجسدي الفعلي للشخصية، وإنما من خلال تفسيره له: انفتاح الجدار الرابع ليس إلا لإبراز أنه لا يحاول حتى تحرير نفسه.
بل إن الراوي يقول إنه من الأفضل أن عريه يمنعه من تحويل ملابسه إلى حبل للهروب؛ بالنظر إلى «النتائج الكارثية» المحتملة، من «الأفضل ألا يكون لديه شيء وألا يفعل شيئاً».
في مواضع أخرى يجد كافكا طرقاً أخرى لتمثيل بنية الهزيمة الذاتية. في واحد من النصوص الناقصة، يتحدث الراوي عن عجزه بشكل غامض عن البقاء مع فتاة يحبها. يدعي في البدء «أنه كما لو أنها كانت محاطة بحلقة من الرجال المسلحين الذين يشهرون رماحهم في كل اتجاه»، لكنه يراجع روايته فيما بعد: «أنا أيضاً كنت محاطاً برجال مسلحين، مع أنهم وجهوا رماحهم إلى الداخل، باتجاهي. حين اقتربت من الفتاة، أمسكتني مباشرة رماح رجالي ولم أستطع أن أمضي قدماً».
في المجمل، لا تقدم «كتابات مفقودة» كافكا بصورة جديدة أو تعمق فهمنا له بقدر ما تقدم تعبيراً مكثفاً عن ذات الدينامية، والموتيفات، والانشغالات التي تحتل أعماله الأطول والأكثر مألوفية... إن من المدهش كيف أن قراءة الأشكال المكسّرة، واحدة تلو الأخرى والمجموعة هنا تترك شعوراً لا يختلف، مثلاً، عن «التحول» أو «المحاكمة»، التي على الرغم من وحدتها النسبية وديناميتها السردية، تتبع البنية نفسها كما في التراكم الذي تتألف منه «الكتابات المفقودة»: في كل واحدة مسيرة قصصية لمآزق، تتابع لطموحات محبطة، فظيعة ورائعة.
إن من المناسب، وإن تم تجاهله بدبلوماسية في الختام، أن هذه المجموعة هي نفسها مشروع محبط. كانت «الكتابات المفقودة» في الأصل مجموعة موثقة على أنها نصوص لم تترجم إلى الإنجليزية من قبل، وهي دعوى جرت مراجعتها حين ظهرت نسخ أخرى في مجلدات لم تكن مطبوعة. الآن تؤكد النسخة على الغلاف الورقي أن اثنين من السبعة وأربعين نصاً لم يسبق أن نشرا بالإنجليزية. كانت النقلة دون شك مخيبة للناشر، وربما للقراء الباحثين عن الجديد والعظيم - لكن على المخلصين لكافكا أن يدركوا جاذبية الآمال الخائبة والادعاءات المتواضعة.
* مراجعة للكتابات المفقودة لفرانز كافكا، ترجمة مايكل هوفمان
في «ذا بافلر» (أكتوبر، 2020)



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.