«محاكمة الشيوخ» تكشف قصور آلية العزل الدستورية

عززت الاستقطاب الحزبي وأضعفت دور الكونغرس الرقابي

ترمب يتحدث محاطاً بأعضاء جمهوريين في الكونغرس 9 يناير 2019 (أ.ب)
ترمب يتحدث محاطاً بأعضاء جمهوريين في الكونغرس 9 يناير 2019 (أ.ب)
TT

«محاكمة الشيوخ» تكشف قصور آلية العزل الدستورية

ترمب يتحدث محاطاً بأعضاء جمهوريين في الكونغرس 9 يناير 2019 (أ.ب)
ترمب يتحدث محاطاً بأعضاء جمهوريين في الكونغرس 9 يناير 2019 (أ.ب)

لم تكن مساءلة الرئيس الأميركي السابق محاكمة تقليدية، فهي تندرج ضمن آلية دستورية نادرة الاستخدام لم يلجأ إليها الكونغرس الأميركي سوى أربع مرات في تاريخه، وخصّصها مرتين لمساءلة الرئيس نفسه: دونالد ترمب.
وخلال محاكمة ترمب الثانية التي استمرت خمسة أيام فقط وانتهت أول من أمس (السبت)، بتبرئته، أمضى ثلاثة من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين ساعة في مناقشات مع فريق الدفاع عن المتهم، وتحول أعضاء مجلس الشيوخ المائة إلى هيئة المحلفين في المحاكمة رغم أنهم كانوا أنفسهم مستهدَفين بالجريمة، كما لم يجرِ استدعاء أيٍّ من الشهود.
وكشفت محاكمة العزل الثانية بحق الرئيس السابق دونالد ترمب عن أوجه القصور العميقة في الآلية الدستورية الوحيدة المعنية بمحاسبة سيد البيت الأبيض في حال ارتكب جرائم أو جنح جسيمة، وفق تقرير لوكالة «أسوشييتد برس». ولم تكن المحاكمة مساءلة قانونية حول أحداث السادس من يناير (كانون الثاني) التي وقعت في مبنى الكابيتول وما أدّى إليها، إنما كانت عملية سياسية بامتياز، أتت بنتائج غير مفاجئة في نهاية المطاف.
وعقب قرار عزل سريع في مجلس النواب بقيادة المعسكر الديمقراطي، عقد مجلس الشيوخ محاكمة في فترة قياسية لم تتجاوز خمسة أيام، وكانت الإدانة بحاجة إلى انضمام 17 عضواً جمهورياً إلى زملائهم الديمقراطيين في المجلس. إلا أن سبعة جمهوريين فقط صوّتوا لإدانة ترمب، وهو عدد غير كافٍ ولكنه يعد رقماً قياسياً قياساً بالمحاكمات السابقة في التاريخ الأميركي.
قال البروفسور بريان كالت، أستاذ القانون الدستوري لدى جامعة ميشيغان: «لقد رأينا أن حالة الاستقطاب بين الأحزاب سمحت بسهولة الحصول على أغلبية قرار العزل في مجلس النواب، فيما زادت في المقابل من صعوبة الحصول على أغلبية الثلثين للإدانة في مجلس الشيوخ. وعلى هذا النحو، صارت محاسبة الرؤساء من دون جدوى تُذكر بالنسبة لكلا الحزبين الكبيرين في الكونغرس».
ومن المعروف أنه من النادر استخدام الكونغرس سلطاته في محاسبة الرؤساء على الجرائم أو الجنح المرتكَبة من طرفهم، ومن الأمثلة على ذلك محاولات عزل الرئيس أندرو جونسون في عام 1868، ثم محاولة عزل الرئيس بيل كلينتون في عام 1999، وأخيراً محاولتا عزل الرئيس دونالد ترمب في 2020 و2021. كما شرع مجلس النواب أيضاً في إجراءات عزل الرئيس ريتشارد نيكسون، ولكنه تقدم باستقالته من منصبه قبل التصويت على الاتهامات الموجهة إليه. وانتهت كل محاولات العزل سالفة الذكر ببراءة الرئيس.
صرح السيناتور الجمهوري جون ثون، من ولاية ساوث داكوتا، في هذا الصدد: «سنعرف المزيد من التفاصيل (حول الاعتداء) مع مرور الوقت، ولكن هذه المحاكمة لم تكن ستقود لنتيجة جيدة لأي من الأطراف».
ويبدو أن الاعتبارات السياسية عصفت بمحاكمة مجلس الشيوخ حتى قبل أن تبدأ. ففي الأيام الأخيرة في منصبه كزعيم للأغلبية الجمهورية، استعان السيناتور ميتش ماكونيل، بصلاحياته البرلمانية في تأخير المحاكمة إلى ما بعد مغادرة دونالد ترمب لمنصبه الرسمي، الأمر الذي منح عدداً من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين «مخرجاً إجرائياً» للتصويت ضد إدانته، إذ يمكنهم الاستناد إلى فكرة «عدم دستورية» إجراء محاكمة العزل بحق رئيس سابق بدلاً من الفصل في القضية وفق وقائعها الموضوعية.
وبدت هذه الاستراتيجية واضحة في تصويت ماكونيل، ثم التصريحات التي أدلى بها عقب تبرئة ترمب. فصوّت بـ«غير المذنب» وفق الأسس الإجرائية، ثم وجّه من مجلس الشيوخ انتقاداً لاذعاً وشديد اللهجة إلى دونالد ترمب بوصفه مسؤولاً من الناحيتين العملية والأخلاقية عن أحداث التمرد في مبنى الكابيتول. إلا أن غطاء ماكونيل الإجرائي بدا ضعيفاً، إذ إن مجلس الشيوخ صوّت في وقت سابق على دستورية محاكمة العزل. إلا أن زعيم الجمهوريين في المجلس اختار تجاهل هذه السابقة البرلمانية في معرض تبرير تصويته لبراءة دونالد ترمب.
وكان الديمقراطيون مقيدين أيضاً بالواقع السياسي الغالب عليهم، إثر رغبة إدارة جو بايدن في تسريع وقائع المحاكمة حتى لا تشكل عائقاً على التقدم في تمرير أجندته السياسية والاقتصادية. ورغم أن مرافعات مديري المساءلة في مجلس النواب كان مقنعة للغاية ومفعمة بالصور القوية لأعمال الشغب والخطابات التي وصفوها بالتحريضية للرئيس ترمب، فإنه لم يكن هناك شيء جديد لم يطّلع عليه الناس في المجال العام من قبل.
ومن بين التساؤلات التي تبقى بلا إجابة: هل كان الرئيس ترمب على دراية بالتقييمات الاستخباراتية بشأن مخاطر أعمال العنف في العاصمة واشنطن يوم السادس من يناير؟ متى علم بالخطر المحدق بنائب الرئيس مايك بنس والمشرعين الآخرين عندما اقتحم أنصاره مبنى الكابيتول؟ كيف كانت استجابته للأمر بمجرد وضوح هذا الخطر؟
عندما أُتيحت فرصة في الساعات الأخيرة لاستيضاح هذه الأسئلة عبر استدعاء الشهود، تراجع الديمقراطيون في خطوة مفاجئة خشية أن يسفر الأمر عن إطالة مدة المحاكمة، فضلاً عن تعقيد جهود الرئيس بايدن الرامية إلى تمرير حزمة الإغاثة الشاملة بشأن وباء «كورونا» سريعاً.
وكانت هناك حقيقة أخرى أمام الديمقراطيين، وهي إدراكهم أن حتى مع استدعاء الشهود والاستماع إليهم، لم تكن هناك فرصة سانحة تقريباً لتصويت عدد كافٍ من الأعضاء الجمهوريين على إدانة ترمب. وطغت حقيقة نفوذ دونالد ترمب الكبير في الحزب الجمهوري على مشاعر الغضب العميقة التي لازمت بعض الجمهوريين تجاهه في بادئ الأمر. وأوضح آخرون، لا سيما أولئك الذين يحاولون رفع شعارات ترمب في الانتخابات الرئاسية المستقبلية، أنهم ليسوا محلّفين محايدين.
يملك الكونغرس حفنة قليلة من الخيارات الأخرى لتوبيخ دونالد ترمب على دوره في تمرد الكابيتول، بما في ذلك التصويت بتوجيه اللوم إليه. غير أن عدداً قليلاً من المشرعين الرئيسيين أبدوا استعدادهم للمضي قدماً في هذا المسار. وأشار السيناتور ماكونيل إلى أنه مع اعتبار دونالد ترمب مواطناً أميركياً عادياً الآن، فينبغي ترك مصيره لتقرره المحاكم، حيث يمكن للمحاكمة المدنية أن تشتمل على الكثير مما لم تتضمنه محاكمة العزل البرلمانية: عملية الإثبات القوية، واستدعاء الشهود، وهيئة محلفين غير منحازين.
يقول الباحث صلاح الدين أمبار، من معهد «إيغلتون» للسياسات لدى جامعة «روتغرز - نيو برونزويك»، إنه يأمل ألا تسفر تبرئة دونالد ترمب عن تردد المشرعين في الدفع بإجراءات العزل مجدداً كمحاولة لعلاج أخطاء الرؤساء في المستقبل، والمتهمين بانتهاك اليمين الدستورية لتولي المنصب الرئاسي. واستطرد أمبار: «الكونغرس في حاجة إلى إثبات أنه فرع متساوٍ في الحكومة الأميركية، عبر ممارسة مهام رقابة حقيقية على الرئيس»، وأضاف أخيراً: «ستتفاقم المشكلات كثيراً إذا تخلى الكونغرس عن مسؤولياته مع مرور الوقت. وينبغي عليه العناية بمهامه الرقابية في المستقبل».



تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
TT

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)

قال رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ، اليوم الثلاثاء، إن بلاده لا تستطيع منع القوات الأميركية من شحن بعض الأسلحة خارجها، لكن ذلك لن يؤثر على قدرة الردع في مواجهة كوريا الشمالية، وذلك بعد تقارير عن تجهيز هذه الأسلحة لإعادة نشرها في الشرق الأوسط.

وأضاف: «يبدو أن هناك جدلاً في الآونة الأخيرة بخصوص شحن القوات الأميركية المتمركزة في كوريا بعض الأسلحة خارجها»، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن سيول قد عبّرت عن معارضتها، فإنها ليست في وضع يسمح لها بتقديم مطالب، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكر وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون، يوم الجمعة، إن الجيشين الأميركي والكوري الجنوبي يناقشان إمكان إعادة نشر بعض منظومات الدفاع الصاروخي «باتريوت» الأميركية المتمركزة في كوريا الجنوبية لاستخدامها في الحرب على إيران.

بدوره، قال وزير الدفاع التايواني ويلينغتون كو، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة لم تتواصل مع تايبه بشأن نقل أسلحة إلى الشرق الأوسط.

وقال كو، في حديثه لصحافيين في البرلمان، إن إعادة نشر أي من الأسلحة الأميركية الصنع لدى تايوان لن تحدث إلا إذا طلبت الولايات المتحدة ذلك. وأضاف أنه في حالة حدوث ذلك، ستكون الولايات المتحدة مسؤولة عن نقلها.

وقال كو: «لكن حتى الآن، لم يتصلوا بنا بشأن استخدام أي من عتادنا ذي الصلة في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران».

والولايات المتحدة هي المورد الرئيسي للأسلحة لتايوان، التي تمتلك صواريخ «باتريوت» في ترسانتها.

وتواجه تايوان، التي تحكمها حكومة ديمقراطية، ضغوطاً عسكرية متزايدة من الصين، التي تعتبر الجزيرة جزءا من أراضيها. وترفض حكومة تايوان مطالبات بكين بالسيادة.

وأفادت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر في الحكومة الكورية الجنوبية أن أنظمة باتريوت يجري تجهيزها لإعادة نشرها في الشرق الأوسط، حيث وصلت طائرات نقل عسكرية أميركية ثقيلة إلى أوسان لنقلها.


إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...