مسامرات الزمن والأمومة في رواية مغربية

ربيعة ريحان تستعيدها في مرايا «الخالة أم هاني»

مسامرات الزمن والأمومة في رواية مغربية
TT

مسامرات الزمن والأمومة في رواية مغربية

مسامرات الزمن والأمومة في رواية مغربية

يتسع فضاء الحكي ويتنوع عبر تخوم الماضي والحاضر ويبرز بتقاطعات سردية شيقة، كسيرة لطفولة الزمن والحياة، في رواية «الخالة أم هاني» للكاتبة ربيعة ريحان، الصادرة أخيراً عن «دار العين» بالقاهرة.
تدور الرواية في فضاء شبكة من العلاقات والأنساب العائلية المحيِّرة والمعقَّدة، تلمّ شتاتها بطلتها «أم هاني» بروح من بداهة الفطرة والخبرة الحميمة المرحة، والتقاط ما وراء الملامح والصور. فمنذ البداية وعلى مدار 326 صفحة وحتى الختام، تتجول الخالة بعينيها الزبرجيدتين وجمالها الفاتن الغض واسمها الأندلسي الأصيل، في مسارات السرد كنهر دافق لا يكفّ عن العطاء.
امرأة أمية في عباءة الثمانين تسكن في الضواحي الشعبية، بالكاد تعرف الأرقام، أدمنت النظر إلى تمثال محمد الخامس فوق حصانه الأبيض في بهو البلدية الفسيح بمدينة آسفي، وما يمثله في الوجدان العام كرمز للاستقلال ومكافحة الاستعمار الفرنسي للبلاد. تقف الخالة مشدوهة أمامه، وتتأمله من زاوية خاصة، حتى أصبح الأمر بمثابة هواية تحرص عليها وهي في الطريق لزيارة ابنة خالتها وأسرتها في بيتها المنيف (الفيلا) الذي يشي بترف أرستقراطي. لكنّ هذه الزيارة المعتادة سرعان ما تتحول إلى صراع من الألفة، بين أمومة مفتقَدة تمثلها الخالة العاقر صاحبة الميراث القاسي والمرير من اليتم، خصوصاً بعد وفاة والديها وأخويها الصغيرين، وهي طفلة، والتنقل للعيش عند الخالات والعمات، ما دفع بها إلى خمس زيجات صادمة مرّت بها في حياتها، وبين أمومة مزدوجة، تجسّدها «شيماء» الساردة الأساسية، حيث تتبناها الخالة كابنة لم تنجبها وهي بعد طفلة لم تتجاوز خمس سنوات، امتثالاً لوصية جدة شيماء لأمها، وهي على فراش الموت بأم هاني: «قالت لها بعد جهد وهي تنظر لعينيها، وتمسك بكفها: عار بنت خالتك عليك. خدي بالك منها يا ابنتي، ولا تتركيها وحدها فهي يتيمة. وهكذا منحتني أمي ألواناً إضافية، وعيشاً عبر خُطى، هنا وهناك، في بيتنا مرة وفي بيت الخالة مرات».
أسئلة ساذجة وبريئة في عين طفلة تستعيدها شيماء من غبار تلك اللحظة فيما يشبه النجوى الداخلية: «هل فكّرت والدتي في الأمر ملياً وهي تعرضني على أم هاني؟ ألم يراودها الإحساس الأمومي بأنها ستفقدني ولن تراني، أكنت رخيصة إلى ذلك الحد الذي سمح لها بأن تأخذني لتتبناني، وتضع حياتي بموازاة حياتها المتقلبة؟ لماذا لم تفعل ذلك بأختي لمياء الصغيرة، آخر العنقود التي تحب النوم ولا تستيقظ للذهاب إلى المدرسة إلا بالشجار؟». لكن سرعان ما تنقلب هذه الأسئلة إلى إحساس عارم بالنعمة، فتحب شيماء أم هاني، تتعلق بها وتتباهى بسعادتها بتلك النزوة غير المعهودة من أمها «نزوة امرأة عاقلة ووفية»... يعزز هذا ما تضمره الأم من حب مخلص للخالة، وتعاطف مع ظروفها القاسية، ثم إنها ابنة خالتها، على عكس الأب موظف البنك عاشق الفرنسية، الذي يضجر من اللغة العربية، فلا يبالي بها، ودائماً يصدمها بمشاعره الجافة تجاهها، خصوصاً حين تكون في زيارة لهم، كما أنه وافق على مضض على ذهاب ابنته شيماء للعيش معها، مشترطاً ألا تناديها «ماما».
أحبت شيماء عالم الخالة، شبّت وترعرعت في كنفها، وأحسّت بأنها أصبحت مصدر سلام وحماية لها، حيث بدأ الجميع يتخلون عن نظراتهم المتدنية وأوصافهم المقززة لها، وأصبحوا ينادونها بـ«الخالة أم هاني»، وواصلت تعليمها بدأب، حتى درست التاريخ وتخرجت في الجامعة.
توفر فكرة الأمومة المزدوجة كقيمة معيشة، مساحة من الترحال في النص، والذهاب والإياب منه وإليه، كأنه مجموعة من المرايا والمحطات المتجاورة. تعززها لغة سردية سلسة، مفتوحة على حيوية المحكي الشفاهي اليومي ابن الروح الشعبية بتوتراتها العفوية الأليفة، والفصيح، ابن التراث في رسوخه السهل الممتنع، كما تلوّن مناخات السرد بنثار خاص من المحبة، يتوزع في مناخ الرواية بين كائنين (الأم والخالة) يشتركان في الصفة نفسها، ويبدوان أحياناً في سباق خفيّ على حب الابنة. التي تنصّب من نفسها «الصوت المعارض» لكل ما يحاك من أراجيف، خصوصاً على ألسنة نساء العائلة، فهي مادة التندر والمزاح المفضلة في مسامراتهن ولقاءاتهن، تشتد وتيرته حين تكون الخالة حاضرة، فتنبري شيماء بالرد والدفاع المستميت عنها، كأنها تدافع عن نفسها. يؤجج ذلك شخصية الخالة المتمردة الصلبة، وأطوارها ونوادرها الغريبة واعتدادها بذاتها، وقدرتها على السخرية والتهكم من الجميع، وشراستها ضد من يحاول التحرش بها. ناهيك بجمالها الذي لم يجر عليه الزمن. فدائماً لديها بصيرة ثاقبة وحاضرة، تضع عناوين وإشارات تلقائية مرحة وساخرة لنثريات الواقع المعيش، مفكِّكةً عقده وفواصله السميكة في البشر والأشياء بنزق طفولي باذخ. ورغم وعيها بالانتماء لشجرة هذه العائلة المترفة في أرستقراطيتها النمطية، لكنها دائماً تحتفظ بمسافة بينها... تسكن في الضواحي في المناطق الشعبية الهامشية، لا تعرف القراءة ولا اللغة، لكنها تعرف أن المكان ليس مجرد حوائط وجدران صلدة، إنه كائن حي يتنفس، تجب رعايته والحفاظ على بهائه ونظافته، كما أن تراكم الخبرة أكسبها منطقاً حياً من الفطرة، تستخدمه كلما لزم الأمر، وتركنه جانباً خشية أن تعتريه رخاوة الثرثرة وفساد الكلام.
تحت هذه المظلة تتوغل «شيماء» في طوايا الخالة، وبحكم المؤانسة والعشرة ترسم ملمحاً من شخصيتها المتقلبة: «حين يكون مزاج الخالة سيئاً، من الأفضل ألا يقترب منها أحد، (المود) التي تكون عليه يجعلها تُبدي طرائق مغيظة، من أجل ألا تُقتحَم، ألّا ينغص أحد عليها عزلتها، وعندما يصر الآخرون على العكس، كانت تتظاهر بأنها لا ترى، ولا تسمع، ثم تهرول بطريقة هزلية إلى الجانب الآخر من الطريق، مدّعية أنها ليست هي، رغم بريق الزبرجد في عينيها الساحرتين»... حدث هذا مع خالها وهو ينادي عليها في الشارع كي يسلم عليها، فهرولت مسرعة، وكادت تستغيث برجال الشرطة، مدّعية أن رجلاً يطاردها، مما يخلف رذاذاً من السخرية المرحة، يعد أحد مقومات السرد الشيقة في الرواية.
تتابع شيماء: سألتها مرة ضاحكة: «ألا توجد طريقة أنسب لاتّقاء اقتحام الناس، ألا يكفي أن تعتذري مثلاً، تقولي إنكِ في حاجة إلى السير وحدك، والإنصات إلى مخك؟! أبداً أخرج من بيتي لأتمشى فأجدهم في وجهي»... أدركت شيماء بفطنتها أن وراء كل هذا سراً في حياة الخالة، وحين حاولت أن تغريها بالبوح والفضفضة: «افتحي قلبك سرك في بئر، في الحفظ والصون»... ردت عليها: «ماذا نفعل بالأسرار المخبأة في البئر، وفي ماذا ستفيدنا؟».
في كل هذا لا تنصرف الرواية عن النظر إلى الواقع ومحاولة استكناه تحولاته وتقلباته، فبعين تمتزج فيها بداهة الجغرافيا بوقائع التاريخ، ترصد الرواية الواقع المزري في الأحياء الشعبية الفقيرة الهامشية، كاشفة فداحة البون الشاسع واللا إنساني الذي يظللها اجتماعياً وطبقياً، وفي رقعة زمنية تستعيد أجواء النصف الأول من القرن العشرين حتى تخوم اللحظة الحاضرة وزمن الميديا والإنترنت. كما تكشف عبر شجارات الشخوص، ومكائدهم الضاجّة بالسخرية والنميمة عن مدى التناقض والتشقق في واقعهم العائلي ومحيطهم الاجتماعي، حيث فضاء المجتمع المغربي، بعاداته وتقاليده وأعرافه العتيقة، وهو ما يثير صراعاً مكبوتاً ما بين إرث ينتمي للماضي بثباته ورسوخه، وإرث ينتمي للحاضر بحيويته وانفتاحه على آفاق المغامرة والتجريب... في هذه الفجوة الزمنية يبرز زمن الخالة كنقطة وصل حية ومتنامية بين الزمنين، وأكثر انفتاحاً على تخوم اللحظة الحاضرة، ما يجعلها بمثابة المثال الهارب من زمن وواقع النسوة الثرثارات، بل من شيماء المسكونة بهوس التوازن في لعبة المتناقضات، فرغم سنّها التي تخطت الثلاثين لم تَخُض تجربة حب واحدة.
أيضاً نلمح ظلالاً لصراع خفيٍّ بين العائلات، محكوم بسياقات تاريخية واجتماعية، بين المهاجرين والوافدين، وأسياد الأرض في مدينة آسفي بتاريخها العريق وموقعها الجغرافي المتميز، وهو صراع هوية: يبرز فيه سؤال «مَن أنت؟» كتميمة وجود وتميز مراوِغة، تشاغب من خلالها «صباح» أستاذة الفلسفة تلاميذها، وترى السؤال نوعاً من التعصب والهبل. فالفرح بالمكان يتجسد بمعايشته والحفاظ عليه وتنميته جمالياً وإنسانياً، وليس بالنكش في جذور ماضٍ عفا عليه الزمن.
تبلغ الرواية ذروتها بحنوٍّ بالغ الرهافة مشكِّلة خلاصة مسامرات الخالة لمرايا ماضيها وحاضرها، ومؤانستها لطفلتها المتبناة، التي كبرت في طفولة الزمن والحياة، كاشفةً لها في سياق تحقيق صحافي قررت شيماء أن تُجريه معها عن وقائع زيجاتها الخمس، والمناطق المحرَّمة الملتبسة والشائكة التي عاشتها في ظلالها، وكيف لم تصل إلى الحب وتستمتع به كما هو معتاد، وكما وعدتها مسبقاً بأنها سوف تكشف لها عنه في أوانه حين تكبر، وتصبح مؤهلة لاستيعابه... تطوي الخالة دفترها وهي تحكي بشجن آسر عن لحظة الحب الوحيدة في حياتها، عن ثمرتها المحرَّمة التي توحَّدت بها جسداً وروحاً، ولم تدم سوى أسبوع فقط؛ لحظة فارقة، ابنة المصادفة المحضة مع ابن جارتها الطالب الشاب النابغة في دراسته، والذي خانته عبقريته، فانطفأت روحه وشبابه، وأصبح منزوياً في حجرته، فاقداً أي شهوة للحياة. بضغط ملحٍّ من أمه تفك الخالة أسره، وتعيده إلى طبيعته بجمالها الفاتن، ثم يَلقى حتفه في حادث سير. ليظل هذا العقد غير المكتوب المنفلت من قبضة الزمان ديناً في عُنق الخالة، وهو السر الكامن وراء تعطرها وتجملها في ثوبها الأسود الأنيق مثل شابة في ليلة العرس، كلما همّت بزيارته بين الحين والآخر في مقابر «بويس» الفقيرة القابعة في أطراف المدينة.
هكذا، بذبذبة درامية شفيفة تصل هذه الرواية الممتعة إلى لطشتها الأخيرة فكأننا نعيش زيارة أُمٍّ محروقة على فلذة كبدها، وعاشقة اختصرت العمر كله في بضعة أيام، لكن حلمها لم يستطع أن يعبر الشارع بأمان.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.