الفلسطينيون لتسريع تحقيق الجنائية الدولية في «جرائم إسرائيل»

الاستيطان وحرب غزة والأسرى ملفات أمام محكمة لاهاي... وتل أبيب تعد قرار القضاة «سياسياً مشوباً بمعاداة السامية»

الفلسطينيون يريدون أن تحقق المحكمة الجنائية في حرب غزة عام 2014 (أ.ب)
الفلسطينيون يريدون أن تحقق المحكمة الجنائية في حرب غزة عام 2014 (أ.ب)
TT

الفلسطينيون لتسريع تحقيق الجنائية الدولية في «جرائم إسرائيل»

الفلسطينيون يريدون أن تحقق المحكمة الجنائية في حرب غزة عام 2014 (أ.ب)
الفلسطينيون يريدون أن تحقق المحكمة الجنائية في حرب غزة عام 2014 (أ.ب)

بدأ الفلسطينيون العمل فوراً من أجل دفع المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية إلى التحقيق في الجرائم الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، بعد انتزاعهم قرار قضاة المحكمة الذي أعلن ولايتها على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وهي قطاع غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية. وفي مقابل الترحيب الفلسطيني الكبير بالقرار، وصفه الإسرائيليون بأنه «قرار سياسي مشوب بمعاداة السامية».
وقال وزير الخارجية الفلسطيني، رياض المالكي، السبت، إنه تواصل منذ لحظة صدور القرار مع المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية للبحث في الآليات، والإسراع في التحقيق، وأضاف: «سيبقى هذا التواصل حثيثاً مستمراً من أجل البحث في الخطوات اللاحقة، وتشكيل فرق التحقيق الرسمية لبدء عملها على أرض دولة فلسطين».
كانت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي قد صادقت (الجمعة) للمدعية العامة للمحكمة، فاتو بنسودا، على فتح تحقيق بشأن ارتكاب «جرائم حرب إسرائيلية» في الأراضي الفلسطينية، بعدما أعلنت أن «فلسطين دولة في نظام روما الأساسي للمحكمة». وفلسطين عضو في المحكمة الجنائية التي تأسست عام 2002، لكن إسرائيل ليست عضواً فيها.
وجاء قرار قضاة المحكمة الجنائية استجابة لدعوة من بنسودا بفتح تحقيق كامل رسمي بعد 5 أعوام من التحقيق الأولي الذي بدأ بعد حرب 2014 في غزة. ووصفت بنسودا الجيش الإسرائيلي والجماعات الفلسطينية المسلحة، مثل حركة «حماس»، بأنهم جناة محتملون.
وفتحت بنسودا تحقيقاً أولياً في يناير (كانون الثاني) 2015 حول اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة إثر الحرب في قطاع غزة في 2014 التي أسفرت عن نحو 2200 قتيل في الجانب الفلسطيني، معظمهم مدنيون، بينهم 579 طفلاً و263 امرأة و102 من المسنين، مقابل نحو 70 قتيلاً في الجانب الإسرائيلي، معظمهم جنود.
ورحب مكتب بنسودا بقرار قضاة المحكمة، قائلاً إنه «يدرس قرار القضاة، وسيقرر كيفية التصرف بحيادية واستقلالية، حسب التفويض الممنوح له ضمن معاهدة روما».
ويوجد أمام مكتب بنسودا 3 ملفات طرحها الفلسطينيون، وهي «العدوان على غزة، بما يشمل استخدام القوة المفرطة وأسلحة محرمة وارتكاب مجازر وقتل مدنيين»، و«الأسرى داخل السجون الإسرائيلية، بما يشمل سوء المعاملة للأسرى وعائلاتهم، والإهمال الطبي الذي أدى إلى وفاة أسرى»، و«الاستيطان، بما يشمل البناء غير القانوني على الأرض الفلسطينية، وإرهاب المستوطنين أنفسهم الذي أدى إلى قتل مدنيين فلسطينيين».
ويتوقع الفلسطينيون أن يبدأ التحقيق أولاً بملف الاستيطان، لكنهم أيضاً يأملون في تمكن الأسرى وعائلات الضحايا في غزة من محاكمة الإسرائيليين.
وقال المالكي إن السلطة ستعمل الآن مع خبراء قانونيين ومحامين فلسطينيين أو عرب أو دوليين من أجل متابعة التحقيقات والاستجابة لها، مشيراً إلى أهمية القرار وتوقيته «المهم جداً» الذي جاء في ظل «تصعيد جرائم الاحتلال والمستوطنين بحق شعبنا».
ويراكم الفلسطينيون منذ أعوام ملفات توثق الجرائم الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية. وقال رئيس الوزراء، محمد أشتية، إن حكومته ستواصل توثيق الجرائم الإسرائيلية، بما فيها جرائم القتل، وهدم البيوت والاستيلاء على الأراضي، والتوسع الاستيطاني لابتلاع الأراضي، مطالباً المحكمة بتسريع إجراءاتها القضائية في الملفات المرفوعة أمامها.
وبدورها، رحبت حركة «حماس» بإعلان المحكمة الجنائية، داعية إلى «جلب مجرمي الحرب» الإسرائيليين إلى المحاكم الدولية. وقالت الحركة التي تسيطر على قطاع غزة منذ 2007، في بيان، إن «الخطوة مهمة»، مضيفة أن «الخطوة الأهم هي استكمال الخطوات المطلوبة لجلب مجرمي الحرب الصهاينة إلى المحاكم الدولية ومحاسبتهم»، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.
والترحيب الفلسطيني الواسع بقرار المحكمة قابله غضب إسرائيلي كبير، استدعى وضع خطة للتنسيق مع الولايات المتحدة التي عبرت عن قلقها من القرار. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إن لاهاي «أثبتت مرة أخرى أنها هيئة سياسية، وليست مؤسسة قضائية».
وأضاف نتنياهو، في تغريدة له عبر صفحته على «تويتر»: «تتجاهل المحكمة جرائم الحرب الحقيقية، وبدلاً من ذلك تلاحق دولة إسرائيل، وهي دولة ذات نظام ديمقراطي قوي، تقدس حكم القانون، وليست عضواً في المحكمة التي نالت من حق الدول الديمقراطية في الدفاع عن نفسها ضد الإرهاب، ولعبت في مصلحة جهات تقوض الجهود الرامية إلى توسيع دائرة السلام». وتابع: «سنواصل الدفاع عن مواطنينا وجنودنا بشتى الوسائل من الملاحقة القانونية».
أما سفير إسرائيل المعتمد لدى واشنطن ولدى الأمم المتحدة، جلعاد أردان، فوصف القرار بأنه «وصمة عار». وأضاف أردان: «إنه قرار سياسي مشوب بمعاداة السامية. بدلاً من التحقيق في جرائم حرب حقيقية، كما هو منصوص عليه في التفويض الأصلي للمحكمة، فهي في الواقع تكافئ الإرهاب والرفض الفلسطيني».
في غضون ذلك، عبّرت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن عن «مخاوف جديّة» مما اعتبرته «ادعاء» المحكمة الجنائية الدولية أن ولايتها القضائية تسمح لها بالنظر في قضايا في الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة.
وقال الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس للصحافيين في واشنطن إن الإدارة «تراجع» القرار الذي أصدرته هيئة من ثلاثة قضاة من الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة لتأكيد أنها «يمكن أن تمارس اختصاصها القضائي في الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة». لكنه أقر بـ«أننا نشارك أهداف المحكمة في تعزيز المساءلة عن أسوأ الجرائم التي عرفتها الإنسانية».
ولاحقاً أصدر برايس بياناً أشار فيه إلى القرار الذي «يدعي الاختصاص القضائي في الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة»، مجادلاً أنه «عندما ادعى الفلسطينيون الانضمام إلى نظام روما الأساسي في عام 2015 فإننا لا نعتقد أن الفلسطينيين مؤهلون كدولة ذات سيادة» لعضوية المحكمة، مستطرداً «بالتالي فإنهم غير مؤهلين للحصول على العضوية كدولة، أو المشاركة كدولة في المنظمات والكيانات الدولية، أو المؤتمرات، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية».
وعبر عن «مخاوف جدية بشأن محاولات المحكمة الجنائية ممارسة ولايتها القضائية على الأفراد الإسرائيليين»، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة «اتخذت دائماً الموقف القائل بأن اختصاص المحكمة يجب أن يقتصر على الدول التي توافق عليها، أو التي يحيلها إليها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة».



الحوثيون ونقض العهود... سلام على الورق ومكاسب على الأرض

شروط معقدة تسعى الجماعة الحوثية إلى فرضها على خصومها في مراحل التفاوض كلها (أ.ب)
شروط معقدة تسعى الجماعة الحوثية إلى فرضها على خصومها في مراحل التفاوض كلها (أ.ب)
TT

الحوثيون ونقض العهود... سلام على الورق ومكاسب على الأرض

شروط معقدة تسعى الجماعة الحوثية إلى فرضها على خصومها في مراحل التفاوض كلها (أ.ب)
شروط معقدة تسعى الجماعة الحوثية إلى فرضها على خصومها في مراحل التفاوض كلها (أ.ب)

منذ اتساع نفوذ الميليشيات الحوثية وصولاً إلى التصعيد العسكري الأخير، دأبت الجماعة بشكل ممنهج على التنصل من الاتفاقات والتعهدات، خلال مسار طويل لم يفضِ إلى تسوية تنهي الحرب اليمنية، رغم تعدد المبادرات والوساطات، ويرى باحثون وسياسيون أن تجربة الاتفاقات تكشف خللاً يتجاوز نصوصها إلى موازين القوة وآليات التنفيذ والضمانات، مع نوايا حوثية مسبقة للتنصل.

وشاركت الجماعة في مؤتمر الحوار الوطني (2013 - 2014)، ووقّعت على مخرجاته في يناير (كانون الثاني) 2014، قبل أن ترفض مشروع الأقاليم الستة للدولة الاتحادية. وفي 21 سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، سيطرت على صنعاء بالقوة، بالتزامن مع توقيع اتفاق «السلم والشراكة» برعاية أممية.

وتقول روايات حكومية إن الحوثيين رفضوا التوقيع على الملحق الأمني للاتفاق، ثم واصلوا التمدد والسيطرة على مؤسسات الدولة، وصولاً إلى تقويض السلطة الانتقالية مطلع 2015. وفي المقابل، قدّمت الجماعة توسعاتها بوصفها «ثورة» على الفساد والوصاية الخارجية، واتهمت خصومها بإفراغ التوافقات السياسية من مضمونها.

ومع أن قرار مجلس الأمن (2216) الصادر عام 2015 طالب الحوثيين بالانسحاب من المناطق التي سيطروا عليها وتسليم السلاح، فإن الجماعة رفضته، ووصفته بالمنحاز، وعدّته انعكاساً لموقف دولي لا يعبر عن حقيقة الصراع.

الجماعة الحوثية استغلت الهدنة الأممية لتعزيز قدراتها العسكرية والتهيئة للتصعيد العسكري (أ.ف.ب)

وشكّل اتفاق استوكهولم، الموقع في ديسمبر (كانون الأول) 2018، أحد أبرز اختبارات المسار التفاوضي. فقد نص على وقف إطلاق النار في الحديدة، وترتيبات حول الانتشار العسكري فيها، وصرف مرتبات موظفي الدولة من موارد موانئها، إلى جانب اتفاق بشأن تبادل الأسرى وتفاهمات لفتح الطرق في تعز.

اتفاقات من دون ضمانات

فسرت الجماعة الاتفاق بإعادة انتشار قواتها، ومنذ اللحظة الأولى حدثت خلافات حول تفسير بنوده وآليات التنفيذ. وتتهم الحكومة الحوثيين بإفشاله والإبقاء على سيطرتهم الفعلية على الموانئ، وخرق وقف إطلاق النار تحت رقابة البعثة الأممية. وتعثر تنفيذ التفاهمات المتعلقة بتعز، وظل ملف الأسرى عُرضة لجولات تفاوض وتأجيلات متكررة.

يتحدث الباحث اليمني في الشؤون السياسية والنزاعات، محمد القاضي، لـ«الشرق الأوسط» عن صعوبة أي نشاط دبلوماسي أو اتفاقات يمكن عقدها مع الجماعة الحوثية بالنظر إلى الاتفاقات السابقة، مثل هذا الاتفاق.

فبعد أن تمكنت الجماعة من تحقيق التوسع في الساحل الغربي اليمني والسيطرة على أرياف محافظة تعز ومحاصرة المدينة من الاتجاهات كافة، التي تعدّ مكاسب استراتيجية كبيرة ومهمة جداً لم تكن تحلم بها، بات من صالحها أن تذهب إلى مفاوضات تحفظ لها هذه المكاسب، وهو ما حدث فعلاً بحسب مصادر قال إنها أكدت طلب الحوثيين العودة إلى خريطة الطريق.

برغم استفادتها من اتفاقات تبادل الأسرى عطّلت الجماعة الحوثية كثيراً من الجهود لحل هذا الملف (رويترز)

ويرى القيادي في الحزب الاشتراكي اليمني ومستشار رئيس الحكومة اليمنية علي الصراري أن الجماعة لم تتعثر معها الاتفاقات لأسباب موضوعية، بل لأنها «كانت تبيت النوايا للتنكر لكل ما جرى التفاهم حوله، بعد أن تنجز ما وقعت الاتفاق لإنجازه».

ويقول الصراري لـ«الشرق الأوسط» إن الحوثيين تعاملوا مع الاتفاقات كأنها هدن لاستجماع القوة وترتيب الأوضاع، مشيراً إلى اتفاق السلم والشراكة واستوكهولم بوصفهما نموذجين لذلك. ويتهم الجماعة باستغلال اتفاق الحديدة للإبقاء على موارد الموانئ وتعزيز قدراتها العسكرية.

ومثّلت هدنة أبريل (نيسان) 2022 اختراقاً مهماً، إذ أسهمت في خفض العمليات العسكرية الكبرى، وأتاحت ترتيبات إنسانية، بينها تسيير رحلات من مطار صنعاء ودخول سفن الوقود عبر الحديدة، وهو ما التزمت به الحكومة من جانبها واستفادت منه الجماعة لتعزيز نفوذها.

اختبار الالتزام

لكن الهدنة لم تتحول إلى اتفاق سلام شامل، وظلت الطرق، خصوصاً في تعز، من أبرز الملفات العالقة، وتتهم الحكومة الحوثيين برفض فتح الطرق الرئيسية، فيما لم تفضِ جولات التفاوض إلى تسوية تنهي معاناة السكان.

حوثيون يرقصون احتفالاً بمزاعم «نصرة غزة» واستغلت الجماعة ذلك للتنصل من تفاهمات السلام (أ.ف.ب)

غير أن الباحث السياسي اليمني صلاح علي صلاح يرى أن اختزال التجربة في نقض العهود لا يفسر جوهر المشكلة، إذ استفاد الحوثيون، وفق تقديره، من الفراغات السياسية والعسكرية والمؤسسية التي تركها خصومهم، وربما كانت هذه الفراغات أهم من الاتفاقات نفسها.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن توقيع الاتفاق لا يغير موازين القوى تلقائياً، وأن الطرف الأكثر قدرة على استثمار الثغرات يستطيع تحويلها إلى مكاسب ميدانية، في ظل انقسام الطرف المقابل وغياب ضمانات التنفيذ.

وينوه القاضي، بأن الاتفاقات تُبنى على الثقة، وهي المنعدمة تماماً بالجماعة، وبعد التطورات العسكرية والتوسع الحوثي على الساحل الغربي وفي أرياف تعز، تعزز موقع الجماعة التفاوضي، بما يجعل أي مفاوضات مقبلة أكثر صعوبة على خصومها، خصوصاً مع استخدام التصعيد والتهديد بالمصالح الإقليمية والدولية لفرض المطالب.

وكانت خريطة الطريق التي رعتها الأمم المتحدة والسعودية، أواخر عام 2023، مثّلت أملاً في استئناف مسار السلام، غير أن لجوء الجماعة إلى خوض مواجهة إقليمية تحت مزاعم مناصرة قطاع غزة، عرقل فرص التقدم.

برغم إعلان انتهاء أزمة خزان صافر لا تزال الشكوك تساور خبراء البيئة حول التزامات الحوثيين (أ.ف.ب)

في يوليو (تموز) 2026، تصاعدت المواجهة عقب أزمة رحلة الطائرة الإيرانية إلى صنعاء، واتخذتها الجماعة ذريعة لإنهاء الهدنة، فبدأت التصعيد بهجمات باتجاه السعودية، قبل إعلان ما وصفته بحصار بحري على الموانئ السعودية واستهداف سفن مرتبطة بها، مقابل التصعيد التدريجي داخلي، وصولاً إلى توسعها القائم حالياً.

وأعادت هذه التطورات خلط المسار التفاوضي بالصراع الإقليمي، ووسعت المخاوف من تهديد الملاحة وإمدادات الطاقة، مثيرة أسئلة بشأن الالتزامات الدولية والتهدئات السابقة.

ويحذر القاضي من أن الجماعة، بعد تحقيق مكاسب ميدانية، قد تسعى إلى مفاوضات تحفظ تلك المكاسب، وتكرس حضورها بوصفها قوة يصعب تجاوزها.

مأزق الضمانات

لم تقتصر الإشكالات على الاتفاقات العسكرية؛ إذ ظلت ملفات إنسانية، بينها خزان صافر، موضع خلافات وضغوط امتدت سنوات، قبل أن تنجح الأمم المتحدة في تفريغ النفط ونقله إلى سفينة بديلة، وسط تحذيرات جهات بيئية من أن الأزمة لم تنتهِ بالكامل، مع وجود فرصة للجماعة لإعادة استثمار الأزمة لممارسة الابتزاز بشأن تهديدات التلوث التي تمثلها كمية الوقود التي تسببت بالأزمة.

الحوثيون عطلوا خريطة الطريق نهاية عام 2023 بإعلان المواجهة الإقليمية والهجمات في البحر الأحمر (أ.ف.ب)

كما تثير الاعتقالات المستمرة لموظفي الأمم المتحدة والعاملين الإنسانيين أسئلة بشأن احترام الالتزامات الدولية وحماية العمل الإغاثي.

ويشير باحث سياسي يقيم في صنعاء، في إفادته لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الحوثيين استفادوا في محطات متعددة من التفاوض لتثبيت مكاسب سياسية وميدانية واقتصادية، ويشدد على ضرورة عدم اختزال جميع الاتفاقات في مناورة واحدة.

ويخلص إلى أنه ينبغي ألا تُقيّم الاتفاقات بما تعلنه الجماعة أو توقعه، بل بما تنفذه فعلياً، وبمدى وجود آليات تجعل التنصل من الالتزامات أكثر تكلفة من الوفاء بها.

الجماعة الحوثية تنصلت من كامل التزاماتها باتفاق استوكهولم واستمرت في استغلال موانئ الحديدة (رويترز)

لافتاً إلى أن نقض العهود يعكس نهجاً متكرراً لدى الجماعة، ويربطه بمبدأ التقية الذي يعدّ أحد ثوابت الجماعة، الذي تتخذه منطلقاً لممارسة الكذب والخداع في سبيل تمرير أجندتها واستكمال مخططاتها ومضاعفة قوتها باستخدام وسائل التضليل وتزوير الوقائع.

وتكشف التجارب أن الاتفاقات مع الجماعة الحوثية تحتاج إلى آليات قوة وتوازنات قادرة على فرض التنفيذ، تمنع فرصة تحولها إلى محطات لإدارة الصراع بدلاً من إنهائه، ومن دون تغيير حسابات السيطرة والحسم العسكري، سيظل أي اتفاق جديد معرضاً لمصير سابقاته.


تعز تحت القصف والحصار... والقطاع الصحي يقترب من الانهيار

القصف الحوثي على تعز أدى إلى مقتل وإصابة مئات المدنيين خلال أسابيع (أ.ف.ب)
القصف الحوثي على تعز أدى إلى مقتل وإصابة مئات المدنيين خلال أسابيع (أ.ف.ب)
TT

تعز تحت القصف والحصار... والقطاع الصحي يقترب من الانهيار

القصف الحوثي على تعز أدى إلى مقتل وإصابة مئات المدنيين خلال أسابيع (أ.ف.ب)
القصف الحوثي على تعز أدى إلى مقتل وإصابة مئات المدنيين خلال أسابيع (أ.ف.ب)

تواصلت المواجهات على جبهات مدينة تعز اليمنية، الاثنين، وسط قصف حوثي متواصل على المناطق السكنية وتشديد للحصار، من دون تحقيق تقدم ميداني، بالتزامن مع ضربات جوية تستهدف التعزيزات ومراكز القيادة وخطوط الإمداد التابعة للجماعة، في وقت تتفاقم فيه التداعيات الإنسانية والصحية على ملايين السكان.

وفي حين تواصل «ألوية العمالقة» و«قوات درع الوطن» الحكومية تثبيت مواقعها في جبال كهبوب ومحيط باب المندب، تصاعدت الهجمات الصاروخية الحوثية، لتضيف تهديداً جديداً للنازحين والمدنيين في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية.

وأعلنت القوات المسلحة اليمنية عن تنفيذ 753 عملية استهداف دقيقة ومباشرة خلال الساعات الـ24 الماضية، ضمن عملية «فجر اليمن»، استهدفت القدرات العسكرية للحوثيين، وفق ما ذكره المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة العقيد الركن ماجد النزيلي.

وقال إن العمليات طالت مراكز قيادة وسيطرة ميدانية، وهيئات حاكمة، وتحصينات ومصادر نيران، إلى جانب تجمعات وتعزيزات ووسائل حركة وإمداد، مشيراً إلى أن ذلك أسهم في تعطيل دفع قوات الجماعة إلى المعركة، وإسناد عمليات القوات الحكومية في مختلف المحاور.

وأضاف النزيلي أن الاستهدافات أسفرت عن تحييد نحو 218 عنصراً من الجماعة وقياداتها الميدانية، وتدمير أو إعطاب 78 عربة وآلية ووسيلة عسكرية، إلى جانب قطع من الأسلحة الثقيلة والمتوسطة. وأكد استمرار العمليات لاستهداف قدرات الحوثيين على الحشد وإعادة التنظيم، مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين والأعيان المدنية.

قصف المدنيين

في المقابل، وثقت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» 42 جريمة وانتهاكاً قالت إن الحوثيين ارتكبوها في محافظة تعز خلال 48 ساعة، بالتزامن مع إطلاق نحو 369 مقذوفاً على مناطق سكنية؛ ما أسفر عن مقتل 4 مدنيين وإصابة 7 آخرين، بينهم طفلتان تبلغان 14 عاماً، وفق تقرير أصدرته الاثنين.

وأفادت «الشبكة» بأن الانتهاكات شملت اختطاف 8 مواطنين من منازلهم ومحالهم التجارية في منطقة الكلائبة بمديرية المعافر، واقتيادهم إلى مدينة الصالح، بينهم شخص قالت إنه استُدرج بحجة وجود عفو عام. كما تحدثت عن مداهمات وترهيب وضغوط لتجنيد العشرات من أبناء المنطقة، ونهب 8 منازل، واعتداءات على منازل في الأقروض.

آثار قصف حوثي استهدف أحد المنازل في تعز المحاصرة (أ.ب)

وشملت الوقائع، وفق التقرير، اقتحام منزل العقيد طه القدسي في قرية البطنة بعزلة قدس بمديرية المواسط ونهب محتوياته، إلى جانب قصف منزل فؤاد التبوكي في رأس النقيل بالأقروض من موقع تبة المنارة؛ ما ألحق أضراراً كبيرة بجهته الجنوبية.

تداعيات إنسانية

لا تقتصر تداعيات القصف والحصار الحوثيين على الخسائر المباشرة؛ إذ تقول الشبكة الحقوقية إن القيود المفروضة على الحركة والإمدادات تعرقل وصول المرضى والجرحى إلى المستشفيات، وتحد من قدرة المرافق الصحية على مواصلة العمل في ظل نقص الأدوية والوقود والمستلزمات الطبية.

وحذرت «الشبكة» بأن القطاع الصحي في تعز يواجه ضغوطاً متصاعدة تهدد استمرارية خدمات أساسية، مشيرة إلى أن نحو 1280 مريضاً بالفشل الكلوي معرضون لانقطاع العلاج بسبب نقص مستلزمات الغسل، في وقت تحتاج فيه المرافق إلى توفير 140 جلسة يومياً. كما يهدد نقص الوقود والإمدادات الطبية حياة 192 مريضاً في أقسام العناية المركزة و154 طفلاً في الحاضنات.

تعز تعيش أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة من جراء نقص الأدوية والوقود (أ.ف.ب)

وذكر التقرير أن مستشفيين و4 مراكز طبية و3 مخازن طبية تضررت، بينها «مستشفى الصفوة» الذي يقدم خدماته لأكثر من 50 ألف مريض. وأشار إلى أن 42 مرفقاً صحياً تعاني نقصاً حاداً في الإمدادات، وأن المستشفيات وسيارات الإسعاف تحتاج إلى أكثر من 156 ألف لتر من الوقود شهرياً لضمان استمرار الخدمات، وسط تعطل مولدات كهربائية وانقطاع التيار العام.

وفي تطور موازٍ، قال وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، إن سقوط صاروخين أطلقهما الحوثيون بالقرب من مخيمات النازحين في منطقة صلاح الدين بمحافظة عدن يشكل تهديداً لحياة مئات الأسر التي غادرت منازلها هرباً من الانتهاكات، لتجد نفسها مجدداً في دائرة الخطر.

وأضاف الإرياني أن استهداف محيط مخيمات النزوح بالصواريخ يضاعف معاناة النساء والأطفال وغيرهم من الفئات الأكبر ضعفاً، داعياً إلى اتخاذ إجراءات لحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.


الحوثيون يحوِّلون إب إلى خزان بشري للتجنيد ومنصة للصواريخ

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يحوِّلون إب إلى خزان بشري للتجنيد ومنصة للصواريخ

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

تستنزف الجماعة الحوثية السكان في محافظة إب اليمنية، عبر الزج بهم إلى جبهات تعز، بالتوازي مع توسيع استخدامها المواقع العسكرية والمرتفعات الجبلية داخل المحافظة منصات لإطلاق الصواريخ الباليستية، في مسار يفاقم المخاطر المحيطة بالسكان.

وأفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن الجماعة دفعت، للمرة الثالثة خلال أقل من شهر، بتعزيزات عسكرية جديدة من إب نحو جبهات تعز، في مؤشر على استمرار اعتمادها على استقطاب أبناء المحافظة لتعويض خسائرها البشرية، ورفد خطوط المواجهة بمقاتلين جدد، وسط صعوبات متزايدة في تجنيد مزيد من السكان والقبائل في مناطق سيطرتها.

وتكشف هذه التحركات المتكررة، وفق المصادر، عن تصاعد حاجة الجماعة إلى تعويض خسائرها في الجبهات عبر توسيع حملات التجنيد واستنزاف الموارد البشرية للمحافظات الخاضعة لسيطرتها، في وقت تتحمل فيه آلاف الأسر أعباء فقدان أبنائها ومعيليها، فضلاً عن التداعيات المعيشية والاجتماعية الناجمة عن استمرار الزج بالشبان في القتال.

حوثيون يشيِّعون أحد قادتهم بعد مقتله في المواجهات مع الجيش اليمني (أ.ف.ب)

وأفادت مصادر مطلعة بأن محافظة إب تصدَّرت خلال الفترة الأخيرة قائمة المحافظات التي تعتمد عليها الميليشيات الحوثية في رفد جبهات تعز بالمقاتلين، تليها ذمار، ثم العاصمة المختطفة صنعاء وريفها، ومحافظة عمران.

استدراج للقتال

يروي شاب من مدينة إب، تمكَّن من الفرار قبل أيام من إحدى جبهات القتال في تعز، جانباً من أساليب الاستقطاب التي تتبعها الميليشيات لتجنيد الشبان ودفعهم إلى المعارك، تحت شعارات لا تعكس حقيقة المهام الموكلة إليهم.

وقال الشاب إنه التحق بدورة عسكرية بعدما أُوهم بأنها تهدف إلى الإعداد لمواجهة إسرائيل، قبل أن يجد نفسه مرسلاً إلى جبهة تعز للقتال ضد أبناء محافظة تجمعهم بأبناء إب روابط الأخوة والجوار.

جانب من تعزيزات حوثية سابقة شرق محافظة إب (إعلام محلي)

وأضاف: «قالوا لنا إن القتال في تعز جزء من التدريب، وإننا سنذهب بعد ذلك إلى فلسطين، ولكن الأيام مرَّت ولم يحدث شيء من ذلك».

ولا يقتصر الاستخدام الحوثي لمحافظة إب على استقطاب المقاتلين؛ بل يمتد إلى توظيف أراضيها ومواقعها العسكرية في العمليات القتالية. وأفادت مصادر محلية وسكان بأن الجماعة حوَّلت، خلال الفترة الأخيرة، مواقع عسكرية ومرتفعات جبلية إلى منصات لإطلاق الصواريخ الباليستية باتجاه تعز ومحافظات أخرى.

وتشمل المواقع، وفق المصادر، معسكري الحمزة والأمن المركزي، وجبل التعكر، إلى جانب مواقع زراعية ومرتفعات جبلية في مديريات السياني والسبرة وجبلة، وهي تحركات تثير مخاوف من تعريض المناطق المحيطة والسكان وممتلكاتهم لمخاطر التصعيد العسكري.

تأجيج التوتر

اتهم ناشطون يمنيون قيادات حوثية بتغذية التوتر بين أبناء إب وتعز، من خلال تكثيف حملات التجنيد في القرى والمديريات، ثم إرسال المجندين إلى جبهات القتال في تعز، بالتزامن مع استخدام مواقع داخل المحافظة لإطلاق الصواريخ باتجاه مناطق أخرى.

وحذَّر الناشطون من أن استمرار هذه السياسات يهدد بنقل تداعيات الصراع من ساحات المواجهة إلى النسيج الاجتماعي للمحافظتين اللتين تربط أبناءهما علاقات الجوار والتاريخ والمصالح المشتركة. وأكدوا أن تحويل هذه الروابط إلى مسارات للتحشيد والقتال يفاقم معاناة السكان، ويعرِّض مزيداً من الأسر لخسارة أبنائها، ويغذي الانقسامات داخل المجتمعات المحلية.

قوات حكومية في تعز تخوض مواجهات ضد الحوثيين في أكثر من جبهة (أ.ف.ب)

ودعا الناشطون الوجهاء والأسر في إب إلى التصدي لحملات الاستقطاب الحوثية، وحماية أبنائهم من الاستدراج إلى جبهات القتال؛ خصوصاً في تعز، محذرين من استغلال الشعارات التعبوية لتجنيد الشبان ودفعهم إلى مواجهات تتحمل الأسر والمجتمعات المحلية تكلفتها البشرية والاجتماعية.

وشددوا كذلك على ضرورة منع تحويل المناطق السكنية ومحيطها إلى مواقع للاستخدام العسكري ومنصات لإطلاق الصواريخ الباليستية، لما قد يترتب على ذلك من مخاطر على المدنيين وممتلكاتهم.

وأكدوا أن حماية المحافظة تبدأ برفض التجنيد القسري أو التضليلي، وإبعاد التجمعات السكانية عن العمليات القتالية، وعدم السماح بتحويل المجتمع المحلي إلى مصدر دائم للمقاتلين أو منطلق للهجمات.