محكمة بلجيكية تقضي بسجن دبلوماسي إيراني بتهم الإرهاب

القاضي أشار إلى تورط طهران... ودعوات لإغلاق السفارات الإيرانية في أوروبا و«مجاهدين خلق» تعدّ المحاكمة «تاريخية»

محامي الادعاء جورج هنري بوتييه يتحدث للصحافيين عقب انتهاء المحكمة في أنتويرب أمس (أ.ف.ب)
محامي الادعاء جورج هنري بوتييه يتحدث للصحافيين عقب انتهاء المحكمة في أنتويرب أمس (أ.ف.ب)
TT

محكمة بلجيكية تقضي بسجن دبلوماسي إيراني بتهم الإرهاب

محامي الادعاء جورج هنري بوتييه يتحدث للصحافيين عقب انتهاء المحكمة في أنتويرب أمس (أ.ف.ب)
محامي الادعاء جورج هنري بوتييه يتحدث للصحافيين عقب انتهاء المحكمة في أنتويرب أمس (أ.ف.ب)

في سابقة تشهدها المحاكم الأوروبية، أدانت محكمة في بلجيكا الدبلوماسي الإيراني أسد الله أسدي بالتخطيط لعملية إرهابية في فرنسا، وأنزلت به أقصى عقوبة وهي السجن لـ20 عاماً. ووجهت الادعاء لأسدي (49 عاماً)، الذي كان يشغل منصب القنصل الثالث في سفارة إيران بفيينا، اتهامات بترؤسه خلية إرهابية، والتدبير لتفجير مؤتمر للمعارضة الإيرانية في فيلبانت بضواحي باريس عام 2018.
ورغم أن المحكمة أكدت ثبوت تورط أجهزة المخابرات الإيرانية بالخلية الإرهابية، فإنها قالت إن اختصاصها يقتصر على محاكمة الخلية وليس النظام الإيراني. وهذه المرة الأولى التي تحاكم فيها أوروبا مسؤولاً إيرانياً لعمليات إرهابية على أراضيها.
وقال محامي الادعاء جورج هنري بوتييه تعليقاً على الحكم، بأنه «يظهر أمرين: الأول أن الدبلوماسيين لا يتمتعون بالحصانة لأعمال إجرامية، والآخر يؤكد على مسؤولية الدولة الإيرانية لما كان يمكن أن يكون مذبحة».
ووصفت المعارضة الإيرانية الحكم بـ«التاريخي»، وقال شاهين عبادي، من مجلس المقاومة الوطنية، لدى خروجه من قاعة المحكمة، إن «الحكم أظهر بوضوح أن النظام الإيراني مسؤول عن العملية»، مضيفاً «من الواضح أن النظام الإيراني يستخدم إرهاب الدولة، والآن حان الوقت للدول الأوروبية لدعوة السفراء الإيرانيين وإغلاق السفارات؛ لأن المحاكمة أثبتت بأن النظام الإيراني يستخدم السفارات للتحضير لعمليات إرهابية، وهو نجح بذلك بسبب المقاربة اللينة من الدول الأوروبية».
وإضافة إلى أسدي، أنزلت المحكمة عقوبات بالسجن على 3 عملاء خططوا مع أسدي لتفجير مؤتمر المعارضة، وهم يحملون الجنسية البلجيكية وهم من أصول إيرانية. وتفيد لائحة الاتهام، بأن التحقيق كشف عن أن الأسدي هو في الواقع عميل للاستخبارات الإيرانية «يعمل تحت غطاء دبلوماسي»، وأنه نسق هذه الخطة الإرهابية معتمداً على ثلاثة شركاء، هم الزوجان المقيمان في أنتويرب، ومعارض إيراني سابق هو شاعر مقيم في أوروبا.
وحكمت محكمة أنتويرب على نسيمة نعامي بالسجن 18 عاماً، وعلى زوجها أمير سعدوني بالسجن 15 عاماً، وعلى معاون ثالث يدعى مهرداد عارفاني بالسجن 17 عاماً، إضافة إلى تجريد الثلاثة من الجنسية البلجيكية.
ولم يحضر أسدي جلسة الاستماع للحكم، كما كان غاب عن كل الجلسات السابقة للمحاكمة، وبقي ماكثاً في زنزانته. وهو يرفض المثول أمام المحكمة لأنه «لا يعترف بمحاكمته» كما يقول محاميه الذي يمثله، على اعتبار أنه دبلوماسي ويتمتع بحصانة من المفترض أن تحميه من المحاكمة. ولكن القاضي رفض هذا الدفاع، وقال بأن حصانته تقتصر على الدولة التي يعمل بها، وهي النمسا. وعندما اعتقل كان في ألمانيا ولم يكن في مهمة دبلوماسية؛ ما يعني بأن حصانته لم تكن سارية حينها.
وقال القاضي في تلاوته للحكم، إنه «من المؤكد أن الأوامر وردت من طهران لأسدي»، وأن الأموال التي دفعها إلى الزوجين نعامي وسعدوني «لم يسددها من ماله الخاص». ورغم الإدانة الواضحة من القاضي للنظام الإيراني، فهو أشار إلى أن اختصاص المحكمة يقتصر على محاكمة الخلية الإرهابية.
ووصف القاضي القنبلة التي ضبطت بجوزة الزوجين قبل ساعات من تفجيرها، بأنها كانت «قوية جداً»، في إشارة إلى أنها كانت ستتسبب في وقوع كثير من الضحايا. وكان المحققون أكدوا بأن القنبلة على درجة عالية من الحرفية، في حين أكد المدعي العام بأن أسدي جلبها معه في حقيبته الدبلوماسية من طهران على متن طائرة تجارية وسلمها للزوجين في مطعم «بيتزا هات» في لوكسمبورغ قبل يوم من العملية المفترضة. ورفض القاضي بذلك دفاع الزوجين بأنهما لم يكونا على دراية بأن القنبلة كانت حقيقية ستحدث أضراراً، بل اعتقدا بأنها مجرد «قنبلة صوتية».
وفي حين تعاون «العملاء» الثلاثة مع المحققين، رفض أسدي الكلام، إلا مرة واحدة عندما طلب هو الحديث مع المسؤول عن التحقيق ليبلغه «رسالة تهديد» بحسب بيان المحققين الذين تحدثوا إليه، واطلعت «الشرق الأوسط» عليه. وقال أسدي للمحققين بأن هناك الكثير من الجماعات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط، وسمى منها لبنان، وسوريا، والعراق، واليمن، الذي قال بأنهم «مهتمون بمخرجات محاكمته»، وأنهم قد يتصرفون «بحسب الحكم الذي يصدر»، في حال لم يكن لصالحه.
ورفضت طهران الاتهامات الموجهة إلى أسدي، وتقول بأنه تم انتهاك حقوقه وحصانته كدبلوماسي. وقد زار أسدي في السجن العام الماضي وفد إيراني رسمي كبير ضم أكثر من 30 مسؤولاً، من بينهم 5 قدموا من طهران وعرّفوا عن أنفسهم بأنهم يعملون في الخارجية الإيرانية. ولكن الشرطة البلجيكية دونت في محضر الزوار ملاحظة بأنها لم تتمكن من التأكد من هذه المعلومة. ولاحقا، قالت المعارضة الإيرانية بأن هؤلاء هم مسؤولون في وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية وليس الخارجية.
ومنحت المحكمة أسدي والمحكوم عليهم الثلاثة مهلة 4 أشهر للطعن بالحكم واستئناف المحاكمة.
وإضافة إلى محاكمته في بلجيكا، تحقق السلطات الألمانية بشبهات تتعلق بإدارة أسدي لشبكة تجسس واسعة في أوروبا وألمانيا خاصة؛ وذلك استناداً إلى أدلة دفعتها الشرطة الألمانية من سيارته عندما اعتقلته في ولاية بافاريا عام 2018، قبل أن تسلمه لبلجيكا. ومن الأدلة التي عثرت عليها، كتيب يتضمن نحو 300 عنوان موزعة في 11 دولة أوروبية، ولكن الجزء الأكبر منها في ألمانيا. وهو ما دفع المحققين الألمان للشك بأن هذه العناوين المصحوبة بتواريخ، هي عناوين وأوقات لقائه بعملاء إيرانيين في أوروبا. ويعتقد المحققون بأنه كان يدير شبكة العملاء هذه لصالح وزارة الاستخبارات الإيرانية.
وإضافة إلى هذه العناوين، عثرت الشرطة في سيارته على وصولات لمبالغ مالية دفعت لأشخاص كتبت أسماؤهم الأولى فقط، كانت نشرت «الشرق الأوسط» صوراً عنها. ومن بين ما عثر عليه معه أيضاً، كتيب آخر يحوي كلمات سر وتفاصيل تجميع القنبلة التي يبدو أنها كانت إرشادات بلغ بها الزوجين عندما التقى بهما قبل 3 أيام من اعتقاله وسلمهما القنبلة.
وكانت الشرطة الألمانية والفرنسية والبلجيكية قد تلقت معلومات من «جهز استخبارات صديق» حول نية الزوجين تفجير مؤتمر المعارضة وحول تنسيقهما مع أسدي، فبدأت عملية المراقبة التي أدت إلى القبض على الخلية ومنع تفجير مؤتمر المعارضة الذي شارك فيها عشرات الآلاف من الإيرانيين ومسؤولين غربيين، من بينهم كان رودي جولياني، محامي الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب.
- ماذا جرى في يونيو 2018؟
كان يفترض أن يستهدف تفجير في 30 يونيو (حزيران) 2018 في فيلبانت بالقرب من باريس، التجمع السنوي الكبير للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، وهو تحالف من المعارضين يضم في صفوفه حركة «جاهدين خلق».
في اليوم نفسه، أوقفت الشرطة البلجيكية زوجين بلجيكيين من أصل إيراني يعيشان في أنتويرب بالقرب من بروكسل وبحوزتهما 500 غرام من بيروكسيد الاسيتون المتفجر وصاعق في سيارتهما.
وجرى توقيفهما في اللحظة الأخيرة وتمكنت المعارضة من عقد تجمعها الذي يحضره عشرات الآلاف من أنصارها، إلى جانب شخصيات مهمة ومسؤولين أوروبيين وغربيين، بينهم رودي جولياني، محامي الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب. والفرنسية - الكولومبية إنغريد بيتانكور التي كانت رهينة في الماضي لدى القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك). وقالت رئيسة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية مريم رجوي «لو نجحوا، لكانت كارثة».
أُوقف الأسدي الذي كان دبلوماسياً في السفارة الإيرانية في فيينا، في الأول من يوليو (تموز) في ألمانيا. وقُدمت صور يظهر فيها في 28 يونيو في لوكسمبورغ وهو يسلم طرداً يحتوي على القنبلة للزوجين البلجيكيين الإيرانيين. وسلم الدبلوماسي إلى بلجيكا في أكتوبر (تشرين الأول) 2018.



تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
TT

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أهمية تنفيذ خطة السلام في غزة وضمان استمرار وقف إطلاق النار والبدء في إعادة إعمار القطاع، والحفاظ على وصول مستدام للمساعدات الإنسانية لسكان القطاع.

وقالت مصادر تركية إن إردوغان والملك عبد الله بحثا، خلال لقائهما في المكتب الرئاسي بقصر دولمه بهشه في إسطنبول، السبت، العلاقات بين بلديهما وسبل تعزيزها في مختلف المجالات، وتناولا القضايا والتطورات الإقليمية والدولية.

وعقد إردوغان والملك عبد الله جلسة مباحثات ثنائية، أعقبها جلسة موسعة بمشاركة وفدي البلدين، بعد وصول العاهل الأردني في زيارة قصيرة تلبية لدعوة من الرئيس التركي.

وتناولت المباحثات بالتفصيل تطورات الأوضاع في قطاع غزة وتنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام، وشددا على ضرورة استمرار وقف إطلاق النار ورفض الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، واستدامة وصول المساعدات الإنسانية ورفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين.

كما تناولت المباحثات التطورات في سوريا، وأكد إردوغان والملك عبد الله ضرورة الحفاظ على وحدة أراضي سوريا وسيادتها ورفض أي محاولات لهز استقرارها، وضمان عودة السوريين إلى بلادهم بشكل طوعي وآمن.

جانب من المباحثات الموسعة بين إردوغان وعاهل الأردن بحضور وفدي البلدين (الرئاسة التركية)

وبحسب المصادر، ناقشت المباحثات الثنائية والموسعة مختلف التطورات في المنطقة وأكد الجانبان استمرار التعاون والعمل معاً لضمان الاستقرار في المنطقة.

وشارك في المباحثات من الجانب التركي وزيرا الخارجية هاكان فيدان، والدفاع يشار غولر، ورئيس المخابرات إبراهيم كالين، ومستشار رئيس الجمهورية للشؤون الخارجية والأمنية عاكف تشاغطاي كيليتش، ونظراؤهم من الجانب الأردني.

وجاءت زيارة العاهل الأردني لتركيا، غداة استئناف حركة الشحن البري باتجاه تركيا واليونان عبر بوابة «جيلوه غوزو» (باب الهوى) الحدودية بين تركيا وسوريا، بعد توقف استمر 15 عاماً.

وجاءت الخطوة نتيجة جهود وتنسيق مشترك بين وزارتي النقل في البلدين أدت إلى إزالة جميع العقبات الجمركية والإجرائية، حيث دخلت 3 شاحنات الأراضي التركية، الجمعة، في خطوة تجريبية عبر البوابة الحدودية.

وينتظر أن تشكل هذه الخطوة قفزة نوعية في خريطة النقل البري الإقليمي وإحياء لشريان تجاري مهم يربط الأردن بالقارة الأوروبية عبر الأراضي السورية والتركية، من خلال معبري جيلوه غوزو (باب الهوى) وأونجو بينار (باب السلامة).


صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
TT

صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)

رغم وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب محادثات مسقط بأنها «جيدة جداً»، ومع كسر الشكل التفاوضي لمجرد حصول لقاء مباشر بين الوفدين الإيراني والأميركي، فإن القراءة الأكثر شيوعاً في واشنطن تميل إلى التشاؤم أكثر.

والسبب ليس ما قيل داخل الغرف بقدر ما لم يتغير خارجها: طبيعة الفجوة الاستراتيجية، وتناقض «الخطوط الحمراء»، وسقف التوقعات الذي ترفعه التهديدات العسكرية والعقوبات، ثم يعود ليصطدم بواقع نظامٍ يتقن كسب الوقت وإدارة التفاوض كأداة لتخفيف الضغط لا كطريقٍ لإنهائه.

المحادثات التي جرت في مسقط بوساطة سلطنة عمان استمرت ساعات طويلة وانتهت بتصريحات عامة من الطرفين عن «أجواء إيجابية» و«بداية جيدة»، مع توقع جولة تالية الأسبوع المقبل، بحسب ما أعلنه ترمب. وقال إن إيران «تريد إبرام صفقة»، وإن المباحثات ستُستكمل «مطلع الأسبوع المقبل».

وأشار «أكسيوس» إلى أن لقاءً مباشراً حصل بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومبعوثي الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. لكن هذا «التقدم الشكلي» لم يبدد الشكوك حول أن الجولة قد تكون افتتاحاً لمسار طويل من الجولات، أي ما تخشاه واشنطن وحلفاؤها تحديداً.

صورة مركبة لاستقبال وزير خارجية عُمان البوسعيدي نظيره الإيراني عراقجي (يمين) ثم استقباله ويتكوف وكوشنر قبل بدء المباحثات في مسقط أمس (إ.ب.أ)

عقدة «الصفر»

جوهر التشاؤم يبدأ من سؤال واحد: ما الحد الأدنى الذي سيعتبره الطرفان «صفقة»؟ في المقاربة الأميركية التي يكررها ترمب، هناك مطلب مُبسط ومطلق: «لا سلاح نووي» ويُترجم عملياً لدى فريقه إلى خط أحمر على التخصيب.

في المقابل، ترى طهران أن التخصيب جزء من السيادة ورمز للاستقلال، وتعتبر التنازل عنه هزيمة سياسية داخلية لا تقل كلفة عن العقوبات نفسها. هذه الثنائية (صفر مقابل حق) تجعل مساحات التسوية ضيقة بطبيعتها: حتى لو وجد حل تقني وسط (نسب وسقوف ورقابة)، فإن الغلاف السياسي لكل طرف يدفعه إلى التصلب.

الصحف الأميركية تناولت هذه المعضلة، ولخص تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» المعضلة برقم واحد: «صفر»، بوصفه التعريف العملي لمطلب «صفر تخصيب»، محذّراً من أن الإصرار عليه قد يتحول إلى «جرعة سم» قد تقتل التفاوض مهما كانت الأجواء الإيجابية.

السبب الثاني للتشاؤم مؤسسي بحت: مَن يملك القرار النهائي في طهران؟ حتى لو تفاوض عباس عراقجي بمرونة، يبقى اختبار أي تفاهم هو قدرته على عبور مراكز القوة وصولاً إلى المرشد علي خامنئي. وهذا ليس تفصيلاً؛ إنه ما يجعل الدبلوماسية مع إيران بطيئة بطبيعتها، وأحياناً «مجزّأة» إلى رسائل متناقضة بين ما يقوله المفاوض وما تسمح به دوائر القرار.

هذا المعنى ظهر حتى في الخطاب الأميركي الداخلي: افتتاح التفاوض لا يُعامل كإنجاز بحد ذاته، بل كمرحلة لاختبار «النية» و«القدرة على الالتزام». وفي مثل هذه البيئة، أي تنازلٍ يُقرأ داخل إيران على أنه رضوخ تحت التهديد، خصوصاً مع الحشد العسكري، الذي قد يدفع النظام إلى التصلب بدل المرونة.

شراء الوقت؟

يُفترض أن الجمع بين «الجزرة والعصا» يُسرّع التفاهم. لكن في الحالة الإيرانية غالباً ما ينتج أثراً مزدوجاً: يرفع ضغطاً اقتصادياً ونفسياً قد يدفع طهران للعودة إلى الطاولة. وفي الوقت نفسه يمنحها حافزاً لاستخدام الطاولة لتخفيف الضغط دون حسم الملفات، أي استراتيجية «إدارة الأزمة» لا حلّها.

هنا يتقاطع تشاؤم المنتقدين مع ما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، في افتتاحية تتهم إيران بالعودة إلى أسلوب «المماطلة التفاوضية»: جولات متتابعة من دون تنازلات جوهرية، مع رفضٍ لإنهاء التخصيب أو نقلِه للخارج، ورفضٍ، بحسب الافتتاحية، لمنح ضمانات أو عمليات تحقق كافية بعد الضربات السابقة على منشآت نووية.

وفي يوم المحادثات نفسه، تزامن المسار الدبلوماسي مع مزيد من ضغط «العصا»: عقوبات أميركية جديدة مرتبطة بـ«أسطول الظل» النفطي الإيراني. هذا التزامن قد يكون رسالة تفاوضية، لكنه أيضاً يسهّل على طهران تسويق روايتها بأن واشنطن تفاوض «تحت التهديد»، ما يبرر تشدداً داخلياً.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)

«نطاق» الملفات

حتى لو انحصرت الجولة على الملف النووي، فإن التناقض البنيوي قائم: واشنطن، وفق ما نُقل، كانت تميل إلى مسارين، نووي و«أوسع» يشمل الصواريخ والشبكات الإقليمية، بينما أعلن عراقجي أن النقاش يقتصر على النووي فقط. هذا يعني أن أي «تقدم» نووي، إن حصل، قد يُستهلك سياسياً داخل واشنطن إذا بدا أنه يتجاهل ملفات يعتبرها صقور الإدارة والكونغرس جزءاً من «السلوك الإيراني» لا يمكن فصله عن النووي. لذلك يأتي التشاؤم أيضاً من داخل واشنطن: حتى لو تحقق اتفاق تقني، قد لا يملك الغطاء السياسي الكافي ليصمد، هذا من دون الحديث عن إسرائيل.

ومن دون الغرق في تفاصيل مسقط، يمكن تلخيص معيار النجاح في الجولة المقبلة بـ3 إشارات لا تحتاج إلى بيانات مطولة: لغة واضحة حول التخصيب، تتجاوز مفردات «الحق» أو «الصفر» كشعارات، بل صيغة عملية قابلة للقياس والتحقق والجدولة. إطار تحقق عبر عودة جدية للرقابة والوصول، لأن أي اتفاق بلا تحقق سيُعامل كهدنة مؤقتة لا كصفقة. تسلسل العقوبات مقابل الخطوات، بحيث إذا لم تُحسم آلية رفع أو تعليق العقوبات مقابل خطوات نووية محددة، ستبقى كل جولة مجرد «استماع متبادل».

لهذا، تبدو مفارقة مسقط منطقية: يمكن لترمب أن يصف المحادثات بـ«الجيدة» لأنها فتحت باباً مباشراً وأعادت اختبار الدبلوماسية تحت سقف التهديد. لكن التشاؤم يسود لأن الاختبار الحقيقي ليس الجوّ، بل القدرة على كسر عقدة الصفر، وتأمين التحقق، ومنع إيران من تحويل التفاوض إلى مساحة زمنية آمنة لإعادة التموضع، وهي مهارة راكمتها طهران تاريخياً، وتخشى واشنطن اليوم أن تعود إليها بحلتها المعتادة.


رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
TT

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)

نقلت وسائل إعلام إيرانية عن رئيس هيئة الأركان، اللواء عبد الرحيم موسوي، قوله إن بلاده لن تبدأ الحرب أبداً، لكنها لن تتردَّد لحظة في الدفاع الحاسم عن أمنها القومي في حال تعرُّضها لأي تهديد.

وأضاف أن أي عمل عسكري يهدف إلى فرض الحرب على إيران سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع وتفاقم الأزمة في جميع أنحاء المنطقة، محذراً من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليميَّين.

وأكد رئيس الأركان، بحسب الإعلام الإيراني، أن إيران تحتفظ بحقها الكامل في الرد، وأن قواتها المسلحة في جاهزية تامة للتعامل مع أي تطورات أو تهديدات محتملة.

وجاءت تصريحات موسوي غداة مفاوضات عُقدت مع واشنطن في مسقط.